|
كتاب
: دور الشيعة في بناء الحضارة
الإسلامية : لآية
الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )[1] الحلقة
الرابعة /
قدماء الشيعة و طرائف الشعر : لا نريد من الشعر
في المقام الألفاظ المسبوكة ،و الكلمات
المنضدة على أحد الأوزان
الشعرية ، و إنما نريد منه ما يحتوي على
المضامين العالية في الحياة ، و ما يبث
روح الجهاد في الإنسان ، أو الذي يشتمل
على حجاج في الدين أو تبليغ للحق . و على
مثل هذا الشعر بنيت الحضارة الإنسانية ،
و هو مقياس ثقافة الأمة و رقيها ، و له
خلود عبر القرون لا تطمسه الدهور و
الأيام .
فما نقرأه في الذكر الحكيم من
التنديد بالشعراء من قوله تعالى ( و
الشعراء يتبعهم الغاوون ) [2]
، إنما يراد بذلك الشعراء المأجورين
الذين يتاجرون بالشعر فيقلبون الحقائق
، و يصنعون من الظالم مظلوماً ، و من
المظلوم ظالماً ، و لأجل ذلك قال سبحانه
: ( ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون ، و
أنهم يقولون ما لا يفعلون ) [3]
.
و من هنا فإننا نعني بحديثنا هنا
أولئك الشعراء الذين أوقفوا أشعارهم في
خدمة كلمة الحق و إعلاء شأن الدين
الحنيف . و لقد ظهرت في سماء الشعر و في
القرون الأولى للعهد الإسلامي من بين
رجالات الشيعة طائفة من الشعراء حظوا
برعاية أهل البيت (ع) و تقديرهم .
و إليك أسماء بعض من شعراء الشيعة مع
ذكر أبيات من شعرهم الخالد : 1-
قيس بن سعد بن عبادة : سيد
الخزرج ، و الصحابي الجليل ، كان زعيماً
مطاعاً ، كريماً ممدوحاً ، و كان من شيعة
علي (ع) و من أشد المتحمسين له ، بعثه
أميراً على مصر سنة 36هـ ، و هو و أبوه و
أهل بيته من الذين لم يبايعوا أبا بكر و
قالوا : لا نبايع إلا علياً [4]. و
من أشعاره التي أنشدها بين يدي أمير
المؤمنين (ع) في صفين : قلت
لما بغى العدو علينا
حسبنا ربنا و نعم الوكيل حسبنا
الذي فتح البصرة
بالأمس و
الحديث الطويل و
عليٌ إمامنا و إمامٌ
لسوانا أتي به
التنزيل يوم
قال النبي من كنت مو
لاه فهذا مولاه خطبٌ جليل إنما
قاله النبي على الأمة
حتمٌ ما فيه قال و قيل [5] 2-
الكميت بن زيد (60-126 هـ ) : شاعر
مقدم ، عالم بلغات العرب ، خبير بأيامها
، و من شعراء مضر . كان معروفاً بالتشيع
لبني هاشم ، مشهوراً بذلك ، و قد حظى
بتقدير أئمة أهل البيت لإجهاره بالحق ،
و لجهاده في سبيله ، و هاشمياته المقدرة
بـ 578 بيتاً خلدت ذكراه في التاريخ و هي
مشتملة على ميمية و بائية و رائية و
غيرها . و
إليك أبياتاً من عينيته : و
يوم الدوح دوح غدير خم
أبان له الولاية لو أُطيعا و
لكن الرجال تبايعوها
فلم أر مثلها خطراً مبيعا إلى
أن قال : أضاعوا
أمر قائدهم فضلوا
و أقومهم لدى
الحدثان ريعا تناسوا
حقه و بغوا عليه
بلا ترة و كان لهم قريعا فقل
لبني أمية حيث حلوا
و إن خفت المهند و القطيعا و
لقد طبع ديوان الكميت في غير مرة و شرحه
الأستاذ محمد شاكر الخياط و الأستاذ
الرافعي .[6] 3-
السيد الحميري ( المتوفي 173هـ
) : أبو
هاشم اسماعيل بن محمد الملقب بالسيد ،
الشاعر المعروف ، و من المكثرين
المجيدين ، و من الثلاثة الذين عدّوا
أكثر الناس شعراً في الجاهلية و الإسلام
و هم : السيد و بشار و أبو العتاهية . و
كان السيد الحميري متفانياً في حب
العترة الطاهرة فلم يكن يرى لمناوئيهم
حرمة و قدراً ، و كان يشدد النكير عليهم
في كل موقف و يهجوهم بألسن
حداد في كل حول و طول . و
من قصائده المعروفة عينيته ، و قد شرحها
عدة من الأدباء و مستهلها : لأم
عمرو باللوى مربع
طامسة أعلامها بلقع تروع
عنها الطير وحشية
و الوحش من خيفته تفزع [7] 4-
