|
كتاب
: دور الشيعة في بناء الحضارة
الإسلامية : لآية
الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )[1] الحلقة
العاشرة /
قدماء الشيعة و العلوم
العقلية :
جاء الإسلام ليحرر عقل الإنسان و
تفكيره من الأغلال المتراكمة الموروثة
التي توارثها قهراً من الأجيال الماضية
، فهو يخاطب العقل و يدعوه إلى التأمل و
التفكير ، و يخاطب القلب و الضمير بما
حوله من الأدلة الناطقة ، و يكفي في
توضيح ذلك أن الذكر الحكيم استعمل مادة (
العقل ) بمختلف صورها 47 مرة و ( التفكر ) 18
مرة و ( اللب ) 16 مرة و ( التدبر ) 4 مرات ) و (
النُهى ) مرتين . فبذلك نهى عن التقليد و
حث على التعقل ببيانات مختلفة .
فتارة يدعو الإنسان إلى التأمل في
ما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل
ناطقة على وجوده سبحانه و صفاته . قال
سبحانه : ( ءأنتم أشد خلقاً أم السماء
بناها ، رفع سمكها فسواها ، و أغطش ليلها
و أخرج ضحاها ، و الأرض بعد ذلك دحاها ،
أخرج منها ماءها و مرعاها ، و الجبال
أرساها ، متاعاً لكم و لأنعامكم ) [2]
و أخرى يدعوه إلى التفكير و
الاستدلال المنطقي ، فقال سبحانه : ( أم
خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ، أو
خلقوا السماوات و الأرض بل لا يوقنون ) [3]
فعالج المشاكل العلمية و الفلسفية تارة
بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة
فاحصة ، و أخرى بالحث على التفكير في
المعارف بأسلوب منطقي و برهاني ، و بذلك
أيقظ عقول المسلمين و حثهم على التأمل و
التدبر في العوم المختلفة ، دون التقليد
الأعمى و التتبع غير المتبصر ، و جعل
لأولئك المكانة المتميزة .
غير أن المسلمين سوى قليل منهم
تنكبوا عن هذا الطريق ، خصوصاً في ما
يرجع إلى المعارف العليا ، فصاروا بين
مشبه و معطل ، فالبسطاء منهم بنوا
عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة
في الكتاب و السنة ، و بذلك استغنوا عن
أي تعقل و تفكر ، إلى أن بلغت جرأتهم إلى
حد قال بعضهم في الخالق : أعفوني عن
الفرج و اللحية و اسألوني عما وراء ذلك [4]
، فهؤلاء هم المجسمة و المشبهة ، و أما
غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكر
في الله سبحانه فقالوا : أّعطينا العقل
لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية ،
فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك
الربوبية فاتته العبودية ، و لم يدرك
الربوبية .[5]
فالأكثرية الساحقة في القرون
الأولى كانوا بين مشبه و معطل ، غير أنه
سبحانه شملت عنايته أمة من المسلمين
رفضوا التشبيه و التعطيل ، و سلكوا
طريقاً ثالثاً و قالوا بأنه يمكن
للإنسان التعرف على ما وراء الطبيعة بما
فيها من الجمال و الكمال عن طريقين : 1-
النظرة
الفاحصة إلى عالم الوجود و جمال الطبيعة
كما وردت في القرآن الكريم . 2-
ترتيب
المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق
العليا ، و هذا أيضاً هو الخط الذي رسمه
القرآن الكريم ، و سار على هذا الخط
