كتاب : دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية :

لآية الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )[1]

الحلقة السابعة

/ قدماء الشيعة و الفقه الإسلامي

       إن الفقه الشيعي هو الشجرة الطيبة الراسخة الجذور ، المتصلة الأسس بالنبوة ، و التي امتازت بالسعة ، و الشمولية ، و العمق ، و الدقة ، و القدرة على مسايرة العصور المختلفة ، و المستجدات المتلاحقة من دون أن تتخطى الحدود المرسومة في الكتاب و السنة .

       إن الفقه الإمامي يعتمد في الدرجة الأولى على القرآن الكريم ، ثم على السنة المحمدية المنقولة عن النبي (ص) عن طريق العترة الطاهرة (ع) أو الثقات من أصحابهم و التابعين لهم بإحسان .

       و كما يعتمد الفقه الشيعي على الكتاب و السنة ، فإنه كذلك يتخذ من العقل مصدراً في المجال الذي له الحق في إبداء الرأي ، كأبواب الملازمات العقلية ، أو قبح التكليف بلا بيان ، أو لزوم البراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني .

       و لا يكفي بذلك ، بل يستفيد من الإجماع الكاشف عن وجود النص في المسألة أو موافقة الإمام المعصوم مع المجمعين في عصر الحضور .

       إن الشيعة الإمامية قدمت في ظل هذه الأسس الأربعة فقهاً يتناسب مع المستجدات ، جامعاً لما تحتاج إليه الأمة ، و لم يقفل باب الاجتهاد منذ رحلة النبي (ص) إلى يومنا هذا ، بل فتح بابه طيلة القرون ، فأنتج عبر العصور فقهاء عظاماً و موسوعات كبيرة ، لم يشهد التاريخ لها و لهم مثيلاً ، و إليك عرضاً موجزاً لمشاهير فقهائهم مع الإيعاز إلى بعض كتبهم في القرن الثاني و الثالث :

 

/ فقهاء الشيعة في القرن الثاني :

       تخرجت من مدرسة أهل البيت و على أيدي أئمة الهدى (ع) عدة من الفقهاء العظام لا يستهان بعددهم ، فبلغوا الذروة في الاجتهاد ، كزرارة بن أعين ، و محمد بن مسلم ، و بريد بن معاوية ، و الفضيل بن يسار ، و كلهم من أفاضل خريجي مدرسة أبي جعفر الباقر و ولده الصادق (ع) فأجمعت الطائفة عن تصديق هؤلاء ، و انقادت لهم في الفقه و الفقاهة .

       و يليهم في الفضل لفيف آخر هم أحداث خرجي مدرسة أبي عبدالله الصادق (ع) أمثال : جميل بن دراج ، و عبدالله بن مسكان ، و عبدالله بن بكير ، و حماد بن عثمان ، و حماد بن عيسى ، و أبان بن عثمان .

       و هناك ثلة أخرى يعدون من تلاميذ مدرسة الإمام موسى الكاظم و ابنه أبي الحسن الرضا (ع) منهم : يونس بن عبدالرحمن ، و محمد بن أبي عمير ، و عبدالله بن المغيرة ، و الحسن بن محبوب ، و الحسين بن علي بن فضال ، و فضالة بن أيوب [1]. و أكثر هؤلاء من فقهاء القرن الثاني و أوائل القرن الثالث .

       هؤلاء أعلام الشيعة في الفقه و الحديث في القرن الثاني ، و كلهم خريجوا مدرسة أهل البيت (ع) ، و لقد خلفوا آثاراً علمية باسم الأصل ، و الكتاب ، و النوادر ، و الجامع ، و المسائل ، و عناوين أخرى .

 

/ أصحاب الجوامع الفقهية في القرن الثالث :

       لقد تخرج من مدرسة أهل البيت (ع) جملة كبيرة من أعاظم الفقهاء أوقفوا علمهم في خدمة هذا الدين الحنيف ، فشمروا عن سواعدهم ، و سخروا أنفسهم قدر ما مكنهم الله تعالى عليه ، فخلفوا جوامع فقهية مهمة كانت و لازالت خير زاد للمسلمين ، و من هؤلاء الأعلام :

1/ يونس بن عبدالرحمن ، و لقد وصفه ابن النديم في فهرسته بعلامة زمانه ، له جوامع الآثار ، و الجامع الكبير ، و كتاب شرائع .

2/ صفوان بن يحيى البجلي ، الذي كان أوثق أهل زمانه ، صنف 30 كتاباً .

