كتاب : دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية :

لآية الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )1

الحلقة الثانية

/ قدماء الشيعة و علم النحو

       إن دراسة القرآن بين الأمة و نشر مفاهيمه يتوقف على معرفة العلوم التي تعد مفتاحاً له ، إذ لولا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة ، و نشرها في ربوع العالم غير ميسور جداً . بل لولا هذه العلوم و نضجها لحرم جميع المسلمين حتى العرب منهم من الاستفادة من القرآن الكريم . لأن الفتوحات فرضت على المجتمع العربي الاختلاط مع بقية القوميات و سبّب ذلك خطراً على بقاء اللغة العربية و كان العرب عند ظهور الإسلام يعربون كلامهم على النحو الذي كان في القرآن ، إلا من خالطهم من الموالي و المتعربين ، و لكن اللحن لم يكثر إلا بعد الفتوح و انتشار العرب في الآفاق ، فشاع اللحن في قراءة القرآن ، فمست الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللغة 2 .

       فقام أبو الأسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الإمام أمير المؤمنين (ع) ، فأبو الأسود إما واضع علم النحو أو مدونه ، و كان من سادات التابعين ، و قد صاحب علياً و شهد معه صفين ، ثم أقام في البصرة .

       يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي : إن علياً دخل عليه أبو الأسود يوماً . قال : فرأيته مفكراً ، فقلت له : ما لي أراك مفكراً يا أمير المؤمنين ؟ قال : ( إني سمعت من بعض الناس لحناً ، و قد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب ) .

       فقلت : إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك .

       فألقى إلّي صحيفة فيها : الكلام كله إسم و فعل و حرف ، فالإسم ما دل على المسمى ، و الفعل ما دل على حركة المسمى ، و الحرف ما أنبأ عن معنى و ليس بإسم و لا فعل . و جعل يزيد على ذلك زيادات .

       قال : و استأذنته أن أصنع في النحو ما صنع ، فأذن ، و أتيته به فزاد فيه و نقص .

       و في رواية : أنه ألقى إليه الصحيفة و قال له : ( انح نحو هذه ) فلهذا سمي النحو نحواً 3

       و من المعلوم أن هذه القواعد لم تكن لتسد الحاجة الملحة ، و لكن أبا الأسود قام بإكمالها و ضبطها      و بتمييز المنصوب من المرفوع ، و الإسم من الفعل ، بعلامات نسميها الإعراب . فالروايات مجمعة على أن أبا الأسود ( و هو شيعي المذهب توفى سنة 69 هـ ) إمام مدون علم النحو أو واضعه و أضحى ما دونه مصدراً لهذا العلم في العصور اللاحقة .

       و هناك كلام لابن النديم دونك لفظه ، يقول :

       قال محمد بن إسحاق : زعم أكثر العلماء أن النحو أُخذ عن أبي الأسود الدؤلي ، و أن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .

       ثم نقل عن الطبري و قال : إنما سمي النحو نحواً لأن أبا الأسود الدؤلي قال لعلي (ع) و قد ألقى عليه شيئاً من أصول النحو ، قال أبو الأسود : و استأذنته أن أصنع نحو ما صنع . فسمي ذلك نحواً 4.

       و إذا كان أبو الأسود الدؤلي واضعاً للنحو ، فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقح له و الباسط له . قال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي : و الخليل بن أحمد ، أوحد العصر ، و فريد الدهر ، و جهبذ الأمة ، و أستاذ أهل الفطنة ، الذي لم ير نظيره ، و لا عرف في الدنيا عديله ، و هو الذي بسط النحو و مد أطنابه و سبب علله و فتق معانيه و أوضح الحجاج فيه ، حتى بلغ أقصى حدوده ، و انتهى إلى أبعد غايته و سيوافيك أن الخليل من أصحاب الإمام الصادق و من شيعته

       ثم إن علماء الفريقين شاركوا في إنضاج هذا العلم و إيصاله إلى القمة . و ليس للمنصف بخس حق طائفة لمصالح أخرى ، و لكن لما كان الهدف هو بيان دور الشيعة في تطوير  العلوم و تتبعها فإنا نذكر من ألف في علم النحو من قدماء الشيعة فقط ، و منهم :

1-           عطاء بن أبي الأسود : قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن علي : و منهم ابن أبي الأسود الدؤلي .