الأئمة (ع) من أولهم إلى آخرهم . ترى ذلك
في كلام الإمام علي (ع) بوضوح في أحاديثه
و خطبه و رسائله ، و لا يسعنا هنا أن
نستعرض و لو بعضاً مما له (ع) في هذا
المجال ، إلا إنا نكتفي بحديث واحد . سأله سائل : هل يقدر
ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن
يصغر الدنيا أو يكبر البيضة ؟ فقال : إن
الله تبارك و تعالى لا ينسب إلى العجز ،
و الذي سألتني لا يكون [6]. إن خطب الإمام علي (ع)
و رسائله و قصار حكمه كانت هي الحجر
الأساس لكلام الشيعة و آرائهم في
العقائد و المعارف ، و لم يتوقف نشاط
الشيعة في ذلك المجال ، بل و نتيجة
لتوالي الأئمة (ع) إمام بعد إمام ، كان
يعني ذلك استمرار عين المنهج السابق
الذي ربى عليه الإمام علي (ع) شيعته ،
فواصل الأئمة من بعده (ع) في حياتهم
تربية شيعتهم فشخوا عقولهم بالدعوة إلى
التدبر و التفكر في المعارف ، حتى تربى
في مدرستهم عمالقة الفكر من عصر سيد
الساجدين إلى عصر الإمام العسكري ، تجد
أسمائهم و تآليفهم و أفكارهم في المعاجم
و كتب الرجال ، و قد نبغ في عصر أئمة أهل
البيت مفكرين بارزون أدوا لعموم
المسلمين خدمات لا تنكر ، و أشرعوا
أبواب المعرفة للباحثين و المفكرين
الذين تلوهم ، و من هؤلاء : /
متكلموا الشيعة في القرن
الثاني : 1-
زرارة
بن أعين : مولى بني عبدالله بن عمرو
السمين بن أسعد بن همام بن مرة بن ذهل بن
شيبان ، أبو الحسن : شيخ أصحابنا في
زمانه ، و متقدمهم ، كان قارئاً ، فقيهاً
، متكلماً ، شاعراً أديباً ، قد اجتمعت
فيه خصال الفضل و الدين ، صادقاً في ما
يرويه . قال
أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن
بابويه : رأيت له كتاباً في الاستطاعة و
الجبر [7]
. و قال ابن النديم : و
زرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً و حديثاً
و معرفة بالكلام و التشيع [8].
و هو من الشخصيات البازرة للشيعة التي
أجمعت الطائفة على تصديقهم ، و هو غني عن
التعريف و التوصيف . 2-
محمد
بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي :
مولى الأحول ( أبو جعفر ) كوفي ، صيرفي
يلقب بـ ( مؤمن الطاق ) …
و كان دكانه في طاق المحامل في الكوفة
، فيرجع إليه في النقد فيرد رداً
فيخرج كما يقول ، فيقال ( شيطان الطاق ) . أما منزلته في العلم
و حسن الخاطر ، فأشهر ، و قد نسبت إليه
الأشياء لم تثبت عندنا . و له كتاب ( افعل لا
تفعل ) و هو كتاب حسن كبير ، و قد أدخل فيه
بعض المتأخرين أحاديث تدل على فساد ، و
يذكر تباين أقاويل الصحابة . و له كتاب ( الاحتجاج
في إمامة أمير المؤمنين (ع) ) و كتاب
كلامه على الخوارج ، و كتاب مجالسه مع
أبي حنيفة و المرجئة …
[9] و قال ابن النديم : و
كان متكلماً حاذقاً ، و له من الكتب كتاب
الإمامة ، كتاب المعرفة ، كتاب الرد على
المعتزلة في إمامة المفضول ، كتاب في
أمر طلحة و الزبير و عائشة [10]. 3-
هشام
بن الحكم : قال ابن النديم : هو من متكلمي
الشيعة الإمامية و بطانتهم ، و ممن دعا
له الصادق (ع) ، فقال : ( أقول لك ما قال
