|
كتاب
: دور الشيعة في بناء الحضارة
الإسلامية : لآية
الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )[1] الحلقة
السادسة /
قدماء الشيعة و علم الحديث :
إن السنة هي المصدر الثاني للثقافة
الإسلامية بجميع مجالاتها ، و لم يكن
شيء أوجب بعد كتابة القرآن و تدوينه و
صيانته من نقص أو زيادة ، من كتابة حديث
الرسول (ص) و تدوينه و صيانته من الدس و
الدجل ، و قد أمر به الرسول الأكرم (ص)
غير مرة ، فقد روى الإمام أحمد عن عمر بن
شعيب عن أبيه عن جده ، أنه قال للنبي (ص) :
يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال :
نعم . قلت : في الرضا و السخط ؟ قال (ص) :
نعم ، فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك
إلا حقاً )[2]
.
إن الله سبحانه أمر بكتابة الدين
حفظاً له ، و احتياطاً عليه ، و اشفاقاً
من دخول الريب فيه ، فالعلم الذي حفظه
أصعب من حفظ الدين أحرى بأن يكتب و يحفظ
من دخول الريب و الشك فيه [3]
.
فإذا كان النبي (ص) لا ينطق عن الهوى
و إنما ينطق عن الوحي الذي يوحي إليه [4]
، فيجب حفظ أقواله و أفعاله أسوة بكتاب
الله المجيد ، حتى لا يبقى المسلم في
حيرة من أمره ، و يستغني عن المقاييس
الظنية و الاستنباطات الذوقية .
و بالرغم من وضوح الأمر و أهميته
القصوى إلا أن الخلافة الإسلامية
باجتهاداتها حالت دون ذلك ، بل و حاسبت
عليه حتى أن الخليفة الثاني عمر بن
الخطاب قال لأبي ذر و عبدالله بن مسعود و
أبي الدرداء ( ما هذا الحديث الذي تفشون
عن محمد ؟ ) [5]
.
و لقد أضحى عمل الخليفة سنة فأتبعه
عثمان و مشى على خطاه معاوية ، فأصبح ترك
كتابة الحديث سنة إسلامية ، و عدت
الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها .
إن الرزية الكبرى هي المنع عن
التحدث بحديث رسول الله (ص) و كتابته و
تدوينه ، و فسح المجال في نفس الوقت
للرهبان و الأحبار للتحدث بما عندهم من
صحيح و باطل ، و لقد أذن عمر لتميم
الداري النصراني الذي استسلم في عام
تسعة من الهجرة أن يقص [6]
.
و لما تسنّم عمر بن عبدالعزيز منصب
الخلافة ، ادرك ضرورة تدوين الحديث ،
فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة ، أن
يقوم بتدوين الحديث قائلاً : إن العلم لا
يهلك حتى يكون سراً [7]
.
و مع ذلك فلم يقدر ابن حزم على
القيام بما أمر به الخليفة ، لأن رواسب
الحظر السابق المؤكد من قبل الخلفاء
حالت دون أمنيته ، إلى أن زالت دولة
الأمويين و جاءت دولة العباسيين ، فقام
المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر
المنصور سنة 143هـ ، و أنت تعلم أخي
القارئ الكريم أن الخسارة التي لحقت
بالتراث الإسلامي من منع تدوين السنة لا
تجبر بتدوينه بعد مضي قرن و نيف ، و بعد
موت الصحابة و كثير من التابعين الذين
رأوا النور المحمدي و سمعوا منه الحديث
، و لم يحدثوا ما سمعوه إلا سراً و من ظهر
القلب إلى مثله .