دعبل الخزاعي ( المتوفي 246هـ)
: أبو
علي دعبل بن علي الخزاعي ، من بيت علم
وفضل و أدب ، برجع نسبه إلى بديل بن
ورقاء الخزاعي الذي دعا له النبي (ص) . قال
النجاشي : أبو علي الشاعر المشهور في
أصحابنا ، صنف كتاب طبقات الشعراء ، و من
أراد التوغل في حياته و سيرته فليقرأ
النواحي الأربعة من حياته : 1-
تهالكه في ولائه لأهل البيت
(ع) . 2-
نبوغه في الشعر و الأدب و
التاريخ و تأليفه . 3-
روايته للحديث و الرواة عنه
و من يروي عنهم . 4-
سيرته مع الخلفاء ثم ملحه و
نوادره و ثم ولادته و وفاته [8]. و
إليك نزراً من تائيته المعروفة : تجاوبن
بالأرنان و الزفرات
نوائح عجم اللفظ و النطقات إلى
أن قال : هم
نقضوا عهد الكتاب و
فرضه و محكمه بالزور و الشبهات و
لم تك إلا محنة قد كشفتهم
بدعوى ضلال من هن و هنات تراث
بلا قربى و ملك بلا هوى
و حكم بلا شورى بغير هداة 5-
الأمير أبو فراس الحمداني (
320 –
257 هـ ) : أبو
الفراس الحرث بن أبي العلاء ، قال عنه
الثعالبي : كان فرد دهره ، و شمس عصره ،
أدباً و فضلاً و كرماً و نبلاً و مجداً و
بلاغة و براعة و فروسية و شجاعة ، و شعره
مشهور سائر بين الحسن و الجودة ، و
السهولة و الجزالة و العذوبة و الفخامة
و الحلاوة و المتانة [9]. و
تبعه في اطرائه و الثناء عليه ابن عساكر
. و
من قصائده المعروفة ميميته التي
مستهلها : الحق
مهتضم و الدين مخترم
و فيء آل رسول الله مقتسم و
الناس عندك لا ناس فيحفظهم
سوم الرعاة و لا
شاءٌ و لا نعم إلى
أن قال : يا
للرجال أما لله منتصر
من الطغاة أما لله منتقم بنو
علي رعايا في ديارهم
و الأمر تملكه النسوان و الخدم إلى
أن قال : ابلغ
لديك بني العباس مالكةً
لا يدعوا ملكها
العجم أي
المفاخر أمست في منازلكم
و غيركم آمر فيها و
محتكم أنّى
يزيدكم في مفخر علم
و في الخلاف عليكم يخفق العلم يا
باعة الحمراء كفوا عن مفاخركم
لمعشر بيعهم يوم الهياج دم [10] و
يطيب لي في هذا المقام أن أشير إلى أسماء
بعض من أنجبتهم مدرسة أهل البيت (ع) في
حلبة الشعر و الأدب في القرن الرابع و
الخامس ، من أناس معدودين في القمة ،
يمكن للقارئ الكريم أن يجد الشيء الكثير
عن حياتهم في دواوينهم ، أو في كتب الأدب
المختلفة . 1-
ابن الحجاج البغدادي (
المتوفي 321 هـ ) صاحب القصيدة المعروفة : يا
صاحب القبة البيضاء في النجف
من زار قبرك و استشفى لديك شفي 2-
الشريف الرضي ( 359-406هـ)
الغني عن كل تعريف و بيان . 3-
الشريف المرتضى (355-436هـ) و
هو كأخيه أشهر من أن يعرف . 4-
مهيار الديلمي ( المتوفي 448هـ)
الذي يعد في الرعيل الأول من شعراء
القرن الرابع و له غديريات كثيرة منها : هل
بعد مفترق الأظغان مجتمع
أم هل زمان بهم قد فات يرتجع
هذا عرض موجز لبعض الشعراء البارزين
من الشيعة ، و فيه كفاية لمن أراد
الإجمال ، و أما من أراد التوسع فليرجع
إلى الكتب التالية : 1-
الأدب في ظل التشيع : للشيخ
عبدالله نعمة . 2-
تأسيس الشيعة : للسيد حسن
الصدر ، الفصل السادس . 3-
الغدير : للعلامة الأميني
بأجزائه الأحد عشر . [1]
الطبعة الأولى 1413هـ –
الناشر : معاونية شؤون التعليم و
البحوث الإسلامية . [2]
الشعراء / 224 . [3]
الشعراء / 225-226 . [4]
الطبري : التاريخ 3/462 . [5]
المفيد : الفصول المختارة 87 ،
الكراجكي : كنز الفوائد 234 ، سبط ابن
الجوزي : تذكرة الخواص 20 [6]
إقرأ حياة الكميت في الغدير 2/180-212 . [7]
إقرأ حياة السيد في الغدير 2/213 –
289 . [8]
لاحظ حياته في الغدير 2/369 –
386 . [9]
يتيمة الدهر 270 . [10]
الغدير 3/399-401 .
|