وَالمذهَبْ الوَاقعي (الجزء الثاني)

 

تـأليــف : العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائي.

تعـليـق : الأسْتاذ الشهيـد مرتضى المطهَّـري .

تعريب : محمـَّد عَبـْد المـنْعـِم الخـاقـاني .   

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم

تصدير الجزء الثاني

 

إن أي فن لا يحتاج إلى التحليل العقلي بمقدار ما تحتاج الفلسفة إليه، والفلسفة أيضاً لا ترتبط بأي شئ آخر بمقدار ما ترتيط بهذا التحليل، وقد أدّى هذا الأمر، لتتسم المسائل الفلسفية -بطبيعتها- بلون من الغموض والتعقيد. ومن هنا أيضا تنبع حاجة الفلسفة الشديدة إلى المنطق.

واحتياج الفلسفة الشديدة إلى التحليل العقلي قد لفت الفلاسفة، ولا سيما فلاسفة أوروبا الحديثة إلى هذه الملاحظة، وهي أنه قبل البدء في تحليل المعضلات الفلسفية وحل مشكلاتها، لا بد من دراسة الإنسان وأفكارة وإدراكاتة وكيفية نشاطة الذهني والعقلي، وتقدموا في هذا المضمار إلى الحد الذي اعتقدو فيه أن:

"الفلسفه هي الإنسان".

وكان هذا الالتفات رائعاً وفي محله وهو يبيّن لنا ضمناً الأَهمية الفائقة للمنطق الذي يشكّل جانباً مهماً من هذا المجال.

وهذا الكتاب أيضا يولي هذا الأصل عناية خاصة فهو يتناول

[6]

 بالدراسة -قبل كل شيء- إدراكات الإِنسان وكيفية نشاطه الذهني والعقلي بأسلوب ينفرد به، ومن اطلع على الجزء الأول منه يعرف أن ثلاث مقالات منه من مجموع أربع مقالات تتعلق بالإِدراكات، وكذلك الجزء الثاني الذي نقدّمه اليوم للقرّاء الكرام فإنه يقتصر على هذا الموضوع.

ويحتوي هذا الجزء على مقالتين: إحداهما تحت عنوان:

"ظهور الكثرة في الإِدراكات"، وهي المقالة الخامسة، والأُخرى تحت عنوان:"الإِدراكات الإِعتبارية"، وهي المقالة السادسة.

فالمقالة الخامسة وإن لم تعنون بعنوان "الحس والعقل" ولكن النتائج التي تتوقّع من مباحث الحس والعقل والتجربة والتعقل تؤخذ من هذه المقالة، وكما يعلم القارىء الكريم فإن النزاع بين الحسيين و العقليين يشكل جانباً مهماً من الدراسات الفلسفية والمنطقية ومباحث علم النفس الحديث.

فنحن نجد مواضيع في المقالة الخامسة لم يهتم بها القدماء اهتماماً كاملاً ولم تشقّ فيها الفلسفة ولا المنطق ولا علم النفس الحديث طريقاً، أي أن التحقيقات الواردة في هذه المقالة تعتبر خطوة جديدة في عالم الفلسفة.

أما المقالة السادسة فهي تتناول موضوعاً فلسفياً جديداً لم يسبق إليه، وحسب ما وصل إليه علمنا فإن هذا الموضوع يطرح للدراسة لأول مرة في هذه السلسلة من المقالات، وهو الموضوع المتعلق بالتمييز و التفكيك بين الإِدراكات الحقيقية و الإِدراكات الإِعتبارية، وسيتضح هذا الأمر من مراجعة المقالة ذاتها.

[7]

ويؤسفني أن يكون قد مرّ عام كامل على ظهور الجزء الأول من هذا الكتاب، ففي خلال هذه الفترة حاولت ما أمكنني وإلى الحد الذي سمحت به ظروفي أن أكتب تعليقة على هاتين المقالتين وأن أوضح بعض الجوانب وأضيف أشياء عندما ألمس حاجة للإِضافة ولكن التوفيق لم يحالفني لأتمّ ما يتعلق بالمقالة السادسة.

وكنت أتصور في أول الأَمر أن إكمال تلك المقالة سيؤخر ظهور هذا الجزء ثلاثة أشهر أُخرى ولست أَرغب في تأخيره أكثر من هذا لاسيما مع حرص ونفاذ صبر القراء الكرام الذين اطلعوا على الجزء الأول منه، ومن ناحية أُخرى فإن هذه المجموعة من المقالات قد أكمل تأليفها الأًستاذ المؤلف أدام الله بقاءه ولا بد من الإِسراع لتحضير المقالات الأُخرى وجعلها في متناول القراء الراغبين في هذا الكتاب، لهذا السبب ومع بقاء قسم مهم من تلك المقالة دون تعليق وهو يحتوى على مسائل دقيقة وحساسة ومع أنني هيأت بعض التعليقات له ولكنني صرفت النظر عن إتمامها آملاً أن يستفيد القارئ الكريم فائدة وافية من متن المقالة نفسها حيث أَلِفَ أسلوب هذه المقالات وتعرّف على طريقتها. ومن الطبيعي أننا إذا بنينا على كتابة التعليقات للمقالات الأُخرى بهذا الشكل فإن إتمامها سيستغرق فترة طويلة من الزمن مع الأخذ بعين الإِعتبار العوائق والموانع التي تقف في طريقي، فلهذا السبب لعلنا نسلك طريقاً آخر مع ما تبقى من تلك المقالات.

                           *   *   *

ومع أن الظفر بالمعميات الفلسفية يعتبر غاية آمال الإنسان ومنتهى رغبتة الغريزية، ونجاحه في هذا السبيل يسعد أعماق ضميره، ولكن الغموض والتعقيد الطبيعي اللذين يغلفان المواضيع الفلسفية من ناحية،

[8]

وجمودها وتحجرها أي بُعدها عن العواطف والشعور واقتصارها على المنطق والتعقل المحض من ناحية أُخرى، قد أظهر الفلسفة عند أغلب الناس بشكل عبوس مكفهر.

ولكننا لا نشك في أن أسلوب الكتابة وطريقة التفهيم، يعتبر عاملاً مهماً في تبسيط أو تعقيد المواضيع، ولهذا فنحن نسعى -كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة الجزء الأول- لنذكر مواضيع سهلة في هذا الكتاب بعيدة عن الإِصطلاحات اللامفهومة ليكون على مستوى يفهمه من كان له اطلاع في الفلسفة ولو كان اطلاعاً يسيراً.

ويدل حُسن الإستقبال والعناية الشديدة التي أبداها الراغبون في العلم والمعرفة بالنسبة للجزء الأول على أن سعينا قد حقق نتائجه.

ولا يفوتنا أن نذكر هذه الملاحظة، وهي أن كثيراً من الناس ظنّوا أن الهدف الأَساسي من تأليف هذا الكتاب هو نقد وردّ الفلسفة المادية، لذا نجد أَنفسنا مضطرّين لنؤكد من جديد في مقدمة هذا الجزء أن هدف هذا الكتاب والمقصد منه أرفع من هذا وأرقى، ولو كان هدفنا ردّ الفلسفة المادية وبيان أخطاء  المادية الديالكتيكية لما كلفنا أَنفُسنا مثل هذا الجهد وطرحنا هذه المباحث الفلسفية العميقه الدقيقة، فنحن في هاتين المقالتين نواجه مسائل وبحوثاً ما شمّ رائحتها اتباع الفلسفة المادية، وأقلّ فائدة يكسبها القارئ العزيز من هاتين المقالتين هي أنه يدرك بوضوح أن الماديين بعيدون عن هذه المرحلة بفراسخ عديدة وهي المرحلة التي غاص فيها كبار فلاسفة الشرق والغرب إلى الأعماق، وأخذوا يفتشون في الأَفكار والإِدراكات والعقل والمعقول. فالماديون لم يستطسعوا الاقتراب من هذه المرحلة، ولا علم لديهم على الإِطلاق عن مئات الملاحظات الظريفة التي

[9]

 هي أدّق من الشعرة والموزّعة في أطراف هذه البحوث.

والهدف الأساسي لهذا الكتاب -كما ذكرنا ذلك في مقدمة الجزء الأَول منه- هو إيجاد نظام فلسفي رفيع يقوم على أساس الإِستفادة من الجهود القيمة للفلاسفة المسلمين التي امتدت ألف عام من الزمن، ومن ثمار التحقيقات الواسعة الرائعة لعلماء الغرب، زمن استخدام ملكة الإِبداع والابتكار. ولهذا نشاهد في هذه المجموعة من المقالات، تلك المسائل التي كان لها دور أساسي في الفلسفة القديمة، ونلاحظ فيها المسائل التي تهتم بها الفلسفة الحديثة، ونجد أيضاً ضمنها أموراً لم تتناولها الفلسفة الاسلامية ولا الفلسفة الأوربية بالدرس والتحقيق.

ولم يختص العلم ولا المعرفة بزمان معين، ولم ينحصر في أمة بعينها، ولا في شعب وحده، ولو كان العلم منحصراً في أشخاص معينين، لما حقق هذا التقدم الباعث على الحيرة الذي نشاهده اليوم في عصرنا الراهن.

فالوضع المتميز للحضارة البشرية المعاصرة، وذوبان المسافات بين الأُمم والشعوب، والإِنفتاح الحاضر بين الشرق والغرب فيما يتعلق بالمعارف والمعلومات ، -كل هذه- توفر أَفضل الفرص للمحقّق لكي يستفيد من نتائج قرون من التحقيق والدراسة والعذاب جاءتة من طرق مختلفة، وهو يستطيع أن يستغل طاقات الإِبداع الكامنة في نفسة، ويفتح بها سُبلاً جديدة ويقتحم آفاقاً رفيعة، وبفضل هذه الفرص والجهود المبذولة في هذا السبيل، استطاع العلم وتمكنت الفلسفة من قطع مراحل جديدة وتحقيق تقدم ملموس.

                                    طهران -شهر اسفند 1333 هـ . ش    

                                             مرتضى المطهري                   

[11]

مقدمة المعلق

إن الموضوع الذي نريد أن نتناوله في هذه المقالة يشبة تلك المواضيع المطروحة في المقالات: الثانية والثالثة و الرابعة من حيث كونها متعلقة بالعلوم والِإدراكات البشرية. ففي هذه المقالة نتناول الإِدراكات الذهنية بالدرس والتحقيق من ناحية خاصة، وهذه الناحية الخاصة عبارة عن الدراسة حول:" كيفية حصول الكثرة في الإِدراكات".

ولعلّ القارئ الكريم يتصور بادئ ذي بدء، إن ناحية حصول الكثرة في الإِدراكات ليست بحاجة إلى دراسة ولا إلى تحقيق، ذلك لأن كثرة الإِدراكات تابعة لكثرة المدركات، فنحن نجد في أَذهاننا إدراكات وتصورات كثيرة، لأن أشياء عديدة موجودة فيها وراء أذهاننا، ولما كانت تلك الأَشياء الواقعية الخارجية كثيرة ومتعددة وهي التي تولّد فينا الإِدراكات عندما تتصل بها قوانا المدركة، فهي إذن بالضرورة والحتم، تصبح منشأً لإِدراكات كثيرة، ولكننا نلفت انتباه القارئ العزيز إلى أن هذه المقالة ليست ناظرة إلى هذا القسم من الكثرة في الإِدراكات، ذلك لأن هذا القسم من الكثرة في الإِدراكات بالذات يتعلق بكثرة المدركات الخارجية، وبالتبع يتعلق بالإِدراكات، أما ما نقصد إليه في هذه المقالة فهي الكثرة المتعلقة بالذات بالإِدراكات نفسها، ولا علاقة لها إطلاقاً بكثرة المدركات

[12]

 الواقعية. وبعبارة أُخرى، فإن الكثرة إلى ذهن القارئ الكريم  -أي كثرة الإِدراكات الآتية من كثرة المدركات- نابعة من ناحية الذهن الانفعالية، وأما ما هو مقصود في هذه المقالة فهو الكثرة الناشئة من ناحية الذهن الفعالة، وعاملها الأَصلي هو التكثير الذي يقوم به الذهن نفسه.

وفي ضمن شرحنا لكيفية حصول الكثرة في الإِدراكات نبيّن طريق حصول على الإِدراكات لنعرف من أى سبيل ترد الإِدراكات والتصورات إلى الذهن، وما هي حدود قدرة الذهن على كسب المجهولات، وما هي حدود قدرة الذهن البشري على التدخل والحكم.

ففي هذه المقالة ولوأننا لم نعنون بحثاً بعنوان:

"الحس والعقل" ولكن النتيجة التي تنتظر من موضوع الحس والعقل يمكن انتزاعها من المواضيع المختلفة لهذه المقالة، وذلك لأننا نبيّن ضمن مواضيع هذه المقالة، ما هو لون الإِدراكات التي تنطبع في الذهن ويصورها عن طريق الإِنعكاس من إحدى الحواس الخارجية أو الداخلية لظاهرة معينة، وما هو لون الإِدراكات التي ليست من هذا القبيل، والذهن في هذه الحال يظفر بالإِدراكات عن طريق غير طريق الإِحساس المباشر.

وسبب أن هذا الموضوع وهو "كيفية ظهور الكثرة في الإِدراكات الذهنية" لم تتناولة الفلسفة القديمة ولا الفلسفة الجديدة ولا علم النفس الحديث بالنقد والتحليل. فمن الممكن أن لا يأنس إليه القارئ الكريم ولا يتسجم مع ذوقة، ولكننا نسعى في التعليقات أن نقرّب الموضوع ونبسطة بالإِصطلاحات والأُمور المأنوسة لدى قرائنا الأَعزاء،

[13]

 ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنظريات الفلاسفة المحدثين، فنحن نحاول بكل ما نستطيع وبما يتناسب مع هذه المقالة أن نقرّب ونقارن وننقد ونحكم بينها بشكل أوسع من غيرها.

               

                            *     *     *

 وكما ذكرنا في مقدمة المقالة الرابعة فإن المسائل المتعلقة بالعلم (الإِدراك) تتميز بأهمية فائقة سواء أفي الفلسفة القديمة أم في الفلسفة والعلوم الحديثة، وقد وقف فلاسفة أوروبا ومحققوها في القرون الأَربعة الأَخيرة معظم جهودهم لدراسة هذه المسائل، بحيث يمكن أن يقال: إن محور المسائل الفلسفية في أوروبا هي هذه المسائل الثلاث:

     1-قيمة المعلومات.

     2- طريقة الحصول على العلم.

     3-تعيين حدود العلم.

فالاختلاف في المسألة الأُولى يفصل الفلاسفة عن السوفسطائيين، ويُمَيّزُ أصحاب اليقين من الشكّاكين، والاختلاف في المسألة الثانية يقسم علماء أوروبا إلى فئتين رئيسيتين هما العقليون والحسيون ويثير بينهم نزاعاً صاخباً، أما الاختلافات في المسألة الثالثة فهو يستلزم اختلاف نظريات العلماء وعقائدهم بالنسبة للفلسفة العقلية التى تعدّ الفلسفة الأولى (الميتافيزيقا) أوضح مصاديقها وهى التى كان يسميها القدماء (العلم الكلي) و (الفلسفة الحقيقية)، بحيث ظن بعضهم أن التحقيق في هذا الفن، واصدار الحكم بالنسبة لمسائلة نفياً أو إثباتاً، وهو أمر خارج عن حدود قدرة الذهن البشرى، بينما يعتقد البعض الآخر إنه أكثر الفنون يقيناً وأبعدها عن الحاجة.

[14]

فالمسألة الأُولى من هذه الثلاث قد مرّ التحقيق فيها وذلك في المقالة الرابعة، وأما المسألتان الأخريان مع إضافة بعض الأُمور الأَساسية الأُخرى فقد خصصنا لدراستها هذه المقالة، ولكي يصبح القارئ الكريم متمتعاً برصيد ذهني كافٍ من أجل استيعاب ما يدور في هاتين المسألتين نذكر بعض المقدمات:

طريق الحصول على العلم:

يدور البحث في هذا الموضوع حول هذا الأمر:

ما هو المبدأ والمنشأ الأولي للعلم البشري؟ وما هي كيفية الإِدراكات الإِبتدائية أي العناصر الأولية البسيطة للإِدراكات؟ ومن أي طريق تظهر؟

وبعبارة أُخرى: نحن نعلم أن التفكير يعني صياغة المركبات من الأمور البسيطة وتكوين القضايا من المفردات وتشكيل القياسات من القضايا ثم أَخذ النتائج منها، ومن ثم توجد الفلسفلة والعلوم من هذه القياسات والنتائج. إذن اللبنة الأَساسية للتفكير هي المفردات والأُمور البسيطة، وهنا لا بد أن نبحث عن هذه المفردات والأمور البسيطة التي هي اللبنة الأَساسية للتفكير البشري من أين تأتي ومن أي طريق تعرض الذهن البشري؟

والقدر المتيقن أن هذا الموضوع كان منذ الأَزمان الغابرة وحتي العصر الحاضر مورد إهتمام البشرية، وقد استمر فيها اختلاف الآراء بأشكال متعدّدة.

ولا يوجد في أيدينا الكثير من آراء علماء اليونان قبل سقراط، وكما يقال فإن أَغلب هؤلاء العلماء  -ومن جملتهم السوفسطائيون- كانوا من أَصحاب الحس، أي إنهم يعتبرون مبدأ ومنشأ جميع التصورات

[15]

والإدراكات الجزئية والكلية، المعقولة و غيرها هي الحواس، ويعتقدون أن السبيل الوحيد لحصول الإِنسان على الإِدراكات هي الحواس التي منحت له.

والذى وقف في تلك العصور موقفاً مخالفاً تماماً لهذه النظرية هو أفلاطون.

أَفلاطون:    

كان يعتقد -حسب ما ينسب إليه عادة في تاريخ الفلسفة- أن العلم والمعرفة لا تتعلق بالمحسوسات لأن المحسوسات متغيرة وجزئية وزائلة، أما متعلق العلم فهو لا بد أن يكون ثابتاً وكلياً ودائماً. فالمعرفة الحقيقية هي إدراك "الُمُثل" التي هي واقعيات كلية ودائمة، وهي من المعقولات وليست من المحسوسات. وقد حصلت هذه المعرفة العقلية لروح كل واحد منا قبل أن يأتي إلي هذا العالم، وذلك لأن الروح قد كانت في عالم المجردات قبل أن تجيء إلي هذا العالم، وكانت تشاهد "المثل" هناك ، ثمّ بعد أن جاورت وخالطت البدن وأَشياء هذا العالم نسيت تلك المثل، ولكن لما كانت أَشياء هذا العالم نماذج وظلالاً من تلك الحقائق فإن الروح بمجرد احساسها بهذه النماذج تتذكر تلك السوابق، إذن، فالإِدراكات الحاصلة للإِنسان في هذا العالم ليست أَشياء جديدة وإنما هي تذكّر للعهد السابق.

هذه النظرية المنسوبة لأَفلاطون تحتوي علي عدة أُمور:

1-الروح موجودة قبل تعلقها بالبدن.

2- تستبطن الروح منذ تعلقها بالبدن معلومات ومعقولات كثيرة.  

3-العقل مقدّم على الحس، وإدراك المعاني الكلية مقدّم على إدراك الجزئيات.

[16]

4-الطريق للحصول على العلم هو مشاهدة المُثُل.

     ومنذ عصر أَفلاطون نفسة وعلى يد تلميذة أَرسطو، بدأت المعارضة النظرية، فأنكر أرسطو وجود المعلومات القبلية بل أنكر وجود الروح قبل البدن، وكذا تقدّم العقل على الحس، وتقدمت الإِدراكات الكلية على الإِدراكان الجزئية.

أرسطو: 

تقوم نظرية أرسطو في باب العلم والمعرفة، على أساس أن الروح في البدن على حدّ القوة والاستعداد المحض، وهي لا تملك بالفعل أيّ معلوم أو معقول، وجميع المعلومات والمعقولات تظفر بها تدريجياً في هذا العالم.

وبعد أرسطو جاء أتباع مذهبه بتقسيم للعقل بلحاظ المراحل المختلفة والدرجات المتفاوتة التي يطويها العقل في سبيل تحصيل المعرفة، من قبيل هذا التقسيم: العقل بالقوة، العقل بالملكة، العقل بالفعل، العقل المستفاد (من اختلاف بيانهم في تقرير هذه المراتب)، ويقال أن أوّل من بيّن هذا التبويب حسب مذهب أَرسطو هو الإِسكندر الأَفريدوسي من حكماء الاسكندرية.

وحسب نظرية أَرسطو يكون إدراك الجزئيات مقدّماً على إدراك الكليات، أي أن الذهن بظفر بإدراك الجزئيات أولاً ثم يأخذ بالتجريد و التعمتم بوساطة القوة العاقلة فينتزع المعاني الكلية. إن نظرية أرسطو في باب تحصيل المعرفة تشمل أمرين رئيسيين:

1-لا يملك الذهن في بدايتة أي معلوم ومعقول، بل جميع الإِدراكات والتصورات، الجزئية والكلية تحصل للنفس في هذا العالم.

[17]

2-الإِدراكات الجزئية مقدّمة على الإِدراكات الكلية.

ولكنه لم تصل إلى أيدينا وثيقة لنعرف منها هل أن أَرسطو يعمم القسم الثاني من نظريتة ليشمل جميع المعلومات والمعقولات، أي حتى ذلك القسم من التصورات العقلية التي تسمى في منطقة بـ "البديهيات الأولية" هي من هذا القبيل فكان يعتقد أن البديهيات الأَولية العقلية مسبوقة بالإِدراكات الجزئية الحسية أيضاً أم أن هذا القسم من النظرية يختص بالماديات وبالكليات المنطبقة على الأفراد المادية، وأما البديهيات الأَولية فكان يعتقد أنها تحصل بالتدريج وبصورة ذاتية للعقل وبدون تدخل أو وساطة الإِدراكات الجزئية الحسية، أي كان يرى أن العقل يبدع هذه التصورات من ذاته. وبالتالى فإن هذا الجانب المهم من نظرية أرسطو يبقى معتماً غير واضح، وقد دفع عدم الوضوح الذى يغلف نظريتة العلماء للحيرة فشرحوا نظريتة في باب العقل والحس بشكل مختلف، فبعضهم أعتبر أَرسطو حسياً، والبعض الآخر اعتبره عقلياً، وبعضهم أتهمهم بالتذبذب. وسوف نعود إلى الحديث حول هذا الموضوع في نهاية هذه المقدمة.

الحكماء المسلمون :

تبنى هؤلاء العلماء غالباً نظرية أَرسطو في باب كيفية حصول العلم والمعرفة ووافقوه على كلا قسميها اللذين مرّ شرحهما آنفاً ، أي أنهم اعترفوا من ناحية بأن نفس الإنسان في حالة الطفولة في وضع القوة والإستعداد المحض وهي صفحة بيضاء لم يكتن فيها شيئ ولها الإستعداد فقط لتقبل الكتابة وهي لا تملك بالفعل أي معلوم أو معقول ، وكانوا من ناحية أحرى بعتبرون الإدراكات الجزئية الحسية مقدمة على الإدراكات الكلية العقلية . وعلاوة على هذا فإن الجزء المهم في نظرية أرسطو ، والذى بقي غامضاً

[18]

 مبهماً أصبح واضحاً في نظرية العلماء المسلمين، وذلك لأن هؤلاء العلماء قد صرّحوا بأن جميع التصورات البديهية العقلية هي أمور انتزاعية ينتزعها العقل من المعاني الحسية، والشيء الذي يجب التنبية عليه، هو أن هناك فرقاً بين انتزاع المفاهيم الكلية التي تنطبق على المحسوسات من قبيل مفهوم الإِنسان والفرس والشجر وانتزاع البديهيات الأَولية والمفاهيم العامة من قبيل مفهوم الوجود والعدم والوحدة والكثرة والضرورة والإِمكان والإِمتناع، وهذا الفرق هو أن انتزاع الفئة الأُولي يحصل للعقل عن طريق تجريد وتعميم الجزئيات المحسوسة بشكل مباشر، وأما الفئة الثانية فهي منتزعة بشكل آخر، وبعبارة أُخرى: إن الفئة الأُولي هي نفس الصور المحسوسة التي وردت إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس، ثم قال العقل بما يتمتع به من قوة التجريد بصياغة معني كلي من تلك الصور المحسوسة، ولكن الفئة الثانية لم ترد إلى الذهن من طريق الحواس مباشرة وإنما الذهن بعد أن بظفر بالصورة الحسية فإنة يقوم بنشاط خاص وترتيب معيّن لينتزع هذه المفاهيم من تلك الصورة الحسية. ولهذا تسمى الفئة الأُولي بالأصطلاح الفلسفي بـ "المعقولات الأُولي"، والفئة الثانية المعتمدة على الفئة الأُولي بـ "معقولات الثانية". وهذه المعقولات الثانية الفلسفية هي التي تشكّل البديهيات الأَولية للمنطق وموضوعات أغلب مسائل الفلسفية الأُولى. وعلى الإِجمال فإن المعقولات الأُولى والمعقولات الثانية مسبوقة جميعاً بالإِدراكات الجزئية الحسية.

ويكفينا في هذا الصدر أن نذكر قول صدر المتألهين في كتابه الشواهد الربوبية وكتابه الأَسفار شاهداً على ما نقول:

فهو في الإِشراق التاسع من الشاهد الأَول من المشهد الثالث من كتاب الشواهد الربوبية يقول:

[19]

"إن أول شيء يحدث من آثار المحسوسات التى هي معقولة بالقوة ومجتمعة في مخزن قوة التخيل (الحافظة) هي البديهيات وهي عبارة عن الأوليات والتجربيات ...".

ويقول في الأَسفار في مبحث العقل والمعقول بعد أن يبين عمل الآلات الحسية:

" إن الحواس بمنزلة الجواسيس مختلفة تجلب الأَخبار من أطراف متعددة، والنفس تستفيد عن طريق هذه الجواسيس"

 ثم يواصل حديثة قائلاً:

"ثم إن هذه التصورات تجعل النفس مستعدّة للظفر بالبديهيات الأولية التصورية والبديهيات الأولية التصديقية".

وليس مستغرباً أن نذكر في هذا المجال حديث المتكلم والمفسرّ المعروف الإمام الفخر الرازي في تفسير الكبير:

يقول الفخر الرازي في ذيل الآية الكريمة:

{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [الآية 78-سورة النحل]

"الِإنسان خُلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء ثم قال وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، والمعني أن النفس الإِنسانية لما كانت في أَول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله فالله تعالى أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد يقرير فنقول:التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية وإما أن

[20]

تكون بديهية، والكسبيات إنما يمكن نحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول: هذه العلوم البديهية إما أن يقال إنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة، والأَول باطل لإِنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا أجنة في أرحام الأُمهات ما كنا نعرف أن النفي والإِثبات لا يجتمعان وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء، وأما القسم  الثانى فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها ما كانت حاصلة فحينئذ لا يكن حصولها الا بكسب وطلب وكل ما كان كسبياً فهو مسبوق بعلوم أُخرى فهذه العلوم البديهية تصير كسبية ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أُخرى إلى غير نهاية وكل ذلك محال".

ثم يقول الفخر الرازي بعد ذكر هذا الإِشكال: 

"وهذا سؤال قوى مشكل وجوابة أن نقول إن الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نقوسنا ثم أنها حدثت وحصلت، أما قوله قيلزم أن تكون كسبية، قلنا: هذه المقدمة ممنوعة بل نقول انما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر" (تفسير الفخر الرازي-المجلد الخامس من الطبعة القديمة ص 500)،وليس عن طريق الكسب والإِستدلال، ثم يفصل الجواب ولكن تفصيله ليس خالياً من النقص.

كانت هذه نظرية العلماء المسلمين في هذا المجال، ولكنه في نفس الوقت يوجد جانب مهم آخر في نظرية هؤلاء العلماء قد بقي مبهماً غامضاً، وهذا الجانب هو متعلق بكيفية انتزاع البديهيات الأَولية العقلية

[21]

من المحسوسات، فهؤلاء العلماء مع أنهم يصرحون بأن العقل ليس قادراً على إبداع تصوّر من عند نفسه، وحتي البديهيات الأَولية التصورية للمنطق التي تشكل موضوعات أغلب مسائل الفلسفة الأُولي فهي أُمور انتزاعية، ولكنهم لم يبينوا كيفية انتزاع هذه المفاهيم وكيفية عمل الذهن ومن أي طريق وبأي نحو يظفر بهذه المفاهيم، ومن الواضح أن لهذه الأُمور أَهمية كبيرة. ويذكر هؤلاء العلماء دائماً في المنطق والفلسفة مجموعة من المعاني والمفاهيم (من قبيل مفهوم الوجود والعدم والوحدة والكثرة والضرورة والإِمكان والإِمتناع وغيرها) مطلقين عليها عناوين "المفاهيم الإِنتزاعية" أو "المعقولات الثانية" أو "الخارجة المحمولة"، ويشعرون أن هذه المعاني والمفاهيم قد جاءت بطريقة الإِنتزاع من معان أُخرى (الماهيات: من قبيل الفرس والشجر والإِنسان والبياض والسواد والشكل وغيرها)، ولكنهم لا يقدّمون أي توضيح حول هذا الإِنتزاع ماذا يعني، وكيف تولد هذه المعاني من تلك المعاني مع أن هذه المفاهيم مغايرة لتلك المفاهيم، وعل يمكن في الواقع أن يولد مفهوم مفهوماً آخر؟ أو أن يرد إلى الذهن معنى عن طريق الحس مثلاً ثم يجرّ معه معنى آخر لاسابقة له في الذهن، وإنما الذهن بالنسبة إليه خال وعار تماماً؟!!

لقد أهتمت هذه المقالة لأول مرة في تاريخ الفلسفة بهذا الموضوع الحساس، وبينت كيفية وترتيب انتزاع هذه المفاهيم باضافة مواضيع أُخرى مهمة ومطلوبة.

النظريات الحديثة:

لقد طرحت هذه المسألة للبحث في أوروبا منذ القرن السادس عشر فما بعد بشكل آخر وأثارت صراعاً عظيماً، ويختلف مسير هذه المسألة بين الأُوروبيين مع ما مرّ علينا منذ قليل من حيث الشكل والكيفية.

[22]

وانقسم علماء الأُوروبيين بالنسبة إلى هذه المسألة (طريق الحصول على العلم) إلى فئتين: فئة تُسمي بالعقليين والثانية تسمي بالحسيين.

العقليون:

تعتقد هذه الفئة بأن الإِدراكات الذهنية على قسمين: الأَول تلك التي ترد الذهن عن طريق إحدى الحواس، والثاني تلك الإِدراكات التي يبدعها الذهن من ذات نفسه، وهي فطرية ومن الخواص الذاتية للعقل، وحسب ما يعتقد العقليون فإن هذه التصورات لا مبدأ ولا منشأ لها سوى العقل، وقد حصلت للعقل قبل أي حس واحساس، ولو فرضنا أنه لم ترد إلى الذهن أي صورة محسوسة فإن الذهن واجد هذه التصورات في ذات نفسة.

ويذكر ديكارت -زعيم العقليين- بعض المفاهيم والتصورات من قبيل الوجود والوحدة وحتي البعد والشكل والحركة والمدة، ثم يقول إن هذه التصورات لا تعتمد على الحس إطلاقاً بل هي فطرية وذاتية للعقل. وظهر بعد ديكارت جماعة من الفلاسفة يسلمون بأصول معتقداته مع شيء من الإِختلاف ويعتقد ديكارت وسائل العقليين أن العلم الحقيقي الذى يمكن الإِعتماد علية والإِطمئنان به هي الحاصل عن طريق المعقولات الفطرية. وقد ذكرنا في مقدمة المقالة الرابعة حديث ديكارت وأتباعة (ليرجع من شاء إلى الجزء الأول ص 197-201 من الترجمة العربية لهذا الكتاب).

ويقول "كنت" أيضاً بالمعاني الفطرية ولكن بشكل آخر ويسمي بعض التصورات الأُخرى بـ "ما قبل الحس والإِحساس" ويعتقد "كنت"

أن مفهوم الزمان والمكان وما يتفرّع منهما هو من هذا القبيل. وهو يعدّ جميع

[23]

 المفاهيم الرياضية فطرية وضمن ما قبل الحس والإِحساس.

وحسب نظرية العقليين تكون العناصر العقلية الأولية البسيطة على قسمين: الأول المعقولات التي ترد إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس الخارجية أو الداخلية، وتقوم القوة العاقلة بتجريدها لتصوغ منها الصورة الكلية والمعقولة. القسم الثاني المعقولات الفطرية وهي من الخواص الذاتية للعقل ولا تعتمد إطلاقاً على الحس والإِحساس.

الحسيون :

يعتقد هؤلاء أنه لا معنى للتصورات الفطرية الذاتية، فالذهن في البداية مثل صفحة بيضاء لم يكتب فيها شيء ثم تتكاثر فيها الكتابة عن طريق الحواس الخارجية والحواس الداخلية، ولا يؤدي العقل أيّ عمل سوى التجريد والتعميم والتحليل والتركيب فيما يرد إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس. فجميع التصورات الذهنية وبدون أستثناء إنما هي صور يعكسها الذهن بواسطة الآلات الحسية عن الظواهر الخارجية من قبيل البياض والسواد والحرارة والبرودة والنعومة والخشونة وغيرها، أو عن الظواهر النفسية من قبيل اللذّة والألم والشوق والإِرادة والشك واليقين وغيرها، ثم يصوغ معاني كلية منها بقوة التجريد والتعميم ويوجد منها صوراً متنوعة بوساطة قوة التحليل والتركيب.

وزعيم هذه المجموعة هو "جون لوك" الانجليزي، وتنقل عنه جملة معروفة في هذا الباب أصبحت مثلاً في لغتهم: "لا يوجد في العقل شيء  لم يوجد قبل ذلك في الحس"،

وحسب هذه النظرية فإن العناصر الأَولية للعقل البشري تنحصر فيما ترد إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس الخارجية أو الداخلية وسوف نثبت

[24]

 في هذه المقالة بطلان هاتين النظريتين المشهورتين في أُوروبا، فلا النظرية العقلية صحيحة ولا النظرية الحسية، فليست الحقيقة كما يقول العقليون بأن العقل واجد لبعض المفاهيم والتصورات بالفطرة وبالذات، وليست هي كما يظن الحسيون من أنّ محتويات الذهن منحصرة فيها يعكسه بوساطة الحواس الخارجية أو الداخلية من الظاهرة الخارجية أو الظواهر النفسية. وبعبارة أُخرى فإننا سوف نثبت أنه لا كما يقول العقليون من أنّ للعقل خاصية ذاتية يبدع بها بعض المفاهيم من ذات نفسه ومن دون تدخّل أي قوة أُخرى، ولا كما يدعي الحسيون من أنّ عمل العقل ينحصر في التجريد والتعميم والتحليل والتركيب للصور المحسوسة، وإنما تقوم القوة المدركة للإِنسان بنشاط آخر نسمية نحن بنوع خاص من الانتزاع، ويطلق عليه في هذه المقالة عنوان "الاعتبار". وهذا الاعتبار أو الانتزاع هو الذي يوجد في الذهن البديهيات الأَولية التصورية للمنطق وأغلب المفاهيم العامة للفلسفة، وتسمي هذا المفاهيم الانتزاعية بالمفاهيم العامة من جهة أنها أعمّ التصورات التي ترد إلى الذهن وأَكثرها كلية، ولا يمكن أن يوجد ما هو أعمّ من هذا التصورات: كتصور الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب والإِمكان وأمثالها. إن هذه المفاهيم العامة وبالترتيب الذي سوف تذكر به تكون من حيث الظهور في الذهن متأخرة عن المفاهيم الخاصة ولا سيما عن المحسوسات الخارجية، وهي من هذه الجهة تقع في الدرجة الثانية (المعقولات الثانية) ولكنها من الناحية المنطقية تكون "بديهية أولية"، أي أنها في الدرجة الثانية من الناحية الفلسفية والنفسية، وفي الدرجة الأُولى من الناحية المنطقية.