أضف إلى ذلك أن الأحبار و الرهبان و
المأجورين للبلاط الأموي نشروا كل كذب و
افتراء بين المسلمين . /
اهتمام الشيعة بتدوين الحديث
:
قام الإمام أمير المؤمنين علي (ع)
بتأليف عدة كتب في زمان النبي (ص) ، فقد
أملى رسول الله كثيراً من الأحكام عليه
و كتبها الإمام و اشتهر بكتاب علي ، و قد
روى عنه البخاري في صحيحه في باب كتابة
الحديث [8]
، و باب ( أثم من تبرأ من مواليه )[9]
و تبعه (ع) ثلة من الصحابة الذين كانوا
شيعة له ، و إليك أسماء من اهتم بتدوين
الآثار و ما له صلة بالدين ، و إن لم يكن
حديث الرسول : 1-
قام أبو رافع صحابي الرسول (ص)
بتدوين كتاب السنن و الأحكام و القضايا [10]. 2-
و قام الصحابي الكبير سلمان
الفارسي : المتوفي سنة 34 هـ بتأليف كتاب
حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك
الروم بعد وفاة الرسول (ص) . قال
الشيخ الطوسي : روى سلمان حديث الجاثليق
الذي بعثه ملك الروم بعد النبي (ص) [11] 3-
و ألف الصحابي الورع أبو ذر
الغفاري المتوفي سنة 32 هـ كتاب الخطبة
التي يشرح فيها الأمور بعد رسول الله (ص) [12]
. هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة ، و
أما الشيعة من غير الصحابة أعني
التابعين و تابعي التابعين منهم ، فقد
قام لفيف منهم بتدوين السنة إلى عصر
الغيبة الكبرى ، و قد تكلفت بذكرهم و ذكر
تأليفهم معاجم الرجال قديماً و حديثاً ،
و إليك عرضاً موجزاً من محدثي الشيعة و
مؤلفيهم في القرن الأول و بداية القرن
الثاني . /
الطبقة الأولى : 1-
الأصبغ بن نباتة المجاشعي ،
كان من خاصة أمير المؤمنين (ع) روى عنه (ع)
عهد الأشتر ، و وصيته إلى ابنه محمد [13]
. 2-
عبيدالله بن أبي رافع ،
المدني ، مولى النبي (ص) ، و كان كاتب
أمير المؤمنين (ع) ، له كتاب قضايا أمير
المؤمنين (ع) و تسمية من شهد مع أمير
المؤمنين الجمل و صفين و النهروان [14]
. 3-
ربيعة بن سميع ، له كتاب في
زكاة النعم عن أمير المؤمنين (ع) [15] 4-
سليم بن قيس الهلالي ، أبو
صادق ، له كتاب مطبوع باسم : سليم بن قيس . 5-
علي بن أبي رافع ، قال
النجاشي عنه : تابعي من خيار الشيعة ،
كانت له صحبة أمير المؤمنين (ع) ، و كان
كاتباً له و حفظ كثيراً ، و جمع كتاباً
في فنون من الفقه : الوضوء ، و الصلاة ، و
سائر الأبواب [16]
. 6-
عبيدالله بن الحر الجعفي ،
الفارس ، الفاتك ، الشاعر ، له نسخة
يرويها عن أمير المؤمنين (ع) [17]
. 7-
زيد بن وهب الجهني ، له كتاب
خطب أمير المؤمنين (ع) على المنابر في
الجمع و الأعياد و غيرها [18]
. /
الطبقة الثانية : 1-
الإمام السجاد زين
العابدين علي بن الحسين (ع) ، له الصحيفة
الكاملة ـ المشتهرة بزبور آل محمد (ص) . 2-
جابر بن يزيد بن الحارث
الجعفي ، أو عبدالله ، المتوفي سنة 128 هـ
، له كتب [19] . 3-
لوط بن يحيى بن سعيد ، شيخ
أصحاب الأخبار بالكوفة ، له كتب كثيرة ،
اوردها الشيخ في رجاله و عده في أصحاب
الحسن و الصادق (ع) [20]
. 4-
جارود بن منذر ، الثقة ،
أورده الشيخ في أصحاب الحسن و الباقر و
الصادق (ع) ، له كتب [21]
. /
الطبقة الثالثة :
و هم من أصحاب السجاد و الباقر (ع) : 1-
برد الاسكاف ، من أصحاب
السجاد و الصادقين (ع) ، له كتاب [22]
. 2-
ثابت بن دينار ، أبو حمزة
الثمالي الأزدي ، الثقة ، المتوفي سنة 150
هـ ، روى عنهم (ع) ، له كتاب ، و له
النوادر و الزهد و له تفسير القرآن [23]
. 3-
ثابت بن هرمز ، الفارسي ،
أبو المقدم العجلي ، مولاهم الكوفي ،
روى نسخة عن علي بن الحسين (ع)[24]. 4-
بسام بن عبدالله ، الصيرفي
