كتاب : دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية :

لآية الله الشيخ جعفر السبحاني ( دام ظله )[1]

الحلقة التاسعة

/ قدماء الشيعة و علم المغازي و السير  

مغازي النبي الأكرم (ص) جزء من تاريخ حياته و سيرته ، و الرسول (ص) قدوة و أسوة ، و فعله كقوله حجة بلا إشكال ، و قد وضع بعضهم كتباً في فقه السيرة [2]، فكان على المسلمين ضبط دقيقها و جليلها ، و قد قاموا بذلك لولا أن الخلافة حالت دون الأمنية ، و لكن قيض الله سبحانه رجالاً في الشيعة في ذلك المجال ضبطوا سيرة الرسول و مغازيه :

1- منهم ابن إسحاق ، محمد بن إسحاق ( المتوفي 151هـ ) عده الشيخ الطوسي في رجاله [3] من أصحاب الإمام الصادق . و لأجل انتمائه إلى بيت النبوة وصفه ابن حجر في التقريب ( بأنه إمام المغازي ، صدوق ، يدلس ، و رمي بالتشيع و القدر )[4].

       و في مختصر الذهبي : أنه كان صدوقاً من بحور العلم .

       و في تاريخ اليافعي عن شعبة بن الحجاج أنه قال : محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث [5] .

       و عن الشافعي : من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال محمد بن إسحاق [6] .

       لما كان المترجم شيعياً مجاهراً في ولائه لأهل البيت عمد ابن هشام ( المتوفي 212هـ ) بتلخيص كتابه على أساس حذف ما لا يلائم نزعته ، فحذف أكثر ما له صلة بفضائل الإمام علي و أهل بيته .

       فعلى المسلمين الغيارى الباحثين عن الحقيقة التفحص في مكتبات العالم و فهارسها ، حتى يعثروا على النسخة الأم ، و ينشروا هذا الكنز الدفين خدمة للدين و إحياءً لسيرة رسول الله (ص) ، و كان قد أعلن أحد المستشرقين أنه قد عثر على الأصل و نشره باسم سيرة ابن إسحاق إلا انه جزء من السيرة لا كلها .

       و من حسن الحظ أن سيرة ابن إسحاق و إن لم تكن موجودة بصورتها لكنها موجودة بمادتها ، فقد بثها الطبرسي (470-548هـ) في أجزاء مجمع البيان ، و ابن الجوزي (595هـ) في المنتظم ، و ابن كثير في تاريخه و غيرهم . فيمكن للباحثين ، استخراج مادة السيرة متفرقة عن هذه الكتب ، و ملخصها المعروف بالسيرة النبوية لابن هشام .

2- و كان قد سبق ابن إسحاق ، عبيدالله بن أبي رافع ، و هو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، فقد ألّف كتاباً أسماه ( تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل و صفين و النهروان من الصحابة ) ذكره الشيخ في الفهرست [7] ، إلا أنه ألّف في مغازي الإمام علي (ع) لا في مغازي الرسول الأكرم (ص) .

 

3- ألّف جابر الجعفي (المتوفي سنة 128هـ) كتباً في ذلك المجال : قال النجاشي : جابر عربي قديم . ثم ذكر نسبه و عد من كتبه : كتاب الجمل ، كتاب صفين ، كتاب النهروان ، كتاب مقتل أمير المؤمنين (ع) ، و كتاب مقتل الحسين (ع) [8] .

4- و ألّف في ذلك المجال : أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي الذي أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى (110-209 هـ) و أبو عبدالله بن القاسم بن سلام (157-224هـ) و أكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء و النسب و الأيام .

       و له كتاب حسن يجمع المبتدأ و المغازي و الوفاة و الردة [9] . و قد جمع فيه أخبار ابتداء أمر النبي (ص) من مبعثه و مغازيه و وفاته ، و أخبار يوم السقيفة و ارتداد بعض القبائل .

5- و من مشاهير هذا الفن من الشيعة أو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي ، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ، روى عن جعفر بن محمد (ع) . و صنف كتباً : منها كتاب المغازي ، كتاب السقيفة ، كتاب الردة ، كتاب فتوح الإسلام [10].

6- و من أعلامه نصر بن مزاحم (212هـ) ألّف كتباً كثيرة في ذلك المجال ، لعل أهمها كتاب ( وقعة صفين ) الشهير [11] .

7- هشام بن محمد بن السائب الكلبي ( المتوفي 206هـ) أعلم علماء النسب و السير و الآثار ، ذكره النجاشي و قال : الناسب ، العالم بالأيام ، المشهور بالفضل و العلم ، و كان يختص بمذهبنا ثم ذكر كتبه [12].

       هذا عرض موجز لمن شارك المسلمين من قدماء الشيعة في بماء الحضارة الإسلامية عن طريق تدوين السيرة و المغازي و المقاتل و التاريخ ، و أما المتأخرون فسل عنهم و لا حرج ، و راجع المعاجم كأعيان الشيعة للسيد الأمين العاملي ، و الذريعة لشيخنا الطهراني .

 

 

 

/ قدماء الشيعة و علم الرجال :

       اهتم علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال و أولوه اهتماماً كبيراً فبرزت منهم ثلة كبيرة من سادة هذا العلم ، و سنحاول هنا أن نذكر أوائل المؤلفين منهم :

1) عبدالله بن جبلة الكناني (المتوفي 219هـ) .

قال النجاشي : و بيت جبلة مشهور بالكوفة ، كان فقيها ثقة مشهوراً . له كتب ، منها كتاب الرجال [13] .

2) علي بم الحسين فضال ، كان فقيه أصحابنا بالكوفة و وجههم و ثقتهم ، و عارفهم بالحديث ، من أصحاب الإمام الهادي و العسكري ، له كتب منها كتاب الرجال [14].

3) الحسن بن محبوب السراد (150-224هـ) الراوي عن ستين رجلاً ، من أصحاب الإمام الصادق (ع) له كتاب ( المشيخة ) و كتاب ( معرفة رواة الأخبار ) [15] .

4) أبو عمرو الكشي ، البصير بالأخبار و الرجال ، تلميذ الشيخ العياشي ، و كتابع المعروف بـ ( معرفة الرجال ) هو الذي لخصه الشيخ الطوسي و أسماه بـ ( اختيار معرفة الرجال ) و هو الموجود في الأعصار الأخيرة .

5) الشيخ أبو العباس أحمد بن علي النجاشي (372-450هـ) من نقاد هذا الفن و من أجلائه و أعيانه حاز قصب السبق في ميدان علم الرجال ، له كتاب فهرس مصنفي الشيعة المعروف برجال النجاشي .

6) و الشيخ الطوسي (385-460هـ) الغني عن التعريف ، عمل كتابين أحمدها الفهرست و الآخر الرجال ، و بعدان من أمهات الكتب الرجالية .

       و توالى التأليف في علم الرجال كما في قرينه علم الدراية إلى عصرنا هذا ، و قد أنهي الشيخ الطهراني ، المؤلفين  من الشيعة في علم الرجال فبلغ قرابة خمسمائة مؤلف ، شكر الله مساعي الجميع .

       هذا عرض موجز من مشاركة علماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تأسيس العلوم و إكمالها و تطويرها ، و انت إذا وقفت على جهودهم الجبارة في القرون الأولى و ما بعدها إلى عصرنا الحاضر ، تقف على طائفة كبيرة من عمالقة العلم و جهابذة الفضل ، كرسوا حياتهم الثمينة في إرساء صرح الحضارة الإسلامية و رفع قواعدها ، فخلدوا لأنفسهم صحائف بيضاء ، و لصالح أمتهم حضارة انسانية ، كل ذلك في ظروف قاسية ، و سلطات ظالمة شديدة الكلب ، و أضغان محتدمة ، إلا في فترات يسيرة .



[1] الطبعة الأولى 1413هـ الناشر : معاونية شؤون التعليم و البحوث الإسلامية .

[2] كزاد المعاد لابن القيم ، و فقه السيرة للغزالي المعاصر .

[3] الطوسي : الرجال 281 .

[4] ابن حجر : التقريب 2/144 برقم 40 .

[5] مرآة الجنان : 1/313 .

[6] المامقاني : تنقيح المقال 3/79 برقم 1038 .

[7] الطوسي : الفهرست 202 .

[8] النجاشي : الرجال 1/313 برقم 330 .

[9] المصدر نفسه : 1/80 برقم7 ، و في فهرس الشيخ برقم 62 يجمع المبدأ و المبعث .

[10] المصدر نفسه : 2/384 برقم 1149 .

[11] المصدر نفسه : 2/191-192 برقم 873 .

[12] النجاشي : الرجال 2/399 برقم 1167 .

[13] المصدر نفسه : 2/13 برقم 561 .

[14] المصدر نفسه : 2/82 برقم 673 .

[15] الطوسي : الفهرست 71 برقم 162 ، ابن شهرآشوب : معالم العلماء 333 برقم 182 ، الطهراني : مصفى المقال 128 .