و قال الحافظ السيوطي في الطبقات : عطاء ، أستاذ الأصمعي و أبو عبيدة 5

2-           أبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي : قال السيوطي : و هو أول من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو و سماه الفيصل ، و هو أستاذ الكسائي و الفراء 6 .

قال النجاشي : روى هو أبوه عن أبي جعفر و أبي عبدالله (ع) و له : كتاب الوقف و البتداء ، و كتاب الهمز ، و كتاب إعراب القرآن 7 .

3-           حمران بن أعين ، أخو زرارة بن أعين : كان نحوياً إماماً فيه ، عالماً بالحديث و اللغة و القرآن ، و أخذ النحو و القراءة عن ابن أبي الأسود ، و أخذ عنه الفراء ، و كان قد أخذ الحديث عن الإمام السجاد    و الباقر و الصادق . و آل أعين بين كبير بالكوفة من أجل بيوت الشيعة ، و لأبي غالب الزراري رسالة في ترجمة آل أعين قال : كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة و كان عالماً بالنحو و اللغة 8.

4-                                     أبو عثمان المازني ، بكر بن محمد : قال النجاشي : كان سيد أهل العلم بالنحو و العربية و اللغة        و مقدمته بذلك مشهورة ، و كان منن علماء الإمامية ، قد تأدب على يد اسماعيل بن ميثم 9 ، و له في الأدب : كتاب التصريف ، كتاب ما يلحن فيه العامة ، التعليق . مات سنة 248 هـ 10 .

5-           ابن السكيت ، يعقوب لن إسحاق السكيت : كان مقدماً عند أبي جعفر ( الجواد ) و أبي الحسن         ( الهادي ) (ع) و كنا يختصانه . و له عن أبي جعفر (ع) رواية و مسائل ، و قتله المتوكل لأجل تشيعه عام 244هـ ، و أمره مشهور . و كان وجيهاً في علم العربية و اللغة ، ثقة ، مصدقاً ، لا يطعن عليه . و له كتب : إصلاح المنطق ، كتاب الألفاظ ، كتاب ما اتفق لفظه و اختلف معناه ، كتاب الأضداد ، كتاب المذكر و المؤنث ، كتاب المقصور و الممدود و 11 .

و سبب قتله : عن المتوكل سأله يوماً و هو يعلم ابنيه و قال : يا يعقوب أيهما أحب إليك ، ابناي هذان أم الحسن و الحسين ؟ فأجابه ( إن قنبراً خادم علي خير منك و من ابنيك ) فأمر المتوكل ، فسلوا لسانه من قفاه فمات ، و قد خلف بضعة و عشرين أثراً في النحو و اللغة و الشعر 12 .

6-           ابن حمدون ، أحمد بن ابراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون : قال فيه النجاشي : الكاتب النديم شيخ أهل اللغة و وجههم . أستاذ أبي العباس 13 .و كان خصيصاً بسيدنا أبي محمد العسكري و أبي الحسن قبله . له كتب . ثم ذكر كتبه 14 .

7-           أبو اسحاق النحوي ، ثعلبة بن ميمون : قال عنه النجاشي : كان وجهاً في أصحابنا ، قارئاً ، فقيهاً ، نحوياً ، لغوياً رواية ، و كان حسن العمل ، كثير العبادة و الزهد ، روى عن الصادق و الكاظم 15 .    و بما أن الإمام الكاظم توفي عام مائة و ثلاث و ثمانين ، فهو من أهل المائة الثانية .

8-           قتيبة النحوي الجعفي ، الكوفي : قال النجاشي : المؤدب ، المقرئ ، ثقة عين ، روى عن الصادق      (ع) 16.

و ذكره السيوطي في بغية الوعاة ، و وصفه في تأسيس الشيعة بأنه إمام أهل النحو و اللغة 17.

9-           ابراهيم بن أبي البلاد : قال النجاشي : كان ثقة ، قارئاً ، أديباً روى عن الصادق و الكاظم (ع) 18 .