3-4/ الحسن و الحسين ابنا سعيد بن حماد الأهوازي ، صنفا ثلاثين كتاباً .

5/ أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، المتوفي سنة 274هـ ، صاحب كتاب المحاسن و غيره .

6/ محمد  بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي ، المتوفي سنة 293هـ ، صاحب نوادر الحكمة و كتاب الجامع المعروف .

7/ أحمد بن محمد ، أبي نصر البزنطي ، المتوفي سنة 221هـ ، صاحب الجامع المعروف .

 

/ فقهاء الشيعة في القرن الرابع :

       هؤلاء هم فقهاء الشيعة في القرن الثالث و تليهم عدة أخرى في القرن الرابع نذكر أسماءهم على وجه الإجمال :

1/ الحسن بن علي بن أبي عقيل ، شيخ الشيعة و فقيهها ، صاحب كتاب المتمسك بحبل آل الرسول ، المعاصر للكليني .

2/ علي بن الحسين بن بابويه ، المتوفي 329هـ ، صاحب كتاب الشرائع .

3/ محمد بن الحسن بن الوليد القمي ، شيخ القميين ، و فقيههم و متقدمهم ، مات سنة 343هـ ، و لقد بلغ في الوثاقة و الدقة على حد يسكن إليه الشيخ الصدوق في تصحيحاته و تضعيفاته .

4/ جعفر بن محمد بن قولويه ، أستاذ الشيخ الصدوق ، و مؤلف كامل الزيارات ، يقول النجاشي عنه : إنه من ثقات أصحابنا و أجلائهم في الفقه و الحديث .

5/ محمد بن علي بن الحسين الصدوق (306-381هـ) مؤلف من لا يحضره الفقيه و المقنع و الهداية .

6/ محمد بن أحمد بن الجنيد المعروف بالإسكافي ، المتوفي سنة 385هـ .

قال عنه النجاشي : وجه في أصحابنا ، ثقة جليل القدر ، صنف فأكثر ، ثم ذكر فهرس كتبه و منها كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة ، و كتاب الأحمدي للفقه المحمدي .

 

/ مشاهير الفقهاء في القرن الخامس :

       و في القرن الخامس نبغ فقهاء كبار ازدان الفقه الشيعي بل الإسلامي بأسمائهم و آرائهم و منهم : الشيخ المفيد (336-413هـ) و السيد المرتضى (355-436هـ) و الشيخ الكراجكي (449هـ) و الشيخ الطوسي (385-460هـ) ة سلار الديلمي مؤلف المراسم ، و ابن البراج (401-489هـ) مؤلف المهذب ، و غيرهم من الذين ملأت أسماؤهم كتب التراجم و الرجال .

       و من أراد الوقوف على حياتهم و كتبهم فعليه بالرجوع إلى الموسوعات الرجالية ، و أخص بالذكر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة .

       هذا عرض موجز لمشاركة الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية على المستوى الفقهي . و يشهد الله أن علماء الشيعة قاموا بهذه الجهود في ظروف قاسية و رهيبة ، و كانت الحكومات الظالمة و مرتزقتها لا ينفكون عن مطاردتهم و ايداعهم في السجون و عرضهم على السيف ، و مع  ذلك نرى هذا الإنتاج العلمي الهائل في مجال الفقه . و الذي لو تأمل فيه علماء المسلمين بفرقهم المختلفة ، و تجنبوا أهواء التعصب ، لأٌقروا بلا ريب بما فيه من سعة الفكر ، و عمق النظر ، و غزارة الإنتاج .

       هذا هو الشيخ الطوسي الذي ألف المبسوط في الفقه المقارن ( في 8 أجزاء ) في زمن كانت الفتن الطائفية على أوجها ، و الشيعة هم الضحية في هذه المخاضات العسرة ، و التي امتدت ألسنتها نحو الشيخ الطوسي نفسه ، فأحرقت داره ، و مكتبته في كرخ بغداد ، فالتجأ سراً إلى النجف الأشرف ، تاركاً بلده الذي عاش فيه قرابة نصف قرن ، و أين هؤلاء من الفقهاء الذين تنعموا بالهدوء و الاستقرار ، و استقبلتهم السلطات الحاكمة بصدر رحب ، و أجيزوا مقابل أبيات معدودة من الشعر الرخيص ، أو كتيب أو رسالة صغيرة بالهبات و العطايا .    



[1] أبو عمرو الكشي : الرجال 206 ، 322 ، 466 ، و راجع رجال النجاشي في ترجمتهم و ذكر آثارهم و منزلتهم في الفقه .