وعلاوة على هذا فقد بيّن في هذه المقالة كيفية ظهور مجموعة من التصورات الأُخرى التي بعضها بديهي أولي و بعضها ليس كذلك، من

[25]

 قبيل مفهوم العلية والمعلولية والجوهر والعرض والحكم التى كان موقف الفلاسفة إزاء ظهورها أما السكوت وأما إبداء الحيرة، وقد استفيد في هذا السبيل الشهود النفسي الخاص الذي يرفع الإِشكال ويزيل الغموض، وسوف يأتينا توضيح هذه الأُمور تدريجياً ضمن المقالة تفسها.

تعيين حدود العلم :

تعتبر هذه المسألة جديدة وغير مسبوقة بهذا الشكل المطروحة فيه للبحث بين العلماء خلال القرون الأَخيرة، وقد حصل ذلك نتيجة للإِهتمام الخاص في هذه القرون بعالم الإنسان وإدراكاتة الذهنية. ومن المعروف أن سائر العلماء أيضاً تحدثوا عن كون العلم البشري محدوداً من قبيل أن حقائق العالم غير متناهية بينما قوة التفكير الإِنسانية محدودة إذن لن يكون العلم بكل شئ نصيب أيّ إنسان، أو قولهم لا يمكن معرفة حقيقة الوجود بالعلم الحصولي لأن ما يعلم بالعلم الحصولي هو من قبيل الماهيات، وأمثال هذه الأَقوال، ولكنه من الواضح أن هدف هؤلاء العلماء من هذه الأَحاديث يختلف عن هدف العلماء المحدثين. وتوجد بين العلماء المحدثين نظريتان تتعلقان بحدود العلم:

أ - تعتقد مجموعة من العلماء أن طاقة الفكر البشري على الحكم تنحصر في حدود ظواهر الطبيعية (فنومنات) وأعراضها وتعيين الروابط بينها وهذه الظواهر والأَعراض هي التي يمكن تجربتها والإِحساس بها، وأما التحقيق كنه الأمور وما وراء ظواهر الطبيعة وأَعراضها سواء أكان متعلقاً بالطبيعة نفسها أم بما وراء الطبيعة فهو أمر يفوق طاقة الفكر البشري وكل ما قيل لحدّ الآن في هذا الباب لم يكن له أساس إنما هو تحليق خيال وتسطير ألفاظ.

[26]

ويرى هؤلاء أن العلوم الطبيعية  -كالفيزياء والكيمياء وعلم الأَحياء وأَمثالها- معتبرة وذاي قيمة، وذلك لأن هذه العلمو لا يبحث فيها إلاّ عن العلاقات الظاهرية للأشياء القابلة للإِحساس والتجربة. وكذا علم النفس فإنه معيبر أيضاً لأن هذا العلم بأسلوبه الحديث يغضّ الطرف عما وراء الأَغراض والحالات النفسية (من قبيل البحث عن الروح هل هو جوهر أم ليس بجوهر) ويبحث فقط عن الأَغراض النفسية والعلاقات السائدة بينها. وعلم الرياضيات معتبر أيضاً لسببين: أولاً لأن هناك ممنشأً حسياً لظهور المفاهيم الرياضية كالعدد والخط والسطح و الجسم، ثانياً لأنه يمكن إثبات صحة المسائل الرياضية عملياً. وأما ما ليس من هذا القبيل سواء أكان متعلقاً بالطبيعة كالبحث عن حقيقة الجسم الطبيعي وهل أن الجسم في آخر مراحل تحليلة مركب من أَجزاء خالية من البعد أم أن الوحدة الحقيقية للجسم تتضمن البعد والشكل والمقدار، أم كان متعلقاً بما وراء الطبيعة كالبحث عن وجود الروح المجرد ووجود الله والبحوث المتعلقة بالجوهر والعرض والدور والتسلسل فإن البحث بأسلوب فني في هذه الأُمور نفياً وإثباتاً فوق طاقة الفكر البشري.

فالحسيون الذين ذكرنا فيما مضى رأيهم بالنسبة لـ "طريق الحصول على العلم" تابعون لهذه النظرية لأَنهم يعتقدون من ناحية بأنه "ليس في العقل إلا ما هو موجود في الحس" وينحصر عمل العقل في التصرف بالصور المحسوسة من دون أن تكون له القدرة على إضافة تصور غير الصور المحسوسة، ولأَنهم عرفوا من ناحية أُخرى أن عمل الحواس محدود واتضح لهم أن هناك أموراً معينة فقط هي التي تدرك بالحواس.

واستنتجوا من هاتين المقدمتين أن قدرة الفكر البشري على الحكم محدود بالمحسوسات والأُمور الحسية. ولهذا تصبح الفلسفة بمعناها

[27]

 الحقيقي التي تعني ذلك الفن المعتمد تماماً على المعقولات في نظر هؤلاء ليست إلا تسطير ألفاظ ونسج خيال. وتعتقد هذه الفئة أن العلم لا ينفك عن الحس وأن الفلسفة لا تنفك عن العلم.

وتكون المذاهب الفلسفية للحسيين -محدودة بمجموعة من المسائل التي لا تتجاوز حدود تفسير ظواهر الطبيعة وأعراضها. وفي اصطلاح هؤلاء عندما تطلق الفلسفة عادة فإن المقصود منها ليس هو مجموعة من المسائل العقلية والنظرية المحضة وإنما يقصد بالفلسفة بعض المسائل الفيزيائية أو الرياضية أو مسائل علم النفس والحد الأَقصي هو المسائل المنطقية التي تتميز بأنها أكثر عمومية.

ويعتقد الحسيون أنه لا أساس للفلسفة الأُولى (الميتافيزيقا) التي كان القدماء يهتمون بها كثيراً ويرفعون من شأنها ويسمونها بالفلسفة الحقيقية والعلم الكلي وعلم العلوم والعلم الأعلى، وذلك لأن مسائلها خارجة عن حدود ظواهر الطبيعة والمحسوسات، ولهذا فهي ليست ضمن الحدود التي يستطيع الإِنسان أن يحقق فيها ويدرس.

ونذكر من الحسيين الذين يصرّون على هذه العقيدة ويتمسكون بها "أُوجست كنت" ومن العقليين "كانت".

ويرى "أُوجست كنت" أن تاريخ الفكر البشري قد قطع لحد الآن ثلاث مراحل: المرحلة الأُولى هي الأسطورية والخيالية، الثانية هي العقلية والفلسفية، الثالثة هي العملية والحسية. ففي المرحلة الأُولى حيث كانت البشرية تعيش مرحلة الطفولة والتوحش كان الإِنسان يربط جميع الحوادث بالأرواح الطيبة والخبيثة وبأرباب الأنواع. فكلما شاهد الإِنسان في هذه المرحلة ظاهرة من قبيل المطر والثلوج والقحط وكثرة النعم

[28]

 والمرض والصحة والسلام والحرب فهو ينسبها الآلهة وتدخل الأرواح الطيبة والخبيثة. أما في المرحلة الثانية فقد نضج الفكر البشري وعرف أنه لا يمكن تفسير الحوادث الطبيعية بإِرادة الآلهة بل لا بد من البحث عن عللها الطبيعية في الطبيعة نفسها، ولهذا اخترع في هذه المرحلة الفروض العقلية في تفسير الحوادث وقال بالقوى الطبيعية والصور النوعية والنفس النامية والنفس الحيوانية والنفس الناطقة. وتعدّ هذه المرحلة أكمل من الأُولى ولكنها ليست المرحلة الأَخيرة وإنما هي المتوسطة التي تريط الأُولى بالثالثة.

والتفت الإِنسان في المرحلة الثالثة إلى أن تلك الفروض العقلية والفلسفية لتفسير الحوادث لا يوجد دليل عليها وأن الطريق الصحيح ينحصر في أن نكفّ أنفسنا عن البحث عن العلل الواقعية ونكتفي بتعيين العلاقات بين الأَشياء المحسوسة التى لا شك ولا جدال في وجودها. ومكان تلك الفروض العقلية نقول بأن حوادث الطبيعة بعضها علة البعض الآخر. وفي هذه المرحلة فقط تكتسب النظريات البشرية صفة الوضعية والواقعية، أي أنها تهتم فقط بالحوادث الخارجية المحققة وتدخلها في الحساب.

ويعدّ "أُوجست كنت" نفسه واضعاً لفلسفة معينة يسميها "بوزيتيفيسم" وقد ترجمة بـ  "الفلسفة الوضعية" أو الظاهرية، وهو يعتبر فلسفتة هذه ممثلة للمرحلة الثالثة من مراحل الفكر البشري.

ويدّعي كنت أننا الآن حيث نعيش المرحلة الثالثة نجد أسلوب تفكير بعض الناس يتناسب مع المرحلة الأُولى أو المرحلة الثانية. ويدعي أيضاً أنّ كل فرد منا يمّر بهذه المراحل الثلاث، فهو في بداية عمره يفكرّ بشكل خيالي وأسطوري ثم إذا نضج شيئاً ما فإن طريقة تفكيره تصبح عقلية

[29]

فلسفية وعندما يغدو محنكاً ذا تجارب فإن أسلوب تفكيره الفلسفي يتحول إلى تفكير علمي حسي.

وينكر "كنت" أيضاً قيمة الفلسفة الأُولى مع كونة من العقليين ويعترف بالمعاني الفطرية الذاتية للعقل، وهو يعتبر العلوم المتعلقة بواقعيات ما وراء الذهن حصيلة تعاون العقل والحس، ويدعي أن الحس فقط أو العقل وحدة لا يستطيع أن يؤسس علماً.

ويقول "كنت" أن العلوم الطبيعية ذات قيمة لأنها حصيلة العقل والحس معاً. وللرياضيات أيضاً قيمة عنده ومع أنه يعتقد أن الحس لا دخل له فيها فهي عقلية محضة ولكن المسائل الرياضية لما كانت متعلقة بفرضيات الذهن نفسة فهي لا بد أن تكون صادقة لأن العقل يستطسع أن يحكم ويقضي فيما يفرضه هو.

أما الفلسفة الأُولى فلا قيمة لها لأَنها ليست مثل الطبيعيات التي يمكن أن تتخذ لنفسها صورة علمية بتعاون الحس والعقل، وليست كالرياضيات التي هي حكم العقل بالنسبة لمفروضاته ومخلوقاته.

ونرى من اللازم أن نوضّح هذا الموضوع: فالمنكرون لقيمة الفلسفة العقلية المحضة التي أوضح مصاديقها الفلسفة الأُولى وتوابعها يستدلون بطريقين مختلفين، وهم لا يفصلون بين هذين الطريقين في أغلب الأحيان.

1-من طريق علم النفس: أي من هذا الطريق وهو أن المواد والعناصر الأولية للذهن البشري ليست كافية لحلّ تلك المسائل لأن تلك العناصر الأولية تنحصر في الصور الحسية ولا عمل للعقل سوى التصرف

[30]

في تلك الصور الحسية، أما مسائل الفلسفة العقلية فهي خارجة عن حدود الحس والإِحساس.

2-من طريق منطقي: أي من هذا الطريق وهو أن المقياس لصحة وسقم قضايا الفكر البشري ينحصر في التجربة العملية، وأما المقاييس العقلية التي يتوسل بها المنطق العقلي لتقييم الفكر وتمييز السليم من السقيم والصحيح من الخطأ فهي ليست مفيدة ولا يطمأنّ إليها. وكل نظرية وفرضية (وإن كانت تتعلق بظواهر الطبيعة وتفسيرها) لا تخضع للتجربة العملية فإنها لا يمكن الإِعتماد عليها والاطمئنان بها، ومسائل الفلسفة العقلية ليست قابلة للتجربة العملية، فلا يمكن مثلاً تجربة هذه المسألة:

أيهما الأصيل الوجود أم الماهية؟

أو هذه المسألة:

هل الدور والتسلسل ممكنان أم مستحيلان؟

ب:-أنكر مجموعة من العلماء المحدثين تلك المحدودية التي أضفاها على العلم أصحاب النظرية السابقة، وقالوا بإمكانية الحكم فيها يتعلق بما وراء المحسوسات أيضاً. ويتبني بعض هؤلاء العلماء هذه النظرية لأنهم يعترفون بوجود التصورات الفطرية للعقل من قبيل "ديكارت" وأتباعه، وأما البعض الآخر فقد سلكوا طريق الشهود والعرفان والسر الباطني، وبعتقد الفيلسوف الشهير "هنري برجسون" في فلسفته على هذه النظرية. وسلك بعضهم سبلاً أخرى لا نجد أنفسنا بحاجة هنا لبيان نظرياتهم.

وفي هذه المقالة وضمن بياننا لـ"ظهور الكثرة في الإِدراكات" فإننا

[31]

نجيب على الإِشكالين الذين أوردهما منكرو قيمة الفلسفة العقلية. فمن جهة وأثناء بيان كيفية حصول الكثرة في الإِدراكات سوف يأتي الحديث عن المفاهيم الميتافيزقية وسيعلم أن هذه المفاهيم معتبرة من ناحية علم النفس، ومع أنها لم ترد الى الذهن من طريق الحواس ولكن لها منشأً صحيحاً ومعتبراً، ومن جهة أُخرى فسوف نثبت من الناحية المنطقية أنه ليست التجربة العملية فقط هي المعيار والمحك لصحة وسقم القضايا، وحتى التجريبيون أَنفسهم (ومن دون أن يشعروا) يعتنقدون بشكل يقيني بمجموعة من القضايا الفكرية شاؤوا أم أبوا، ولا تخضع هذه القضايا للتجربة العملية. وبالإِضافة إلى هذا فسوف يعلم في البحوث الآتية أن الإِنسان لا يستطيع أن يقبل أي قضية تجريبية ما لم بعتقد قبل ذلك بمجموعة من القضايا غير التجريبية.

                         *     *     *

وفي خاتمة المطاف لا نجد بدّاً من ذكر بعض الملاحظات:

1-الإِختلاف الواقع بين علماء الشرق والغرب، بين الحسيين والعقليين في مسألة "طريقة الحصول على العلم" يتعلق بالعلوم والإِدراكات التصورية، أي التصورات البدائية البسيطة (الخالية من الحكم) التى تعرض الذهن من قبيل تصور البياض والسواد والحرارة والبرودة والخط والسطح والوجود والوحدة والكثرة ... وأما العلوم التصديقية أي الأحكام الذهنية التى تربط تلك التصورات ببعضها وتصل وتفصل بينها مثل قولنا "البياض غير السواد" أو "الخط يعرض السطح" أو "الوجود مساو للوحدة" فمن الواضح أنها خارجة عن محل النزاع، وذلك لأن الحكم نفسه لون من النشاط الذهني الخالص، ولا يمكن لأَحد

[32]

  أن يدّعي أن الحكم يرد إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس، وكذا النسبة والرابط بين المحمول والموضوع في الخارج حيث يكون الحكم ناظراً إليها فإنه لا معنى لأن تكون هذه قد وردت إلى الذهن عن طريق الحواس وذلك لأن النسبة ليس لها في الخارج واقع مستقل عن واقع الطرفين (الموضوع والمحمول)، والذي يرد إلى الذهن عن طريق الحواس عبارة عن صور الواقعيات الحاصلة في الذهن نتيجة للإِتصال الخاص بين تلك الواقعيات والآلات الحسية.

والحكم هو نشاط الذهن بين التصورات القادمة إلى الذهن من طريق الحس أو من طرق أُخرى.

وعلى هذا فالإِختلاف الواقع بين الحسيين والعقليين في باب التصورات لا يمتدّ إلى باب التصديقات.

ويمكن أن يوجد في باب التصديقات اختلاف في الرأى وهو: لا شك أن بعض الأَحكام لا تحصل بذاتها للذهن، أى لا يكفي صرف تصور الموضوع والمحمول لكي يقضي الذهن، بل لا بد تدخل عوامل أُخرى لكي يستطيع الذهن أن يصدر حكمه، ولا شك أيضاً بأن من العوامل التى تعدّ الذهن للأَحكام الجزئية هو الإِحساس (من قبيل الحكم بأن هذه الورقة التى في يدي بيضاء)، ومن العوامل التى تعدّ الذهن للأحكام الكلية والعامة هو التجربة العملية فنجمع كل معلوماتنا المتعلقة بالطبيعة، فنحكم مثلاً بشكل كلي بأن الأَجسام تنيسط في أثر الحرارة، ومن البديهي أن أحداً لا يستطيع اصدار هذا الحكم ما لم تتوفر التجربة العملية.

والآن لننظر هل أن جميع الأَحكام الكلية العامة تحتاج إلى التجربة

[33]

 العملية أما أن بعض الأحكام تحصل بدون تدخل أي عامل خارجي، أي تصور الموضوع والمحمول فقط كاف ليصدر الذهن إلى حكمه؟ (البديهيات الأولية التصديقية باصطلاح المنطق)، وعلى فرض أن تكون لدينا تصديقات غير التصديقات التجريبية فهل أن هذه التصديقات توجد أولاً في الذهن ثم تأتي بعدها التصديقات التجريبية أم أن العكس هو الصحيح؟

سوف يأتي في هذه المقالة أن التصديقات التجريبية متأخرة عن مجموعة من التصديقات غير التجريبية، وعلاوة على هذه سوف يتضح أنه إذا أخذنا من الذهن تلك التصديقات غير التجريبية فسيمتنع ويستحسل على الذهن أن يظفر بتصديق عن طريق التجربة، وجميع التصديقات التجريبية تعتمد على أُصول قد صدّق بها العقل عن غير طريق التجربة، وبعبارة أُخرى: إذا سلبنا من العقل تلك التصديقات غير التجريبية فإننا سنحرم الإِنسان من العلم بأي شيء سواء أكان في المجال الطبيعي أم في المسائل غير الطبيعية، وسوف ينهار عندئذ صرح العلم والمعلومات البشرية من أساسه، وهذا يعني أن الترديد في تلك الأُسس غير التجريبية أو إنكارها يساوي السوفسطائية.

وغالباً ما يختلط هذان الموضوعان على الباحثين، بينما يتعلق أحدهما بمبحث التصورات والآخر بمبحث التصديقات، وعلى هذا نقول: صحيح أنه ليس لدينا تصورات متقدمة على التصورات الحسية ولكن لدينا تصديقات كثيرة متقدمة على التصديقات التجريبية، وسوف يأتينا بإذن الله فيما بعد بيان وتفصيل هذا الموضوع بحيث يشمل أقوال العلماء المتقدمين والمحدثين في هذا المجال.

[34]

2-لقد شرحنا فيما سبق نظرية العقليين ونظرية الحسيين المحدثين في أوروبا وقلنا إن العقليين يعتبرون بعض التصورات فطرية وذاتية للعقل ويعتقدون بأن تلك التصورات لا ربط لها بالحس والمحسوسات، وبيّنا إجمالاً نظرية أرسطو والعلماء المسلمين بالنسبة للعقل والحس وعلاقة المعقولات والمحسوسات، ونبهنا على أن النظرية العقلية والنظرية الحسية غير مسبوقتين إذا أَخذنا بعين الإِعتبار هذا الشكل الجديد الذي طرحتا فيه خلال هذه القرون الأَخيرة، ولا سيما النظرية العقلية المبنية على أن بعض التصورات فطرية وذاتية للعقل ومن لوازمه التي لا تنفك عنه، حيث أن "ديكارت" أول من بشرّ بها ولم تكن لها سابقة من قبل. ولكن بعض العلماء ظن أن جميع من يقول بتصورات عقلية بديهية فهو يعتبرها فطرية وذاتية للعقل، ولهذا كثيراً ما نجد أنهم يعدّون أرسطو والفارابي وابن سينا من ضمن العقليين (نمعني الإِصطلاح الجديد للكلمة)، ولكن هذا الظن باطل لأنه لا يوجد شيء يلزمنا باعتبار "البديهيات العقلية التصورية" فطرية وذاتية للعقل، ولا مانع من أن تكون هذه البديهيات قد حصلت للعقل بصورة تدريجية وأن يكون العقل قد انتزعها من التصورات الحسية. وقد نقلنا فيما سبق عبارة صدر المتألهين القائلة أن جميع البديهيات العقلية الأَولية قد حصلت للذهن بعد ظهور الصورة المحسوسة فيه، وسوف نتناول هذا الموضوع فيما بعد بشكل أكثر تفصيلاً، وسنبين -في متن المقالة-  كيفية انتزاع تلك البديهيات من الصورة المحسوسة.

وقد حدث هذا الاشتباه للمرحوم فروغي في كتابه "سير الحكمة في أوروبا" فظن أن جميع القائلين بالبديهيات العقلية فهم يعتبرون تلك البديهيات فطرية ومن ذاتيات العقل.

يقول فروغي في الجزء الثالث من سير الحكمة في أوروبا في المقدمة التي

[35]

 كتبها لفلسفة "فيخته" وشرح خلالها نظرية العقليين والحسيين:

"إن ديكارت ... يدعي - كالسابقين من أصحاب العقل- أن بعض المعلومات وإدراك مجموعة من الحقائق مغروسة في نفس الإِنسان وهي فطرية ومن خواص عقله ولا علاقة لها بالحس ولا بالتجربة" ثم يوضح في التعليقة:

"وهذا يشبه ما ينسبه علماؤنا إلى العقل بالملكة".

وقد تكرر منه هذا الاشتباه في أَماكن أُخرى من هذا الكتاب.

فالذي يعتقده "ديكارت" يتفاوت تماماً عما قاله السابقون من أصحاب العقل، ولا سيما مع ما ينسبه علماؤنا إلى العقل بالملكة فلا مشابهة بينها إطلاقاً، وذلك أولاً: لأن "ديكارت" يعتبر تلك التصورات من الخواص الذاتية للعقل ويدعي كما من خواص الجسم الذاتية أن له بعداً فكذا من خواص العقل الذاتية إدراك هذه المفاهيم الفطرية، ولا تتوقف تلك المفاهيم على أي شيء سوى العقل ذاته، ولكن علماءنا يعتقدون أن جميع المعقولات تحصل بالتدريج وتبدأ من المحسوسات، وجميع المعقولات وحتى البديهيات الأولية تتوقف بشكل ما على المحسوسات.

ثانياً: أن "ديكارت" ينظرا غالباً إلى مجموعة من التصورات التي يذكرها بالإِسم وهو يعتقد أنّ لدينا تصورات فطرية ما قبل الإِحساس، ولكن ما يقوله علماؤنا في باب العقل بالملكة فهو ناظر إلى التصديقات أي أن لدينا تصديقات متقدمة على التصديقات التجريبية، وكما قلنا في الملاحظة الأُولى فإن بين هذين الموضوعين فرقاً هائلاً.

وهذا التوهم (وهو أن كل من يقول بالتصورات البديهية الأولية فهو

[36]

 لا بد أن يعبر تلك التصورات فطرية وذاتية للعقل) هوالذي دفع العلماء للحيرة في أمر أرسطو، فبعض اعتبره حسياً وبعض عدّه عقلياً، وبعض آخر اتهمه بالتذبذب، وذلك لأنهم وجدوا أرسطو يخالف أفلاطون في أحد المجالات فيعدّ الحس مقدماً على العقل، والإِدراكات الجزئية مقدمة على الإِدراكات الكلية، وفي مجال آخر أي في منطق يسوق الحديث عن البديهيات العقلية الأَولية، ولم يستطيعوا إدراك أن بين هذين الحديثين لا توجد منافاة. وصحيح أن لم ينقل عن أرسطو شيء يبيّن مقصوده الحقيقي، ولكنه من الممكن تبرير نظرية أرسطو بهذا الأُسلوب الذي اتخذه العلماء المسلمين.

3-نجن مضطرون لنقدّم التوضيحات الآتي من أجل أن يبقى ذهن القارئ الكريم مصوناً من أحد الاشتباهات اللفظية: 

إن اصطلاح "الإِدراكات الفطرية" في الفلسفة يستعمل في موارد مختلفة:

أ-في الإِدراكات التي تتساوى فيها جميع الأَذهان، أي أن جميع الأَذهان حاصلة عليها، وهي موجودة في كل الأَذهان بشكل متشابه، فلا اختلاف بين العقول بالنسبة إليها، لا من جهة وجدانها وعدم وجدانها ولا من جهة كيفية وجدانها، مثل الإِعتقاد بوجود العالم الخارجي الذي لا يستطيع أن ينكره حتى السوفسطائي في صميم تفكيره. ونحن استعملنا (الفطري) بهذا المعنى في المقالة الثانية (ليرجع من شاء إلى التعليقة المذكورة في الصفحة 74، الجزء الأول من الترجمة العربية) أن هذه الفئة من الإِدراكات التصورية والتصديقية يمكن تسميتها بالإِدراكات العامة.

ب-وفي الإِدراكات الموجودة بالقوة في عقل كل أحد، وإن كانت غير

[37]

 موجود بالفعل في أَذهان البعض أو يوجد فيه خلافها، من قبيل المعلومات الحاصلة للنفس بالعلم الحضوري ولكنها لم تدرك بعد بالعلم الحصولي. ويعتقد صدر المتألهين أن كون معرفة الله فطرية هو من هذا القبيل.

ج-يطلق في المنطق في باب البرهان علي القضايا التي برهانها معها دائماً، ولا ينفكّ أبداً حضور تلك القضايا في النفس عن براهينها وقياساتها يطلق عليها أنها (قضايا قياساتها معها).

د-وفي الإِدراكات والتصورات التي هي من الخواص الذاتية للعقل، ولا تستند إلى غيره بأي شكل من الأشكال.

وعندما ننكر في هذه المقالة الإِدراكات الفطرية فنحن نقصد المعنى الرابع وهو نفس المعنى الذي يقول به "ديكارت" وأتباعه وينكره الحسيون، ونحن وإن كنا منكرين للتصورات الفطرية بالمعنى الرابع ولكننا نعتقد بالتصورات والتصديقات الفطرية بالمعنى الأول أي تلك الإِدراكات التي تتساوى فيها العقول شاءت أم أبت، وسوف نبينّ في أثناء المقالة الطريق إلى ذلك، أما الفلسفة الأُوروبية فإنها لم تفصل -حسب ما وصل إليه علمنا- بين هاتين الجهتين، أي كل من قال بالفطريات بالمعنى الرابع فهو قائل بالتصورات الفطرية بالمعنى الأول، وكل من أنكر الفطريات بالمعنى الأول فهو منكر للفطريات بالمعنى الرابع أيضاً ، وظن هؤلاء العلماء أنه لا طريق لتفسير هذه التصورات والتصديقات العامة التى تتساوى العقول فيها إلا أن نعتبرها من الخواص الذاتية للعقل، وما إذا أنكرنا التصورات الذاتية للعقل فلا يبقى أمامنا سوى إنكار هذه التصورات العامة التى تتساوى بشأنها العقول البشرية، أما نحن فقد فصلنا في هذه المقالة بين هذين الأمرين، ففي نفس الوقت الذي أنكرنا فيه التصورات الذاتية للعقل (الفطرية بالمعنى

[38]

 الرابع) فقد أثبتنا التصورات والتصديقات العامة التي يتساوى بشأنها الناس (الفطرية بالمعنى الأول)، وبينا أيضاً السبيل إلى ذلك. وسوف يأتنيا في نفس المقالة توضيح أكبر لهذا الموضوع.

4-يعلن الماديون المحدثون أنهم أتباع النظرية الحسية ويدّعون أن جميع العناصر الأولية للفكر البشري قد جاءت إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس، وتشكل تلك العناصر الحسية أو ما تركّب منها وتكامل جميع محتويات الذهن البشري.

وتتكرر الجملة الآتية كثيراً في أحاديث الماديين من أنجلز إلى لنين واستالين:

"إن عالم السوبجكتف (الذهن) و انعكاس لعالم الأوبجكتف (العين)".

ويجهد الماديون أنفسهم لتفسير جميع التصورات والمفاهيم بجيث تكون قادمة من طريق إحدى الحواس، وعلى هذا فإن جميع الإِشكالات الواردة على الحسيين والمبنية على وجود مجموعة من العناصر الذهنية البسيطة التي لا يمكن تفسيرها بأنها قادمة بشكل مباشر من إحدى الحواس تكون موجهة إلى الماديين أيضاً. وبالإِضافة إلى هذا فإن هناك إشكالات أُخرى ترد على الماديين مبنية على أن الحسيين الذين اعتمدوا على الحس فقط قد بيّنوا حدود الحس (في الجملة)، ولهذا فقد أخرجوا من حدود المنطقة التي يتدخلون فيها مسائل الفلسفة الأُولى حيث لا يمكن دراستها عن طريق الحس والتجربة العملية وقالوا إن الحكم في هذه المسائل -نفياً أو إثباتاً- خارج عن حدود طاقة الفكر البشري، ولكن الماديين لم يحدّدوا هذا المعنى. والحقيقة أن من يطّلع على نظريات كبار فلاسفة الشرق والغرب في باب العلم والمعلوم

[39]

والعقل والمعقول ويفهم جيداً ما قالوه حول الذهن والإِدراكات الذهنية ويدرك مدى أعماقها ويعرف أنهم بصدد حلّ أيّ مشكلات كانوا ثم يلقي نظرة على أقوال الماديين يدرك بوضوح أن أئمة المادية بعيدون جداً عن هذه الآفاق. ويتخيل الماديون أنهم باطلاق هذه الجملة: "العالم الذهني انعكاس للعالم العيني" فقد حلّوا جميع المشكلات، بينما توجد ألف ملاحظة أدقّ من الشعرة في مسائل الإِدراك والماديون بها جاهلون.

5-إنّ أساس نظرية هذه المقالة -كما مرّت الإِشارة إليه في هذه المقدمة وسوف يأتي تفصيله في المقالة نفسها- مبني على أن الإِدراكات الجزئية مقدّمة على الإِدراكات الكلية، ونحن نقول أحياناً في تعبيراتنا أن الإِدراكات الحسية مقدّمة على الإِدراكات العقلية.

ومن الواضح أنه لا ينبغي أن يستفاد من هذه التعبيرات كون المقصود من الحواس هي هذه الحواس الظاهرة والباطنة العادية فقط والتي نعرفها جميعاً، وذلك لأننا في هذا المجال لسنا بصدد استقصاء الحواس العامة لأفراد الإِنسان، ولسنا أيضاً بصدد بيان  أنه هل من الممكن أن يكون بعض أفراد من الإِنسان يتمتعون بحسّ زائدّ على الحواس العادية أم لا.

وكما سوف يأتي في متن المقالة نفسها فإننا نتبع قانوناً كلياً يتضمن "أن كل علم حصولي فهو مسبوق بعلم شهودي حضاري" سواء أكان هذا العلم الشهودي الحضوري حاصلاً عن طريق إحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة العادية التي يعرفها الجميع أم كان حاصلاً بوسيلة أُخرى.

ومن هنا فإن هذه النظرية لا تتنافى مع ما يتلقاه الأولياء من وحي وإلهامات ومكاشفات، لأن هذه الأُمور تنبع من أحد ألوان العلوم الحضورية الشهودية، وبعبارة أُخرى فإنها تتمّ بوساطة حاسة وراء هذه الحواس

[40]

العادية، وللعرفاء أحاديث كثيرة حول هذه الحاسة، ويعترف أيضاً بوجود مثل هذه الحاسة الغامضة علم النفس الحديث الذي يعتمد على التجارب العملية.

يقول العالم النفسي والفيلسوف الأمريكي الشهير ويليام جيمس (1842-1910):

إن ما يسميه الإِنسان (أنا) وهو شاعر بذاته تكون دائرته محدودة ومسدودة في الأحوال الاعتيادية وهو لا يتجاوز ذلك، ولكن لهذه الدائرة المحدودة أفقاً خارجاً عن مجال الشعور، والإِنسان لا يشعر به في الأحوال الاعتيادية، وإذا قدّر للإِنسان أن يفتح له باب هذا الأفق فإنه سيطّلع على عالم آخر وسيكشف أشياء كثيرة كان بابها مغلقاً في الحالات الاعتيادية".

يقول المرحوم فروغي:

"إن هذه الجملة التي تتضمن أن للإِنسان -غير ضمير الشعور- ضميراً في اللاشعور، وهو غير مطلع عليه عادة ولكنه في بعض الأحيان تظهر له آثار ويعطي الإِنسان معلومات خارجة عن مجال الحس والعقل -هذه الجملة ذكرها علماء آخرون قبل ويليام جيمس، وكان هؤلاء من المتخصصين في علم النفس، واطلقوا على هذه الظاهرة اسم "أنا اللاشعور". ولويليام جيمس دراسات مبسوطة في هذا المضمار، وهو يعتقد أن هناك حالات للإِنسان يخرج فيها من الدائرة المحدودة المسدودة لـ"الأنا" ليضع قدمه في اللاشعور ويتصل بـ"الأنا" الأُخرى التي بابها مغلق دونه في الأحوال الاعتيادية، ومن هذا الطريق تنكشف الضمائر لبعضها وتؤثّر في بعضها، ويصل الإِنسان إلى حقائق بدون وساطة الحس والعقل ويسير في عوالم يذوق فيها المتع الروحانية ويقترب إلى كمال النفس ويحسّ بنفسه أنه

[41]

متصل بالله، ويدرك أن حدود حياته قد ارتفعت وأنه قد ظفر باطمئنان النفس، وأن روحه قد غدا أكبر وأشرف، وأنه أصبح يستمد من الغيب ويمثل للشفاء من الأمراض الجسمية والنفسية.