رسول الله لحسان : لا تزال مؤيداً بروح
القدس ما نصرتنا بلسانك ) . و هو الذي فتق الكلام
في الإمامة ، و هذب المذهب ، و سهل طريق
الحجاج فيه ، و كان حاذقاً بصناعة
الكلام حاضر الجواب [11]
. و يقول الشهرستاني :
و هذا هشام بن الحكم ، صاحب غور في
الأصول ، لا ينبغي أن يغفل عن الزاماته
على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما يلزم
به على الخصم ، و دون ما يظهره من
التشبيه ، و ذلك أنه ألزم الغلاة …
[12]. و قال النجاشي : هشام
بن الحكم ، أبو محمد مولى كندة ، و كان
ينزل بني شيبان بالكوفة ، انتقل إلى
بغداد سنة 199هـ ، و يقال : إنه مات في هذه
السنة ، له كتاب يرويه جماعة . ثم ذكر
أسماء كتبه فبلغت ثلاثون كتاباً [13]
. و أما أحمد أمين
فيقول عنه : أكبر شخصية شيعية في الكلام
، و كان جداً قوي الحجة ، ناظر المعتزلة
و ناظروه ، و نقلت له كتب الأدب مناظرات
كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهيته و
قوة حججه . إن الرجل كان في
بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر
الديصاني ، صاحب النزعة الإلحادية في
الإسلام ، ثم تبع الجهم بن صفوان الجبري
المتطرف المقتول بترمذ عام 128هـ ، ثم لحق
بالإمام الصاد (ع) و دان بمذهب الإمامية
، و ما تنقل منه من الآراء التي لا توافق
أصول الإمامية ، فإنما هي راجعة إلى
العصرين اللذين كان فيهما على النزعة
الإلحادية أو الجهمية ، و أما بعد ما لحق
بالإمام الصادق (ع) فقد انطبعت عقليته
بمعارف أهل البيت إلى حد كبير ، حتى صار
أحمد المناضلين عن عقائد الشيعة
الإمامية [14]. 4-
قيس
الماصر : أحد أعلامك المتكلمين ، تعلم
الكلام من علي بن الحسين (ع) . روى الكليني : إنه
أتي شامي إلى أبي عبدالله الصادق (ع)
ليناظر أصحابه ، فقال (ع) ليونس بن يعقوب
: أُنظر من ترى بالباب من المتكلمين … إلى أن قال يونس
: فأدخلت زرارة بن أعين و كان يحسن
الكلام ، و أدخلت الأجول و كان يحسن
الكلام ، و ادخلت هشام بن الحكم و هو
يحسن الكلام ، و أدخلت قيس الماصر و كان
عندي أحسنهم كلاماً و قد تعلم الكلام من
علي بن الحسين (ع) .[15] 5-
عيسى
بن روضة حاجب المنصور : قال عنه النجاشي :
كان متكلماً ، جيد الكلام ، و له كتاب في
الإمامة . و قد قرأت في بعض الكتب : إن
المنصور لما كان بالحيرة ، تسمع على
عيسى بن روضة ، و كان مولاه و هو يتكلم في
الإمامة فأعجب به و استجاد كلامه . [16] 6-
الضحاك
، أبو مالك الحضرمي : كوفي عربي ، أدرك
أبا عبدالله (ع) و قال قوم من أصحابنا :
روى عنه ، و قال آخرون : لم يرو عنه ، روى
عن أبي الحسن ، و كان متكلماً ثقة ثقة في
الحديث ، و له كتاب في التوحيد رواه عنه
علي بن الحسن الطاطري [17]
. و قال ابن النديم : من
متكلمي الشيعة ، و له مع أبي علي الجبائي
مجلس في الإمامة و تثبيتها بحضرة أبي
محمد القاسم بن محمد الكوفي ، و له من
الكتب : كتاب الإمامة ، نقض الإمامة عن
أبي علي و لم يتمه . [18] 7-
علي
بن الحسن بن محمد الطائي : المعروف بـ (
الطاطري ) كان فقيهاً ثقة في حديثه ، له