10-         محمد بن سلمة اليشكري : قال النجاشي : جليل من أصحابنا الكوفيين ، عظيم القدر ، فقيه ، قارئ ، لغوي : رواية ،خرج إلى البادية و لقى العرب و أخذ عنهم ، و أخذ عنه يعقوب بن السكيت . ثم ذكر كتبه 19 ، و بما أنه شيخ ابن السكيت فهو من أهل المائة الثانية و أوائل الثالثة .

11-         أبو عبدالله النحوي ، الحسين بن أحمد بن خالويه : سكن حلب و مات بها ، و كان عارفاً بمذهبنا ، مع علمه بعلوم العربية ، و اللغة ، و الشعر . و له كتب ، و من كتبه : مستحسن القراءات و الشواذ ، كتاب في اللغة 20 .

و وصفه السيوطي في الطبقات : إنه إمام اللغة و العربية ، و غيرها من العلوم الأدبية ، دفن ببغداد سنة 314 هـ .

12-         أبو القاسم التنوخي : قال الشيخ رشيد الدين ابن شهر آشوب : انه من جملة الشعراء المجاهرين بالشعر في مدح أهل البيت .

و قال ياقوت : كان في النحو و حفظ الأحكام و علم الهيئة العروض قدوة ، و كان يحفظ من اللغة     و النحو شيئاً عظيماً 21 .

       ما ذكرناه نماذج من أئمة اللغة من الشيعة الإمامية في القرون الأولى ، و إما من وليهم من الأئمة فحدث عنهم  و لا حرج ، فإن ذكر أسماءهم و نبذ من حياتهم يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد ، و قد كفانا في ذلك ما كتبه السيد الصدر في هذا المجال ، فقد بلغ النهاية ، و قد ذكر أئمة النحو من الشيعة إلى القرن السابع 22 فبلغ 140 إماماً و أستاذاً و مؤلفاً في الأدب العربي ، و لا سيما النحو ، و بينهم شخصيات بارزة كالشريف المرتضى و الشريف الرضي و ابن الشجري الذي يقول في حقه السيوطي :

       كان أوحد زمانه ، و فرد أوانه في علم العربية و معرفة اللغة و أشعار العرب ، توفي عام 542هـ .

       و نجم الأئمة الرضي الأسترآبادي ، إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة .

 

تابعوا في الحلقة القادمة دور الشيعة في علوم : الصرف و اللغة و العروض .



[1] الطبعة الأولى 1413هـ

[2] جرجي زيدان : تاريخ آداب اللغة العربية 1/219

[3] حسن الصدر : تأسيس الشيعة ص 51 ، و لقد بلغ الغاية في ذلك المجال فنقل كلمات المؤرخين في ما قام به الإمام و تلميذه في تأسيس علم النحو

[4] ابن النديم : الفهرست ص 66 و للكلام صلة من أراد فليرجع إلى المصدر .

[5] تأسيس الشيعة : ص65 .

[6] المصدر نفسه : ص67 .

[7] النجاشي : الرجال 2/200 برقم 884 .

[8] أبو غالب : رسالة في آل أعين 2-3 بتلخيص .

[9] و هو من أئمة المتكلمين في الشيعة .

[10] النجاشي : الرجال 1/272 برقم 277 و ذكره ابن النديم في أخبار النحويين و اللغويين ص90 ، و الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة بغداد برقم 3529

[11] المصدر نفسه : 2/425 برقم 1215 .

[12] جرجي زيدان : تاريخ آداب اللغة العربية 1/424 و ترجمة ابن خلكان في وفياته ، و ياقوت في طبقات الآدباء و غيرهم .

[13] يريد ثعلب 200 / 291 هـ .

[14] النجاشي : الرجال 1/237 برقم 228 .

[15] المصدر نفسه : 1/294 برقم 300 ، و ذكره ابن حجر في لسان الميزان ج2 برقمم 332 .

[16] المصدر نفسه : 2/185 برقم 867 .

[17] تأسيس الشيعة : ص 76 .

[18] النجاشي : الرجال 1/102 برقم 31 .

[19] المصدر نفسه : 2/218 برقم 897 .

[20] المصدر نفسه : 1/188 برقم 159  .

[21] تأسيس الشيعة : ص91 .

[22] لاحظ تأسيس الشيعة : ص39-137 .