، مولى بني أسد ، أبو عبدالله ، روى عن
أبي جعفر و أبي عبدالله (ع) ، له كتاب [25]. 5-
محمد بن قيس البجلي ، له
كتاب قضايا أمير المؤمنين (ع) [26]. 6-
حجر بن زائدة الحضرمي ، روى
عن الباقر و الصادق (ع) ، له كتاب [27] 7-
زكريا بن عبدالله الفياض ،
له كتاب [28]
. 8-
ثوير بن أبي فاختة ( أبو جهم
الكوفي ) و اسم أبي فاختة : سعيد بن علاقة [29]. 9-
الحسين بن ثور بن أبي فاختة
، سعيد بن حمران ، له كتاب نوادر [30]
. 10-
عبدالمؤمن
بن القاسم بن قيس الأنصاري ، المتوفي
سنة 147 هـ ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب
السجاد و الصادقين (ع) ، له كتاب [31]
. و لقد خصص أبو عمرو الكشي بابا للمحدثين
المتقدمين من الشيعة ، و جعله في صدر
رجاله ، و تبعه النجاشي في رجاله فخص
الطبقة الأولى بباب ، ثم أورد أسماء
الرواة على حسب الحروف الهجائية . و
لقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرف على
طبقات الشيعة بعد رسول الله (ص) إلى عصره
، فذكر الأئمة الإثني عشر ، و ذكر أصحاب
كل إمام وفق الترتيب الزمني ، ثم ذكر
باباً آخر باسم من لم يرهم و لكن روى
عنهم بالواسطة . و
أحسن كتاب أُلف في هذا المجال هو ما ألفه
أستاذنا الجليل السيد النحرير المحقق
البروجردي –
رحمه الله –
الذي أخرج رجال الشيعة في 34 طبقة من عصر
الصحابة إلى زمانه (1292 – 1380 هـ ) فهذا
الكتاب يكشف عن سبق الشيعة في نظم
الحديث و تدوينه ، و أنهم لم يقيموا لمنع
الخلفاء وزناً و لا قيمة . و بذلك حفظوا
نصوص النبي الأكرم (ص) و أهل بيته و
قدموها إلى المجتمع الإسلامي ـ فعلى
جميع علماء المسلمين أن يتمسكوا بهذا
الحبل الذي هو أحد الثقلين . هذا
عرض موجز لمحدثي الشيعة من عصر الإمام
أمير المؤمنين علي (ع) إلى عصر السجاد و
الباقر (ع) و أما الطبقات الأخرى فيأتي
الكلام في فصل قدماء الشيعة و الفقه
لأنهم تجاوزوا عن التحديث إلى درجة
الاجتهاد . فترقبوا الحلقة القادمة . [1]
الطبعة الأولى 1413هـ –
الناشر : معاونية شؤون التعليم و
البحوث الإسلامية [2]
مسند أحمد 2/207 . [3]
الخطيب البغدادي : تقييد العلم 70 . [4]
اقتباس عن قوله تعالى ( ما ضل صاحبكم و
ما غوى ، و ما ينطق عن الهوى ، إن هو
إلا وحي يوحى ) النجم / 2-4 . [5]
كنز العمال 10/293 برقم 29479 . و فيه : ما
هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول
الله في الآفاق . [6]
كنز العمال 10/281 . [7]
صحيح البخاري 1/27 . [8]
صحيح البخاري 1/27 كتاب العلم . [9]
المصدر نفسه : 8 كتاب الفرائض الباب 20 ص
154 . [10]
النجاشي : الرجال 1/64 برقم 1 . [11]
الطوسي : الفهرست 8 . [12]
المصدر نفسه : 54 . [13]
النجاشي : الرجال 1/70 برقم 4 . [14]
الطوسي : الفهرست 107 . [15]
النجاشي : الرجال 1/67 برقم 2 . [16]
المصدر نفسه : 1/65 برقم 1 . [17]
المصدر نفسه : 1/71 برقم 5 . [18]
الطوسي : الفهرست 72 . [19]
النجاشي : الرجال 1/313 برقم 330 . [20]
الطوسي : الرجال 279 من أصحاب الصادق (ع)
و لاحظ تعليقة المحقق . [21]
المصدر نفسه : 112 في أصحاب الباقر (ع) . [22]
النجاشي : الرجال 1/284 برقم 289 . [23]
المصدر نفسه : 1/289 برقم 294 . [24]
المصدر نفسه : 1/282 برقم 296 . [25]
المصدر نفسه : 1/286 . [26]
الطوسي : الفهرست 131 . [27]
النجاشي : الرجال 1/347 برقم 382 . [28]
المصدر نفسه : 1/391 برقم 452 . [29]
المصدر نفسه : 1/295 برقم 301 . [30]
المصدر نفسه : 1/166 برقم 124 . [31]
المصدر نفسه : 2/168 برقم 653 .
|