كتب منها : التوحيد ، الإمامة ، الفطرة ،
المعرفة ، الولاية [19]
و غيرها . و عده بان النديم من
متكلمي الإمامية و قال : و من القدماء
الطاطري ، و كان شيعياً و له من الكتب
كتاب الإمامة حسن [20]. 8-
الحسن
بن علي بن يقطين بن موسى : مولى بني هاشم
، و قيل مولى بني أسد ، كان فقيهاً
متكلماً ، روى عن أبي الحسن و الرضا (ع) ،
و له كتاب مسائل أبي الحسن موسى (ع) [21]،
و بما أن أبا الحسن الأول توفى عام 183هـ ،
و الثاني عام 203هـ فالرجل من متكلمي
القرن الثاني و أوائل الثالث . و ذكره الشيخ في
رجاله في أصحاب الإمام الرضا (ع) . [22] 9-
حديد
بن حكيم : أبو علي الأزدي المدائني ، ثقة
، وجه ، متكلم ، روى عن أبي عبدالله ، و
أبي الحسن (ع) ، و له كتاب يرويه محمد بن
خالد [23]. 10-
فضال
بم الحسن بن فضال : و هو من متكلمي عصر
الصادق (ع) و ذكره الطبرسي في احتجاجه و
مناظراته مع أبي حذيفة ، فلاحظ .[24] إن ما ذكرناه من
أساتذة الكلام كانوا نماذج مصغرة من
تلامذة أهل البيت (ع) و خريجي مدرستهم ، و
قد اكتفينا بذكر هذه الطائفة تجنباً عن
الإطالة و الإسهاب ، و من ابتغى
الاستزادة فعليه بالمراجع التاريخية و
كتب الكلام المختلفة التي حفلت بأسماء
الأعلام الباقين ، أمثال حمران بن أعين
الشيباني و هشام بن سالم الجواليقي ، و
السيد الحميري ، و الكميت الأسدي .[25] ترقبوا
في الحلقات القادمة : متكلموا الشيعة
في القرن الثالث و الرابع [1]
الطبعة الأولى 1413هـ –
الناشر : معاونية شؤون التعليم و
البحوث الإسلامية . [2]
النازعات / 27-33 . [3]
الطور / 35-36 . [4]
الشهرستاني : الملل و النحل 1/105 ط دار
المعرفة ، لبنان . [5]
علاقة الإثبات و التفويض نقلاً عن
الحجة في بيان المحجة 33 . [6]
الصدوق : التوحيد 130 باب القدوة برقم 9 . [7]
النجاشي : الرجال 1/397 برقم 481 ، الطوسي :
الفهرست برقم 314 ، الكشي : الرجال برقم
62 ، الذهبي : ميزان الاعتدال 2 برقم 2853 . [8]
ابن النديم : الفهرست 323 . [9]
النجاشي : الرجال 2/203 برقم 887 ، الطوسي :
الرجال أصحاب الكاظم برقم 18 ، و
الفهرست للطوسي برقم 594 ، الكشي :
الرجال برقم 77. [10]
ابن النديم : الفهرست 264 و
أيضاً 258 . [11]
المصدر نفسه : 257 . [12]
الشهرستاني : الملل و النحل 1/185 . [13]
النجاشي : الرجال 2/397 برقم 1165 . [14]
إن للعلامة الحجة الشيخ عبدالله نعمة
كتاباً في حياة هشام بن الحكم ، فقد
أغرق نزعاً في التحقيق ، و أغنانا عن
كل بحث و تنقيب . [15]
الكليني : الكافي 1/171 . [16]
النجاشي : الرجال 2/145 برقم 794 . [17]
المصدر نفسه : 1/45 برقم 544 . [18]
ابن النديم : الفهرست 266 . [19]
النجاشي : الرجال 2/77 برقم 665 . [20]
ابن النديم : الفهرست 266 . [21]
النجاشي : الرجال 1/148 برقم 9 . [22]
الشيخ الطوسي : الرجال برقم 7 . [23]
النجاشي : الرجال 1/377 برقم 383 ، و ذكره
الخطيب في تاريخه ج8 برقم 4377 . [24]
التستري : قاموس الرجال 4/313 . [25]
لاحظ أعيان الشيعة 1/134 –
135 .
|