يقول الشاعر مولوي:

إن الجسم ظاهر، والروح مخفي

فالجسم مثل الكمّ والروح مثل اليد

ثم إن العقل أخفى من الروح

 فالحس يجد طريقه إلى الروح بشكل أسرع

ويكون الوحي أخفى من العقل

لأنه غيب وهو من الأسرار بالنسبة إليه

فالحس الذي به يظهر الحق

ليس حسّ هذا العالم بل هو من شؤون ذلك العالم

فلو كان حس الحيوان يشاهد هذه الصور

لأصبحت الحمير والأبقار "بايزيد"(يبدو أنه اشارة إلأى "بايزيد البسطامي" وهو صوفي شهير.) زمانها

[43]

بسم الله الرحمن الرحيم

ظهور الكثرة في العلم والادراك

 

إن إحدى النتائج الأساسية التي استخلصناها من المقالة الماضية هي أن العلوم والإِدركات تنتهي إلى الحس. ومن الواضح أنّ من ينظر إلى هذه القضية لأول مرة فهو يعتبر هذا الحكم كلياً وعاماً، ويظن أن جميع العلوم والإِدراكات قد ظهرت من الحس إما بلا وساطة شيء وإما بوساطة التصرف في ظاهة حسية، وأما إذا لم يكن هناك حس لا بوساطة ولا بغير وساطة فإنه لن يكون هناك أيضاً علم ولا إدراك.

ولكن الحقيقة شيء غير هذا، وذلك لأن نتيجة أي برهان تكون تابعة في عمومها لنفس ذلك البرهان، والبرهان الذي أقمناه لإِثبات هذا الحكم لم يكن بهذا العموم والشمول، فبرهاننا صريحاً(هذه إشارة إلى البرهان الذي أٌقيم من طريقين في المقالة الرابعة على أن أي تصور كلي يقبل الإِنطباق على أفراد محسوسة من قبيل تصور الإِنسان والشجر واللون والشكل والصوت والمقدار فهو لا بد أن يكون حاصلاً-شئنا أم أبينا- عن طريق إحدى الحواس والاتصال المباشر بواقع الشيء المحسوس للإِنسان، ولا يمكن أن يكون حاصلاً للعقل بذاته وبصورة فطرية (ليرجع من شاء إلى الصفحات 219-221 من الترجمة العربية للجزء الأول) وهذا البرهان كان ينظر إلى هذا الهدف فقط وهو أن معرفة الطبيعة تبدأ عن طريق الإِدراكات الحسية الجزئية بصورة  مباشرة، وجميع تصورات الإنسان المتعلقة بالطبيعة فهي ناتجة من اتصال القوى المدركة للإِنسان بالطبيعة العينية الخارجية، وفي مثل هذه التصورات يمكن القول من دون تسامح في التعبير: "العالم الذهني انعكاس عن العالم العيني".

وكما مرّ علينا في المقالة الرابعة فإن التجارب العامة أيضاً تشهد بأن من فقد حاسة من الحواس فكما أنه يفقد القدرة على الإِحساس الجزئي بمجموعة من المحسوسات المتعلقة بتلك الحاسة فهو يفقد القدرة أيضاً على الإِدراك العقلي الكلي والتصور العلمي لها، وهذه الجملة المشهورة المنسوبة إلى أرسطو "من فقد حساً فقد علماً" والشائعة بين أهل العلم منذ زمن بعيد قد قيلت في هذا المجال، ولكن ذلك البرهان وهذه التجربة تنحصر فقط في مورد التصورات والمفاهيم القابلة للإِنطباق على المحسوس من قبيل مفهوم الإِنسان والشجر والمقدار واللون والشكل، ولا تشمل جميع التصورات، لأن الذهن البشري -كما سوف نذكر ذلك فيما بعد- واجد بالضرورة لمجموعة من التصورات الأُخرى التي لا يمكن تفسيرها بأنها قادمة إليه من طريق إحدى الحواس، إذن لا بد أن تكون قد وردت إلى الذهن من طرق أخرى وبشكل آخر، وسوف نذكر هناك أيضاً أن تلك التصورات وإن كانت لم ترد إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس مباشرة ولكنها لم تحصل للعقل بالفطرة وبشكل ذاتي، وإنما يحصل عليها الذهن بعد أن ينال مجموعة من الإِدراكات الحسية وبترتيب خاص. إن البيان الإِجمالي المذكور أعلاه والذي يشمل رأي هذه المقالة في مسألة "طريق الحصول على العلم" (المسألة الثانية من المسائل الثلاث التي مرّ ذكرها في مقدمة المقالة) يتضمن عدة جهات، ونحن عازمون فيما يأتي على تفكيك هذه الجهات عن بعضها لكيلا يصاب القارئ الكريم بتشويش الذهن:

1-ليس في الذهن أي تصور عن أي شيء في مبدأ الأمر وهو عندئذ يشبه صفحة بيضاء وهو تمتع فقط بالإِستعداد لتقبّل الكتابة فيه، بل سنوضّح فيما بعد أن النفس في بدء تكوّنها فاقدة للذهن، وبناء على هذا فليس مقبولاً لدينا ما يقوله كثير من فلاسفة أوربا المحدثين من وجود تصورات فطرية ذاتية للذهن.

2-التصورات والمفاهيم القابلة للإِنطباق على المحسوس ترد الذهن عن طريق الحواس ليس غير.

3-لا تنحصر التصورات الذهنية للإنسان فيما ينطبق على الأفراد المحسوسة، تلك التصورات التي ترد إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس الخارجية أو البباطنية "مباشرة"، بل توجد تصورات ومفاهيم كثيرة غير هذه ترد إلى الذهن من طرق أُخرى وبترتيب آخر.

4-يقوم الذهن بصياغة أي مفهوم بعد أن يدرك واقعاً من الواقعيات بالعلم الحضوري وبنحو من أنحاء الحضور.

5-إن النفس التي تفقد جميع التصورات في البداية تبدأ نشاطها الإِدراكي عن طريق الحواس.

وسوف نشرح هذه الجهات الخمس تدريجياً أثناء هذه المقالة.

ويقيم صدر المتألهين برهاناً من طريق بساطة النفس على أن النشاط الإِدراكي للنفس يبدأ من طريق الحواس، وكل واحد من المعقولات والمعلومات إما أن نكون قد حصلنا عليه من طريق الحس مباشرة وإما أن يكون تراكم الإِدراكات الحسية في الذهن قد أعدّه للحصول على ذلك المعلوم، والنفس لا تستطيع بذاتها (بالفطرة) أن تتعقل الأشياء الخارجية وأن يكون لها تصور عنها.

وهو في مباحث العقل والمعقول في الأسفار يعقد فصلاً تحت عنوان "في أن النفس مع بساطتها كيف تقوى على هذه التعقلات الكثيرة" يقول فيه:

"لما ثبت فيما قبل أن البسيط لا يصدر من جهة ذاته بلا واسطة إلا الواحد، ويرد ها هنا إشكال في صدور التعقلات الكثيرة من قوة واحدة فحلّ هذا الإِشكال هو أن المعلول إذا تكثّر فهو إنما يتكثر بأحد من أسباب التكثر أما تكثّر العلة الموجدة وأما الاختلاف القابل وأما لاختلاف الآلات وأما لترتب المعلولات في أنفسها.

والنفس الناطقة جوهر بسيط ولو كان مركباً فلا تبلغ كثرتها إلى أن يساوي كثرة أفاعيلها الغير متناهية، ولا يمكن أيضاً أن يكون بسبب كثرة القابل لأن القابل لتلك التعقلات هو ذات النفس وجوهرها، ولا يمكن ذلك لترتب الأفاعيل في أنفسها لأننا نعلم أن هناك كثيراً من المعلومات لا توجد بينها رابطة طولية (أي العلية والمعلولية) فإن تصور السواد ليس بواسطة تصور البياض وبالعكس، وكذلك في كثير من التصورات وكثير من التصديقات التي ليس بعضها مقدماً للآخر أو كاسباً له. إذن لا يمكن تفسير تكثر المعلومات بواحد من هذه الطرق الثلاثة، فبقى أن يكون ذلك بسبب اختلاف الآلات، فإن الحواس المختلفة الآلات كالجواسيس المختلفة الأخبار عن النواحي  يعدّ النفس للإِطلاع بتلك الصور العقلية المجردة، والإِحساسات الجزئية إنما تتكثر بسبب اختلاف حركات البدن لجلب المنافع والخيرات ودفع الشرور والمضار فبذلك ينتفع النفس بالحس ثم يعدّها ذلك لحصول تلك التصورات الأولية والتصديقات الأولية، ثم يمتزج بعضها ببعض ويتحصل من هناك تصورات وتصديقات مكتسبة لا نهاية لها، فالحاصل أن حصول التصورات والتصديقات الأولية الكثيرة إنما هو بحسب اختلاف الآلات وحصول التصورات والتصديقات المكتسبة بحسب امتزاج تلك العلوم الأولية بعضها ببعض، وهي لا محالة مترتبة ترتباً طبيعياً كل مقدم منها علة للمتأخر"

(الأسفار-الجزء الثالث ص381-382-مطبعة الحيدري)

والقراء الأعزاء يعلمون أنه في الشجار العظيم الطويل بين الحسيين والعقليين الذي بيناه في مقدمة هذه المقالة لقد تمسك الحسيون بطريق وحيد وهو طريق التجربة للردّ على نظرية العقليين كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، ولكن هذا البرهان والبرهان الذي سبق ذكره في المقالة الرابعة دليل قاطع-عند من هو ملمّ بالأصول الفلسفية-على نفي الإِدراكات الفطرية بالشكل الذي فرضه العقليون.

والملاحظة التي يجب الإِشارة إليها هي أن هذا البرهان يبطل نظرية العقليين المحدثين فحسب، وأما النظرية المنسوبة إلى أفلاطون والمبنية على وجود قبلي للروح كانت تشاهد فيه "المثل" فإن هذا الدليل لا يبطلها. وتردّ نظرية أفلاطون بأدلة أُخرى مبنية على حدوث النفس وكونها مادية في بدايتها وهي مذكورة في الدراسات المخصصة لذلك وخارجة عن حدود هذه المقالة). في أن إي إدراك أو علم

[47]

ينطبق على المحسوس بشكل من الأشكال فهو: أولاً بلحاظ ما يوجد من ارتباط بين المدركات وثانياً بلحاظ أن المدرك أو المعلوم الذهني ليس منشأ للآثار، لهذا يجب أن يكون هو محسوساً أو مسبوقاً بمحسوس من المحسوسات، مثل الإِنسان المحسوس الذي هو محسوس بذاته، والإِنسان الخيالي والكلي الذي هو مسبوق بإنسان محسوس، وفي مثل هذا المورد نقول: إذا فرضنا أنه لا يوجد محسوس هنا فإننا سوف لن نظفر بأي علم أو إدراك. إذن البرهان المذكور يثبت هذا الحكم عن طريق الرابطة الموجودة بين مجموعة من المدركات والمحسوس، وعن طريق ما في المدركات من عدم ترتب الآثار التي هي مترتبة بالنسبة للمحسوسات أنفسها، وينفي فقط ذلك الإِدراك القابل للإِنطباق على الحس ولكنه لا ينتهي إلى الحس، وأما مطلق الإِدراك الذي لا ينتهي إلى الحس فهو لا ينفيه، إذن إذا وجد إدراك لا يقبل الانطباق على الحس فإن هذا البرهان لا ينفي وجود مثل هذا الإِدراك.

وإذا أمعنا النظر أكثر كان مفاد البرهان ( يمكن تلخيص هذه النظرية في أن القوة المدركة أو قوة الخيال هي قوة عملها أخذ الصور للأشياء والواقعيات سواء أكانت واقعيات خارجية أم واقعيات باطنية (نفسية)، وهذه القوة هي التي تهيء جميع الصور الذهنية المتمركزة في الحافظة والتي تجري فيها أعمال الذهن المختلفة. ولا تستطيع هذه القوة أن تولد تصوراً من ذاتها، وإنما العمل الوحيد الذي تستطيعه هو أنها إذا ظفرت باتصال وجودي بواقع من الواقعيات فإنها تصوّر له صورة ثم تدّخرها في الحافظة. إذن الشرط الأساسي لظهور صور الأشياء والواقعيات في الذهن هو الاتصال والارتباط الوجودي بين تلك الواقعيات والقوة المدركة، ومن الواضح أن القوة المدركة- التي عملها التصوير- ليس لها وجود مستقل بذاته وإنما هي فرع من القوى النفسية، ولا يتم اتصالها الوجودي بواقع ما إلا إذا تمّ اتصال وجودي بين النفس ذاتها وذلك الواقع، إذن يمكن القول بأن الشرط الأساسي لظهور صور الأشياء والواقعيات في الذهن هو الإِتصال الوجودي الحاصل بين تلك الواقعيات وواقع النفس، وكما سوف يذكر فيما بعد فإن الإِتصال الوجودي بين واقع معين وحقيقة النفس يؤدي بالنفس لتدرك ذلك الواقع بالعلم الحضوري. وبناء على هذا فإن نشاط الذهن أو القوة  المدركة يبدأ من هنا أي عندما تظفر النفس بعين الواقع وتدركه بالعلم الحضوري فإن القوة المدركة (قوة الخيال)-التي تسمى في هذه المقالة بالقوة التي تبدّل العلم الحضوري إلى علم حصولي-تصوغ صورة له وتودعها في الحافظة، وبالاِصطلاح فإنها تصوغ منه معلوماً بالعلم الحصولي.

وحسب هذه النظرية فإن مبنى ومأخذ كل علم حصولي-أي جميع معلوماتنا الذهنية العادية بالنسبة للعالم الخارجي والعالم الباطني (النفسي)- هو العلم الحضوري، وملاك ومناط العلم الحضوري هو الاتصال والاتحاد الوجودي بين واقع الشيء المدرك وواقع الشيء المدرك، وسوف نبيّن فيما بعد معنى الاتصال الوجودي لواقع ما مع واقع النفس. ونجد من اللازم علينا هنا أن نوضّح الفرق بين العلم الحضوري والعلم الحصولي (وإن كنا قد أشرنا إلى الفرق بينهما مراراً خلال هذه المقالات):

العلم الحصولي هو ذلك العلم الذي يكون فيه واقع العلم مع واقع المعلوم شيئين اثنين، مثل علمنا بالأرض والسماء والشجر والناس الآخرين. فنحن نعلم بهذه الأشياء، أي أن لدينا عن كل واحد من هذه الأمور صورة، ونحن ندرك هذه الواقعيات بوساطة هذه الصور التي تكون مطابقة لتلك الواقعيات. فحقيقة العلم هنا هي صورة موجودة في أذهاننا، أما حقيقة المعلوم فهي ذات موجودة في الخارج بشكل مستقل عن وجودنا. مثلاً لدينا صورة عن وجه صديقنا فلان موجودة في حافظتنا، وكلما أردنا التأمل في وجهه فإننا نحضر تلك الصورة ونتأمل فيها، ومن البديهي أن الحاضر لدينا والموجود في حافظتنا هي صورة وجه ذلك الصديق وليس حقيقة وجهه.

والعلم الحضوري هو ذلك العلم الذي تكون فيه حقيقة المعلوم نفس حقيقة العلم، ويدرك فيه العالم ذات المعلوم الواقعي من دون وساطة الصور الذهنية، مثل ما لو اردنا عمل شيء وقررنا القيام به أو عندما تحصل لنا لذة أو نصاب بغمّ، فحقيقة الإِرادة والتصميم واللذة واضحة أمامنا ونحن ندرك هذه الحالات الخاصة من دون وساطة الصور الذهنية.

هذا هو الفرق بين العلم الحصولي والعلم الحضوري من ناحية العلم والمعلوم، وهناك فرق آخر بينهما من ناحية العالم وهو أن العلم الحضوري لا تتدخل فيه قوة خاصة ولا آلة معينة وإنما العالم يدرك واقع المعلوم حقيقة، وأما في العلم الحصولي فإنه تتدخل فيه قوة معينة من قوى النفس المختلفة عملها أخذ الصور، والنفس تصبح عالمة بوساطة تلك القوة. مثلاً عندما يريد الإِنسان، وهو يدرك حضوراً إرادته فإنه يدرك نفس الإِرادة حقيقة، أي أن الذي يدرك الإرادة هو "الأنا" بلا وساطة، والنفس تدرك-بصورة متشابهة-جميع الوقائع النفسية المتعلقة بجهات مختلفة إدراكية أو شوقية مثل العواطف والشهوات والإِرادة والأفكار والأحكام، أما إذا حصل له علم بواقع خارجي من لون العلم الحصولي فإنه سيكون بوساطة قوة خاصة من قوى النفس المتنوعة وهي قوة الخيال التي اعدّت صورة لذلك الواقع. وبناء على هذا لا يكون العلم الحضوري متعلقاً بجهاز خاص من الأجهزة النفسية المختلفة، لكن العلم الحصولي متعلق بجهاز خاص يسمى بجهاز الذهن أو جهاز الإِدراك.

ونرى ضرورة الإِشارة ههنا إلى بعض الملاحظات: 

أ-النفس في بدأ تكوّنها وحدوثها لا تعلم شيئاً بالعلم الحصولي، وليس لديها أي تصور ذهني عن أي شيء وحتى عن ذاتها وحالاتها النفسية، بل هي فاقدة للذهن من الأساس، وذلك لأن عالم الذهن ليس شيئاً سوى صور الأشياء عند النفس، ولما كانت النفس لا صورة لديها في البدء عن أي شيء إذن لا يوجد ذهن فالإِنسان في البدء فاقد للذهن ثم تعدّ له الصور الذهنية تدريجياً وتحصل له صور عن الأشياء وصور عن ذاته وتصوراته وحالاته النفسية فيتكوّن لديه الذهن، ولكنه في ذات الوقت الذي تكون فيه النفس غير عالمة بأي شيء بالعلم الحصولي وفاقدة للذهن فهي تدرك بالعلم الحضوري منذ بدء تكونها وحدوثها ذاتها وما فيها من قوى نفسية، وذلك لأن ملاك العلم الحصولي هو نشاط قوة الخيال وأخذها للصور، وملاك العلم الحضوري-كما سوف يذكر فيما بعد-هو تجرد وجود الشيء من المادة ومن الخصائص المادية. فالطفل-إلى مدة- ليس لديه تصور عن أي شيء وحتى عن نفسه وحالاته، ولكنه في نفس الوقت يدرك حقيقة ذاته وحقيقة جوعه ولذته وحزنه وإرادته.

ب-لم يتعمق كثير من العلماء بصورة كافية في حقيقة العلم الحضوري ولهذا فقد ظنوا أن علم أي إنسان بذاته وحالاته النفسية يكون دائماً علماً حضورياً، وتلاحظون أنهم يقولون عادة بالنسبة للعلم الحضوري: "العلم الحضوري مثل علم أيّ إنسان بذاته وبحالاته النفسية". ولم يميّز هؤلاء العلماء عادة بين الصور الذهنية والتصورات المتعلقة بالنفس والأُمور النفسية التي هي من لون العلم الحصولي من ناحية، والعلم الحضوري للنفس بذاتها وحالاتها النفسية حيث لا دخالة للصور الذهنية فيه بل هو لون من ألوان العلم الحضوري من ناحية أُخرى.

فعلم كل إنسان بذاته وبحالاته النفسية على شكلين: أَحدهما هو ذلك الإِدراك الابتدائي الذي يتمتع به كل شخص منذ أول تكونه وحدوثه، فهو ليس مخفياً عن نفسه، وكذا حالاته النفسية فهي ليست مخفية عن ذاتها، وهو يدرك هذه جميعاً من دون وساطة الصور الذهنية، والثاني تلك الصور التي تظهر له تدريجياً، وذلك لأن قوته المدركة تصوّر الأَشياء الخارجية وبعد مدة تتراكم فيها صور الأَشياء، القادمة عن طريق الحواس فتنضج قوته المدركة وتنعطف نحو عالمه الباطني وتعدّ صوراً لنفسه وحالاته النفسية أيضاً فيصبح عالماً بها بالعلم الحصولي. إذن ينبغي لنا أن نميّز تصور "الأنا" وتصور اللذة والحزن والإِرادة التي هي من ألوان العلم الحصولي من ذات "الأنا" ونفس اللذة والحزن والإِرادة التي هي من ألوان العلم الحضوري.     

وأفضل مثال للفصل بينهما هو مثال الطفل، فالطفل يلتذ، يتعذّب، يريد، وتلك اللذة والعذاب والإِرادة ليست خافية عليه، وكذا ذاته ليست خافية عن نفسه، أي أن الطفل يشاهد حضوراً واقع ذاته وإرادته ولذته وعذابه، ولكن لما كان جهازه الذهني ضعيفاً بل هو فاقد للذهن في البدء فهو لا يتمتع بأي تصور عن هذه الأُمور، أي انه ليس لديه علم- من ألوان العلم الحصولي العادي-عن ذاته وإرادته ولذته وحزنه، ولكنه بعد ذلك عندما يعمل جهازه الذهني شيئاً فشيئاً ويأخذ في جمع صور الشياء الخارجية عن طريق الحواس فإن ذهنه يصبح أقوى وأغنى ويرجع إلى ذاته ويعدّ صوراً عن "الأنا" وصوراً عن حالاته النفسية.

ج-الشك واليقين والتصور والتصديق والخطأ والصواب والحافظة والالتفات والتفكير والتعقل والاستدلال والتعبير اللفظي والفهم والتفهيم والفلسفة والعلوم كلها تتعلق بالعلوم الحصولية، وبعبارة أُخرى فهي تتعلق بالعلم الخاص بالذهن الذي هو عالم صور الأشياء، ولا معنى لأي واحد من هذه الأُمور في مورد العلوم الحضورية.

وفي خاتمة المطاف نذكّر بأن الدقة في فهم حقيقة العلم الحضوري وتمييزه بشكل صحيح من العلم الحصولي هي شرط مهم لفهم النظرية التي مرّ ذكرها ولفهم نظريات  أُخرى أثبت صحتها الفلاسفة الكبار في المباحث المتعلقة بتجرد النفس واتحاد العاقل والمعقول ووحدة جمع الجمع للنفس وحتى بين الفلاسفة لا نجد إلا القليل ممن لم تزلّ قدمه في هذا المضمار، ولهذا نجد من اللازم علينا الممارسة والمطالعة والتعمق الكثير لكي يتضح لنا الموضوع). هو أن مقتضى كاشفية العلم

[52]

والإِدراك عن الخارج هو الظفر بالواقع، أي في كل مورد يوجد فيه العلم الحصولي فالعلم الحضوري فيه موجود. إذن نستطيع من هذا المنطلق أن نوسّع دائرة البرهان لنمنح النتيجة عموماً أكبر، فنقول: لما كان كل علم وإدراك مفروض يتمتع بخاصة الكشف عن الخارج وهو صورته فلا بد أن يكون متمتعاً بعلاقة الانطباق على خارجه وأن لا يكون منشأ للآثار، ومن هنا يلزم أن نكون منتهين إلى واقع هو منشأ للآثار ينطبق عليه ذلك العلم، أي أننا مدركون لذلك الواقع بالعلم الحضوري ثم ندركه بالعلم الحصولي حيث يؤخذ منه إما بلا وساطة ( هو نفس المعلوم حضوراً مع سلب منشأية الآثار) وأما بوساطة تصرف تقوم به القوة المدركة فيه، ومصداق هذا تارة تكون المدركات المحسوسة الموجودة بحقيقتها في الحس والتي تظفر بها القوة المدركة هناك، وتارة تكون المدركات غير المحسوسة.

ومن هنا يتضح لنا أننا إذا أردنا الإِلمام بكيفية التكثّر والتنوع الحاصل في العلوم والإِدراكات فلا بد أن ننعطف نحو الأصل فندرس الإِدراكات والعلوم الحضورية، لأن جميع الأغصان تعود في النهاية إلى هذا الجذر وتستمدّ منه أصل الوجود. فالعلم الحضوري بوساطة سلب منشأية الآثار عنه هو الذي يتبدّل إلى علم حصولي.

ولما كنا نعتمد في النهاية على العلم الحضوري، أي ذلك العلم الذي يكون معلومه حاضراً لدى العالم بواقعه الخارجي لا بصورته. أي أن العالم

[53]

قد أدرك ذات وواقع المعلوم، ومن البديهي أن الشيء المغاير لنا والذي هو خارج عنا لن يكون عين ذاتنا وجزء واقعنا، فلا بد إذن أن يكون واقع هذا الشيء الذي ندركه إما ذات وجودنا وإما من المراتب الملحقة بوجودنا(هذه إشارة إلى مناط وملاك العلم الحضوري. وقد بينا فيما سبق معنى العلم الحضوري وفرقه عن العلم الحصولي، وقلنا أيضاً أن أساس ومأخذ جميع العلوم والصور العادية التي نعبّر عنها بالعلم الحصولي هو العلم الحضوري، وهذه جميعاً تنبع من هناك.

والآن لا بد أن نعرف ما هو ملاك العلم الحضوري؟ أي كيف يحدث أن يصبح شيء ما مشهوداً لأنفسنا بالعلم الحضوري؟

قلنا فيما مضى أن ملاك العلم الحضوري هو الارتباط والاتصال الوجودي الحاصل بين واقع الشيء المدرك وواقع الشيء المدرك، وهنا لا بد أن نعلم كون هذا الارتباط والاتصال بأي نحو هو، وأي لون من النسبة والعلاقة لا بد أن تكون موجودة بين العالم والمعلوم حتى تصبح منشأ للعلم الحضوري الشهودي؟

توجد في هذا المجال عدة نظريات:

أ-جميع الحالات النفسية ومن جملتها التصورات والأفكار هي من الخواص المباشرة للمخ والمجموعة العصبية وهي مادية ولهذا أصبحت مكانية وتستطيع أن تجتمع وترتبط ببعضها وتتصل مكانياً. وعلة كوننا نشاهد حالاتنا النفسية حاضرة لدينا هي أن لدينا تصوراً عن ذاتنا (تصور الأنا) وهذا التصور كيفية مادية ومكانية ولها علاقة الفعل والإِنفعال المادي مع سائر الحالات النفسية كاللذة والحزن والإِرادة والتصورات الأُخرى وهي تجتمع وترتبط بها مكانياً، وبعبارة أُخرى فإنها تتصل وجودياً ببعضها، وهذا الارتباط والاتصال هو الذي يصبح منشأ للعلم الحضوري الشهودي.

الماديون عادة يتبنون هذه النظرية.

ويتلخص الجواب على هذه النظرية فيما يأتي:

أولاً: لم يفرّق في هذه النظرية بين تصور "الأنا" الذي هو علم حصولي وهو غير المعلوم، وذات "الأنا" التي هي علم حضوري وهي عين المعلوم. وهذا خطأ كبير ينبغي لنا دائماً أن نحذر من الوقوع فيه.

ثانياً: كما أوضحنا في المقالة الثالثة فإن الإِدراكات ليست مادية ولا مكانية وهي تتم فيما وراء النشاطات العصبية الخاصة.

ثالثاً: كما حققّ في الفلسفة فإن الاِرتباط والإِجتماع المكاني لشيئين لا يصلح ملاكاً للحضور الواقعي لكل منهما لدى الآخر، وذلك لأن الشيئين المكانيين وإن لم تكن هناك فاصلة بينهما فإن كل واحد منهما-بالتالي-يحتل مكاناً غير المكان الذي يحتله الآخر، وليس من الممكن إطلاقاً أن يجتمع شيئان مكانيان اجتماعاً حقيقياً في المكان، أي أنهما حقيقة يحتلان معاً مكاناً واحداً. والحد الأقصى في الاجتماع المكاني لشيئين هو أن لا توجد بين نهايتيهما أية فاصلة، بل وحتى الشيء الواحد المكاني أيضاً لما كان مشتملاً بالضرورة على التجسم والبعد والامتداد فإن أي جزء مفروض منه فهو يحتل جزءاً من المكان غير الجزء المكاني الذي يحتله جزء آخر مفروض من ذلك الشيء، وفي كل جزء  أيضاً يمكن فرض أجزاء، كل واحد منهما بعيد عن الآخر، وفي نفس الوقت الذي تتمتع فيه بالوحدة الاتصالية فهي غائبة عن بعضها، أي أن الشيء الواحد المكاني لا تمتتع أجزاؤه وأبعاضه المفروضة بالاجتماع الحقيقي وإنما هي محجوبة عن بعضها، ولهذا فإن كون الشيء مكانياً هو مناط احتجابه وغيبته وليس مناط انكشافه وحضوره. وأَما أننا نستطيع إدراك العالم وأجزائه جميعاً كل في مكانه وفي رتبته مع أنها محتجبة عن بعضها من حيث الأبعاد المكانية ومن حيث البعد الزماني فذلك لأن أنفسنا وإدراكاتنا النفسية ليس لها أبعاد مكانية وزمانية، ولو فرضنا أن النفس أيضاً موجود مكاني ولها بالضرورة أجزاء وأبعاد فإنها لن تكون قادرة على إدراك ذاتها ولا إدراك الأشياء الأُخرى. 

ب-إن علة العلم الحضوري لكل إنسان بنفسه هي وحدة العالم والمعلوم، وأما علة العلم الحضوري لكل إنسان بحالاته النفسية فهي تأثير العناصر الروحية في بعضها.

ويحتاج هذا الموضوع-وهو أن العناصر الروحية وإن لم تكن مكانية ولكنه لا شك في تأثير ونفوذ بعضها في البعض الآخر-إلى توضيح.

فمن المحقق والمسلم في الفلسفة وعلم النفس تأثير العناصر النفسية في بعضها، مثل العواطف والهيجانات والاشتياق والتصميم والأحكام والأفكار. وعلة العلم الحضوري بهذه الحالات النفسية هي التأثير المتبادل بين العناصر الروحية. وأحد هذه العناصر الروحية هو تصور "الذات" أو "الأنا"، فنتيجة لتأثير وارتباط هذا العنصر بعنصر الرؤية والسمع والذوق واللذة والعذاب يحصل العلم الحضوري بالنسبة لهذه العناصر.

تنسب هذه النظرية لبعض علماء النفس المحدثين.

والجواب على هذه النظرية هو:

أولاً: في هذه النظرية لم يفرّق بصورة صحيحة أيضاً بين واقع "الأنا" وتصور "الأنا".

ثانياً: لم يبيّن فيها بدقّة لون ارتباط الأُمور النفسية بالنفس. توضيح ذلك: أن ارتباط شيئين ببعضهما يمكن أن يفرض على أحد نحوين: أحدهما أن يكون لكل منهما واقع ووجود مستقل وكل ما هناك أنهما يظفران بخاصية الإِرتباط، وعلى فرض أن ينقطع هذا الإِرتباط فإن واقع كل منهما محفوظ وتذهب فقط خاصية ذلك الإِرتباط بينهما، ومن هذا القبيل التأثيرات المتبادلة بين أجزاء الطبيعة في الطبيعة. الثاني أن يكون الإِرتباط عين وجود وواقع أحدهما بالنسبة إلى الآخر، لا أن كل واحد منهما له وجود وواقع، والإِرتباط هو خاصيتهما. إن هذا اللون من الإِرتباط هو من قبيل ارتباط الفرع بالأصل والمعلول بالعلة، فكل معلول بالنسبة إلى علته الإِيجادية هو بهذا الشكل ليس له واقع في الدرجة الأُولى حتى يتحقق ارتباط بعلته في الدرجة الثانية، بل أصل وجوده وواقعه وارتباطه شيء واحد، وباصطلاح صدر المتألهين فإن وجوده وواقعه هو عين ارتباطه وانتسابه وتعلقه بالعلة. إن هذا اللون من الإِرتباط والإِنتساب سيكون بالتأكيد من طرف واحد لا من طرفين، وحسب الإِصطلاح فالإِرباط ليس متبادلاً، أي أنه ليس من الممكن أن يوجد شيئان على هذا الشكل بالنسبة لبعضهما بحيث أن كل واحد منهما هو عين الإِرتباط والإِنتساب للآخر، بل لا بد أن يكون لأحدهما وجود مستقل ومستغن عن الآخر، وللآخر وجود فقير ورابط. وهذا على العكس من القسم الأول الذي كان الإِرتباط فيه متبادلاً وذا طرفين.

والتأمل الحضوري العميق والتفكير الدقيق في موضوع ارتباط وانتساب الأُمور النفسية للنفس يبيّن لنا بوضوح أنه من قبيل القسم الثاني لا القسم الأول. وكما أُشير إليه في المتن فإن رؤيتي وسمعي ولذتي ليست هي بنحو بحيث إذا أخذنا منها ما يطابق ياء المتكلم فإن الذي يذهب فقط هو خاصية ارتباط الرؤية بي وتبقى الرؤية المطلقة، وإنما فرض انقطاع النسبة بيني وبين رؤيتي هو عين فرض الإِنعدام المطلق لتلك الرؤية.

ج-في كل علم حضوري يكون العلم دائماً عين المعلوم، أي أن كل حالة من الحالات النفسية والأفكار والإِحساسات هي عالمة ومعلولة في نفس الوقت، وكل واحدة من هذه تدرك ذاتها بذاتها. وهذه نظرية كثير من الفلاسفة وعلماء النفس المحدثين.

والجواب على هذه النظرية واضح وذلك:

أولاًً: لأن كل واحد منا يدرك بوضوح أنه شيء واحد يرى ويسمع ويتألم ويلتذ.

ثانياً: لأن أي واحد منا يدرك كل واحدة من هذه الحالات وهي حالة تعلقها وانتسابها وارتباطها بواقع آخر نطلق عليه اسم "الأنا".

د-إن ملاك العلم الحضوري هو الحضور الواقعي لشيء عند شيء، ولا يتحقق هذا الحضور الواقعي إلا إذا كان هناك وجود جمعي  بحيث لا توجد فيه أبعاد وفواصل مكانية وزمانية مما هو من خصائص المادة.

أي أن كل موجود لا يتصف بالأَبعاد المكانية والزمانية وهو خال من الإِمتدادات والفواصل التي هي مناط التفرق والغيبة (وهو الموجود المجرد بالإِصطلاح الفلسفي) فوجوده قطعاً ليس مخفياً عن نفسه، وكذا وجود ما هو متصل به بشكل ذاتي (وهو القسم الثاني من التعلق الذي مر شرحه في المتن)، فهو قادر على أن يدرك ذاته وكل ما يتعلق بها بشكل ذاتي وأن يجدها حاضرة لديه. وبعبارة أخرى: ملاك العلم الحضوري هو أن لا تكون حقيقة المعلوم محتجبة عن حقيقة العالم، ولا يتحقق هذا الأَمر إلا إذا لم توجد في البين الأبعاد والإِمتدادات المكانية والزمانية، سواء أكانت حقيقة العالم والمعلوم تتمتع بوحدة حقيقية مثل علم النفس الحضوري بذاتها، أم كان المعلوم من فروع العالم ومتعلقاته الوجودية مثل علم النفس الحضوري بأحوالها وآثارها. إذن كما مرّ في المتن: "فلا بد إذن أن يكون واقع هذا الشيء الذي ندركه (بالعلم الحضوري) إما ذات وجودنا وإما من المراتب الملحقة بوجودنا". وقد اختار هذه النظرية المحققون من الفلاسفة الإِسلاميين، وقد تعمق في التحقيق فيها صدر المتألهين أكثر من غيره.)،

[57]

إذن لا بد أن ندرس أنفسنا -شئنا ذلك أم أبينا- أي ندرس علمنا بأنفسنا.

إذا نظرنا نظرة بسيطة من دون تعقيد فسوف نرى أن نفسنا "الأنا" غير مخفية عن نفسنا، وهذا المعلوم المشهود لنا (كما مرّ علينا في المقالة الثالثة) هو شيء واحد خالص ليس فيه خليط وليس له جزء ولا حدّ جسماني.

وعندما نشاهد الأعمال التي تقع ضمن دائرة وجودنا، وهي تقع بإرادتنا وإدراكنا، مثل "رؤيتي"، "سمعي"، "فهمي"، وبالتالي

[58]

جميع الأعمال التي تتم بقواي المدركة ووسائل فهمي، فسوف نرى أنها مجموعة من الظواهر التي بحسب الواقع والوجود مرتبطة بواقعنا ووجودنا وتنتسب إليه بحيث أن فرض انقطاع هذا الإِنتساب وفرض عدمها يكون شيئاً واحداً، مثلاً بالنسبة للمطابق الخارجي لكلمة "سمعي" إذا فصلنا المطابق الخارجي لجزء هذه الكلمة وهو ياء المتكلم فإنه لن يبقى هناك مطابق لبقية الكلمة، ونميزّ هذه المجموعة من الأفعال بأنفسها(إن الذين لا يعلمون شيئاً عن الأساليب المتنوعة المستعملة في العلوم المختلفة يتخيلون أن الأسلوب الوحيد الصحيح في دراسة جميع الموجودات هو الأسلوب التجريبي فحسب، ولا يمكن قبول أية نظرية ما لم تؤيدها التجارب، وكل ما عدا ذلك فهو من قبيل الفرضيات التي ينسجها الخيال. ولما كانت النظرية التي هي موضوع البحث لا مؤيد لها من التجارب ولم تستخلص من المختبرات ولا يمكن رؤيتها في الخارج عملياً إذن لا يمكن قبولها.

ونحن لا نستطيع في هذا المجال تفصيل القول في الأَساليب المتعددة المستخدمة في العلوم المختلفة، ولكننا نقتصر في ردّ هذه الشبهة على القول بأن العلماء يجمعون على أن افضل السبل لتمييز الأُمور الذهنية والعمليات النفسية وكيفية وجودها هو الرجوع مباشرة إلى ضمائرنا واستبطان ذواتنا، وإذا اقترن هذا الاستبطان باستعداد منطقي وفلسفي كامل من قبل المستبطن فإنه سوف يظفر بنتائج قطعية ويقينية.

ومن بين الأساليب المتنوعة التي يلجأ إليها علم النفس الحديث يعتبر الأُسلوب الداخلي أو الذهني أو أسلوب النظر إلى الأعماق أو المعرفة بلا وساطة أفضل الأَساليب وأكثرها أصالة.

يقول فيلسين شالة في كتاب "ميثودولوجي" أي الأساليب العلمية في فضل علم النفس:

"لما كانت الحوادث المادية حالّة في مكان فإنها تعرف بوساطة الحواس، ويستطيع أن يدركها الكثير من الناس، فالشمس مثلاً يراها الجميع ويحسّون بحرارتها، أما الحوادث النفسية فلأنها غير واقعية في مكان فإنها لا تُعرف بوساطة الحواس، والذي يُدركها فقط إنما هو الضمير، مثل الغضب الذي ينفجر في أعماقي والحكم الذي يدور في نفسي والقرار التي أَتخذه، فأنا وحدي الذي أعرف حقيقة هذه الأُمور التي تجري في أَعماقي، فالأُمور الروحية لا يُدركها بصورة مباشرة إلا ضمير الشخص الذي تحدث في نفسه".) وليس   

[59]

بشيء آخر، أي أننا نفهمها من دون وساطة، أي أن سمعي هو بذاته سمعي أنا، ولم يكن في البداية ظاهرة مجهولة لدي ثم عرفتها عن طريق أخذ صورة ذهنية لها ففهمت أنها سمعي، إذن الواقع الخارجي لهذه المجموعة من الأفعال وإدراكها شيء واحد، أي أنها معلومة بالعلم الحضوري.

وكذا القوى والوسائل(قد تمّ إلى هنا بيان ثلاثة ألوان من العلم الحضوري:

أ-العلم الحضوري للنفس بذاتها.  

ب-العلم الحضوري للنفس بأفعالها التي تحدث في إطار وجودها.

ج-العلم الحضوري للنفس بقواها ووسائلها التي بواساطتها تؤدي هذه الأفعال.

وتوجد ملاحظة في هذا المجال لا بد من الإِشارة إليها وهي أنه في حالة مشاهدة آثار النفس وأَفعالها (القسم الثاني) وكذا في حالة مشاهدة قوى النفس ووسائلها (القسم الثالث) لا يمكن أن نتصور كون الذهن قادراً على مشاهدة هذين القسمين بشكل منفصل عن مشاهدة "الأنا" ذاتها، وذلك لأن هذه الظواهر من ملحقات ومراتب وجود "الأنا" وهما بحسب الواقع والوجود مرتبطان بواقع ووجود "الأنا"، بحيث يكون وجودهما عين الإِضافة والنسبة، وفرض انقطاع النسبة هو عين فرض انعدامهما، فمثلاً عندما يُشاهد الذهن رؤيته فلكونه يُشاهد رؤيته (أي رؤيتي بإضافة ياء المتكلم) لا الرؤية المطلقة، إذن مشاهدته لرؤيته ملازمة دائماً لمشاهدته لذاته. 

ونحن في التعليقة التي كتبناها للمقالة الثالثة (الجزء الأول ص149) من هذا الكتاب أشرنا إلى بطلان الإِستدلال المشهور لديكارت القائل (أنا أفكر إذن أنا موجود) حيث يستدل بوجود الفكر على وجود النفس، وقلنا هناك: إن الإِنسان ليدرك وجود نفسه قبل إدراكه لوجود التفكير فيها، ونحن نفهم من قول ديكارت (أنا أُفكر) إنه لم يدرك التفكير المطلق بل إدراك التفكير المقيد بالذات (أنا أُفكر-بإضافة أنا) إذن هو قد أَدرك ذاته قبل أن يُدرك تفكيره.

والغريب أن بعض العلماء الأُوربيين وحتى بعض العلماء المسلمين ممن مرّوا على آثار ابن سينا قد تخيلوا أن البرهان المشهور باسم " الإنسان المعلق في الفضاء" الذي أقامه الشيخ دليلاً على تجرد النفس هو بنفسه برهان ديكارت المشهور، أي أن بُرهان ديكارت مقتبس بكل تفاصيله من ابن سينا.

ولكن اعتبار هذين البرهانيين شيئاً واحداً من أفدح الأخطاء، وذلك لأن ابن سينا يتناول الموضوع عن طريق مشاهدة النفس بذاتها مباشرة من غير وساطة (القسم الأول من أقسام العلم الحضوري) بينما ديكارت يحاول أن يجعل مشاهدة آثار النفس (القسم الثاني) أي وجود التفكير وسيلة ودليلاً على وجود النفس ذاتها.

ومما يدعو إلى العجب إن هؤلاء العلماء لم يلتفتوا إلى أن ابن سينا قد صرح في كتابه "الإِشارات والتنبيهات" إلى طريقة استدلال ديكارت وإلى بطلان هذه الطريقة، فهو بعد شرحه للبرهان المعروف بـ"الإِنسان المعلق في الفضاء" يقول تحت عنوانه "وهم وتنبيه":

"ولعلك تقول: إنما أُثبت ذاتي بوسط من فعلي، فيجب إذن أن يكون لك فعل تثبته في الفرض المذكور، أو حركة أو غير ذلك. ففي اعتبارنا الفرض المذكور جعلناك بمعزل من ذلك. وأما بحسب الأمر الأعم، فإن فعلك إن أثبته فعلاً مطلقاً فيجب أن تثبت به فاعلاً مطلقاً لا خاصاً، هو ذاتك بعينها: وإن أثبته فعلاً لك، فلم تثبت به ذاتك، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك، فهو مثبت في الفهم قبله، ولا أقل من أن يكون معه، لا به. فذاتك مثبتة لا به".

ويشرح هذا القول المحقق الطوسي فيقول:

"إثبات الأشياء التي يخفى وجودها، قد يكون بعللها. كما في برهان لمي. وقد يكون بمعلولاتها، كما في الدليل.

ووهم الإِنسان لا يذهب إلى إثبات ذاته بعلله، فإن وجوده له أظهر من وجود علله. فإن ذهب فعساه أن يذهب إثباته بمعلولاته، التي هي أفعاله وآثاره، فإن أكثر القوى تثبت بأفعالها وآثارها.

والشيخ أبطل هذا الوهم بوجهين:

وجه خاص بهذا الموضع: وهو أن الإِنسان في الفرض المذكور كان غافلاً عن أفعاله، مع إدراك ذاته.

ووجه عام: وهو أن الفعل إن أُخذ من حيث هو فعل ما، من غير اختصاص بفاعله، فهو لا يدرك إلا على فاعل ما، غير معين، ولا يمكن أن يستدل الإِنسان به على فاعل معين هو ذاته.

وإن اُخذ من حيث هو فعل الفاعل المعين، فالفاعل المعين يكون معلوماً قبله، ولا أقل من أن يكون معلوماً معه، فلا يمكن أن يستدل بذلك عليه.

وبالجملة الاستدلال بالفعل على الفاعل استدلال ناقص، لا يتأدى إلى معرفة ذات الفاعل ما هو. فإذن اثبات الإِنسان نفسه بوساطة فعلها محال".

كتاب "الإِشارات والتنبيهات" لابن سينا، مع شرح المحقق الطوسي، تحقيق الدكتور سليمان دنيا، القسم الثاني، ص348-349.) التي بواسطتها نؤدّي هذه الأعمال المعلومة

[61]

بالذات، ونستخدمها عند الإِستعمال عالمين بذلك، لا أننا اكتشفناها بوسائل وقوى أُخرى ثم استخدمناها. فهناك تصرفات عجيبة ولطيفة تصدر منا أثناء الإِدراكات المختلفة التي تتم في أجهزة الإِدراك، ولا يمكن

[62]

أن تتم هذه من دون أن يكون لنا علم بتلك التصرفات وخواصها وآثارها والأعضاء التي تتم تلك التصرفات بواسطتها، مثل أَعمال التحريك والقبض والبسط التي تجري في عضلاتنا المختلفة عندما نقوم بأعمالنا المتنوعة كالرؤية والسمع والشم وغيرها.

إشكال وجوابه

لعله يخطر في ذهن الإِنسان لأول وهلة من هذا الكلام أنه لو كان الأمر كذلك للزم أن يعرف الإِنسان أو أيّ موجود حي آخر منذ بداية وجوده جميع أعضائه وأجزائه بجميع تفاصيلها وميزاتها، وعندئذ يكون مستغنياً عن كل هذه الجهود العلمية الطويلة العريضة العميقة التي نهض بها العلماء.

ولكن على هذا الإِنسان أن يلتفت إلى أن حديثنا في العلم الحضوري وليس هو في العلم الحصولي، فما قلنا عنه سابقاً أن الإِنسان يعلمه فإنه يعلمه بالعلم الحضوري، أما ما يظفر به العلماء نتيجة لجهودهم العلمية فهو من أقسام العلم الحصولي(إن الجواب على هذه الشبهة يعرف مما ذُكر سابقاً في الفرق بين العلم الحضوري والعلم الحصولي. فقد فهم مما مرّ ذكره أن العلم الحصولي يتعلق بجهاز خاص من الأجهزة النفسية يسمى الجهاز الذهني، إذن هناك قوة خاصة تنتج العلم الحصولي. أما العلم الحضوري فإنه لا يختص بجهاز معين، ولا تتدخل فيه قوة خاصة، وإنما النفس تدرك بواقعيتها واقعية المعلوم. وعلم أيضاً أن الفلسفة والعلوم هي حصيلة مجموعة من الأفعال الخاصة المتعلقة بجهاز الذهن من قبيل التصور والتصديق والالتفات والدقة والتفكير، ومتعلقة بالعلوم الحصولية، ولا علاقة لها بالعلوم الحضورية التي لا ربط لها بعالم التفكير والاستدلال. وبناء على هذا تكون الجهود العلمية والفلسفية التي يبذلها العلماء إنما هي للظفر بالعلم الحصولي وليس العلم الحضوري. فجهود العلماء إما أن تكون لإشباع غريزة البحث عن الحقيقة وإما أن تكون لسدّ الاحتياجات المادية وتوفير الإِستفادة العملية والصناعية. فأما غريزة البحث عن الحقيقة فإنها مرتبطة بجهاز الذهن وتؤدي إلى النشاط الذهني. وأما الإِستفاة العملية والصناعية فهي متفرعة على الإِلتفات والدقة وسائر الأعمال الذهنية. وعلى أي حال فإن معرفة شيء بالعلم الحضوري لا تغني عن المحاولات العلمية والفلسفية الخاصة التي يقوم بها العلماء.)، ومن هنا فإننا نتحمل بقوة أن جميع

[63]

الأفعال الجسيمة في الموجود الحي، من أفعال علمية وإرادية أو حتى أفعال طبيعية ومزاجية، هي من قبيل العلوم الحضورية كما تشهد بذلك قرائن كثيرة، وإن كنا نحن الآن لا نملك برهاناً يثبت هذا الرأي.

وعلى أية حال لا بد من القول أننا نعلم بأنفسنا وقوانا وأجهزة وإدراكنا وأفعالنا الإِرادية علماً حضورياً، وقد قلنا فيما سبق (في المقالة الرابعة) أن المحسوسات موجودة بواقعيتها في الحواس، وهذا أيضاً من ألوان العلم الحضوري(هذا هو القسم الرابع من الأَقسام الأربعة العامة للعلم الحضوري، وقد تقدم الحديث عن الأَقسام الثلاثة الأُخرى (وهي إدراك الذات- إدراك آثار الذات وأفعاله-إدراك القوى والوسائل التي بواسطتها تقوم الذات بأفعالها)

وهذا القسم عبارة عن مجموعة من الخواص المادية للواقعيات المادية الخارجية التي تتصل بالنفس عن طريق الحواس والاتصال بالقوى الحساسة. من قبيل الأَثر المادي الحاصل في الشبكية أثناء الرؤية فتقوم أعصاب العين بما لها من خواص وتحت ظروف معينة بالتأثير في ذلك الأَثر وتخرجه بصوره وشكل خاص.

ويعتبر هذا القسم من أحد الجوانب أَهم أَقسام العلم الحضوري، وذلك لأن أغلب الصور الذهنية التي تولد وتحفظ آتية من هذا الطريق، ومن هذا السبيل أيضاً تكتسب النفس معلوماتها عن العالم الخارجي.

ومن هنا يعلم أن ما نحسّ به ابتداءً وفي الدرجة الأُولى هي تلك الآثار المادية الواردة على أعصابنا عن طريق العين والأُذن والأنف وغيرها فتحدث أفعالاً وانفعالات وتصبح جزء من أجسامنا، ونحن لا نحس بالعالم الخارج عن وجودنا بلا وساطة، بل كل حكم يحصل عن طريق الحس بالعالم الخارجي إِنما يتم بتدخل لون من التجربة والتعقل، ولكن لما كنا دائماً ممارسين لهذه التجربة وهذا التعقل، وهي تعمل دائماً مثل جهاز ذاتي الحركة (أُتوماتيكي) لذا فنحن نغفل عن وجودها، وسوف نوضح فيما بعد أنه حتى الإِعتقاد بوجود العالم الخارجي أيضاً لم يحصل مباشرة عن طريق الإِحساس وليس هو من البديهيات العقلية، بل للتجربة والعقل دخل في تكوين هذا الإِعتقاد، وسنبسط القول في هذا الموضوع بشكل مفصل عند الحديث عن حدود الحس والعقل، العلم والفلسفة.)، وإن كان بينه وبين سائر العلوم الحضورية بعض

[64]

الإِختلاف، ولكنه لا بد من الالتفات إلى أن العلم الحضوري (بأقسامه الأَربعة) لا يستطيع أن يولد بنفسه العلم الحصولي بل لا بد أن نمدّ أيدينا إلى مجال آخر. فتلك القوة(إن عالم الذهن أو عالم صور الأَشياء عندنا مخلوق جهاز منظم يؤدي أعمالاً متعددة حتى يصوغ عالم الذهن، ونستطيع أن نطلق على مجموع ذلك الجهاز اسم جهاز الإِدراك.

والأعمال المختلفة التي يقوم بها هذا الجهاز هي عبارة عن تهيئة الصور الجزئية والحفظ والتذكر والتجريد والتجريد والتعميم والمقارنة والتحليل والتركيب والحكم والإِستدلال وغيرها. وكما ذكرنا سابقاً فإن الإِنسان في البداية أي قبل أن يبدء هذا الجهاز الخاص بالعمل يكون فاقداً للذهن، ثم بالتدريج ونتيجة لنشاط هذا الجهاز يصبح متمتعاً بقوى وجوانب عالم الذهن المختلفة. والآن لننظر إلى نشاط هذا الجهاز من أية نقطة يبدأ؟ إن نشاط هذا الجهاز يبدأ أولاً من ناحية قوة خاصة متعلقة بهذا الجهاز تعرف في الفلسفة باسم قوة الخيال. وعمل قوة الخيال هو أنها دائماً عندما تتصل بأي واقع تلتقط له صورة وتعدّها لتسلمها إلى قوة أُخرى تسمى قوة الحافظة. وبناء على فإن وظيفة هذه القوة هي تهيئة الصور الجزئية وتبديل العلم الحضوري إلى علم حصولي، ولهذا فقد سُميت هذه القوة في هذه المقالة باسم القوة المبدّلة للعلم الحضوري علم حصولي.) التي تسلطت على الظاهرة الحسية وأدركت

[65]

أجزاء الصورة الحسية والنسب بين أجزائها ثم حكمت (كما مرّ بيانه في المقالة الرابعة) قد أدركت تلك المعلومات في حالة كونها مجردة من الآثار الخارجية، أي أنها صور ليست منشأ للآثار الخارجية، أي أنها معلومة لدى هذه القوة بالعلم الحصولي، إذن عمل هذه القوة هو تهيئة العلم الحصولي في حالة ظفرها بواقع الشيء وإتصالها وعلاقتها المادية به، ومن ناحية أُخرى فإننا عندما نلتفت إلى أنفسنا نشاهد أنفسنا (واقع الأنا) في نفس الوقت الذي نحن فيه مطلعون على ذواتنا نجد جميع أقسام الإِدراكات (الحسية- الخيالية- الكلية-المفردة-المركبة-التصورية-التصديقية) موجودة في النفس التي هي شيء واحد حقيقي، فـ(أنا نفسي) (أنا الذي أنظر) (أنا الذي أسمع) (أنا الذي أُدرك هذا المحسوس) (أنا الذي أجد هذا الأبيض حلواً) (أنا الذي أفهم هذا الخيال) (أنا الذي أَقوم بهذا التصديق أو اُصدر هذا الحكم)، ومن هنا فإن لهذه القوة المسماة بـ"القوة المبدلة للعلم الحضوري إلى علم حصولي" لوناً من الإِتصال بجميع هذه العلوم والإِدراكات الحضورية، وهي تستطيع أن تحصلها أي أن تبدلها إلى ظواهر مجردة من آثارها الخارجية وتصوغ منها علماً حصولياً.

والآن لننظر من أين يبدأ عملها؟ 

[67]

الجذور الأولى للإدراكات والعلوم الحصولية

لأول مرة عندما تقع أبصارنا على العالم الخارجي.

(ومن الواضح أن هذا مثال فقط وإلا فإن الإِنسان قد قطع قبل هذه المرحلة مراحل عديدة من الحس ولا سيما عن طريق اللمس) ونلاحظ إلى حدّ ما من الخواص المختلفة للأَجسام نشاهد مثلاً سواداً وآخر بياضاً (أخذ السواد والبياض مثالين فقط والمقصود منهما خاصتان حقيقيتان من الخواص المحسوسة للأَجسام)، فمثلاً ندرك السواد أولاً بحركة أَبصارنا نحوه ومن ثم ندرك البياض،، ومن الواضح أننا عندما ندرك السواد فنحن ندرك معناه بتجريده من الحس، أي أننا نضبطه عندنا ونحفظه، ثم نتجه لإِدراك البياض. وعندما نصل إلى البياض في الحركة الثانية فإن ذلك يكون في حالة وجود السواد لدينا، فإذا وصلنا إلى البياض فإننا لا نجد السواد هناك. ولو استعملنا المعلوم الثاني في المكان الذي استعملنا فيه المعلوم الأَول(إن أحد الأعمال الخاصة بالذهن هو عمل المقارنة. والقدر المسلم أن هذا العمل يأتي من حيث الترتيب بعد عمل التخيل (تبديل العلم الحضوري إلى علم حصولي) ويتم بعد إرسال صورتين على الأقل إلى قوة الحافظة. وصحيح أنه لا يشترط في عمل المقارنة وجود صورتين، وذلك لأنه من الممكن مقارنة شيء واحد مع نفسه، ولكن قدرة الذهن على هذا العمل لا تتوفر إلا إذا حضرت لديه صورتان على الأقل. فالذهن نتيجة لقوة المقارنة يستطيع أن يقارن بين شيئين (مثال البياض والسواد المذكور في المتن)، وأن يقارن الشيء الواحد إلى نفسه (مثال السواد والسواد في المتن)، ولما كانت المقارنة في هذه المرحلة بين مفهومين، وليست ناظرة إلى الخارج (أي ما يسمى اصطلاحاً بالحمل الأَولي لا الحمل الشائع) فالمقارنة بين مفهومين بسيطين فالذهن يصدر حكماً إيجابياً أو سلبياً بلا وساطة، أي أنه لا يحتاج في تصديقه إلى "الحد الأوسط"، ومن هنا يعلم أن أول التصديقات التي يظفر بها الذهن يتعلق بعالم المفاهيم لا بالعالم الخارجي (بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع)، ويعتقد بعض علماء النفس أن أول الأحكام التي يصدرها ذهن الطفل يتعلق بخواص الأشياء الخارجية (وهي بالتأكيد من قبيل الحمل الشائع لا الحمل الأولي) ومن الواضح أنها من تلك الخواص المرتبطة برغبات الطفل ومشاعره (من قبيل السكّر حلو)، وفي الواقع فإن الطفل يبين في أحكامه الأُِولى قيمة الأَشياء بالنسبة إليه، وبعبارة أُخرى فهو يبين مصالحة في الأَشياء. وليس من أهداف هذه المقالة التحقيق في هذا الموضوع وبيان ما هي الأَحكام الأُولى للذهن، وكل ما يتعلق بأهداف هذه المقالة هو أن مفاهيم الوجود والعدم، الوحدة والكثرة، الضرورة والإِمكان والإِمتناع تظهر في الذهن بعد الظفر بـ"حمل شيء على شيء" وإيجاد نسبة بين شيئين.

وتخيل البعض الآخر أن أول حكم يصدره الذهن هو الحكم بوجود العالم الخارجي.

ومن الواضح أن هذه النظرية باطلة من عدة جهات، وعلى أقل تقدير فهي ليست صحيحة من جهة أن الحكم بوجود العالم الخارجي فرع لتصور الذهن للوجود، وتصور الوجود ليس أمراً فطرياً ولا يرد الذهن أيضاً عن طريق أية حاسة من الحواس، وإنما هو يحصل للذهن بعد الظفر بـ"الحمل" والحكم بين شيئين، إذن قبل أن يحكم الذهن بوجود العالم الخارجي لا بد أن يكون قد حكم حكماً واحداً آخر على الأقل.) لشاهدنا أن الثاني لا ينطبق على الأَول كما ينطبق الأَول

[69]

على نفسه، أي أننا نرى السواد له نسبة خاصة مع السواد بحيث إن تلك النسبة لا نجدها بين البياض والسواد وبالتالي نكون قد حصلنا على حمل (هذا السواد هو هذا السواد) وعلى عدم حمل، أي أن الذهن يجد نسبة بين السواد والسواد ولا يجد لك النسبة بين السواد والبياض، وبعبارة أُخرى فإنه يوجد حكماً بين السواد والسواد ويصوغ نسبة بينهما ولكنه لا يؤدي عملاً بين البياض والسواد. وعندما يجد نفسه -في المرة الأُولى أو بعد تكرر الحكم الإِيجابي ذي النسبة والحكم- في هذا الموقف فإنه يعتبر عدم إنجاز فعل (أو عدم الفعل) فعلاً ويعتبر عدم النسبة الإِيجابية بين السواد والبياض نسبة أُخرى مغايرة للنسبة الإِيجابية، وعندئذ تظهر نسبة متخيلة هي (السلب) (من المواضيع التي يهتم بها علماء المنطق وعلماء النفس هو توضيح ماهية القضية وبيان الأجزاء التي تشتمل عليها أية قضية موجبة أو سالبة.

وتوجد في هذا المجال نظريات عديدة، وصحيح أن بعض هذه النظريات لا يتمتع بقيمة منطقية وفلسفية كبيرة، ولكن لما كان بعضها مبنياً على ملاحظات نفسية دقيقة وقد درست فيها بدقّة الأعمال الذهنية وكيفية حركتها في تشكيل القضايا لذلك فنحن نذكر تلك النظريات للذين يألفون الإِصطلاحات المنطقية ويرغبون في التعمق في هذا المضمار، ونحجم عن ذكر الإِشكالات الواردة على كل واحدة منها. وفي البداية ننبه على ملاحظة مهمة وهي أن الذي يهتم به المنطقي أو عالم النفس أولاً وبالذات هو القضية الذهنية، وأما إذا تحدث أحدهما عن تعبيرها اللفظي (القضية الملفوظة) فذلك بالنبع وبالعرض.

وبالنسبة للقضية الموجبة توجد ثلاث نظريات:

أ-تشتمل القضية الموجبة على أربعة أجزاء: الموضوع، المحمول، النسبة الحكمية، الحكم. أي أن الذهن يتصور الموضوع والمحمول والنسبة الإِتحادية بين هذين، ويأتي الحكم الذي هو أحد ألوان الأَفعال النفسية وناظر إلى الخارج ليثبت في الذهن خارجية تلك النسبة المتصورة. ويبدو من كلمات ابن سينا وصدر المتألهين أنهما يختاران هذه النظرية.

ب-تشتمل القضية الموجبة على ثلاثة أجزاء: الموضوع، المحمول، الحكم أو النسبة الحكمية، كما أن القضية اللفظية التي هي تعبير عن تلك المعاني الذهنية (زيد قائم) لا تحتوي إلا على ثلاثة أجزاء. وحسب هذه النظرية لا يكون الحكم والنسبة الحكمية شيئين وإنما هما شيء واحد. وقد اختار هذه النظرية غالباً المتأخرون من المنطقيين الإِسلاميين.

ج-لا تشتمل القضية الموجبة إلا على جزءين فحسب هما الموضوع والمحمول، فعندما يحكم الذهن مثلاً زيداً بأنّ زيداً قائم فلا يوجد في الواقع شيء نفسي يسمى الحكم بالإِضافة إلى تصور زيد وتصور القيام، وإنما يحضر هذان التصوران معاً في الضمير ويتم الإِلتفات إليهما فقط. والعلاقة بين الموضوع والمحمول في جميع القضايا الموجبة هي أن هناك تلازماً بين وجودهما الذهني، وهذا يعني أن حضور أحدهما في الذهن يستلزم حضور الآخر أيضاً، ويتم هذا الأمر حسب القانون العام لـ"تداعي المعاني".

إن تداعي وتلازم تصورين ذهنيين يكون أحياناً بسبب التشابه بينهما أو بسبب التضاد أو بسبب أنهما قد أدركا في زمان واحد أو في مكان واحد، مثلاً كلّما سمعنا اسم حاتم سمعنا معه الكرم، فحاتم والكرم وردا الذهن دائماً معاً، وقد أدّت هذه المعية في الورود إلى العلاقة الذهنية بين هذين التصورين، وأصبح من عاداتنا الذهنية أننا كلّما تذكرنا شخص حاتم أو سمعنا اسمه فإننا نتذكر مباشرة الكرم، وكذا العكس. وهذا هو ما نجده في أذهاننا "حاتم كريم" ونتخيل أن هناك شيئاً آخر غير تصور حاتم وتصور الكرم وهو شيء ثالث يوجد في الذهن يسمى الحكم.

وبناء على هذا فإن حقيقة القضية الموجبة ليست شيئاً سوى تصورين متلازمين متداعيين، إذن تشتمل القضية الموجبة على جزءين فحسب هما الموضوع والمحمول. وقد اختار هذه النظرية مجموعة من علماء النفس المحدثين المعتنقين للمذهب الحسي.

أما بالنسبة للقضية السالبة ففيها خمس نظريات:

أ-إن القضية السالبة مثل الموجبة (حسب النظرية الأُولى) تشتمل على موضوع ومحمول ونسبة وحكم.

والفرق بين هاتين القضيتين هو أنه في القضية الموجبة هناك دائماً شيء وجودي بعنوان كونه محمولاً يرتبط بالموضوع وينتسب إليه، أما في القضية السالبة فيرتبط بالموضوع وينتسب إليه أمر عدمي.

ويكون اختلاف الموجبة عن السالبة-حسب هذه النظرية-من جهة "المحمول"، فالقضية القائلة "ليس زيد قائماً" مساوية لهذه القضية: "زيد لا قائم"، ويصبح مفاد القضية السالبة هو "ربط السلب". وليس لهذه النظرية مؤيدون كثيرون.

ب-تشتمل القضية السالبة مثل الموجبة (حسب النظرية الثانية) على ثلاثة أجزاء هي الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية أو الحكم. والفرق بين القضيتين الموجبة والسالبة من جهة النسبة لا من جهة المحمول، فالنسبة على قسمين إما إيجابية أو سلبية، فالقضية الموجبة تشتمل على نسبة إيجابية، أما القضية السالبة فهي تشتمل على نسبة سلبية، وبعبارة أُخرى: فإن الذهن في كلا الموردين يربط الموضوع والمحمول ببعضهما، وكل ما هناك هو أن لون الإِرتباط يختلف في الموردين، ففي القضية الموجبة يكون لون الإِرتباط وجودياً بينما هو في القضية السالبة ارتباط عدمي. مثلاً عندما نحكم "زيد قائم" فإننا قد ربطنا بين زيد والقيام برابط إيجابي اتصالي، أما عندما نحكم "ليس زيد قائماً" فقد ربطنا بين زيد والقيام برابط سلبي انفصالي، وفي كلتا الصورتين قد ربطنا أحد المفهومين إلى الآخر ونسبناه إليه، إذن ماهية القضية السالبة ليست هي "ربط السلب"  وإنما هي "كون الربط سلبياً".

وقد تبنى هذه النظرية بعض المنطقيين الإِسلاميين.

ج-إن القضية الموجبة والقضية السالبة تشتمل كل منهما على تصور الموضوع وتصور المحمول النسبة الحكمية والحكم. وتكون النسبة الحكمية في كل منهما إيجابية واتحادية، وكل ما يوجد بين هاتين من فرق فهو من ناحية الحكم لا من ناحية المحمول ولا من ناحية النسبة، وذلك لأن الحكم الذي هو فعل نفسي يكون على قسمين: إما من قبيل الوضع و "الإِيقاع" وإما من قبيل الرفع و "الانتزاع". وتوضيح ذلك: أن الذهن يحتاج في القضية الموجبة والقضية السالبة إلى تصور الموضوع وتصور المحمول وتصور النسبة بينهما، والنسبة في كلتيهما إيجابية واتحادية، ولا معنى للنسبة السلبية والإِنفصالية. وكل ما هناك هو أن الإِنسان عندما ينظر إلى مطابقة أو عدم مطابقة هذه النسبة الإِتحادية المتصورة (في مرحلة التصديق والحكم) للواقع ونفس الأمر ففي القضية الموجبة يثبت في الذهن خارجية وواقعية هذه النسبة الإِتحادية، وفي القضية السالبة يثبت في الذهن عدم خارجية وواقعية هذه النسبة الإِتحادية المتصورة، وبعبارة أُخرى: فإنه يحكم في القضية الموجبة بوجود هذه النسبة الإِتحادية في الواقع ونفس الأمر ويحكم في القضية السالبة بعدم هذه النسبة الإِتحادية في الواقع ونفس الأمر، إذن: المفاد الحقيقي للقضية السالبة ليس هو "ربط السلب" ولا "كون الربط سلبياً" وإنما هو "سلب الربط".

وقد اختار هذه النظرية ابن سينا وصدر المتألهين.

د-لا تشتمل القضية السالبة على النسبة أساساً وإنما هي تشتمل على الموضوع والمحمول والحكم، أي أنه كما تكون أحياناً علاقة اتحادية بين شيئين في الواقع ونفس الأمر.

(الإِنسان يتمتع بالاستعداد للكتابة) وأحياناً أُخرى لا تكون هذه العلاقة الاتحادية بينهما (ليس الإِنسان شجراً)، فكذا الذهن عندما يصوغ القضايا ليحكي بها الواقع ونفس الأمر فإنه أحياناً يقيم رابطة بين شيئين في ظرف الإِدراك (القضية الموجبة)، وأحياناً أُخرى لا يقيم هذه الرابطة (القضية السالبة). فالقضية السالبة تشتمل على الحكم ولكنها لا تشتمل على النسبة، وبعبارة أُخرى: يتصور الإِنسان في القضية الموجبة الموضوع والمحمول ثم يربط بينهما بالحكم الإِيقاعي ويقيم بينهما نسبةً وارتباطاً في ظرف الذهن، ولكنه في القضية السالبة يتصور الموضوع والمحمول ويفصل بينهما بالحكم الإِنتزاعي ولا يقيم بينهما نسبة ولا ارتباطاً في ظرف الذهن. وليس لهذه النظرية أيضاً مؤيدون كثيرون.

هـ-تشتمل القضية السالبة على جزءين: الموضوع والمحمول. وبعد تصور الموضوع والمحمول في القضية السالبة (وهما الإِنسان والشجر) يتوقف الذهن ولا يصدر حكماً ولا يقيم نسبة بين الموضوع والمحمول، ولكن الذهن يتخيل هذا التوقف عن الحكم حكماً بالعدم ويصوغ في مقابل مفهوم "الإيجاب" الذي يحكي عن حكم وجودي مفهوم "السلب"، ويفوض القضية السالبة مثل الموجبة في كونها مشتملة على الحكم والنسبة. وهذه النظرية هي التي قد تم اختيارها في هذه المقالة.

وتعتمد هذه النظرية على أمرين:

(1)الأول: لا تشتمل القضية الموجبة على أكثر من ثلاثة أجزاء: الموضوع والمحمول والحكم، ولا ضرورة لفرض النسبة الحكمية، وذلك لأنه في القضايا الحسيّة التي هي أُولى القضايا المدركة من قبيل هذا السواد هو أسود، وهذا أبيض حلو، يكون الموضوع والمحمول محسوسين، والحكم أيضاً فعل النفس، ولكنه لا يوجد محسوس في مقابل النسبة الحكمية وذلك لأنه لا يوجد لدينا حس يدرك النسبة بين شيئين. إذن لا بد أن نقول أن القضية تتم بمجرد وجود الموضوع والمحمول والحكم.

الثاني:كما ذكر في متن المقالة فإن النفس لا يقوم بعمل في مورد القضية السالبة، لا أنها تقوم بعمل، وذلك العمل إما هو من قبيل الربط والوصل وإما من قبيل القطع والفصل.) في مقابل النسبة الخارجية التي هي "الإِيجاب" ويقارن

[74]

هذه الحال تكوّن قضيتين هما "هذا السواد هو هذا السواد" و "وليس هذا البياض هو هذا السواد"، وحقيقة القضية الأولى هي أن قوتنا المدركة قد قامت بعمل بين الموضوع والمحمول يسمى الحكم (هذا هو ذاك)، وحقيقة القضية الثانية هي أن القوة المدركة لم تقم بعمل بين الموضوع والمحمول، ولكنها اعتبرت عدم القيام بالعمل عملاً وجعلته في مقابل العمل الأول (السلب في مقابل الإِيجاب)، ولما كانت هذه القوة تحكي عملها الذي هو الحكم بصورة ذهنيّة (هذا هو ذاك) فقد قامت أيضاً بصياغة صورة لفقدان العمل، لأنها قد أجلسته في مكان العمل لتحكي بهذه الصورة عنه، ولكنها مضطرة لنسبة الثاني إلى الأول (السلب-سلب الوجود) لأنها قد صاغت الصورة الثانية بواسطة الصورة الأُولى (وقد ذكرنا في المقالات السابقة أنه لا يمكن أن يكون هناك خطأ إلا إذا أُضيف إلى الصحيح، ولا يمكن أن يكون أمر اعتباري إلا إذا أُضيف إلى شيء حقيقي).

وبعد صياغة هذين المفهومين (الإِيجاب-السلب) تلاحظ القوة المدركة النسبة القائمة بين الطرفين فتنسب في القضية السالبة (ليس هذا البياض ذلك السواد) السلب إلى طرفي القضية، ومن هنا يقوم كل من الطرفين بالانفصال عن الآخر وطرده، وعندئذ يظهر معنى الكثرة النسبية (أو العدد)، ففي القضية الموجبة تجد القوة المدركة الطرفين خاليين من هذا المعنى (الكثرة أو العدد) لذلك فهي تمنحها اسم الوحدة، ومن هنا يعلم أن "الكثرة" معنى سلبي، أما "الوحدة" فهي سلب السلب، ولكن لما كان سلب السلب منطبقاً على النسبة الإِيجابية لذلك فإن نسبة الوحدة سوف تتحد مع نسبة الإِيجاب في المصداق.

ونحصل من هذا النشاط والجهد الذهني على ستة مفاهيم:

[75]

1-مفهوم السواد.

2-مفهوم البياض.

3-الإِيجاب.

4-السلب.

5-الكثرة النسبية.

6-الوحدة النسبية.

[77]

المفاهيم الحقيقية (الماهيات) والمفاهيم الاعتبارية (غير الماهيات)

فالمفهومان الأولان اللذان أدركناهما (السواد والبياض) كانا نفس الماهية، أي أنهما نفس الواقع الخارجي (أياً كان الواقع الخارجي فهما مثله)، وفي نفس الوقت الذي يكونان فيه نفس الواقع الخارجي فإنهما يختلفان عنه في أن للواقع الخارجي آثاراً مستقلة عن الذهن والإِدراك، ولكن هذه الماهيات تكون مجردة من تلك الآثار، فالفرق بين الماهيات والواقع الخارجي هو أن للواقع آثاراً خارجية ولكن الماهيات فاقدة لتلك الآثار.

ومن هنا نستطيع القول أننا ندرك كنه السواد والبياض، أي أن السواد والبياض كما هما موجودان في ذاتيهما فإنهما موجودان لدينا بنفس الشكل، لا كما يقول السوفسطائيون ولا كما يدعي القائلون بالأَشباح في الوجود الذهني لأن هؤلاء يقولون "إن السواد والبياض هما كما هما موجودان لدينا".

وبين هذين القولين فرق كبير.

والمفهوم الثالث هو مفهوم "الإِيجاب" الذي هو مفهوم الحكم، وكما أشرنا إلى ذلك من قبل الحكم هو الفعل الخارجي للنفس الذي بواقعه

[78]

الخارجي يوجد في الذهن بين مفهومين ذهنيين مثلاً، ولما كان نسبة بين الموضوع والمحمول فوجوده هو وجودهما.

فهو من ناحية يحكي الواقع الخارجي (أي أنه بالنسبة إلى الخارج يفقد آثاره)، ومن ناحية فإن له واقعاً مستقلاً في الذهن بحيث يمكن جعله "محكياً عنه"(لقد ذكرنا فيما سبق النظريات المتعلقة بماهية القضية الموجبة. وأية نظرية منها نختارها وأية واحدة منها نردها فإن هناك شيئاً مسلماً ويقينياً في مورد القضايا الموجبة وهو أننا عندما نثبت محمولاً لموضوع (زيد قائم) فعلاوة على تصور الموضوع (زيد) وتصور المحمول (قائم) قد تم عمل خاص في الذهن، ونحن نسمي ذلك العمل بالحكم أو الإِقرار أو الإِذعان. والنظرية الثالثة  فقط هي التي كانت تعدّ القضية الموجبة مشتملة على جزءين وتنكر وجود الحكم، ولكن تلك النظرية ضعيفة للغاية ولا يعتنى بها، وقد أقام علماء النفس المحدثون أدلة عديدة على بطلان تلك النظرية وأثبتوا أن الذهن علاوة على تصور الموضوع والمحمول يقوم بلون من النشاط الذي يطلق عليه اسم الحكم أو الإِقرار أو الإِذعان.

أما تداعي المعاني فهو شيء غير الحكم، وعلله ومباديه غير علل الحكم ومباديه. فكثيراً ما يتفق وجود التداعي بين معنيين بسبب التشابه أو التضاد أو المجاورة فيها بينهما ولكن لا وجود للحكم عندئذ، أو يكون هناك حكم ولكن على خلاف ما يقتضيه التداعي، مثلاً قد يوجد تلازم وتداع في أذهاننا بين تصور حاتم وتصور الكرم، ولكننا في نفس الوقت لا نحكم بكون حاتم كريماً أو نحكم بأنه لم يكن كريماً، أو أن هذه الشخصية لم توجد في العالم. وأحياناً أُخرى يوجد حكم ولكنه لا وجود للتداعي كما في جميع الأحكام التي يصدرها العلماء في المسائل النظرية والعلمية معتمدين على البرهان والتجربة. إذن يصبح هذا الأمر يقينياً ومسلماً وهو أننا عندما نثبت محمولاً لموضوع (زيد قائم) فعلاوة على تصور الموضوع وتصور المحمول هناك عمل خاص يتم في الذهن.

ويمتاز هذا العمل الخاص من بين جميع الأُمور النفسية بميزة هي أن له ناحيتين: فهو من ناحية انفعالي وحصولي وذهني، ومن ناحية أُخرى هو فعلي وحضوري وغير ذهني.

وتوضح ذلك هو أن الأمور النفسية-كما سبق الحديث عن ذلك-على قسمين:

القسم الأول: هو تلك الصور الذهنية المتعلقة بجهاز الإِدراك الخاص، وهذه الصورة انفعالية، أي أن القوة المدركة قد صاغها بما تتمتع به من خاصية قبول الصور نتيجة لإِتصالها بالواقعيات، وهي حصولية أي أنها تعكس واقعاً غير واقعها. وهي ذهنية أيضاً أي أن وجودهل قياسي وليس لها أي تشخص أو هوية غير كونها صوراً، وامتياز هذه الصور فيما بينها تابع لامتياز المحكيات عنها عنها فيما بينها، مثلاً تصور الإِنسان وتصور الشجر وتصور الفرس ليس لها أيّ تشخيص أو هوية سوى كونها صوراً خارجية خاصة، وامتياز كل صورة عن الأُخرى هو في أن هذه متعلقة بالإِنسان والأُخرى بالشجر والثالثة بالفرس.

والقسم الثاني هو الأُمور النفسية غير الذهنية، وهي تتعلق بسائر الأجهزة النفسية غير جهاز الذهن، كالإِرادة والشوق واللذة والألم. فهذه الأُمور أولاً ليست صوراً لأشياء فالفرق مثلاً بين الإِرادة وتصور الشجرة هو أن الإِرادة أمر نفسي ولا يعكس لنا شيئاً في الخارج، أمّا تصور الشجرة فهو يكشف لنا الواقع الخارجي للشجرة. وثانياً فإن هذه الأُمور حضورية وليست حصولية كما هو واضح. وثالثاً فإنها فعلية غالباً وليست إنفعالية.

وللحكم جهتان فمن جهة هو صورة تعكس واقع ونفس الأمر وتكشف الوجود الخارجي لارتباط المحمول بالموضوع. ومن هذه الجهة لا بد أن نعتبره علماً حصولياً وصورة ذهنية وكيفية انفعالية. وعلاوة على هذه الجهة فإن له جهة خاصة أُخرى، ومن تلك الجهة لا يكون وجوده قياسياً ويمتاز عن سائر النفسانيات بحسب كيفية وجوده هو (لا تبعاً للمكشوف)، وبحسب تلك الجهة نحن نسميه بالإِقرار والإِذعان والحكم، وهو من تلك الجهة فعل نفساني وليس صورة لأمر خارجي ويندرج ضمن سائر الأمور النفسانية.

ويسمي المحققون من المنطقيين هذا العمل الخاص من الناحية الأُولى حيث هو انفعالي وحصولي وذهني باسم التصديق، ومن الناحية حيث هو فعلي وحضوري وغير ذهني باسم التصديق، ومن الناحية الثانية حيث فعلي وحضوري وغير ذهني باسم الحكم. وهو من الناحية الأُولى قابل للتعبير اللفظي ويعبر عنه "بالإِيجاب".).

[80]

ومن هذه الناحية فإن الذهن يستطيع بسهولة ويسر أن يصوغ مفهوماً لهذه الظاهرة التي هي من أفعاله وأن يحكيها كما قلنا بصورة إدراكية. وفي هذه الحال لا نستطيع أن ندرجه ضمن الماهيات وذلك لأن ما يعدّ واقعاً له (الحكم-الفعل الذهني) إنما هو ذهني وليس خارجياً له آثار خارجية.

والمفهوم الرابع هو مفهوم (السلب)، وهو يؤخذ من الحكم الإِيجابي بواسطة اشتباه وخطأ ضروري يبتلي به الذهن، إذن هو ليس ماهية كالحكم الإِيجابي ولكنه يمكن القول أنه مأخوذ من الماهية.

والمفهومان الخامس والسادس (مفهوم الكثرة النسبية ومفهوم الوحدة النسبية) مأخوذان -كما قد علم- من مفهوم "السلب" وهما وإن لم يكونا من الماهيات، ولكنهما يعتمدان على الماهية.

قد اتضح إذن من البيان أن بعض هذه المفاهيم الستة يكون من الماهيات كالسواد والبياض الحاكيين عن الواقع الخارجي، أي أنهما نفس الخارج مع فرق واحد وهو أنهما ليسا منشأ للآثار. والبعض الآخر ليس من الماهيات، وذلك لأنه يحكي عن أمر ذهني متّحد بواقعه مع الأُمور الذهنية، وذلك الواقع هو الحكم، وهو واقع يتمتع بناحيتين، ونحن نستطيع بوساطته أن نجد طريقاً إلى خارج الذهن، إذن مثل هذه المفاهيم وإن لم يكن من الماهيات ولا يحكي عن الخارج ولكننا قد أثبتنا له لوناً من

[81]

وصف الحكاية وأضفينا عليه اعتبار الكاشفية وإظهار ما في الخارج، ولهذا فقد أطلقنا على هذا البعض اسم المفاهيم الاعتبارية(لا ينبغي الخلط بين هذه الاعتبارات الفلسفية الانتزاعية والاعتباريات الإِجتماعية الأَخلاقية التي يتم الإِتفاق عليها فقط، وسوف نتناولها بالبحث في المقالة السادسة.).

ويستنتج مما مرّ:

أولاً: تنقسم الإِدراكات إلى قسمين: التصور والحكم. وهو نفس تقسيم الإِدراك إلى التصور والتصديق الذي مرّ في المقالة الرابعة.

ثانياً: تنقسم المفاهيم التصورية (الإِدراكات التصورية) إلى قسمين:الماهيات والاعتبارات.

عودة إلى الموضوع الأصلي

ومن ناحية أُخرى فكما قلنا أن نفسنا وقوانا النفسية وأفعالنا النفسانية حاضرة لدينا ومعلومة لنا بالعلم الحضوري، وقوتنا المدركة تتصل وترتبط بها، إذن لا بد أنه قد وجدتها والتقطت لها صوراً. وفي هذا الإِدراك الحصولي تكون ماهية النفس وماهية القوى والأفعال النفسانية -من جهة كونها قوى وأفعالاً نفسانية- حاضرة بكنهها لدى القوى المدركة (يقصد من الكنه هنا أنها قد لوحظت "على ما هي عليه"، لا بمعنى أنها قد تمّت الإِحاطة بها تفصيلياً)، وكما أن النسبة بين القوى والأفعال والنفس قد علمت حضوراً فإنها ستكون معلومة أيضاً بالعلم الحصولي كما كانت تعلم النسب بين المحسوسات. ولا بد أننا -عند مشاهدة هذه النسبة- نشاهد الحاجة الوجودية لهذه القوى والأَفعال إلى النفس وقيامها بها ونشاهد أيضاً

[82]

الإِستقلال الوجودي للنفس، وفي هذه المشاهدة تتضح لدينا الصورة المفهومية لـ"الجوهر"(من التصورات الحاصلة للذهن تصور الجوهر والعرض، فالجواهر يعني الموجود المستقل عن المحل والموضوع، والعرض يعني الموجود المحتاج إلى المحل والموضوع مثل جميع الأجسام التي لها كمية ومقدار وشكل. فالجسم نفسه نعرفه بعنوان إنه جوهر، أما كميته وشكله فهما عرضان، أو هذا الورق الذي هو أبيض، فالبياض عرض والورق نفسه جوهر.

وليس من أهدافنا في هذه المقالة أن نبيّن أي شيء هو جوهر وأيّ شيء هو عرض، ولا يعنينا هنا إثبات وجود الجوهر والعرض في الخارج بحيث يقابل أحدهما الآخر، فهناك مقالة مستقلة (هي المقالة 13) قد خصصت لبحث هذه الأُمور. ويدور حديثنا الآن حول منشأ ظهور هذين التصورين، فمن أين جاء هذان التصوران إلى أذهاننا؟

فحسب مقتضى هذه المقالة هو أن لكل تصور يعرض الذهن منشأً واقعياً، وما لم تصل النفس إلى واقع ذلك المتصور بالعلم الحضوري فإنها لا تستطيع أن تصوغ ذلك التصور، وحتى التصورات المتوهمة أيضاً لها في الأصل منشأ واقعي وتنبع عناصرها الأوليّة من الواقعيات، ولهذا يكون وقوع الخطأ بالعرض، وكل خطأ يستلزم دائماً صواباً، وكل متوهم يستلزم حقيقته.

والآن نتساءل: ما هو منشأ ظهور تصور الجوهر وتصور العرض، ومن أي واقع ينبع كل واحد منهما؟

ويعتبر هذا الموضوع مهماً جدّاً من جهة علم النفس ومن الناحية الفلسفية، ولكنه لم يدرس بدقّة إلاّ أحياناً قليلة، وقد تناوله علم النفس الحديث بشيء من الاهتمام، ولكن هذه المقالة قد تناولت الموضوع لأول مرة بهذا العمق وبيّنت رأياً دقيقاً في كيفية ظهور هذين التصورين.

فحسب ما مرّ في صدر هذه المقالة لا يمكن قبول نظرية العقليين القائلة بوجود مجموعة من التصورات الفطرية، إذن لا بد أن نمدّ أيدينا إلى مجال آخر. ومن ناحية أُخرى فمن الواضح أنه لا يمكن عدّ الجوهر والعرض من جملة الوجدانيات أي تلك الظواهر النفسية الخاصة من قبيل الإِرادة والحب، فهما إذن ليسا من المواضيع النفسية الخاصة. إذن لا يمكن تفسير كيفية ظهور هذين المفهومين عن طريق الوجدان الذي يفسر كيفية ظهور مجموعة من التصورات المتعلقة بالأُمور النفسية. ويبقى لأتباع المذهب الحسي طريقان آخران: أحدهما تفسير ظهور هذين بأنه قد تم عن طريق الإِحساس الخارجي، والآخر اعتبارهما من الأُمور المتوهمة المحضة. ولكن أي واحد من هذين الطريقين عاجز عن تفسير ظهورهما، أما طريق الحواس الخارجية، فصحيح أن حواسنا تتعلق بالأعراض والظواهر ونحن نُدرك جميع الأعراض الخارجية عن طريق الإِحساس، مثلاً نحس من الجسم واللون والشكل والطعم والكمية وندرك البياض والمرارة والكروية والمقدار، ولكن عرضية هذه الأُمور-التي هي عبارة عن حاجتها الوجودية إلى المحل والموضوع-لاتدرك بالحس، إذن الإِحساس بهذه الأعراض لا يمكن أن يكون منشأ لظهور مفهوم العرض في أذهاننا. وبعبارة أوضح: أن حديثنا لا يدور حول مفهوم اللون والشكل والمقدار وأمثالها وأنها من أين ظهرت، بل الحديث عن مفهوم العرض الذي نعبّر عنه بالحاجة الوجودية إلى محل، ولا شك أن هذا مفهوم مستقل يعرض الذهن.

وأما الطريق الآخر الذي يعتبرهما من الأُمور المتوهمة المحضة فهو عقيم أيضاً وذلك لأنه:

أولاً: هذه الأُمور من الحقائق وليست من المتوهمات كما سوف يأتي في المقالة (13).

ثانياً: باعتراف الحسيين أنفسهم وجميع علماء النفس أنه لا يمكن أن يوجد في الذهن تصور متوهم تماماً بحيث لا يكون له أيّ نصيب من الحقيقة، والعرض المشتمل على مفهوم الحاجة من أي طريق يمكن تفسيره؟

وحقيقة الموضوع هي أننا قد شاهدنا في باطن أنفسنا حقيقة الجوهر وحقيقة العرض، أي جوهرية الجوهر وعرضية العرض، وبعبارة أُخرى شاهدنا فيها واقعالإِستقلال الوجودي وواقع الحاجة، فمنشأ ظهور هذين التصورين هو الشهود الباطني.

وكما مرّ علينا في بيان ملاك العلم الحضوري فإن حقيقة الأُمور النفسية وحقيقة حاجتها إلى النفس شيء واحد، فنحن لا نستطيع أن نشاهد هذه الأُمور منفصلة عن ناحية حاجتها وتعلقها الذاتي بالنفس، وعلى هذا فإن بداية ظهور هذين التصورين تكون من هذا الطريق، ثم بعد هذه المرحلة يقوم الذهن بتوسيع هذين المفهومين في ظل قواعد معينة ويدرج فيها جميع أو أغلب الموجودات.

ولعل هناك من يظن أن منشأ ظهور هذين التصورين هو الإِحساس الخارجي بهذا البيان: وهو أننا أحياناً نتأمل في الخارج أمرين ماديين أحدهما يعتمد على الآخر، فمثلاً نرى صخرة صغيرة موضوعة على صخرة كبيرة، أو قلماً موضوعاً على يدنا أو نشاهد أنفسنا مستقرّين على الأَرض، وبعد ذلك ونتيجة للمشاهدة والتجربة نعلم كلما رفعنا الصخرة الكبيرة من تحت تلك الصخرة الصغيرة أو سحبنا يدنا من تحت القلم فإن تلك الصخرة الصغيرة وذلك القلم يقعان على الأرض، إذن قد أحسسنا احتياج أحد هذين إلى الآخر وعدم احتياج الثاني للأول، ثم يقوم الذهن بتوسعتهما ويجعل هذين التصورين أعمق وأدق ويستعملهما مثلاً في مورد الجسم والشكل. إذن تبين لنا أن ظهور هذين التصورين كان له منشأ حسي وتجريبي.

ولكن هذا الظن ناشيء من عدم التعمق في تشخيص حدود الحس، فالذي يدركه الحس في هذا المثال وتلتقط له صورة في المخيلة إنما هو تصور كل من الجسمين وتصور السقوط وتصور تعاقب انفلات الجسم الأَسفل وسقوط الجسم الأَعلى، أما الاحتياج فهو ليس قابلاً للإِحساس، ولا يستطيع الحس أن ينقل صورة عن الاحتياج إلى الذهن.

ويدور البحث هنا حول منشأ ظهور تصور الجوهر والعرض، وأما البحث حول إثبات أن وجود الجوهر في الخارج (وحتّى وجود الجسم) هل هو من وظائف الحس أو من وظائف غير الحس؟ ونحن بأيّ دليل نعترف بوجود الجوهر الجسماني في الخارج؟ وإلى أي حد تؤثر المبادئ الحسية في هذا الاعتراف؟ وإلى أي مدى تتدخل المبادئ غير الحسية فيه؟ فذلك بحث مستقل سوف نبسط القول فيه عند الحديث عن حدود الحس وحدود العقل.)، وذلك لأننا نجد أن النفس إذا لم تكن فإن جميع

[85]

هذه القوى والأفعال سوف تذهب من ساحة الوجود، ومن ناحية أُخرى نشاهد نسبة احتياج هذه القوى والأَفعال، ونفهم أن هذا الاحتياج يستلزم وجود أمر مستقل، ونقبل هذا الحكم بشكل عام. ومن هنا فإننا نحكم في جميع موارد المحسوسات -التي لم يكن لنا لحد الآن أي علم عما يكمن وراءها- بأنها من الأعراض ونثبت لها جميعاً موضوعاً جوهرياً، وتتحول جميع هذه إل أوصاف مرة واحدة، أي أننا كنّا لحد الآن نرى الضياء والظلام والبرودة والحرارة، ولكننا منذ الآن فصاعداً نفهم أيضاً المضيءِ والمظلم والبارد والحار، ومن هنا يتمّ الانتقال إلى قانون العلية والمعلولية العام(من المواضيع التي تتميز بأهمية فائقة في الفلسفة والعلوم القديمة والحديثة موضوع العلية والمعلولية، فالتصور الموجود لدى الإِنسان عنهما يتضمن أن هناك شيئين معينين (مثلاً) أحدهما الموجد والمؤثر، والآخر الموجد والأثر.

والعلية والمعلولية من الأمور التي يملك كل واحد منا عنها تصوراً في ذهنه، مثلاً عندما يتناول الإِنسان عصاً في يده ويحرك تلك العصا بيده فإن اليد والعصا تتحركان في زمان واحد. فهاتان الحركتان مع أنهما حادثتان في زمان واحد فمن حيث الزمان لا تقدم لإِحداهما على الأُخرى إلا أن الإِنسان يعتبر إحداهما وليدة ونتيجة الأُخرى ويقول: "لما كانت اليد تتحرك فالعصا تتحرك" أي أنه يعلل حركة العصا بحركة اليد، ولو فرضنا أن أحداً قال: "لما كانت العصا تتحرك فاليد تتحرك" لخطّأه كل الناس.

زهناك مسائل عديدة في باب العلية والمعلولية وأقسامهما، من قبيل:

أتكون العلية والمعلولية واقعيتين؟ وهل نظام علّيّ ومعلوليّ أم لا؟

وهل ترتب المعلول على العلة أمر ضروري يمتنع تخلّفه أم لا؟

وهل من اللازم أن تتزامن العلة والمعلول أم لا؟

فكل مطّلع على الفلسفة والعلوم القديمة والحديثة يعلم أن هذه المسائل وغيرها مما يتعلق بموضوع العلية والمعلولية كانت ولا تزال في الدرجة الأُولى من الأَهمية طيلة تاريخ الفلسفة والعلوم. وقد خصصنا مقالة من هذه المقالات (وهي المقالة التاسعة) لبحث هذا الموضوع.

وكل ما يخص هذه المقالة هو أن تصور العلية والمعلولية في البدء من أين جاء وعن أيّ طريق حصل الذهن؟

توجد في هذا المجال ثلاث نظريات: النظرية العقلية، النظرية الحسية، النظرية التي تتبناها هذه المقالة.

النظرية العقلية: كما سبق لنا القول مراراً أن العقليين يعتقدون بفطرية مجموعة من المعقولات وأنها من خواص العقل الذاتية، وقد أوضحنا في صدر هذه المقالة بطلان هذه النظرية بشكل عام وأثبتنا أنه من غير الممكن أن يحصل تصور أي شيء من دون أن تجد القوة المدركة حقيقة ذلك الشيء بنحو من الأنحاء، فذهن الإِنسان في بداية الأمر صفحة بيضاء، وكل الخطوط والتصورات فإنها عارضة للذهن عن طريق اتصال القوة المدركة بالواقعيات، وبناء على هذا لا يمكن قبول هذه النظرية في أيّ مورد من الموارد، ولا نجد ما يلزمنا بنقل كل ما قيل في هذا المجال ونقده. ومن الفلاسفة الذين يعدّون العلية والمعلولية من جملة المعقولات الفطرية الفيلسوف الأَلماني "كانت"، وله بيان خاص في هذا المضمار، فهو يعتبر العلية والمعلولية من المعقولات الاثنتي عشرة التي هي أمور عقلية وفطرية كما يعتقد.

النظرية الحسية: وهي مبنية على أن تصور العلية والمعلولية قد ورد إلى الذهن عن طريق الإِحساس. وتتعلق هذه النظرية ببعض الحسيين وجميع  الماديين.

ينقل محمد علي فروغي في كتابه "مسير الحكمة في أووبا" ج2، ص123 عن الفيلسوف الإِنجليزي جون لوك قوله:

"لما كنا نشاهد دائماً على وتيرة واحدة حدوث التغيرات في أحوال الأَشياء ونرى أيضاً أَشِياء أُخرى تعطي تلك التغيرات فلهذا نحن نسمي تلك التغيرات معلولة، والأشياء التي تحدث تلك التغيرات نسميها بالعلة، ومن هنا أيضاً يحصل لنا تصور الإِبداع والولادة والصناعة والتغيير".

وخطأ هذه النظرية واضح، فهي ناشئة من عدم الدقة الكافية في تعيين حدود الحس.

ونحن نشاهد في الخارج بوساطة الحواس نفس الحوادث، ونرى التغييرات والتبدلات، ولما كنا ندرك الزمان فمن المؤكد أيضاً أننا ندرك تقارن أو تعاقب هذه المحسوسات.

أما أن لبعض هذه الحوادث "تأثيراً" في البعض الآخر يعبر عنه جول لوك بقوله "تعطي التغييرات" أو "تفعلها" فهو غير قابل للإِحساس، فنحن مثلاً ندرك بوساطة الحواس نفس النار والفلز (من الواضح أننا لا ندرك من هذين سوى مجموعة من الأَعراض وليس شيئاً آخر) واتصال النار بالفلز والحرارة والزيادة الكميّة في الفلز (انبساطه) ومقارنة الزيادة الكمية للحرارة، أما أنه توجد هنا أيضاً علّية وتأثير فذلك ما لا يدرك بأيّ حس من الحواس، أجل لما كان لدينا من طريق آخر تصور عن العلة والمعلول، ومن ناحية نحن مذعنون بأن كل ما لم يكن ثم كان فإنه يتطلب علة ومؤثراً فنحن نستطيع  بمساعدة الإِحساس والتجربة اكتشاف العلل الخاصة للمعلولات المعينة وبيان علاقات العلية والمعلولية بين الأَشياء. ولكن الكلام في أن أصل تصور العلية والمعلولية الذي هو غير قابل للإِحساس من أين جاء إلى الذهن وعرض عليه ابتداء؟

ومنذ أزمان موغلة في القدم التفت المحققون إلى أن العلية والمعلولية غير قابلة للإِحساس.

وننقل هنا مضمون ما قاله ابن سينا في الفصل الأول من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء في بيان أن موضوع الفلسفة الأولى ما هو؟ وهل يمكن القول أن موضوعها هو "العلة على الإِطلاق" والفلسفة الأولى تبحث عن أحوالها وأعراضها؟

(وقد فضلنا ذكر مضمون كلامه على نص حديثه مع أنه مكتوب باللغة العربية لغموض عبارته وتعسّر فهم كلامه على الذين لم يألفوا الأساليب القديمة).

يقول ابن سينا هناك ما مضمونه:

"إن موضوع كل علم هو أمر مسلم الوجود في ذلك العلم، ونحن لو أردنا أن نجعل موضوع هذا العلم هو العلة بشكل مطلق للزم أن نأخذها أمراً مفروضاً ومسلّماً مع أن هذا الفرض والتسليم لا يحصل لنا إلا إذا كنا معترفين بأن أية حادثة لا توجد من دون سبب وعلة، وهذه هي بنفسها من المسائل التي لا بد من بحثها والوصول فيها إلى نتيجة في هذه الفلسفة، ومن الخطأ أن يظن أحد أن علاقة العلية والمعلولية يمكن اكتشافها عن طريق الحس، وذلك لأن الحس لا ينقل إلينا سوى مقارنة شيئين وترافقهما".

(إلهيات الشفاء-ص3-4-5من الطبعة الحجرية. وفي ص 268-270 من الطبعة الحجرية التي فيها تعليقة صدر المتألهين).

وقد اعترف بهذه الحقيقة عدد من العلماء المحدثين الذين تعمقوا في تعيين حدود الحس، وهم فئة أُخرى من الحسيين، ولما كانت هذه الفئة قد أدركت أن الإِحساس عاجز عن الاطلاع على العلية والمعلولية بين الأَشياء، ومن ناحية أُخرى فإنهم-حسب مذهبهم-لا يعتبرون الشيء واقعياً إلا إذا أمكن تفسيره عن طريق الحس والتجربة، لذلك فقد ترددوا في حقيقة العلية والمعلولية.

ويتزعم هذه الجماعة العالم الحسي الإِنجليزي الشهير "دافيد هيوم". وينقل عنه محمد علي فروغي قوله:

"إذا قمنا بدراسة فلسفية تبيّن لنا ضرورة الإِعتقاد بعلاقة العلة والمعلول، أي أننا عندما نشاهد حجراً متحركاً يصطدم بحجر ساكن فيتحرك الحجر الساكن نسمي اصطدام الحجر المتحرك علة لحركة الحجر الساكن، ولكن هذه العقيدة قد جاءتنا من التجربة، وقبل أن تحصل هذه التجربة لا يحكم العقل بوجوب هذا الأمر وهو حدوث هذا المعلول من تلك العلة، ولا يوجد مورد واحد لم نقم فيه بتجربة ثم أدركنا علاقة العلة والمعلول حسب قاعدة عقلية، والتجربة لا تطلعنا إلا على أن الشيء الفلاني يأتي دائماً بعد هذا الشيء الآخرة، ويبقى من المجهول لدينا أنه لماذا يكون هذان الأمران متعاقبين دائماً" وبعد ذلك يقول: "إن الحكم برابطة العلية نتيجة للعادة الحاصلة لنا من مشاهدة شيء ما يحدث دائماً بعد شيء آخر، وهذه العادة ترسّخ في الذهن الإعتقاد بأن هذين الأمرين متلازمان".

(نقلاً عن اللغة الفارسية- كتاب سير حكمت دراروبا-تأليف محمد علي فروغي- ج2ص151-152).

أما أتباع المادية الديالكتيكية فإنهم من ناحية يقتفون أثر الحسيين مدعين أن التصور الحقيقي فقط هو ذلك الذي يناله الإِنسان عن طريق الحس، ومن ناحية أُخرى فإنهم يعتبرون العلية والمعلولية من الواقعيات. ولهذا فهم يحاولون أن يثبتوا-بالقوة والضجيج-أن العلية والمعلولية من الأُمور المحسوسة.

يقول الدكتور فروغي تقي الأراني في كتيب له اسمه "المادية الديالكتيكية" ص33:

"إن قانون العلة والمعلول يعتبر بالنسبة إلينا أصلاً حقيقياً وذلك لأن التجربة العملية قد أثبتت صحته، أما التجريبيون (امبريست) فإنهم لا يعتبرون هذا القانون حقيقياً، ولا يؤمنون بوجود رابطة العلة والمعلول بين حادثتين، ويقولون: نحن نعلم فقط بأن شيئاً ما يظهر بعد شيء آخر، ومن المحتمل أن لا يظهر بعدة في الأحيان، مثلاً قد يحدث آلاف المرات أن تحرق النار يد الإِنسان، ولكنه في بعض الأحيان قد تحترق يد الإِنسان أولاً ثم تظهر النار بعد ذلك. وجوابنا على هذا الكلام سيكون حسب هذا المعيار فنقول: لما كانت جميع الحوادث في جميع المراحل تصدّق عملياً قانون العلة والمعلول فلذلك لا يمكن القول بالاستثناء منه على ما يتخيله هؤلاء، فهو دائماً صادق بلا استثناء".

ويقول في الصفحة 44: "نحن نلاحظ في العلم منذ التاريخ البشري ولحدّ الآن ملايين المصدّقة للعلة والمعلول، وكذا الحياة اليومية فإنها مليئة في كل لحظة بحوادث العلة والمعلول، إذن ما الذي يدعونا إلى اعتبار هذه الأمثلة المتعددة لقانون العلة والمعلول غير صحيحة ونجلس بانتظار يوم يظهر لنا فيه الاستثناء من هذا القانون من أعماق شجرة من الأَشجار ونشيح بوجوهنا التكامل العلمي، أما المثاليون فإنهم ينتظرون هذا الأمر، ولو أن أحداً منهم أُطلقت على رأسه عيارات نارية ففتّتته لما اعتبر الإِطلاقات علة لقتله".

ومع أن هؤلاء السادة قد خلطوا بين مسألة ضرورة ترتب المعلول على علته أو امتناع تخلف المعلول عن علته ومسألة تقدم وتأخر وتزامن العلة والمعلول وهذه المسألة القائلة: هل يستطيع الحس والتجربة إدراك العلية والمعلولية أم لا؟ بوعي منهم أم من غير وعي، فهم بالإِضافة إلى ذلك لم يفهموا أو لم يريدوا أن يفهموا أن ما نلاحظه في حياتنا اليومية مما يأتينا عن طريق الحس والتجربة ليس إلا مقارنة الحوادث أو تعاقبها، لا العلية ولا المعلولية بينها. والذي حمل التجريبيين على الشك في واقعية قانون العلة والمعلول هو التعمق في تعيين حدود الحس  والتجربة. فالتجريبيون معتقدون-من ناحية-بأصالة الحس والتجربة، ومن ناحية أُخرى فإنهم لم يشاؤوا -مثل الماديين- إضفاء صفة المحسوس على التصورات غير المحسوسة، ولهذا فقد ترددوا في واقعية قانون العلة والمعلول.

والحقيقة أننا إذا كنا من أصحاب أصالة الحس واقعاً، ومن ناحية أُخرى لم نسمح لأنفسنا بإلقاء الكلام على عواهنة فإنه لا يوجد عنئذ أي مبرر لاعتبار قانون العلة والمعلول أمراً حقيقياً واقعياً.

نظرية هذه المقالة:

تبتني نظرية هذه المقالة على أن قانون العلة والمعلول أمر واقعي، وسوف تناقش وتدحض جميع الشبهات القديمة والحديثة في هذا المجال وذلك في المقالة التاسعة المخصصة لدراسة هذا القانون. وحسب النظرية العامة التي مرّ بيانها في صدر هذه المقالة "كل علم حصولي فهو مسبوق بعلم حضوري" وما دام الذهن لم يجد واقع الشيء فإنه لا يستطيع أن يصوغ تصوراً له، سواء أكان يجدها في ذات النفس أم أنه يظفر بها عن طريق الحواس الخارجية. ويجد الذهن في البدء نموذجاً للعلة والمعلول في داخل النفس فيصوغ من ذلك تصوراً ثم يقوم بتوسيع وبسط ذلك التصور. وكما ذكرنا سابقاً فإن النفس تجد ذاتها وتجد في نفس الوقت آثارها وأفعالها من قبيل الأَفكار والتصورات، وعلمها بهذه الأُمور علم حضوري وليس حصولياً، أي أن النفس بواقعها تجد عين واقعيات هذه الأُمور، ولما كانت المعلولية عين حقيقة ووجود هذه الآثار، إذن إدراك هذه الآثار هو عين إدراك معلوليتها، وبعبارة أُخرى فإن النفس تحيط علماً بذاتها وآثارها وأفعالها وهو علم حضوري، وتجد هذه الآثار والأفعال متعلقة الوجود بذاتها، وهذا اللون من الإِدراك هو عين إدراك المعلولية. هذه خلاصة لنظرية هذه المقالة، ومن البديهي أن التوضيح الكامل لهذا يحتاج إلي بيان حقيقة قانون العلة والمعلول كما هو موجود من الناحية الفلسفية والبرهانية، وتتولى المقالة التاسعة بيان هذه الأُمور.).

[91]

وبعد هذه  المرحلة تبدأ قوتنا المدركة بإدراك المفردات والنسب وتركيب وتحليل المحسوسات والمتخيلات، ومن الواضح أن تفصيل ذلك خارج عن قدرتنا في هذا المجال، وكل ما يهمنا هنا هو أن تراعى الملاحظات الثلاث الآتية بشكل عام:

1-لما كانت قوتنا المدركة تستطيع أن تنظر مرة أُخرى نظرة استقلالية إلى ما كانت قد حصلت عليه في النظرة الأُولى، فهي تنظر نظرة استقلالية إلى النسب التي كانت قد حصلت عليها بعنوان أنها رابطة بين مفهومين وتصوغ في مورد كل نسبة مفهوماً استقلالياً أو أكثر، وخلال هذه الجولة تتصور مفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة التي كانت قد أدركتها في البدء بصورة نسبة -تتصورها أولاً في حالة إضافة (وجود المحمول

[92]

للموضوع) (عدم المحمول للموضوع) (وحدة الموضوع والمحمول) (كثرة الموضوع والمحمول في القضية السالبة)، ثم بعد ذلك من دون إضافة (الوجود،العدم،الوحدة،الكثرة)، وكذا سائر المفاهيم العامة والخاصة التي هي من الإِعتباريات(لقد تم بيان كيفية ظهور مفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة مجموعة أُخرى من المفاهيم من قبيل العلة والمعلول، الجوهر والعرض التي هي من المفاهيم العامة، وذلك حسب أسلوب المقالة.

ويفسر العقليون في أوروبا ظهور مفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة بأنها حاصلة عن طريق الفطرة، ولقد أوضحنا بطلان هذه النظرية، ولكن الحسيين يفسرونها بأنها حاصلة عن طريق الحس الداخلي (الوجدان). ينقل محمد علي فروغي عن جون لوك قوله: "التصور على قسمين: بسيط ومركب، فالبسيط يحصل بوساطة الحس (الإِحساس الخارجي) أو الفكر (الإِحساس الداخلي أو الوجدان) إلى أن يقول: "والتصورات البسيطة الحاصلة عن طريق الفكر هي تصور الإِدراك والإِرادة والقدرة والوجود والوحدة والألم واللذة وما يشبهها".

وبديهي أنه من الخطأ قياس الوجود والوحدة على الأُمور النفسية الباطنية كالإِدراك والإِرادة والقدرة واللذة والألم، وذلك لأن تصور الإِدراك والإِرادة و...، يحصل من هذا الطريق وهو أن الإِنسان يجد في ذاته ظاهرة نفسية خاصة تسمى الإِدراك، ويجد ظاهرة أُخرى هي الإِرادة، وثالثة هي اللذة، وهكذا...

فكل واحدة من الظواهر: أولاً نفسانية ولا تصدق على الأُمور غير النفسانية، وثانياً يقوم الذهن بصياغة مفهوم خاص لكل واحد من تلك الظواهر، بحيث يكون كل مفهوم صادقاً على أحد تلك الأُمور النفسانية ولا يصدق على سائر الأُمور النفسانية. ومن الواضح جداً أنه لا توجد ظاهرة خاصة بحيث يجدها الإِنسان بعنوان إنها الوجود أو الوحدة، وكل إنسان يعلم بالبداهة أن مفهومي الوجود والوحدة هما بشكل يشمل جميع الظواهر الباطنية والظواهر الخارجية. وعلى هذا فلا يمكن قياس مفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة التي هي من المفاهيم العامة على مفاهيم الإِدراك واللذة والألم وسائر الأمور النفسية الخاصة.).

[93]

2-كما هو واضح من الملاحظة الأُولى فإن القوة المدركة تستطيع أن تسير من القضية وتصل إلى المفرد، وتستطيع أيضاً أن تسير القهقرى فتبدأ من المفرد وتنتهي إلى القضية. ولهذا السبب فإن كثيراً من مفرداتنا التصورية كانت في الأَصل قضايا، وعدداً من القضايا كانت في الأَصل مفردات تصورية.

3-كما أن لدينا تركيباً وتحليلاً في التصورات كما هو مذكور في الملاحظة الثانية فكذا هما موجودان في التصديقات والقضايا أيضاً. فنحن عندما كنا نقول مثلاً: السواد هو سواد، وليس البياض سواداً، فقد سلمنا بهذه الأُمور وصدّقنا بها:

1-إن السلب والإِيجاب (النفي والإِثبات) معاً لا يجتمعان في قضية واحدة، ولا يرتفعان معاً عن أية قضية (وهذا هو أصل امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما).

2-كل شيء فهو ثابت لنفسه.

3-كل شيء لا تسلب ذاته عن نفسه.

4-لا يمكن أن يكون هناك عرض بلا موضوع.

وكذا مجموعة من البديهيات الأُخرى. وسوف تتضح هذه الملاحظة بشكل أكبر فيما بعد(سوف يأتي الحديث مفصلاً نسبياً عن هذه البديهيات المسماة اصطلاحاً بالبديهيات الأولية التصديقية وذلك عندما نتناول موضوع "تحليل المعلومات التصديقية" بالدراسة والبحث.).

[94]

ومن طريق آخر (طريق التحليل)

يمكن دراسة تكثر المعلومات بأسلوب آخر وذلك لأنه كما مرّ علينا في المقالة الرابعة فإن معلوماتنا الحصولية على قسمين: تصورية وتصديقية:

أما القسم الأَول (التصورية)

فنحن بحسب الغريزة نكتفي في المفاهيم الجزئية بمجرد الحس والمشاهدة، مثلاً لو أُلقي إلينا مفهوم هذا الكرسي الجزئي فإننا بمجرد الإِشارة إلى كرسي جزئي في الخارج نقتنع ونكتفي، وليس الأمر كذلك في المفاهيم الكلية، وذلك لأنه في مورد كثير من المفاهيم تظهر مفاهيم أُخرى أيضاً لا تقبل الانفكاك والانفصال عن المفهوم الذي هو موضوع البحث، ولو أننا فصلناها عنه لذهب من أيدينا المفهوم المطلوب أيضاً، مثلاً مفهوم الكرسي الذي له شكل خاص ولون وحجم وروعة في الصناعة وهو مصنوع من الخشب هو مفهوم مثل المركب من عدة مفاهيم، ومن بين هذه المفاهيم لو لم نتصور اللون والحجم والجودة في الصنعة وغفلنا عنها فإن ذلك لا يجعل تصور الكرسي يذهب من الوجود، بخلاف الخشب (المادة) وشكل الكرسي (الصورة) فإن نفيها يذهب بتصور الكرسي من الوجود. ومن هنا نعلم أن مفهوم الكرسي مفهوم مركب من مجموع مفهومين (الخشب-الشكل)، ثم نجد نفس هذه الكيفية والتركيب(من أعمال الذهن الراقية عمل التحليل والتركيب، وبوساطة هذا العمل تتكثر المعلومات والصور الذهنية، وبفضله أيضاً نظفر بالمعرفة المنطقية للأشياء.

فكما أن الأشياء الخارجية إمّا بسيطة، وإما مركبة، والمركبات بجميع أنواعها الكثيرة التي يعرف كل واحد منها باسم خاص تتركب من مجموعة من العناصر المعدودة، وإذا حللناها لا نجد سوى تلك العناصر المعدودة قد تركبت فيما بينها بنسب مختلفة، فكذا الصور الذهنية فهي إما بسيطة وإما مركبة، والمركبات ليست سوى صور قد تركبت من عدة عناصر ذهنية بسيطة بشكل خاص. وتسمى العناصر البسيطة الأولية للذهن-حسب الاصطلاح-بالمبادئ التصورية (في باب التصورات) وبالمبادئ التصديقية (في باب التصديقات).

والتحليل والتركيب الذهنيان هما في مقابل التحليل والتركيب العمليين، والتحليل والتركيب العمليان يعنيان أن الإِنسان يقوم بإخضاع المواد الخارجية للتحليل أو التركيب، مثل أن يقوم بتحليل مركب صناعي (كالساعة) أو مركب طبيعي (كالماء) إلى أجزائه الأَولية ثم يعيد تركيبه مرة أُخرى. والعمليات الكيمياوية التي تتم في المختبرات هي من هذا القبيل، والطريق الوحيد لمعرفة التركيب الداخلي المادي للأَشياء هو التحليل والتركيب العمليان.

وللتحليل والتركيب الذهنيين أو النظريين أقسام متعددة سوف نتناولها بصور مجملة في التعليقات القادمة بإذن الله، والشيء الذي لا بد من التنبيه عليه هنا هو أنه قد يخطر في بال القارئ الكريم هذا السؤال: حسب النتيجة العامة لهذه المقالة فإن "كل علم حصولي يعرض للذهن فهو مسبوق بعلم حضوري" ومن الواضح أن هذه القاعدة ترفض أي استثناء فهي تصدق على البسائط وعلى المركبات الذهنية، إذن كيف نجد لدينا كثيراً من التصورات المركبة التي نقطع بأننا لم نعلم بحقيقة مصاديقها بالعلم الحضوري، مثل تصورنا لغير المتناهي وواجب الوجود وأمثالهما؟

والجواب على هذا السؤال أنه ليس من اللازم لتلك النتيجة العامة أن يظفر الذهن بحقيقة كل واحدة من تلك البسائط والمركبات على حدة، بل في بعض الموارد يدرك الذهن المركبات ابتداء ثم يقوم بفصل عناصرها الأَولية عن بعضها بما يتمتع به من قوة التحليل. فمن هذا القبيل التصورات العادية البدائية في مجال المحسوسات، مثلاً ابتداء يرى الإِنسان عن طريق الباصرة جسماً بحجم وشكل ولون معين، أي أن تصور الحجم والشكل واللون يتم معاً دون أن ينفصل بعضها عن البعض الآخر. وبعد أن ينضج الذهن ويظفر بالقدرة على التحليل فإنه يفصل الكمية عن الكيفية ويفصل كل كيفية عن الكيفيات الأُخرى، وفي بعض الموارد يدرك ابتداء البسائط ثم يصوغ منها-بما يتمتع به من قوة التركيب-تصوراً جديداً، مثلاً يحصل للذهن من ناحية تصوّر الحد أو النهاية (وتصور النهاية بدوره مركب من عدة تصورات بسيطة)، ومن ناحية أُخرى تصور العدم، ثم من نسبة العدم إلى النهاية يحصل للذهن تصور اللامتناهي، أو أنه من ناحية يتصور الوجود ومن ناحية أُخرى يتصور الضرورة والوجوب، ثم يظهر من تركيب هذين التصورين تصور جديد في الذهن هو (واجب الوجود). وجميع الفرضيات العلمية والفلسفية هي من هذا القبيل، فبعد أن ينتج الذهن هذا اللون من التصورات ينتقل إلى التحقيق العلمي والفلسفي ويثبت صحة أو بطلان هذه الفرضيات الذهنية بالأساليب المنطقية.) في نفس

[96]

مفهوم الخشب الذي هو جزء من مفهوم الكرسي، وذلك لأننا إذا سلبنا مثلاً العناصر المرافقة لصورة الخشب المكونة للخشب من مفهوم الخشب لزال تصور الخشب من الوجود، ومن الواضح أن هذا التحليل والتجزئة لا تستمر دائماً بل لا بد أن تقف في مكان ما وآخر مفهومين نظفر بهما في هذا السبيل هما مفهومان بسيطان، وفي الخارج أيضاً يجري ما يشبه هذا الأمر، وهذا المفهوم  البسيط هو الذي تضاف إليه المفاهيم البسيطة الأُخرى أحدهما بعد الآخر وتتركب معه فيتكوّن المفهوم الأَول المطلوب (مفهوم الكرسي مثلاً).

إذن كما أن لمفاهيمنا التصورية لوناً من الكثرة في بسائطها فإن لها لوناً من الكثرة أيضاً بوساطة التركيب. وكما مر علينا فيما مضى فإن بعض هذه المفاهيم ماهيات وبعضها اعتباريات مأخوذة من الماهيات، وهذا هو أيضاً لون من الكثرة يحصل من هذا الطريق، وكما هو واضح فإن التركيب الذي يتم بين الماهيات يتم أيضاً بين المفاهيم الاعتبارية. ويستنتج مما مر أمران:

[97]

1-تظهر للمفاهيم التصورية كثرة بوساطة البساطة والتركيب.

2-للمفاهيم كثرة أُخرى تحصل عن طريق الحقيقة والاعتبار(حسب نظرية العقليين فإن للمفاهيم لوناً من الكثرة عن طريق الذاتية (الفطرية) والعرضية، ولوناً آخر من الكثرة بسبب البساطة والتركب، والمفاهيم البسيطة إما أن تكون قد وردت الذهن عن طريق إحدى الحواس وإما أن يكون الذهن واجداً لها بفطرته، أما حسب نظرية الحسيين فإن كثرة المفاهيم تحصل فقط بسبب البساطة والتركب، وجميع المفاهيم البسيطة قد جاءت إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس الخارجية أو الداخلية مباشرة. يقول توماس هوبز-وهو من الفلاسفة الحسيين في القرن السابع عشر (1588-1679)-.

"لا يعني الاستدلال والتفكير سوى جمع المعلومات مع بعضها أو فصلها عن بعضها، وبعبارة أُخرى فإن الفلسفة تعني التحليل والتركيب، والتحليل والتركيب يتعلقان بالأجسام فحسب، وكل ما عدا الجسم أياً كان فإنه لا يمكن أن يكون موضوعاً للفلسفة والعلم". نقلاً عن كتاب "سير حكمت در أوربا" لمحمد علي فروغي، ج2 ص110.

أما دافيد هيوم الذي هو أحد الفلاسفة الحسيين للقرن الثامن (1711-1776) فإنه بعد أن يقصر الإِدراكات على ما يأتي إلى الذهن عن طريق إحدى الحواس يقول:

"هذه هي لحمة وسدى أفكارنا، وعقلنا لا يؤدي أي عمل سوى تركيب وربط هذه الأَجزاء والمبادئ".

نفس المصدر السابق، ج2 ص150

ولكن هذه المقالة ثتبت أن للمفاهيم لوناً من الكثرة بسبب البساطة والتركب، ولوناً آخر من الكثرة من حيث الحقيقة والاعتبار، وقد عرفنا مما قلناه لحد الآن أنه لا يمكن قبول نظرية العقليين المبنية على أن بعض المعقولات فطرية، أما نظرية الحسيين فهي عاجزة عن تفسير كثير من المفاهيم البسيطة من قبيل تصور الوجود والعدم والوحدة والكثرة، بل وحتى العلية والمعلولية، ونحن نعلم بالضرورة أن في الذهن لكل واحد من هذه تصوراً واضحاً وصحيحاً، والسبيل الوحيد الصحيح لتفسيرها هو ما تنتهي إليه هذه المقالة.

وكما عُلم من المواضيع السابقة فغن للمفاهيم كثرة أُخرى أيضاً عن طريق الكلية والجزئية، وذلك لأنه صحيح أن الكلي والمصداق في الخارج شيء واحد، وكل مفهوم كلي (مثل الإنسان) فهو عين كل واحد من أفراده في الخارج، وهو متعدد بحسب تعددها في الخارج،ولكنه بحسب الذهن فإن تصور الكلي يغاير تصور كل واحد من أفراده، ومن حيث الخواص والأعراض الذهنية أيضاً فإن تصور المفهوم الكلي مغاير لتصور كل واحد من الأَفراد بالخصوص.

وفي القرون الوسطى أنكر مجموعة من العلماء الأُوروبيين التصورات الكلية وكانوا يعتقدون أن الذهن لا يملك أي لون من التصور عن الكلي، وجميع الأَلفاظ التي يظنّ أنها قد وضعت لمعان كلية كلفظ الحيوان والإِنسان والشجر وغيرها لا معنى لها على الإِطلاق. وتعرف هذه الفئة بالإِسميين بسبب أنهم يعتبرون هذه الألفاظ ألفاظاً فارغة من دون مسمى. وقد أنكر التصورات الكلية أيضاً عدد من علماء النفس المحدثين، وهم الذين يعتبرون جميع الأعمال الذهنية-من حكم وتعقل وقياس واستدلال-إحساسات بدائية قد تغير شكلها في الجملة. ومن جملة المعتقدين بهذا الرأي دافيد هيوم وجون استيوارت ميل. وإذا سنحت فرصة مناسبة فسوف نستغلها للبحث مفصلاً في أطراف هذه النظرية.).

[98]

إشكال

يمكن المناقشة في الموضوع السابق ذكره بأن يقال أن هذا الموضوع مبني على نظريتين وقد ثبت بطلان كل منهما، والنظريتان هما:

1-وجود الأَنواع المتباينة في الخارج.

2-ثبوت ماهياتها الثابتة.

وأوضح من ذلك أن نقول: إن هذه الطريقة مبنية على أن الخواص  

[99]

التي نظفر بها عن طريق الحس إنما هي ماهيات متباينة، فحقيقة الصوت مثلاً غير حقيقة الضوء، وعلى هذا القياس فإن خواص الأَجسام تتباين فيما بينها تبايناً نوعياً، وكذا الأجسام فإنها متنوعة أيضاً باختلافات جوهرية، وكل واحد منها نوع بحسب الواقع منفصل عن الآخر وله خواص معينة.

ولكن العلم الحديث قد قضى على هذه النظرية الميتافيزيقية القديمة وأوضح بطلانها وأثبت أو الواقع الخارجي ليس شيئاً سوى المادة المتشابهة، والأنواع المختلفة للعناصر والمركبات الحية إنما هي تلك المادة الواحدة قد إتخذت لنفسها تركيبات متنوعة وهي تعطي آثاراً متعددة، وكل هذه الخواص يمكن تحويلها إلى طاقة، وقد ثبت أخيراً أن المادة والطاقة يمكن تبديل كل منهما إلى الأُخرى، وهما في الحقيقة والواقع حركة، ومن هنا يظهر أنه لا معنى للأنواع المختلفة(لقد تمّ- لحد الآن- بيان عدد من الجهات التي تكون منشأ لكثرة الإِدراكات، ولكن أياً منها لم يكن متعلقاً بالكثرة الناشئة من اختلاف المعلومات والأَعيان الخارجية أنفسها. توضيح ذلك: كما أننا نلاحظ كثرة واختلافاً في الإِدراكات من حيث الكلية والجزئية، والبساطة والتركب، والحقيقة والإِعتبار، فإننا نشاهد أيضاً كثرة واختلافاً آخر بين إدراكاتنا وتصوراتنا بسبب كثرة واختلاف الواقعيات الخارجية العينية، فمثلاً لدينا تصور عن الماء وتصور عن الهواء وتصور عن الإِنسان وتصور عن البياض وتصور عن الشكل وتصور عن المقدار، وتصورات أُخرى كثيرة غيرها، ومفهوم الماء عندنا غير مفهوم الهواء، وكل منهما غير مفهوم الإِنسان، وكل واحد من هذه الثلاثة غير مفهوم البياض، وكل واحد من هذه الإربعة غير مفهوم الشكل، وهكذا...

ولا يمكننا أن نسلم أبداً بأن كل واحد منها هو عين التصورات الأُخرى، فنحن نعلم بالضرورة أنها مختلفة عن بعضها. وتكون هذه الإِختلافات ناشئة من وجود الإِختلافات في نفس الواقعيات الخارجية، أي لما كان واقع الماء والهواء والإِنسان والبياض والشكل والمقدار- كل هذه الواقعيات لما كانت مختلفة فيما بينها كانت تصوراتنا لها مختلفة أيضاً، إذن هناك لون آخر من كثرة الإِدراكات وهو ناشئ من كثرة الواقعيات العينية.

ويعتبر هذا اللون من الكثرة من حيث تأثيره في زيادة التصورات واتساعها، ولكن هذا اللون من الكثرة- على العكس من سائر الأَقسام التي سبق بيانها-خارج عن موضوع هذه المقالة، لأنه يتعلق أولاً بالذات وبالواقعيات الخارجية، ويتعلق بالتبع بالإِدراكات والتصورات، وكما قلنا في مقدمة هذه المقالة فإن موضوع البحث في هذه المقالة هو الكثرات المتعلقة بالذات بالإِدراكات نفسها، والعامل الأَساسي في تلك الكثرات هو نشاط الذهن، من قبيل الكثرات الحاصلة عن طريق الحقيقة والاعتبار، أو عن طريق البساطة والتركب، أو عن طريق الكلية والجزئية، وأما تلك الكثرات الناشئة من الواقعيات الخارجية والنابعة من الناحية الانفعالية للذهن فهي ليست متعلقة بالذات بالإِدراكات، ولهذا فهي خارجة عن موضوع هذه المقالة.

ويمكن تسمية هذا اللون من الكثرة بالكثرة الماهوية أو الذاتية، وذلك لأن هذه الكثرة-حسب ما يرى بعض الفلاسفة- ممثلة للإِختلافات الماهوية والذاتية الموجودة بين الأعيان الخارجية. والحديث الماضي المتعلق بانقسام الإِدراكات إلى إدراكات حقيقية وأُخرى اعتبارية يعتمد على قبول النظرية القائلة بوجود الإختلافات الماهوية والذاتية بين الأعيان الخارجية، وذلك لأن الإِدراكات الحقيقية هي التي تكون صورة مباشرة لظاهرة خارجية، من قبيل الصورة الذهنية للإِنسان والفرس والحجر والشجر التي هي ماهيات مختلفة ومتنوعة حسب ما تذهب إليه هذه المقالة.

وكل مطلّع على المنطق والفلسفة يعلم أن كثيراً من مسائلهما مبني على مسألة الكثرة الماهوية في التصورات، ووجود الإِختلافات الذاتية بين الأعيان الخارجية، وتكون تلك المسائل نابعة من هذه المسألة. 

وعلى اية حال فإن نظرية المتن بالإِدراكات الحقيقية معتمدة على النظرية القائلة بأن بعض صورنا الذهنية، ماهيات، من قبيل الصورة الذهنية للإِنسان والفرس والشجر وغيرها، وأن تلك الماهيات مختلفة بالذات فيما بينها، وأنها ممثلة للأَنواع الخارجية المتباينة بالذات.

ولكنه يمكن المناقشة في هذا الموضوع بحسب الأُسس العلمية الحديثة وذلك عن طريقين: أحدهما: إنكار الاختلافات الذاتية بين الأنواع الخارجية، أي إنكار أن لكل من الإِنسان والحجر والشجر والنحاس والحديد ذاتاً وماهية مستقلة، وأن هذه جميعاً مختلفة فيما بينها ذاتياً. والثاني إنكار ثبات ماهيات الأَشياء، أي إنكار أن كل شيء له ماهية معينة فسوف تستمر معه تلك الماهية ما دام موجوداً.

توضيح هذا الموضوع: أما نظرية التباين الذاتي بين الأنواع والتي يعتمد عليها الموضوع السابق الذكر فهي أن نقوم بتبويب الأشياء والواقعيات الخارجية ونقول أن لكل فئة منها ذاتاً وماهية مغايرة لذوات وماهيات سائر الفئات، وبعبارة أُخرى: فإن هذه النظرية مبنية على أن نعتقد بأن الأشياء مفرغة في قوالب خاصة، وكل قالب-من حيث الذات-غير القوالب الأُخرى، وكل قالب من تلك القوالب فهو ذات وماهية ذلك الشيء. ولكن الدراسات الحديثة المقرونة بالمشاهدات والتجارب قد أثبتت أن الأشياء لم تفرغ في قوالب خاصة متميزة وأن الواقعيات الخارجية لا تختلف فيما بينها بشكل ذاتي، وأثبتت أن ما له تحقق في الخارج هو واقع واحد له تركيبات متعددة، والاختلاف بين الأشياء يعود إلى الاختلاف بين تلك التركيبات الحاصلة لأَجزاء ذلك الواقع الواحد. وكل ما هناك فهو أن لدينا تصوراً خاصاً لكل واحد من تلك التركيبات، وفي البداية عندما لا تكون لدينا خبرة علمية كافية فإننا نظن أن لكل واحد من الواقعيات المتصورة ذاتاً مباينة ومخالفة للذوات الأخريات. فمثلاً نحن نرى-ابتداء-الإِنسان والشجر والحجر وأموراً أُخرى فنظن أن لكل واحد منها ذاتاً مباينة للأخريات، ولكننا إذا قمنا بالدراسة والتجربة فسوف يظهر لنا أن جميع هذه الأشياء التي لا يمكننا عدّها قد تركبت من عدد محدود من العناصر التي ترتبط فيما بينها بنسب مختلفة، أي أننا سوف نعرف أن اختلاف هذه المركبات ليس ذاتياً. ثم ندرس العناصر وخلال دراستنا للعناصر نظن ابتداء أن كل واحد منها يباين-ذاتاً-العناصر الأُخرى، ولكن التجارب والدراسات العلمية الدقيقة تثبت لنا أن العناصر بدورها أيضاً مركبة من ذرات، واختلاف وضع الذرات وتركيبها الداخلي يجعل العناصر متمايزة فيما بينها. أي أننا نفهم أن اختلاف العناصر أيضاً ليس ذاتياً. ثم نخطو خطوة نحو الأمام لندرس الذرات أنفسها فنلاحظ أنها مكونة أيضاً من أجزاء أصغر، أي أن الاختلافات بينها أيضاً ليست ذاتية بل تعود إلى الاختلاف في وضع وعدد وحركة تلك الأجزاء المكونة لها. ثم نتقدم خطوة أُخرى لنرى أن هذه الأَجزاء المكونة للذرات أيضاً ليس لها ماهيات مستقلة وغير قابلة للتغيير والتبديل، وذلك لأنه في بعض الأَحيان تحصل بعض التغييرات في الوضع الداخلي للذرات فيتحول عنصر ما إلى عنصر آخر. وتحصل التغييرات في التركيب الداخلي للذرات عن طريق تحول بعض الأَجزاء الداخلية للذرة إلى طاقة أو عن طريق تكثّف الطاقة وتحولها إلى أجزاء، وأخيراً فإنه يبدو من الدراسات العلمية المعتمدة على المشاهدات والتجارب أنه لا وجود إلاّ لواقع واحد يملأ الفضاء وتحصل فيه-خلال الزمان-تغييرات وأشكال متعددة، ونحن نسمي ذلك الواقع الواحد المالئ للمكان والمتغير خلال الزمان بـ"المادة". وبناء على هذا لا تكون اختلافات إدراكاتنا وتصوراتنا عاكسة للإِختلافات الذاتية والماهوية بين الواقعيات، بل هي تمثل فقط أوضاع وأحوال وأشكال وتركيبات واقع واحد هو المادة.

وكان العلماء في الماضي يتبنون نظرية التباين الذاتي بين الأنواع ويعدون من المستحيل القيام ببعض العمال الكيميائية، من قبيل تبديل الحديد والنحاس إلى ذهب، وذلك لأن هذا-من وجهة نظرهم-يستلزم تغيير وتبديل ماهية شيء إلى شيء آخر وهو انقلاب ذاتي يستلزم سلب ذاتيات الشيء عن نفسه، بينما ثبوت الذاتيات للذات-حسب القواعد المنطقية-ضروري وممتنع العدم، ولكنه قد ثبت اليوم أن هذه الأعمال الكيميائية غير ممتنعة لا عقلياً ولا عملياً، وعلاوة على ذلك فقد أثبتت التجارب أن تبدل نوع ما إلى نوع آخر ليس ممكناً في الأَشياء غير الحية فحسب وإنما هو ممكن أيضاً في الموجودات الحية، بل في الموجودات الحية يكون تبدل وتسلسل الأنواع-حسب قانون النشوء والارتقاء-من القوانين الضرورية والنواميس اليقينية للطبيعة. وعلى هذا تكون نظرية هذه المقالة وكذا البحث المعروف بـ"المقولات"، ومبحث "التعريفات الجنسية والفصلية"، ومبحث "الصور النوعية"، والمواضيع المتعلقة بإثبات النفوس النامية والحيوانية والناطقة، ومجموعة أخرى من المواضيع المذكورة في المنطق والفلسفة والنابعة من هذه الأمور-تكون هذه المباحث بأجمعها ساقطة عن الاعتبار.

كان هذا ملخَّصاً للقسم الأول من الإِشكال.

إن هذه النعمة تشيع على ألسنة جميع الذين يفكرون بطريقة حسيَّة (سواء أكانوا مادِّيين أم غير مادِّيين) وينظرون إلى العالم من نافذة الحواس فقط. وقد ظن هؤلاء أن نظرية الاختلافات الماهوية والذاتية بين الأشياء قد انهارت بجميع ما يتفرع عليها، وأن ركناً أساسيّاً من أركان المنطق العقليّ والفلسفات المتشعبة منه قد تهدّم، وذلك منذ شاعت النظرية الذريَّة واستحكمت أُسسها. ونحن لو أردنا الجواب مفصّلاً على هذا الإِشكال لاحتجنا إلى ذكر مواضيعٍ عديدةٍ من قبيل موضوع وحدة الوجود وأصالة الوجود وموضوع القوَّة والفعل والحركة، والجزء الذي لا يتجزء، ومادة المواد والجوهر والعرض، بينما حجم هذه المواضيع يفوق حجم هذه المقالة عدَّة مرات، وسوف يأتي ذكر هذه الأُمور في مقالات لاحقة هي (7-9-10) ولهذا فنحن نُرجع القرّاء الأعزاء إلى تلك المقالات. أمّا ما يتعلق بهذه المقالة فهو أن للإِدراكات كثرة من حيث الحقيقة والاعتبار، فالإِدراك الحقيقي هو تلك الصورة المباشرة لشيء خارج عن الذهن من قبيل تصور الإِنسان والشجر والحجر ممّا يُطلق عليه في الفلسفة اسم "المعقولات الأُولى"، أما الإِدراكات الاعتبارية فهي ليست صوراً مباشرة لأُمور خارجة عن الذهن، ولم ترد الذهن عن طريق إحدى الخارجية أو الداخلية، بل الذهن هو الذي يصوغ هذه المفاهيم بطريقة أُخرى، من قبيل تصوّر الوجود والعدم والوحدة والكثرة وسائر المفاهيم الذهنية العامة التي تشكِّل مسائل الفلسفة الأُولى والتي يطلق عليها في الفلسفة اسم "المعقولات الثانية الفلسفية"، ويتعلق الإِشكال السابق الذكر بالقسم الأول، أي بالإِدراكات الحقيقية، فالقارئ الكريم يعلم أننا سواء اعتبرنا الإِدراكات الحقيقية ماهيات وعاكسة للاختلافات الذاتية بين الواقعيات الخارجية، أم اعتبرناها عاكسة للأشكال والأحوال والتركيبات المختلفة لواقع واحد، فإن ذلك لا يغيِّر شيئاً في مطلوب هذه المقالة ومدعاها، وهو انقسام الإِدراكات إلى حقيقة واعتبارية، ولهذا نجد أنفسنا الآن في غنىً عن الخوض في هذه المباحث. ولكنه في نفس الوقت نذكر شيئاً لكي يلمّ القارئ الكريم-إجمالاً- بنظريّتنا الفلسفية حول هذا الإِشكال فنقول: على العكس ممّا يتوقعه صاحب الإِشكال فإنَّ النظرية التحليلية الفيزيائية الحديثة لا تنتج تلك الدعوى الفلسفية التي مرت ضمن الإِشكال، وذلك لأن النظرية التحليلية الفيزيائية تتحدث فقط عن التركيب المحسوس للأشياء، وتبين الجزء المادي (العلة المادية) لوجود الأشياء، وتقول إنه خلال جميع التطورات توجد مادة أساسية تتخذ لنفسها أوضاعاً مختلفة وتلبس أثواباً متعددة، وأمّا تلك الدعوى الفلسفية المبنية على أنَّ جميع الجوانب الوجودية للموجودات الطبيعية فهي منحصرة بذلك الجانب المحسوس الذي تتناوله الفيزياء بالدِّراسة وأن الطبيعة بجميع مظاهرها المختلفة قد جاءت من واقع واحد، فذلك ممّا لا يمكن استنباطه من هذه النظرية.

ونحن من دون أن نُبدي أيَّ معارضةٍ للنظريات الفيزيائية وعلم الأحياء المتعلقة بالذرة والطاقة والجزئ والخلية فإننا نثبت-معتمدين على الأُسس الفلسفية العامة- في مبحث القوة والفعل أن الواقع الوحدانيّ أو حسب التعبير الماضي الواقع الواحد المالئ للمكان والمتغير خلال الزمان الذي ليس في ذاته أيّ كثرة أو تعدّد لا يمكن أن يُنتج المظاهر المختلفة للطبيعة، ولا يمكن أن يحصل له تغيير أو تكامل، وهو لا يستطيع أن يُوجد هذا النظام المحسوس.

ويلزمنا أن نشير هنا إلى أنَّ موضوع التصرفات الكيميائية وتبدّل الأنواع المذكور في الإِشكال لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع التباين الذاتي بين الأنواع. فمن ناحية الأُسس الفلسفية العامة مهما قلنا بوجود التباين بين الأنواع فإن ذلك لا يمنع من تبدّل نوع إلى نوع آخر، سواء أكان تبدّل نوع غير حيّ إلى نوع آخر غير حيّ، أم كان تبدّل نوع حيّ إلى آخر حيّ، أم كان تبدّل نوع غير حيّ إلى حيّ، وإما أن القوانين الخاصة بعلم الأحياء تُجير ذلك بالنسبة إلى الأحياء أم لا فهذا موضوع آخر.

وأما القسم الثاني من الإِشكال المبنيّ على عدم ثبوت الماهيّات، فإن كان مقصود صاحب الإِشكال أن الموجودات الطبيعية في الخارج ليس لها ماهية متشابهة، بل هي متحركة في ذاتها وتتغير ماهيتها باستمرار، فهذا ممّا نوافق عليه، وسوف نثبت في المقالة العاشرة أن الطبيعة -بجميع جواهرها وأعراضها-في حركة ذاتية دائمة، ونظرية هذه المقالة أيضاً ليست مبنية على فرض سكون الموجودات الطبيعية. وإنْ كان مقصوده أن الصور الذهنية للماهيّات الموجودة عندنا هي في حركة دائمة ومتغيرة فجوابه ما ورد في المتن بشكل مفصّل بأن طبيعة المفهوم والصور الذهنية بعيدة كل البعد عن أحكام المادة ومقرراتها، والصورة العلمية ليست من سنخ عالم الحركة، وقد نقلنا في تعليقات المقالة الثالثة وفي مقدمة، وتعليقات المقالة الرابعة الشبهات المتعلقة بهذا الادِّعاء ونقدناها بشكلٍ وافٍ.) بالذات، وبالالتفات إلى هذه

[106]

الملاحظة نفهم أن الأنواع المختلفة كالإِنسان والفرس والأرض والهواء لا تحكي عن اختلافات ذاتية، وهي تبين فقط الاختلاف في خواص التركيبات، وهي جميعاً تعود بالتالي إلى أصل واحد.

وبغضّ النظر عن هذا فإن هذه التركيبات لّما كانت في حركة وتحول حتى آخر جذورها (المادة والطاقة) إذن لا تبقى أيّ ماهية ولا ذات على حالة واحدة في لحظتين، سواء أكان ذلك في الخارج أم في الذهن (وذلك لأن الذهن أيضاً من الخواص المادية للمخ)، إذن من العبث الاعتماد علمياً على الماهيات، ويكون جهاز صياغة الماهيات بمثابة أن يقوم الإِنسان بوضع تكسر الأَمواج علامة على نقطة ما في بحر عظيم، ومن هنا فإن العالم الخبير بالعلوم الطبيعية وأساليب التحقيق الحديثة إذا سمع عن شيء فإنه لا يبحث عن ماهيته بل يسأل عن خواصه وآثاره، فهو لا يقول: ماذا يكون، بل يقول: ماذا يفعل؟ وما هو تأثيره؟

الجواب

فالجزء الأَول من الإِشكال القائل أن الاختلافات الخارجية ليست اختلافات نوعية بل هي عائدة إلى الاختلافات في التركيبات المادِّية، وهي تعود بالتالي إلى أصل واحد إنما هو حديث لا يمكن قبوله، وذلك لأنه صحيح، قد يشتبه علينا الأمر أحياناً فنعدُّ الأَشياء غير المختلفة مختلفة، ولكنه هل يصحُّ لنا -انطلاقاً من ذلك- أن ننكر وجود أيَّ اختلافٍ في الخارج، وأن لا تنتهي هذه الاختلافات بالتالي إلى مجموعة من الأصول

[107]

المختلفة بالذات، ويكون أيّ شيءٍ أيّ شيء آخر؟ ومن الواضح أنه ليس كذلك. فليس متصوّراً على الإِطلاق أن يزول الاختلاف أولاً: من ظرف الإِدراك والفكر، ثانياً: من بين الخواص، ثالثاً: من بين موضوعات الخواص.

وذلك لأنه لو لم يكن هناك اختلاف على الإِطلاق لم يوجد الاختلاف في إدراكنا وفكرنا، ووعينا الفكري ليس مستعداً لإِنكار جميع الاختلافات الفكرية وهو يرفض إمكانية إرتفاعها، وإمكانية الإِرتفاع تعني مثلاً أن الفكر في المسائل الهندسية هو عين الفكر في المسائل اللغوية. إن ضميرنا العلمي ليس مستعداً أبداً -في مجال الإِدراكات والأفكار- أن يضع أيّ جملة مكان أيّ جملة، ولا أي مفرد مكان أيّ مفرد، ولا أيّ مفرد مكان أيّ جملة، ولا بالعكس، وبالتالي فهو غير مستعدٍ أن يضع أيّ إدراكٍ مكان أيّ إدراكٍ آخر، وأن ينتظر فائدة ونتيجة أيّ فكر من فكر آخر.

فنحن لسنا مستعدين أبداً أن نضع أيَّ فعلٍ مكان أيّ فعل آخر، أو أيّ وسيلـةٍ مكان أيّ وسيلةٍ أخرى، وبالتالي فلسنا مستعدين لاعتبار أيّ شيء عين جميع الأشياء، وذلك لأن هذه الفكرة تنقض نفسها بنفسها، فمفهوم "جميع" لا يمكن أن يُتصور بدون اختلاف وكثرة، ولا شكَّ أنَّ مثل هذه الفكرة التي لا أساس لها أحطُّ بكثير من أفكار مثاليٍّ أو شكاكّ بتمام معنى الكلمة.

إذن لا بدَّ أن نغضَّ الطَّرف وإلى الأبد عن فكرة رفع مطلق الاختلاف من بين الإِدراكات والأفكار. ثم إذا لم يكن هناك اختلاف بين خواص الأشياء لم يوجد اختلاف في تأثيراتها التي تتركها فينا. فآذاننا التي تسمع الأصوات وعيوننا التي تشاهد الضوء، وفي النتيجة يظهر اختلاف

[108]

في مدركاتنا المحسوسة، إمَّا أن يكون هذا الاختلاف حاصلاً من ناحية الضوء والصوت بأن يكوناشيئين مختلفين بالذات، أو شيئاً واحداً مختلفاً بحسب الحالات مثل عدد الذبابات وغير ذلك، وإمّا أن يكون حاصلاً من ناحية الأذن والعين بالذَّات أو بحسب الحالات، وإلاّ فإن فرض الوحدة العينية بين الأذن والعين والصوت والضوء لا يمكن أن ينتج اختلافاً على الإِطلاق.

ثم إذا لم يكن أي اختلاف بين موضوعات هذه الخواص في الخارج فإنه لا يمكن أن يتصور اختلاف الخواص والآثار.

أجل إن التجارب العلمية والمحاولات الفنية قد نجحت لحدّ الآن في حلِّ بعض الاختلافات التي كانت تبدو لنا أنها موجودة في الخارج، وقد أعادتها إلى أصلٍ واحد، أي أنها عيّنت مسير المادة في تكوُّناتها المختلفة، فأثبتت أن مادة متشابهة موجودة ومحفوظة في الفواكه والدَّم والإِنسان والتراب، لا أنه في كلّ تكوّن يُعدم شيء من جذوره، ويوجد شيء آخر من العدم، وكذا استطاعت أن تُثبت أنَّ كلَّ لونٍ من ألوان الطاقة المختلفة يمكن تحويله إلى الألوان الأخرى منها، أي أنها ظفرت بخط مسير  الطاقة، واستطاعت أن تحتفظ بهويته خلال الأشكال المختلفة كالحرارة والمغناطيس والكهرباء.

واستطاع أيضاً أن يتبيّن بنحو من الأنحاء تبدُّل المادة إلى طاقة، والطاقة إلى مادة. وأن يقول حسب فرضية ذلك الفن المبنية على انحصار الموضوع في المادة والطاقة:"كلّ ما هو موجود فهو إما هذه أو تلك".

ولكنه بحسب النظرة المطلقة الدقيقة لا يمكن نفي كلّ ما وراء المادة والطاقة مرة واحدة، وإعادة كلّ ما عداهما إلى المادة أو الطاقة، وذلك لأن

[109]

كلّ المحاولات المبذولة في هذا المجال تدور في إطار المادة والطاقة وليس فيما وراءهما ولا في الموجود المطلق. وإذا كان صحيحاً أنه لم يجده فمعنى ذلك أنه لم يجده في المادة والطاقة.

مثلاً نقول: إذا أخذنا ستة عشر جزءً مادّياً ورتّبناها بحيث تكون القاعدة (4) أجزاء والإِرتفاع (4) أجزاء، فإنه يتكوّن مع ذلك مربع، وإذا رتّبناها بحيث تكون القاعدة (8) أجزاء والإِرتفاع (4) أجزاء فإنه يتكوّن مثلّث، إذن اختلاف شكل المثلث والمربع يتوقف على اختلاف ترتيب المادة، ولا يعتمد على أيِّ شيءٍ آخر سوى هذا العدد (16) من الأجزاء المادية.

وصحيح أن حديثنا هذا صادق ولا يمكن إنكاره، ولكنه في الحقيقة يبيّن كيفية مسير المادة في حالتين، أي إذا أردنا الحديث عن المادة فقط فلا بدَّ أن نقول هكذا، ولكن هذا الحديث لا يمكنه أبداً أن يُثبت أن شكل المثلث والمربع شكل واحد وأن آثارهما الماهوية واحدة أيضاً، وأن للمربع مثلاً ثلاث زوايا وللمثلث أربع زوايا.

أو مثلاً إذا قطعنا جسماً واحداً إلى قسمين ثم قطعنا كلَّ قسم منهما إلى خمسة أقسام ثم خلطنا الأقسام جميعاً وكونّا شيئاً واحداً فإنه لا يصح القول إن الأرقام 1،2،10 هي عبارة عن رقم واحد، لأن مادَّتها جميعاً مادّة واحدة ليس أكثر.

إشكال

نحن نستطيع بفضل الأجهزة العلمية أن نحلّل الموجود المادي إلى أصوله المادّيّة ثم نُعيده إلى حالته الأُولى بالتركيب.

وصحيح أن أجهزتنا العلمية الحالية لا تجرؤ في جميع الموجودات أن

[110]

تعطي للطبيعة وثيقة تركيبها الداخلي، ولكنها تستطيع أن تفعل ذلك في أغلب الموجودات، وهي تتكفل بإيجادها وإدارتها وتنظيمها، والتقدم العلمي الهائل في عصرنا يبشر بمستقبل نتغلب فيه على جميع العوائق المتبقية، إذن استقلال العلم الحديث وقدرته على إيجاد الموجودات الحقيقية بوساطة ترتيب أجزاء المادة وبعثرتها دليل قاطع على أنه لا وجود لشيء سوى المادة بتركيباتها المتنوعة.

الجواب

كما قلنا من قبل فإن العلوم الطبيعية تستطيع فقط أن تعيّن خط مسير المادة وأما توحيد المادة والحوادث المختلفة بشكل عام فإنها لم تظفر به لحدِّ الآن، وكما قلنا فإن ذلك لن يحدث أبداً.

وملخَّص هذا الحديث ببيان آخر: أن لدينا في الخارج وحدات حقيقة وهي في لباس الاختلاف، وعندما نحلّلها نصل إلى أجزائها وأجزاء أجزائها حتى يصل التحليل إلى مكان بحيث إذا تقدمنا خطوة واحدة فإننا نفقد ذلك الموضوع، ثم إذا عُدنا القهقرى وركبنا تلك (البسائط) فإن الصورة الأُولى توجد مرة أخرى.

ففي هذا الموقع -الذي هو في الحقيقة الحدُّ الفاصل بين وجود الموضوع وعدمه- يوجد احتمالان: أحدهما أن هذه الصورة -التي هي موضوع التحليل والتركيب (فرد الإِنسان مثلاً)- هي تركيب مادّي خاص، والإِحتمال الثاني هو أن هناك موجوداً آخر غير المادة وهو ملازم ومرافق للمادة وللتركيب وله لون من التعلق بالمادة.

ومن الواضح أنه ما لم نستطيع إبطال الإِحتمال الثاني بطريق فنّي فإِن الإِحتمال الأول لا يتعين، وواضح أيضاً أن مجرد الحصول عند الحصول

[111]

والزوال لا يكون دليلاً على الوحدة والعينيّة، وذلك لأنه يوجد عندئذٍ احتمال الملازمة الوجودية بينهما. وكل ما قامت به العلوم الطبيعية فهو أنها أوضحت مسير المادة بحسب التحليل والتركيب من هذا الرأس وحتى ذلك الرأس، وأوصلتنا إلى مفترق الطريقين، أي أنها في الحقيقة لم تتقدم خطوة واحدة في نفي الاختلافات الخارجية.

وبالنسبة لهذه الاختلافات سوف تأتينا في مقالة "القوة والفعل" أحدث نظرية استنتجتها الفلسفة بطرقها البرهانية الأخيرة.

والآن نتناول القسم الثاني(وملخص هذا القسم هو: "أن الماهيات لا تبقى على حالة واحدة بسبب التحول والتكامل العام للأَشياء، وأية ماهية أو ذات ليست هي بعينها في لحظة أخرى، لا في الخارج ولا في الذهن، إذن: الإِعتماد العلمي على الماهيات عبث لا ثمرة فيه، وهو يشبه أن يقوم الإِنسان بوضع تكسّرات الأمواج علامة على نقطة ما في بحر واسع عريض".

أما القسم الأول من الإِشكال فقد كان يتضمن أن الأشياء وأجزاء الطبيعة ليس لها ذوات وماهيّات مختلفة، إذن لا ينبغي أن نفرض لكلِّ فئةٍ من الموجودات ماهيّة مستقلة عن الماهيّات الأخرى، والواقع أن جميع موجودات الطبيعة هي مظاهر مختلفةٍ لماهيّةٍ واقعيةٍ واحدةٍ تظهر في أثواب متنوعة.

وأما القسم الثاني من الإِشكال فهو يتضمن: أنه لو فرضنا أن الأشياء ماهيّات مستقلة فلا تكون تلك الماهيات ثابتةً ولا مستمرةً، وذلك لأن التغييرات التي تحدث في الطبيعة ليست سطحية وظاهرية، بل كلُّ ما هو موجود في الطبيعة فهو في تغيير دائم، فالظواهر وكلُّ ما هو تحت ستار الظواهر وحتى التصورات الموجودة في أذهاننا عن الأشياء الخارجية-كلّ هذه معرضة للتحولات في كلّ لحظة. وهذا القسم من الإِشكال ناظر إلى تلك الدعوى السابقة القائلة أن الذهن يتمتع بقدرة للظفر-عن طريق الحواس أو عن طريق الشهود النفساني أو بمساعدة قوة العقل التحليلية-بماهيّة الظاهرة، أو على الأقل بماهيّة أقرب خواصها، فيعرف "ما هي" تلك الظاهرة. ونحن نعلم ان البحث المعروف في علم المنطق بـ"المعرّف" موضوع ليدل الإِنسان على كيفية الظفر بالماهيّة الحقيقية للشيء، أو على الأقل للظفر بأقرب خواصّة التي تميّزه من سائر الأشياء.

وقد كان العلماء في جميع العلوم والفنون ولا يزالون يبذلون كلَّ جهودهم ليظفروا بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ لموضوعات مسائل فنهم، وبهذا يعيّنون حدود تلك الموضوعات، أما حسب هذا الإِشكال القائل أن الأشياء لا تتمتع بوضع معيّن ممتاز، لا في الذهن ولا في الخارج، فإن موضوع "المعرّف" في المنطق يغدو عبثاً، بل يصبح التعريف في جميع العلوم لغواً لا ثمرة وراءه.) من الإِشكال فنقول: إن جوابه

[112]

واضح ممّا سبق قوله في المقالة الثالثة، فقد أثبتنا هناك أن عالم المفهوم بعيد كل البعد عن أحكام المادة ومقرراتها، وأن الصورة العلمية ليست من سنخ عالم الحركة، ولا يشملها قانون التحول والتكامل التدريجي العام.

توضيح ذلك: لقد أثبتنا في أحاديثنا الماضية أن لدينا موجودات خارجة عن الذهن ومستقلة عن الفكر وهي الماهيات التي هي منشأ الآثار.

وأثبتنا أيضاً أننا ندرك بعضاً منها بواقعه (مع حذف وإسقاط منشئية الآثار)، ويكون هذا الإِدراك تارةً بدون وساطة شيء وتارة أخرى بوساطة.

ونعلم أيضاً أننا نحيط علماً بالقسم الأول بمشتركاتها ومختصّاتها، بحيث نستطيع تمييز المشتركات من المختصّات بالدليل، ثم نؤلف بينها فنظفر بالمركب، ونستطيع أيضاً أن نعرفها بوساطة خواصّها القريبة.

[113]

ونعرف أيضاً أننا إذا لم نظفر باليقين في موضوع ما بحيث يبقى مجهولاً لدينا فإننا لا نستطيع أن نحكم عليه بشيء معين.

ونستنتج من هذه المقدمات الأربع:

أن الطريق الوحيد لكي تصبح معلوماتنا الفكرية واضحة هو الظفر بماهية حقيقية لموضوع القضية، وإذا لم نستطع ذلك أو لم نشأ (على الأقل) فليذكر معرّف يشتمل على أقرب خواصّه(يقول المنطقيون: إن مجموع ما يريد الإِنسان أن يفهمه بالنسبة للأشياء، وهو يسأل نفسه عنه، ويفتش عن جواب له يتلخص في عدة أقسام عامة، وتكون جميع المسائل العلمية والفلسفية أجوبة على هذه الأقسام العامة أو بتعبير آخر على هذه الأسئلة الفكرية، وهي كما يأتي:

أ-السؤال عن "ماهية" الشيء، أي كلّ شيء يجلب انتباه الإِنسان فإنه يحب أن يعرفه ويعلم ما هو وما هي مشخّصاته؟ وما هو ميّزاته من سائر الأشياء؟ وفي الجواب عن هذا السؤال يقومون بتعريف الأشياء ويحاولون أن يذكروا لكلِّ شيء تعريفاً كاملاً (جامعاً مانعاً)، وكما نعلم فإن موضوع "المعرّف" في المنطق يتكفل ببيان هذا الأمر.

ب-السؤال عن "وجود" الشيء، أي السؤال عن أن هذا الذي فيه هل موجود واقعاً أم هو أمر موهوم؟ وقد سبق لنا القول في المقالة الأُولى أن الجواب على هذا السؤال لا ينهض به سوى الفلسفة.

ج-السؤال عن "كيفية" الشيء وأحواله وخصوصياته، أي السؤال عن أن هذا الشيء الذي أفكر فيه ما هي أحواله وأعراضه وخصوصياته؟ وكما مرّ في المقالة الأُولى فإنَّ العلوم هي المتكفلة ببيان هذه الجهة، فكلُّ علمٍ لمّا كان له موضوع خاص يبحث عن حالاته وكيفياته فإنه يُجيب على الأسئلة المتعلقة بذلك الموضوع.

د-السؤال بـ"لماذا" عن علة وجود ذلك الشيء، أو عن علة كيفية ذلك الشيء.

والجواب على هذا السؤال تنهض به الفلسفة أحياناً، وتتكفل به العلوم أحياناً أخرى.

إن هذه الأسئلة لا تقفز في الذهن الإِنساني مرة واحدة بل الترتيب، فالإِنسان عندما يلتفت إلى شيء لأول وهلة فإنه يريد أن يفهمه بصورة مجملة ما هو؟ وبعد أن يتعرّف على "ماهية" ذلك الشيء إجمالاً ويميّز ذلك الشيء في فكره من سائر الأشياء بحيث يصبح في ذهنه بعيداً عن الإِبهام والاختلاط فإنه يريد أن يفهم: هل هذا الشيء موجود أم لا؟

وإذا عرف أنه موجود (إما بفضل الوضوح وإما بوساطة البرهام الفلسفي) فإنه يتصدى لاكتشاف حالاته وأعراضه، وعندئذ يصل الدور للسؤال عن علته الوجوديّة، ثم يصل إلى مرحلة الظفر بعلّة الكيفيات.

ويعلم ممّا قلناه لحدِّ الآن أنه ما لم نعرف الشيء إجمالاً بحيث تمييزه من سائر الأشياء، أو على الأقل نستطيع تمييزه عن طريقٍ أقرب وأظهر خواصِّه فإننا لا نستطيع أن نقتحم التحقيق في أصل وجوده ولا في كيفياته وأعراض وجوده (لو كانت مجهولة لدينا)، ولهذا نلاحظ العلماء دائماً وفي كلِّ علمٍ يبدأون في مطلع كلِّ فصل بتعريف موضوع ذلك الفصل، ثم ينتقلون إلى صلب الموضوع، وذلك لأنه كما أُشير إليه في المتن: " كيف يرضى ضمير مفكرٍ باحثٍ أن يدرس أحكام موضوع بينما هو لا يعلم شيئاً عن حقيقة الموضوع، وحتى أنه لا يميّز الموضوع من غير الموضوع، وحسب قول المُستشكل عندما يسمع اسم الموضوع لا يسأل عن ماهيّة بل يسأل عن خواصّه ما هي؟ (بينما هذا السؤال بعينه طلب للمعرّف)".

ويصرُّ الماديّون بشكل عجيب على أصل "نفي الاختلافات الماهوية بين الأشياء" وأصل "التحول والتكامل العام بين الأشياء في الخارج وفي الذهن" وأصل "تبعية الجزء للكل"، بحيث يعتبرون التفكير الميتافيزيقي-الذي يفصل الأشياء عن بعضها بالتعريفات-تفكيراً مغلوطاً، بل لا يكتفون باعتبار التعريف والتحديد غلطاً، بل لا يكتفون باعتبار التعريف والتحديد غلطاً، وإنما هم أحياناً ينكرون حتى أصل "الهوهوية" أو "العينية" القائل أن كلَّ شيء هو هو بنفسه، فمثلاً "ألف" هو "ألف" بنفسه. وسوف نتناول الحديث عن هذا الموضوع بالتفصيل في أواخر هذه المقالة وذلك عندما نتحدث عن أصل العينية والثبات.

وللجواب على هذه النظرية-علاوة على ما ذكر في المتن وما سوف يأتي في أواخر هذه المقالة-نكتفي بالقول أن نفس العلوم الحسيّة والتجريبية دليل على ما نقول، ففي هذه العلوم يُستفاد من المشاهدة والتجربة، ومن الواضح أنَّ ما يجري تجربته هي الجزيئات، ولتمييز وتفكيك الجزيئات عن بعضها تكفي المشاهدة الحضورية، وليس هناك حاجة للتعريف ولا التحديد. ولكن نتيجة المشاهدات والتجارب هي عندما تتخذ صورة القانون العلمي العام وتصبح صالحة لتسجيلها في الكتب المتخصصة بعنوان انها "أصل" شامل، حيث يكون أحد المفاهيم الكليَّة موضوعاً ومفهوم كلي آخر محمولاً، ومن الواضح أن المفهوم الكليّ لا يمكن تعيينه بالإِشارة والإِحساس بل لا بدَّ من التعريف والتحديد لتمييز الموضوع من غير الموضوع، والمحمول من غير المحمول، ونحن نلاحظ عملياً في الكتب الفيزيائية والكيميائية والرياضيات وعلم الأحياء وغيرها أنها تستغل هذه الطريقة، فهي في أول كلِّ فصلٍ تتناول قبل أيّ شيءٍ تعريف وتحديد موضوع ذلك الفصل.).

[115]

وكيف يرضى ضمير مفكرٍ باحثٍ أن يدرس أحكام موضوع بينما هو لا يعلم شيئاً عن حقيقة  الموضوع، وحتى أنه لا يميّز الموضوع من غير الموضوع، وحسب قول المُستشكل عندما يسمع اسم الموضوع لا يسأل عن ماهيّته، بل يسأل عن خواصّه ما هي؟ (بينما هذا السؤال بعينه طلب للمعرّف).

أجل لّما كان العالم الحسيّ يتناول غالباً التجارب الحسيّة ولا بدّ أن

[116]

يتّصل بالحس، وكما قلنا فإنه في الجزئيات المحسوسة يمكن الاكتفاء بالمشاهدة الحسية، فهو إذن لا يحتاج كثيراً إلى التعريف والتحديد، وكذا احتياجاتنا اليومية في استغلالنا الطبيعي للماديات فإنها تؤمَّن عن هذا الطريق أيضاً.

ولكنه لا بدَّ له من الالتفات إلى البحوث غير الحسيّة من قبيل الرياضيات والقانون، وكذا الدراسات الفلسفية والمنطقية، وعندئذٍ يعرف أن التجربة الحسيّة لا معنى لها في هذه المجالات، وما لم يقم بتحديد الموضوعات وتعريفها فإنه سوف يتورط في أخطاء واشتباهات، كما تورط في ذلك الماديون الذين يتمسكون بالأسلوب الحسيّ، فهم-نتيجة للتسامح في التعريف والتحديد والتسمية- يوردون إشكالات واعتراضات على المنطق والفلسفة وغيرهما، وهي إشكالات مثيرة للضحك عند المفكر الواعي(من قبيل الإِشكالات التي يوردونها في الماهيات واجتماع النقيضين والمعلومات الثابتة والبديهيات وغيرها.).

وقد مرّ علينا فيما سبق ذكر بعضٍ منها، وسوف يأتي ذكر بعضٍ منها فيما بعد، وجذور جميع هذه هو التسامح في التحديد.

إشكال 

قد يُشكل على هذا الكلام فيقال: لا نقصد نفي صحة مطلق التعريف والتحديد، بل نقصد أن البحث عن أحكام موضوع ما ليس متوقِّفاً على معرفة حدّة المركَّب من الجنس والفصل، ولا يؤدِّي هذا الأسلوب إلاَّ إلى المشاجرات العقلية التي لا عائد منها. وأن أفضل أسلوب يمكن استخدامه في هذا المجال هو الأسلوب الذي يقدّمه المنطق الديالكتيكي وهو:

[117]

ما دامت كلّ ظاهرة ماديّة ناتجة من ظواهر مادّية غير متناهية قامت بالفعل والانفعال في مسير التحول والتكامل فأوجدت هذه الظاهرة الفعلية، إذن ليس لأيِّ ظاهرة وجود مستقل، بل هي متعلقة بمجموعة من أفعال التحول والتكامل، وهي الآن أيضاً في تحول، ومشغولة بقطع طريق التكامل، وفي كلِّ واحدٍ من المنازل الماضية كان لها تجلٍّ، إذن ماهيّة الظاهرة الحالية تعني مجموعة الحوادث المرتبطة بها، ولَّما كان تصور مجموعة غير متناهية من الحوادث مستحيلاً بالنسبة إلينا إذن كلّما ألممنا أكثر بتاريخ ظهورها بقدر ما يتيّسر لنا فإننا نقترب أكثر فأكثر نحو حقيقة تلك الظاهرة. إذن المعرّف الحقيقي لأيِّ شيءٍ هو تاريخ ظهوره وحياته المتحولة المتكاملة. وهذا الأسلوب هو المرجّح عند جميع العلماء المعاصرين، ويتبناه أيضاً المادّيون المتمسكون بالمنطق الديالكتيكي، ويعرفون ويعلِّلون الحوادث الروحية عن هذا الطريق، ويفتشون عن جذور كلّ حادثة مادّية أو روحية بين الحوادث الماضية فيجدونها هناك.

الجواب

إن الفلسفة توافق على هذه النظرية (معرّف أيِّ شيءٍ هو تاريخ ظهوره وحياته)، وهي تعتبرها عملية بشرط حذف المسامحات التي استعملت في تقريبها، ولكن هذه النظرية ليست مبنية على ثبوت التحول والتكامل العام، ومن هنا فقد ذكرها الفلاسفة في كتبهم منذ أزمان غابرة (منذ زمان طفولة الفلسفة اليونانية) وقبل ظهور نظرية الحركة الجوهرية العامة في الفلسفة الإِسلامية التي لا يزيد عمرها على ثلاثة قرون ونصف. فالفلاسفة يقولون إن الحدّ التام لا بدَّ أن يشتمل على جميع علل وجود ذلك الشيء، أي أن المعرفة التامة لشيء تتوقف على معرفة أجزائه الوجوديّة وعلل ظهوره وعلى غاياته وأغراضه الوجوديّة، وذلك لأن جميع الجوانب

[118]

الوجوديّة المختصة بشيء والتي تظهره وتحفظه بعنوان أنه فرد حقيقي مشخّص تكون دخيلة في وجوده، ومن الواضح أن المفهوم الكامل لا يكون كذلك إلاَّ إذا كان انطباقة على الخارج بصورة تامة، إذن لا بدَّ في المعرَّف من ذكر تاريخ الظهور (العلل المتقدمة على الوجود) والحياة (المادة والصورة أو الخواصّ الضرورية للشيء) وحتى الغاية والغرض من وجوده (وإن كان وجود الغاية يكون بعد انعدام وجوده ومنفصل الوجود عن وجوده، وهذا ما لم تتعرض له نظرية تاريخ الحياة المذكورة)، مثلاً إذا أردنا تعريف السرير (مثال مشهور) فلا بدَّ أن نقول: إنه الشيء الذي يصنعه النجار بوسائل نجارته من الخشب بالشكل الكذائي من أجل الجلوس والنوم عليه، وكلُّ جزءٍ من أجزاء هذا المعرَّف إذا احتاج إلى توضيح فلا بدَّ من توضيحه حسب تلك الطريقة. ومن الواضح أن هذا التعريف للسرير يحتوي على الفاعل والغاية والمادة والصورة للسرير، وإذا أسقطنا منه أيّ واحدٍ من هذه فإنه يكون ناقصاً بنفس ذلك المقدار، ولكن المادة والصورة -من بيان هذه جميعاً- هما المهمتان والمؤثرتان بشكل أعظم.

وبهذه البيان يتَّضح أنه لا مانع من استعمال هذه الطريقة في الموجودات الروحية مثل ما تستعمل في الموجودات الجسميّة، ولكنه من الخطأ الاكتفاء بذكر العلل المادّية في تعريف الحوادث الروحية، وذلك لأن هذه الطريقة توضّح لنا فقط الناحية المادّية للحادثة دون جميع الجوانب المادّية والروحية لها.

ولنعد إلى حديثنا السابق، فكلّ ما قلناه يدور حول تحليل القسم التصوري للمعلومات.   

[119]

وأما القسم الثاني(قد ذكرنا فيما مضى أن للإِدراكات كثرة من حيث البساطة والتَّركيب، وقلنا-في التعليقات السابقة- أن التحليل والتركيب (آناليز Analyse ، وسنتز Syntese) على قسمين: عملي ونظري (ذهني). فالتحليل والتركيب العمليان يعنيان قيام الإِنسان بتحليل او تركيب المواد الخارجية، مثل أن يقوم بتحليل مركب صناعي (كالساعة والماكنة) أو مركب طبيعي (كالماء) إلى أجزائه الأولية، أو يعيد صياغته من جديد. وجميع العمليات الكيميائية التي تتم في المختبرات هي من هذا القبيل. ويعدّ التحليل والتركيب العمليان من أهم الشروط اللازمة للحصول على القوانين الطبيعية. والعلوم الطبيعية-- منذ بداية حياتها-قد أحرزت كلّ تقدمها بفضل المشاهدات الدقيقة والتجارب والتحليلات والتركيبات العملية. وقد اهتم علماء أوروبا اهتماماً عظيماً بهذه الطريقة النافعة خلال القرون الأخيرة، وقد حقَّقوا في النتيجة نجاحات رائعة واكتشافات عظيمة لم تكن تخطر فيما مضى على بال إنسان.

أمَّ التحليل والتركيب النظريان أو الذهنيان فيعنيان قيام الإِنسان بتحليل وتركيب ومقارنة مدركاته ومعلوماته الذهنية، وليس التفكير- الذي هو أرفع الأعمال الذهنية-سوى التحليل والتركيب الذهنيين.

توضيح ذلك: التحليل والتركيب إمَّا أن يكونا ذهنيين أو حسيين أو خياليين أو عقليين، فالتحليل والتركيب الحسّيان يعنيان قيام الذهن بالتصرف في صورة محسوسة يحسها الإِنسان حضوراً، مثلاً عندما ينظر الإِنسان إلى سجادة ذات نقوش متعددة وأزهار مختلفة، ويلتفت إلى بعض النقوش والأزهار فيجسم لها صورة معينة في ذهنه، ونتيجة لمرتين من التحليل والالتفات إلى البعض دون البعض الآخر فإنه يصوغ لنفسه شكلاً آخر، أو عندما ينظر في أعماق الليل إلى السماء المرصّعة بالنجوم فإنه نتيجة للجمع والتركيب والالتفات إلى مجموعة من النجوم يجسم في ذهنه صورة لحيوان معين، وفي نفس الوقت يقوم بتحليل وتركيب آخرين ليجسم في ذهنه صورة أخرى. ومثل هذه التصرفات في الصور المحسوسة تتم أولاً بحرية وحسب الرغبة، وثانياً فإنها توجد بتدخل العوامل الذهنية فقط، ولا تتطلب من الإِنسان أن يغيّر وضع عينيه أو كيفية نظره.

والتحليل والتركيب الخياليان هما أن يقوم الذهن بالتصرف بحرية وحسب الرغبة الباطنية في الصور المتجمعة في الحافظة، مثلاً يوجد في ذهنه تصور للجبل وتصور آخر للفولاذ، ثم يقوم-بما يملك من قوة التَّخيل-بصياغة صورة للجبل الفولاذي. أو توجد في ذهنه صورة للإِنسان وصورة للفرس وصورة لجناحيّ الطائر، ثم يقوم-بما يتمتع به من قوة التَّخيل-بصياغة صورة لفرس له رأس إنسان وهو مزوّد أيضاً بجناحين.

والتخيلات الشعرية تنبع من هذا اللون من التحليل والتركيب، ففي التَّخيل الشعريّ يكون ذهن المُبدع والمُخترع متحرراً من مراعاة قيد المطابقة لنفس الأمر، وهو يطيع فقط رغباته الداخلية، وفي الصور الشعرية لا يريد الذهن أن يعكس الأشياء على ما هي عليه، وإنما هو يريد أن يصوغ لوحة منها حسب ما تقتضيه رغباته النفسية. ومن هنا عدّ الشعر من الفنون والصناعات.

أما التحليل والتركيب العقليان فهما أن لا يتبع الذهن الرغبات النفسية بل يجعل كلّ همّه المطابقة لنفس الأمر، ولهذا الغرض فهو يقوم بتحليل وتركيب الصور المعقولة. ويكون ذلك على قسمين: تصوري وتصديقي. فالتصوري هو أن يتناول العقل مفهوماً كليّاً ويحلِّله إلى جوانب مشتركة وجانب مختص.

وعادة تكون تعاريف الأشياء-التي تبيّن الجوانب المشتركة والجانب المختص بالشيء المعرَّف-من أنواع التحليل العقلي التصوري الذي يتم في مفهوم ذلك الشيء وماهيّته، فمثلاً نقول في تعريف الخط: "كمية متصلة ليس لها سوى بعد واحد"، فمن خلال هذا التعريف نفهم أن الخط أولاً من نوع الكميات لا من نوع الكيفيات ولا من الإِضافات ولا من الجواهر، ثانياً: أنه كمية متصلة يمكن أن يفرض بين أجزائه حدّ مشترك، وليس هو من الكميات المنفصلة (الأعداد)، ثالثاُ: أنه كمية متصلة ليس لها إلاَّ امتداد واحد، وهو يختلف عن السطح الذي له امتدادان وعن الجسم التعليمي (الحجم) الذي له ثلاثة امتدادات. وبديهي أن هذا التحليل الذي قمنا به في مفهوم الخط ليس من ألوان التحليل العملي، وذلك لأن الخط في وجوده الخارجي ليس مركباً من الكمية والاتصال والبعد الواحد، أي أنه ليس بشكل بحيث تشكّل الكمية قسماً من وجوده والاتصال قسماً آخر والبعد الواحد قسماً ثالثاً منه، بل هذه المفاهيم الثلاثة موجودة في الخارج بوجود واحد، ولهذا فإن هذه الأجزاء أجزاء لمفهوم ذلك الشيء وماهيّته وليست أجزاء لوجوده، وهي تسمى في اصطلاح المنطق والفلسفة بـ"الأجزاء التَّحليلية".

وأما التحليل والتركيب التصديقيان فهما عبارة عن نشاط خاص من الاستدلال والاستنتاج بطريقة معينة، وموضوع "القياس" في المنطق يتكفل ببيانه وتفصيله.

ويطلق الحكماء على استعداد الذهن الخاص للتَّحليل والتركيب الذهنيين اسم "القوة المتصرفة"، ويطلقون على القوة المتصرفة عندما تعمل بحرية بين المحسوسات الجزئية أو الصور الخيالية (القسمين الأولين) اسم "القوة المتخيلة"، ويطلقون عليها عندما تعمل بين المعاني المعقولة (القسم الثالث) من أجل تحقيق الواقع ونفس الأمر اسم " القوة المفكرة".

كما قلنا فإن "القوة المتخيلة" حرة في عملها، وهي تصل أو تفصل أيّ صورةٍ بايِّ صورة أخرى وبأي نحو تحبه وتفضِّله الرغبات النفسية، ولكن "القوة المفكرة" لا تتمتع بتلك الحرية، بل هي تسير دائماً حسب قانون معيّن، أي أنها لا بدَّ أن تتصرف في المعقولات بشكلٍ يتطابق مع الواقع ونفس الأمر، ولهذا لم تكن للتَّحليلات والتركيبات الحسية والخيالية قيمة منطقية، بخلاف التحليل والتركيب العقليين اللذين يتمان بوساطة القوة المفكرة، فإن لهما قيمة منطقية، والتحليل والتركيب العقليان هما اللذان يسميان في المنطق باسم "التحليل والتركيب".

إذن التحليل والتركيب يعنيان التحليل والتركيب العقليين اللذين يتمان بوساطة القوة المفكرة ولهما قيمة منطقية. ويسمي أرسطو في منطقة باب القياس باسم التحليل (آنالوطيقا-Analytique) الأول، وباب الحدّ والبرهان باسم التحليل الثاني.

قلنا التحليل والتركيب إمَّا نظريان (ذهنيان) أو عمليان، ويعتبر التحليل والتركيب العمليان من أهم الشروط اللازمة لإِكتشاف أسرار الطبيعة والحصول على قوانينها، وليس لأقسام التحليل والتركيب الذهنيين قيمة منطقية سوى قسم واحد وهو التحليل والتركيب العقليان الذي يسمى في المنطق العقلي بهذا الاسم الخاص "التحليل والتركيب".

ونواجه هنا هذا السؤال: كيف يستطيع الذهن أن يحلِّل ويركِّب بشكلٍ منطقي؟

وهل يستطيع الذهن-حقيقة-أن يتصرف في المعاني والمفاهيم الموجودة لديه بحيث يتطابق مع الواقع ونفس الأمر؟

لذا نرى من المناسب ذكر بعض الأمور التي تستحق الالتفات والتعمق:

أ-كيفية تحليل العقل وتركيبه للتصورات.

ب-كيفية تحليله وتركيبه للتصديقات.

ج-القيمة المنطقية لتحليله وتركيبه للتصورات.

د-القيمة المنطقية لتحليله وتركيبه للتصديقات.

ولا نستطيع في هذا المجال المحدود أن نتناول بالتَّفصيل الأقسام الأربعة. وقد مرَّ علينا في المتن والتعليقات بيان مجمل للقسم الأول والثالث. وتوجد بعض الدراسات حول هذين القسمين في الكتب المنطقية المطولة. والقسم الثاني يطلب من مبحث القياس في المنطق. ويبقى بيان القسم الرابع الذي يتمتع بأهمية فائقة ويعتبر من جملة مسائل الدرجة الأولى في المنطق والفلسفة، ولم يصل إلى علمنا أنه قد درس بجميع جوانبه دراسة إضافية.

وههنا ينفصل طريق المنطق العقلي عن طريق المنطق التجريبي، وبالتالي يتميز سبيل الفلسفة العقلية من سبيل الفلسفة التجريبية. فالمنطق العقلي يضفي القيمة المنطقية على تركيب وتحليل التصديقات المعبّر عنه بأسلوب الاستنتاج والاستدلال العقلي، ولكنَّ المنطق التجريبي يسلب القيمة من أيِّ شيءٍ سوى الاستقراء والمشاهدة والتجربة والتحليل والتركيب العمليين.

* * *

لقد بيّنا في مقدمة هذه المقالة وخلال المقالة نفسها اختلاف وجهات النظر بين الحسيين والعقليين بشكل مفصّل، ونذكر الآن أيضاً بأنَّ ذلك الاختلاف متعلق بالتصورات لا بالتصديقات، وذلك من هذه الناحية أيضاً حيث نتساءل: ما هي كيفية ظهور التصورات الأولية في الذهن؟ ولهذه المسألة علاقة وطيدة بعلم النفس، وتتميز سبل الحكماء من بعضها بما يتّخذونه من مواقف إزاء المبدأ والمنشأ الأصلي للتَّصورات، ولكن هذه المسألة التي نحاول تناولها الآن تتعلق بالتصديقات، أي تتعلق بـ"الأحكام" التي يصدرها الذهن في مورد التصورات التي ظفر بها عن طريق الحس أو عن أيِّ طريقٍ آخر، ولهذه المسألة صبغة "منطقية" خالصة، وهي تفصّل سبل الحكماء عن بعضها في موضوع التعقل وقيمة الاستدلال العقلي. ولا توجد علاقة وثيقة بين هاتين المسألتين ولكن الكتّاب المحدثين قد خلطوا بينهما، ويلاحظ هذا الخلط عادة فيما يطرحونه تحت عنوان المسلك التجريبي "امبريسم Empirisme"، والمسلك العقلي "راشيناليسمRationalisme"، وقد أدَّى هذا الخلط بين هاتين المسألتين إلى بقاء الموضوع غارقاً في الإِبهام. ونحن نقوم-لأول مرة-بفصل هاتين عن بعضهما، ولكيلا نقع في الخلط اللفظي فقد أطلقنا على اختلاف وجهات النظر في المسألة الأولى المتعلقة بالتصورات والمرتبطة بعلم النفس اسم "نظرية الحسّيين والعقليين"، وأطلقنا على اختلاف وجهات النظر في المسألة الثانية المتعلقة بالتَّصديقات والمرتبطة بالمنطق اسم "نظرية التعقّليين والتجريبيين".

وقد سبق لنا بيان نظرية حكماء الشرق ونظرية حكماء الغرب والنظرية الخاصة لهذه المقالة فيما يتعلق بالمسألة الأولى، وقد آن الأوان لكي نتناول المسألة الثانية ونبين اختلاف وجهات النظر بين المنطق التجريبي والمنطق العقلي. ونحن لم نلاحظ لحدِّ الآن تحقيقاً وافياً مغنياً في هذا المجال، ولا سيما أن أصحاب المنطق التعقّلي لم يتناولوا هذه المسألة بالتحليل والشرح المبسوط، ولهذا نحاول هنا أن نشرح نظرية المنطق التعقّلي في هذا الباب معتمدين على الإِشارات والبيانات المجملة التي قدمها ابن سينا ونصير الدين الطوسي وصدر المتألهين وأمثالهم من أصحاب المنطق التعقّلي في هذا المضمار، ومضيفين إليها ما توصلنا إليه نحن من أفكار ومدافعين عن هذه النظرية بكلِّ قوة وحرارة.

* * *

لا تكمن اختلافات وجهات النظر بين التعقّليين والتجريبيين في ضرورة التَّعقل أو التجربة، فلا المنطق التّعقّلي ينكر التأثير العظيم للتجربة في الدراسات العلمية، ولا المنطق التجريبي يُنكر فائدة التَّعقل والتفكير الذي هو عمل الذهن. والاختلاف حاصل في القوانين والمقاييس الأساسية للتفكير وطريقة عمل الذهن خلال عملية التفكير. وفي الواقع فإن المنطق يعني علم "الميزان" و "المقياس". فعلماء المنطق يحاولون الظفر بالميزان والمقياس الأساسي لصحة وسقم الأفكار. فالتجريبيون يزعمون أن المقياس الأصيل هو التجربة وينكرون وجود أيِّ مقياس آخر، أما التَّعقليون فإنهم يؤمنون بوجود مجموعة من الأصول والمبادئ العقلية المستقلة عن التجربة، ويعتبرونها "الميزان" و المقياس" الأصيل الذي يقيسون به صحة الأفكار وسقمها. ويعتقد التَّعقليون بأن التجربة وإن كانت مقياساً لكثير من المسائل ولكنها ليست مقياساً أوَّلياً وإنما هي من مقاييس الدرجة الثانية، أي أن هناك مجموعة من المقاييس الأصيلة التي نظفر بوساطتها بكثير من المسائل ومن جملتها كون التجربة مقياساً. ونبدأ الآن بتوضيح نظرية كلِّ واحد من الطرفين:

نظرية التَّعقليين:

يدَّعي المنطق التَّعقلي أن الأحكام التي يصدرها الذهن بالنسبة للقضايا تنقسم على قسمين: الأحكام البديهية والنظرية. فالبديهية تعني تلك القضايا التي يصدر فيها الذهن حكماً يقينياً من دون أن يستعين بالاستدلال، مثل حكمه بامتناع التناقض، والحكم بأنَّ الكل أكبر من الجزء، والحكم بأن حلول جسم واحد في آن واحد في مكانين ممتنع، والحكم بأنه إذا ساوت مقادير عديدة مقداراً واحداً فإن تلك المقادير متساوية فيما بينها، والحكم بأنه من المستحيل أن توجد حادثة من دون علة، وبعبارة أخرى فإن الصدفة غير ممكنة...

والبديهي بدوره ينقسم على قسمين: البديهي الأولي والبديهي الثانوي. فالبديهي الأولي: هو الذي لا يحتاج إلى الاستدلال ولا إلى البحث عن "حدٍّ أوسط" ولا إلى تشكيل صغرى وكبرى، وهو مستغنٍ عن أية واسطة وحتى عن المشاهدة والتجربة، ويكفي تصور الموضوع وتصور المحمول في الذهن لكي يصدر الذهن حكمه اليقيني بثبوت المحمول للموضوع، كالأمثلة السابقة الذكر.

أما البديهي الثانوي: فهو الذي لا يكفي تصور الموضوع والمحمول لكي يصدر الذهن حكمه بشأنه، فهو وإن كان غير محتاج إلى البحث عن "حدٍّ أوسط" وتشكيل قياس، ولكنه لا بدَّ من تدخل الإِحساس أو التجربة لإِدراك العلاقة بين الموضوع والمحمول، مثل جميع الأمور التجريبية.

ولكن البديهيات الثانوية-كما يصرِّح بذلك المحقِّقون في المنطق التَّعقلي-ليست بديهية وإنما هي نظرية، فالعقليون يعتقدون بأن جميع القضايا التجريبية-كما سوف يأتي بيان ذلك-معتمدة بنحو من الأنحاء  على البديهيات الأولية، إذن تنحصر البديهيات الحقيقية في البديهيات الأولية، ومن هنا فما بعد كلّما عبَّرنا بالبديهي أو الأصول والمبادئ العقلية فإننا نقصد بها البديهيات الأولية.

ويدَّعي المنطق التَّعقلي أن الذهن يستطيع أن يجعل هذه البديهيات أساساً له ثم يكسب بواسطتها قضايا نظرية مجهولة، أي ينطلق منها نحو الاستنتاج (Deduction) والاستدلال العقلي. وفي الاستدلال العقلي عادة يظفر الذهن بأحكام أقل عموماً عن طريق أحكام أكثر شمولاً.

ولا يقتصر المنطق التَّعقلي على ادعاء وجود مثل هذه الأحكام البديهية الأولية، والانطلاق منها نحو الاستنتاج والاستدلال والظفر بالجزئي من الكلي، بل يمدّ نظره إلى القضايا التجريبية-التي يظن الإِنسان السطحي أن العامل الوحيد في إيجادها هو الاستقراء والتجربة والمشاهدة-مدِّعياً أن لهذه الأصول والمبادئ العقلية دخلاً فيها، فلو لم تكن هذه البديهيات لم يظهر أي علم تجريبي بصورة قانون كليّ.

ويمكن تلخيص نظرية المنطق التَّعقلي في النقاط الثلاث الآتية:

1-هناك مجموعة من الأحكام الذهنية بديهية أوَّلية، أي أن الذهن يكتفي في الحكم بشأنها بمحض تصور الموضوع والمحمول، ويكون الذهن في هذه الأحكام مستغنياً عن أيَّة تجربةٍ ومقدمةٍ وواسطةٍ (البديهيات الأولية التَّصديقية).

2-يستطيع الذهن أن يتَّخذ تلك الأحكام البديهية الأولية أساساً له ثم يسلك طريق الاستنتاج والقياس العقلي فيظفر بنتائج جديدة، ثم يضع النتائج الحاصلة ركيزة لنتائج أخرى جديدة، وهكذا دواليك...

3-لا تصبح الأحكام التجريبية قانوناً علمياً كليّاً إلاَّ إذا استخدم القياس العقلي المركِّب من البديهيات العقلية الأولية، وهذا يعني انه في مورد جميع المسائل العلمية التجريبية يوجد دائماً قياس عقلي مفروض ومسلّم، وإذا لم نأخذ ذلك القياس مفروضاً فإن مشاهداتنا وتجاربنا لا يمكنها أن تمنحنا نتيجة عامة وكليّة.

نظرية التجربيين:

يدّعي المنطق التجريبي:

أولاً:إنه ليس لدينا أحكام بديهيَّة أوَّليَّة، أي أنه لا يوجد حتى موردٍ واحدٍ يكفي فيه صرف تصوّر الموضوع والمحمول لكي يحكم الذهن.

 ثانياً:إنَّ الذهن دائماً يسير في أحكامه وتصديقاته من الأحكام الجزئية إلى الأحكام الكليّة، ومن الأحكام العامة إلى الأحكام الأعمّ منها، وهو لا يسير من الكليّ إلى الجزئيّ، وبعبارة أخرى فإن عادة الذهن دائماً هي السير من الداني إلى العالي فهو يتصاعد، ولا يسير من العالي إلى الداني. وجميع الأحكام الكليّة الموجودة في الذهن البشري اليوم-والتي يتخيل التّعقليون أنها "بديهيّة أوَّليّة" ويكتفي الذهن في إصدار حكمه بشأنها بصرف تصور الموضوع والمحمول-إنما هي مجموعة من القضايا التجريبية التي ظفر بها الإِنسان طيلة فترة حياته، وكان الذهن في البدء قد أصدر أحكامه بصورة قضايا جزئية، ثم أصبح بعد ذلك بشكل أحكام كليّة. وكلّ ما هناك هو أن الإِنسان لمّا كان مواجهاً لهذه القضايا منذ بدء حياته وقد تعلمها من مختبر الحياة الكبير لا في المدارس ولا في المختبرات العاديّة فهو يظنّ أنها قضايا بديهيّة أوّليّة.

وأما ما يظنه المنطق التَّعقلي من أنَّ الذهن قادر بطريقة القياس العقلي أن يسير من الكليّ إلى الجزئي، وبهذا فهو يحقّق إنجازاً ويكشف مجهولاً فهو اشتباه كبير، وذلك لأن جميع الأشكال المشهورة في المنطق التَّعقلي والتي يدَّعي أنه يصل فيها إلى نتيجة عن طريق ترتيب صغرى وكبرى بوساطة مفهوم كلي يطلق عليه اسم "الحدِّ الأوسط" إنما هي مبنية على الشكل الأول. والشكل الأول يستلزم تكرار المعلوم أو المصادرة على المطلوب. فمثلاً يقولون: الإِنسان حيوان، وكلّ حيوان جسم، إذن الإِنسان جسم. فكون الحيوان جسماً لا يكون يقينياً لدينا إلاَّ إذا استقرأنا جميع أفراد الحيوان. وفي ضمنها أفراد الإِنسان فوجدناها جميعاً متَّصفة بالجسمية، وإلاَّ فمن أين نستطيع إثبات أن الحيوان جسم. فإذا أجرينا استقراءاً كاملاً ورتَّبنا هذا القياس فإنه يكون تكراراً لأمر معلوم من قبل، ويشبه هذا ما لو قلنا: الإِنسان جسم، إذن الإِنسان جسم. وإذا لم نجر استقراءاً كاملاً وقلنا: كلّ حيوان جسم، فإنه مصادرة على المطلوب، وهذا ما يشبه ما لو ادَّعينا أن الإِنسان جسم، وإذا سُئلنا: بأي دليل كان الإِنسان جسماً؟ أجبنا: بدليل أن الإِنسان جسم!

فالنظرية التجريبية تؤكد على نقطتين أساسيتين هما:

أ-ليس لدينا بديهيٍّ أوليّ، وجميع القضايا التي يظنها التَّعقليون من البديهيّات الأوَّلية إنما هي قضايا تجريبية قد ظفر بها الإنسان خلال عمره المديد.

ب-إن أساس النشاط الذهني هو السير من الأحكام الجزئية إلى الأحكام الكليّة.

والجواب على النقطة الأولى من نظرية التجريبيين هو: لو فرضنا صحة هذه النظرية بالنسبة لبعض القضايا البديهية الأوَّليّة واعترفنا بأنها حاصلة عن طريق التجربة، من قبيل الحكم بأن الكلَّ أكبر من جزئه، أو المقادير المساوية لمقدار واحد تكون متساوية فيما بينها، ولكن هناك بعض القضايا التي نقطع بصحتها ومع ذلك هي غير قابلة للتجربة والمشاهدة، من قبيل الحكم بامتناع التناقض، والحكم بامتناع الصدفة، أي حدوث الشيء من غير علّة، والحكم بامتناع الدور، أي تقدم الشيء على نفسه، وغاية الأمر أن الإِنسان لم يلاحظ في تجاربه ومشاهداته اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما ولا حدوث الصدفة ولا تقدم الشيء  على نفسه، ومن الواضح أن صرف عدم المشاهدة لا يدل على العدم ولا على الامتناع.

ثانياُ: لو سلَّمنا بأن جميع الأحكام العقلية بلا استثناء وليدة تجارب الحياة فلا بدَّ أن نعترف عندئذٍ أن المقياس المنطقي الوحيد لصحة وسقم القضايا هي التجربة، وحينئذٍ نتساءل: هل حكمنا هذا "بأنَّ كلّ ما جاءنا عن طريق التجربة فهو صحيح ومنطقي" صحيح أم خطأ؟ إن كان خطأ فما يدَّعيه المنطق التجريبي إذن خطأ ويكون ما يدَّعيه المنطق التعقلي صحيحاً حيث ينكر هذا الانحصار، إن كان صحيحاً ومنطقياً فإننا نعود لنتساءل عن هذا الحكم هل هو وليد التجربة؟ أي هل أثبتت التجربة صحة التجربة؟ أم أنَّ هذا الحكم ليس وليد التجربة؟ إن لم يكن وليد التجربة إذن يعرف من هذا أن لدينا حكماً بديهيّاً أوَّليّاً، أي حكماً حاصلاً بدون وساطة التجربة، وإن أثبتنا صحة التجربة بالتجربة فقبل أن نبدأ التجربة لا تكون التجربة معتبرة عندنا، وبعد أن ننهي التجربة فإننا نقيسها إلى شيء لم تثبت عندنا صحته، إذن صحة التجربة عندنا غير ثابتة، إذن لا يكون هذا الحكم القائل:"إن الحكم الوحيد المنطقي والمعتبر هو الذي تؤكد صحته التجربة" ثابتاً بطريق أولى.

والحقيقة هي أن جميع الأحكام الحاصلة للذهن مع الواسطة لا بدَّ أن تنتهي إلى أحكام بلا واسطة، ولو فرضنا أنَّ لجميع الأحكام واسطة (التجربة أو أيّ شيءٍ آخر) فلن يكون من الممكن حصول أيّ حكمٍ للذهن، وبالتالي لا بدَّ أن يغوص الذهن في لجج الشك المطلق، وبعبارة أخرى فإنَّ إنكار البديهيات الأوَّليّة يستلزم الشكّ المطلق والسقوط في المهوى السحيق للسوفسطائية.

ثالثا: إن عامل المشاهدة والتجربة محدود دائماً بزمانٍ معيّن ومكانٍ معيّن وعددٍ معيّن، ولو فرضنا أنَّ جميع القضايا التي يعتبرها التَّعقليون بديهيات أوَّليّة هي قضايا تجريبية فإن الذهن -بفضل عامل التجربة- يستطيع الحكم في تلك الموارد المحدودة التي تناولتها المشاهدة والتجربة فقط ليس أكثر. مثلاً لو فرضنا إننا شاهدنا وجرَّبنا عشرة موارد أو مائة أو ألف مورد فانتهينا فيها إلى هذه النتيجة القائلة:

"إذا ساوت عدة مقادير مقداراً واحداً فإن تلك المقادير متساوية فيما بينها"، أو إلى هذه النتيجة القائلة:"إن التناقض ممتنع"، فبأيّ ملاكٍ نعمّم هذا الحكم بحيث يشمل جميع الأزمنة والأمكنة وكلّ الموارد اللاّمتناهية؟

ونحن نجد في أذهاننا هذه الأحكام كليّة أزليّة أبديّة ترفض أي استثناء (أي انها ضرورية)، مع أن هذه الخواص الثلاث (الكلية-الدوام-الضرورة) لا يمكن أن يكون أيّ منها وليد التجربة.

ومن هنا أيضاً يتَّضح الجواب على النقطة الثانية من نظرية التجربيين، فالتجريبيون يدَّعون أن الذهن دائماً يصل إلى الأحكام الكليّة عن طريق الأحكام الجزئية، وهنا نتسائل: لماذا يعمّم الذهن حكمه من الموارد المجرّبة إلى الموارد التي لم تتم تجربتها فينتقل من الجزئي إلى الكلّي ويقطع طريقاً متصاعداً؟

أيكون الذهن مذعناً بأن أي حكم يثبت لبعض أفراد الكليّ فهو ثابت لجميع أفراده، أي هل حكم الأشياء المتماثلة متماثل أيضاً؟

أم أنَّ الذهن لا إذعان له بذلك؟

إن لم يكن مذعناً فالتجربة إذن في بعض الموارد التي تمّت تجربتها لا يمكن أن تكون ملاكاً للحكم بالنسبة للأفراد التي لم تجرب. ويشبه هذا تماماً ما لو أراد الذهن أن يصدرحكماً بالنسبة لتلك الأفراد التي لم تجرب قبل أن نبدأ أيّ تجربةٍ أو مشاهدةٍ، مع أن الذهن-بالضرورة وباعتراف العلماء التجريبيين أنفسهم- لا حكم له بالنسبة للمواضيع التجريبية قبل تجربتها.

وإن كان مذعناً فلا بدَّ أن يكون قد ظفر بها الحكم من دون وساطة التجربة والمشاهدة، وذلك لأن هذا الحكم لو كان وليد التجربة لاحتاج قطعاً في تعميمه إلى حكم آخر وهكذا دواليك...

ومن هنا يعلم أنه في جميع المسائل التجريبية حيث يتحرك الذهن من الأحكام الجزئية ليصل إلى الأحكام الكليّة لا بدَّ أن يكون معتمداً على مجموعة من الأصول العامة غير التجريبية، غاية الأمر أن هذه الأصول العامة لمّا كانت تستعمل في جميع الموارد ويستغلها الذهن بصورة أتوماتيكية فإن الشخص يظن أنه قد انتقل من الجزئي إلى الكليّ ومن الداني إلى العالي بفضل عامل التجربة والمشاهدة فقط، والحال أن هذا التصاعد قد تمَّ بمساعدة تلك الأصول العامة.

وتساهم في صياغة الأحكام التجريبية أصول عقلية عديدة، وأهم الأصول العقلية التي تعتمد عليها أي تجربة أصلان:

أحدهما: امتناع الصدفة، فالذهن يعلم انطلاقاً من هذا الأصل أن أيِّ حادثة لا يمكن أن تقع من دون علة، ومن هنا فهو يعلم اجمالاً وبشكل يقيني بوجود علّة ما لكلِّ حادثة. ويعدّ هذا الأصل من البديهيات الأوَّليّة ولا علاقة ولا علاقة له بالتجربة. والثاني: أصل السنخية بين العلة والمعلول، أيّ أنه دائماً يصدر من علّة معيّنة معلول معيّن. ويستنتج هذا الأصل من أصل امتناع التناقض ولا علاقة له أيضاً بالتجربة.

وبعد أن يسلِّم الذهن بصحة هذين الأصلين فإنه يستطيع أن يستنتج من تجاربه، وذلك لأن التجربة تحاول اكتشاف العلاقة بين حادثتين جزئيتين، والتعرف على علِّية حادثة لحادثة أخرى، ولمّا كان الذهن مؤمناً بكون الصدفة مستحيلة وأيِّ حادثةٍ لا يمكن أن تكون بلا علَّة فهو مذعنٌ إذن هذه الحادثة المدروسة ليست من دون علّة، وعندئذٍ يستغل الأساليب الخاصة التي يستعملها العلماء التجريبيون في مختبراتهم ليصل إلى العلّة الواقعية لتلك الحادثة (يقترح العلماء التجريبيون من قبيل فرانسيس بيكن واستوارت ميل مناهج عملية مفيدة لطريقة التجربة وللظفر بالعلّة الحقيقية لأيّة حادثة، وقد استغل هذه المناهج الباحثون في العلوم الطبيعية، وإذا لم يسلك الباحث تلك السبل فإن التجربة تكون عقيمة، ولكنَّ القارئ الكريم يعلم أنَّ صحة أيِّ تجربةٍ تتوقف على انتهاج تلك الأساليب، أمَّا صحة تلك الأساليب نفسها فلا تنهض التجربة بإثباتها ولا بدَّ أنهم قد توصَّلوا إلى إثبات صحة تلك الأساليب بلون من الاستدلال العقلي الذي ينكرون صحته)، وبعد أن يكتشف علّية حادثة ما لحادثة أخرى في الموارد الجزئية فإنه اعتماداً على أصل السنخية بين العلة والمعلول بحيث تكون العلة المعينة دائماً تستوجب معلولاً معيّناً-وهو أمر تثبت صحته الفلسفية العقلية- يقوم بتعميم ذلك الحكم الجزئي ويتصاعد به ليصوغ منه قانوناً كلييّاً، ومن الواضح أنه من العسير عمليّاً أن تستطيع التجربة تعيين العلَّة الواقعية لحادثة ما من بين الأمور العديدة التي يحتمل كلّ منها أن يكون علّة للحادثة، فيعيّن المجرّب شيئاً وينفي سائر الاحتمالات. وعدم يقينية القضايا التجريبية تعود إلى هذا السبب وهو العلّة في التغيير السريع الذي يلاحظ في القضايا التجريبية.

وإما إشكال المنطق التجريبي على أسلوب الاستنتاج في المنطق التّعقلي، حيث يزعم بأن الانتقال من الكليّ إلى الجزئيّ، والاستدلال القياسي ليس إلاّ تكراراً لأمرٍ معلومٍ أو مصادرةٍ على المطلوب فجوابه:

أولاً: إنَّ استدلال المنطق التجريبي هذا هو استدلال قياسيّ يسير من الكليّ إلى الجزئيّ، فهو إذن إما تكرار لأمرٍ معلوم أو مصادرةٍ على المطلوب.

ثانياً: إن ظنّ المنطق التجريبي كون أي استدلال كليّ فهو إما تكرار لأمرٍ معلول أو مصادرةٍ على المطلوب يكون مبنيّاً على أن الذهن يسير دائماً من الحكم الجزئيّ إلى الحكم الكليّ، ولكنه اتَّضح لدينا فيما سبق لنا بيانه أن الذهن ليس فقط لا يسير دائماً من الجزئيّ إلى الكليّ بل في بعض الموارد  التي يسير فيها من الجزئيّ إلى الكليّ ويصوغ القوانين العامة للعلوم الطبيعية فإنه يستعين بمجموعة من الأصول العامة التي يدركها الذهن منذ البدء بهذه الصفة الكلية ومن دون وساطة أيّ عامل خارجي (تجربة كانت أو غيرها).

ثالثاُ: ما جاء به المنطق التجريبي في مورد الإِنسان والحيوان بعنوان المثال فهو مناقشة في المثال، ونحن نستطيع أن نغيّر المثال ونستفتي الرياضيات. ففي الرياضيات يُستفاد من أسلوب القياس العقلي، مثلاً يوجد في الهندسة قانونان أو ثلاثة قوانين عامة مسلمة الصحة من قبيل قانون المساواة وقانون الكلّ والجزء، ويعتبران أساساً لهذا العلم، وكلّ مورد جزئيّ في هذا العلم فهو يستنبط منهما وإذا كان كلّ استدلال عقليّ وكلّ سير من الكليّ إلى الجزئيّ خطاً مطلقاً وتكراراً لأمرٍِ معلومٍ أو مصادرةٍ على المطلوب، فإن جميع الإِستدلالات الرياضية تصبح غير ذات قيمة، ويلزم عندئذٍ لمعرفة هذه الأصول الرياضية المتعارفة-من قبيل أصل المساواة وأصل الكلّ والجزء-أن نستقرئ أولاً جميع المسائل الرياضية ونعرفها ثم نحكم بأن المقادير المساوية لمقدار واحد هي متساوية فيما بينها، وأن الكلّ أكبر من الجزء. 

وحاول بعض العلماء ادعاء الفرق بين الإِستدلالات الرياضية والإِستدلال القياسي زاعماً أنه في نفس الوقت الذي لا يكون فيه الإِستدلال الرياضيّ تجريبياً فإنه أيضاً ليس سيراً من الكليّ إلى الجزئيّ بل العكس أنه سير من الجزئيّ إلى الكليّ بطريقة التَّعميم، يقول فيلسين شاله في كتابه "ميثودولوجي" (علم الأساليب) في الفصل المعنون بـ "أسلوب الرياضيات" ما نصّه:

"يمكننا القول: إن التعميم يستعمل في جميع البراهين الرياضية. وكلّ ما يثبت في مثال واحد فإنهم يعتبرونه صادقاً في الموارد الأُخرى، مثلاً عندما نثبت شيئاً بالنسبة للمثلث (أ ب ج)فإننا نعمِّمه ليشمل جميع المثلثات. ولكن هناك فرقاً أساسياً بين التّعميم المستعمل في الرياضيات والتّعميم المستعمل في العلوم الفيزيائية والكيميائية، ويتلخص هذا الفرق في أن التَّعميم الرياضيّ لا يحصل عن طريق التجربة، على العكس من العلوم التجريبية، فمثلاً عندما نثبت حكماً بالبرهان للمثلث (أ ب ج) ثم نعمّمه ليشمل جميع المثلثات، فإنَّ التجربة لا دخل لها إطلاقاً في هذا التَّعميم، بينما نطَّلع على ان هذا الفلز أو ذاك أو جميع الفلزات تستنبط بالحرارة بوساطة التجربة".

والواقع هو أنَّ التعميم في الإِستدلالات الرياضية ليس هو بمعنى السير من الجزئيّ إلى الكليّ أو من الكليّ إلى ما هو أوسع منه، وذلك لأن الشيء الذي يفرض التسليم على الذهن في المسائل الرياضية هو صرف البرهان الرياضي، وبالضرورة فإن أيِّ برهان رياضي لا يختص بمورد معيّن، وإذا استعملنا البرهان الرياضي في مورد معيّن (مثلاً المثلث أ ب ج) فالمقصود من ذلك هو التَّفهيم وتوضيح مفاد البرهان للذهن، ولهذا إذا استطاع الذهن تصور مفاد البرهان من دون رجوع إلى مورد خاص، فإنه يكون ملزوماً بقبوله، وبعبارة أخرى: فإنَّ العامل الذي يحمل الذهن على الإِذعان ويلزمه بقبول مفاد البرهان الكليّ هو نفس البرهان فحسب، وغاية ما في الأمر هو أنه في مورد كلّ إذعان وحكم لا بدَّ أن يتصور الذهن القضية المفروض بشكل واضح حتى يستطيع أن يذعن لمضمونها. فالاحتياج إلى الموارد الخاصة في المسائل الرياضية يكون لتصور مفاد البرهان لا للتّصديق بمضمونه.

وفي مقام التفرقة بين الاستقراء والاستدلال القياسي والبرهان الرياضي يقول فيلسين شاله:

"بوساطة هذا الأمر الأساسي يميّز بين القياس- الذي لا دخل للتجربة فيه-والاستقراء المبني على التجربة، وعندئذٍ لا بدّ من إصلاح التعريف الذي يُذكر عادة للقياس من أنه (استدلال ينتقل فيه الذهن من قضية كليّة إلى قضيّة كليّة إلى قضية أقل شمولاً منها) وإحلال تعريف آخر محله بحيث ينطبق على القياس الصوريّ-الذي يطبّق فيه الذهن حكم الكليّ على أفراده-وعلى البرهان (البرهان الرياضي) الذي ينتقل فيه الفكر من الأقل عموماً إلى الأكثر كليّة. والقاسم المشترك بين القياس الصوري والبرهان الرياضي هو أنَّ الذهن في كلا الموردين لا يستعين بالتَّجربة، ويقوم الذهن بنفسه بإيجاد علاقات بين الأفكار تعتبر ضرورية من الناحية المنطقية. إذن من الأفضل في تعريف القياس أو الاستدلال الاستنتاجي أن نقول: هو كلام مؤلف من قضايا بحيث تكون بين التصورات الموجودة فيه رابطة ضرورية. فالقياس الصوري هو أحد الموارد الجزئية للقياس (الاستنتاج)، وفيه يستخرج معنى قضية مّا من أخرى لأنها مندرجة فيها، وتكون الثانية أعمّ من الأولى، مثل الفاني الذي هو أعمّ من الإِنسان والإِنسان الذي هو أعمّ من سقراط (في قولنا: سقراط إنسان، والإِنسان فانