كتاب : دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية :

لآية الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )[1]

الحلقة الخامسة

/ قدماء الشيعة و علم التفسير :

       إن القرآن هو المصدر الرئيسي للمسلمين في مجالي العقيدة و الشريعة ، و هو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم (ص) ، و قد قام المسلمون بأروع الخدمات لهذا الكتاب الإلهي على وجه لا تجد له مثيلاً بين أصحاب الشرائع السابقة ، حتى أسسوا لفهم كتابهم علوماً قد بقى في ظلها القرآن مفهوماً لأجيال ، كما قاموا بتفسيره و تبيين مقاصده بصور شتى ، لا يتسع المقام لذكرها . فأدوا واجبهم تجاه كتاب الله العزيز شكر الله مساعيهم من غير فرق بين الشيعة و السنة .

       إن مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبي الأكرم (ص) إلى يومنا هذا ، أنتجت تفاسيراً على أصعدة مختلفة ، و خدمت الذكر الحكيم بصور شتى ، فأتى بوجه موجز ، لما ألّف في القرون الإسلامية الأولى .

       إن أئمة أهل البيت بعد الرسول الأكرم (ص) هم المفسرون الحقيقيون للقرآن الكريم ، حيث فسّروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول (ص) بأقوالهم و أفعالهم و تقريراتهم التي لا يشذ عن قول الرسول (ص) و فعله و حجته ، و من الظلم الفادح أن نذكر الصحابة و التابعين في عداد المفسرين ، و لا نعترف بحقوق أئمة أهل البيت و هم عديله باتفاق الجميع .

       و هذا ما فعله في كتابه محمد حسين الذهبي ، جعل علياً و هو الوصي و باب علم النبي (ص) في الطبقة الثالثة من حيث نقل الرواية عنه ، و جعل تلميذه ابن عباس في الدرجة الأولى [2] !! ، و لم يذكر عن بقية الأئمة شيئاً مع كثرة ما نقل عنهم في مجال التفسير من الروايات الوافرة .

       أقول : ما أن ارتحل النبي الأكرم (ص) حتى عكف المسلمون على دراسة القرآن و تدبره ، بيد أنهم وجدوا أن لفيفاً من المسلمين كانوا عاجزين عن فهم بعض ألفاظ القرآن . و القرآن و إن نزل بلغة الحجاز إلا أنه يحوي ألفاظاً غير رائجة فيها و ربما كانت رائجة بين القبائل الأخرى ، و هذا النوع من الألفاظ ما سموه بـ ( غريب القرآن ) و قد سأل ابن الأزرق رأس الخوارج ابن عباس عن شيء كثير من غريب القرآن و أجاب عنه مستشهداً بشعر العرب الأقحاح ، و قد جمعها السيوطي في إتقانه[3] .

       و بما أن تفسير غريب القرآن كان الخطوة الأولى لتفسيره ، فقد ألف أصحابنا في أبان التدوين كتباً في ذلك المضمار ، نذكر قليلاً من كثير .

1-            غريب القرآن ، لأبان بن تغلب بن رباح البكري ( المتوفي عام 141هـ )[4].

2-            غريب القرآن ، لمحمد بن السائب الكلبي ، من أصحاب الإمام الصادق (ع)[5] .

3-            غريب القرآن ، لأبي روق ، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي ، قال ابن عقدة : كان ممن يقول بولاية أهل البيت [6] .

4-            غريب القرآن ، لعبدالرحمان بن محمد الأزدي الكوفي ، جمع فيه ما ورد في الكتب الثلاثة المتقدمة [7] .

5-            غريب القرآن ، للشيخ ابن جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي ( المتوفي عام 313 هـ )[8] .

و قد توالى التأليف حول غريب القرآن في القرون الماضية ، فبلغ العشرات ، و كان أخيرها لا آخرها ما ألفه السيد محمد مهدي الخرسان في جزئين [9] .

/ مجازات القرآن :

إذا كان الهدف من هذه الكتب بيان معاني مفردات القرآن و ألفاظه ، فإن في الجانب الآخر منه لون آخر من التفسير يهدف لبيان مقاصده و معانيه إذا كانت الآية مشتملة على المجاز و الكناية و الاستعارة . إليك أخي القارئ الكريم نماذج قليلة مما ألف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة :

1-            مجاز القرآن ، لشيخ النحاة الفراء يحيى بن زياد الكوفي المتوفي عام 207 هـ ، و طبع أخيراً في جزئين [10] .

2-            مجاز القرآن ، لمحمد بن جعفر بن محمد ، أبو الفتح الهمداني . قال النجاشي : له كتاب ( ذكر المجاز من القرآن )[11]

3-            مجازات القرآن ، للشريف الرضي المسمى بتلخيص البيان في مجازات القرآن ، و هو أحسن ما أُلف في هذا الباب و هو مطبوع .

/ التفسير بصور متنوعة :

       و هناك لون آخر من التفسير ، يعمد فيه المفسر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصة كالمحكم و المتشابه ، و الناسخ و المنسوخ ، و آيات الأحكام ، و قصص الأنبياء ، و أمثال القرآن ، و أقسامه ، و الآيات الواردة في مغازي النبي (ص) ، و النازلة في حق العترة الطاهرة (ع) إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا تعم جميع آيات القرآن ، بل تختص بموضوع واحد .

       و كان علماء الشيعة قد شاركوا غيرهم من علماء المسلمين في هذا الجانب الحيوي و المهم ، و رفدوا المكتبة الإسلامية بهذه الأنواع من التفاسير ، و من أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم ، و أخص بالذكر : الذريعة إلى تصنيف الشيعة .

/ الشيعة و التفسير الموضوعي :

       إن نزول القرآن نجوماً ، و توزع الآيات الراجعة إلى موضوع واحد في سور متعددة ، يطلب لنفسه نمطاً آخر ، غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي ، فإن النمط الثاني يتجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة ، و آية بعد آية ، و اما النط الأول فيحاول فيه المفسر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاص ، في مجال البحث ، و تفسير الجميع جملة واحدة و في محل واحد .

       فيستمد المفسر من المعاجم المؤلفة حول القرآن ، و من غيرها ، في الوقوف على الآيات الواردة في جانب معين ، مثلاً في خلق السماء و الأرض ، أو الإنسان أو أفعاله و حياته الأخروية ، فيفسر المجموع مرة واحدة ، و يرفع إبهام آية  بآية أخرى ، و يخرج بنتيجة واحدة ، و هذا النوع من التفسير و إن لم يهتم به القدماء و اكتفوا منه بتفسير بعض الموضوعات كآيات الأحكام ، و الناسخ و المنسوخ ، إلا أن المتأخرين منهم بذلوا جهدهم في طريقه ، و لعل العلامة المجلسي (1037-1110 هـ) كان أول من فتح هذا الباب على مصراعيه في موسوعته الموسومة بـ ( بحار الأنوار ) ، حيث أورد في أول كل باب من أبواب كتابه المتخصصة جملة الآيات الواردة حول موضوع الباب ، ثم لجأ إلى تفسيرها إجمالاً ، ثم أورد ما جمعه من الأحاديث التي لها صلة بالباب .

       و قد قام كاتب هذه السطور بتفسير الآيات النازلة حول العقائد و المعارف و خرج منه حتى الآن سبعة أجزاء و انتشر بإسم ( مفاهيم القرآن ) نسأل الله تعالى التوفيق لإتمامه .

/ الشيعة و التفسير الترتيبي :

       قد تعرفت على أن المنهج الراسخ بين القدماء و أكثر المتأخرين هو التفسير الترتيبي ، و قد قام فضلاء الشيعة من صحابة الإمام علي (ع) و التابعين له إلى العصر الحاضر بهذا النمط من التفسير ، إما بتفسير جميع سوره ، أو بعضها ، و الغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الأولى ، هو التفسير بالأثر ، و لكن انقلب النمط إلى التفسير العلمي و التحليلي من أواخر القرن الرابع . فأول من ألف من الشيعة على هذا المنهاج هو الشريف الرضي (359-406هـ) مؤلف كتاب ( حقائق التأويل ) في عشرين جزءً [12]، ثم جاء بعده أخوه الشريف المرتضى فسلك مسلكه في أماليه المعروفة بالدرر و الغرر . ثم توالى التأليف على هذا المنهاج من عصر الشيخ الأكبر الطوسي (385-460هـ) مؤلف ( التبيان في تفسير القرآن ) في عشرة أجزاء كبار ، إلى عصرنا هذا .

       فقد قامت الشيعة في كل قرن بتأليف عشرات التفاسير وفق أساليب متنوعة ، و لغات متعددة . لا يحصيها إلا المتوغل في المعاجم و بطون المكتبات .

       و لقد فهرسنا على وجه موجز أسماء مشاهير المفسيرين من الشيعة و أعلامهم في 14 قرناً ، و فصلنا كل قرن عن القرن الآخر ، و اكتفينا بالمعروفين منهم ، لأن ذكر غيرهم عسير و محوج إلى تأليف حافل . فبلغ عددهم 122 مفسراً . و من أراد الإلمام بذلك فعليه الرجوع إلى المقدمة التي قدمناها لتفسير التبيان للشيخ الطوسي ، و لأجل ذلك نطوي الكلام في المقام .

 



[1] الطبعة الأولى 1413هـ الناشر : معاونية شؤون التعليم و البحوث الإسلامية .

[2] الذهبي : التفسير و المفسرين 1/89-90 .

[3] السيوطي : الإتقان 4/55-88 .

[4] النجاشي : الرجال 1/73 برقم 6 .

[5] المصدر نفسه : 1/78 برقم 6 .

[6] ابن النديم : الفهرست 57 ، النجاشي : الرجال 1/78 .

[7] النجاشي : الرجال 1/78 .

[8] ابن النديم : الفهرست 58 .

[9] الطهراني آغا بزرك : الذريعة 16/50 برقم 208 .

[10] المصدر نفسه : 19/351 برقم 1567 .

[11] النجاشي : الرجال 2/319 برقم 1054 .

[12] و للأسف لم توجد منه نسخة كاملة في عصرنا الحاضر إلا الجزء الخامس و هو يكشف عن عظمة هذا السفر و يدل على جلالة المؤلف .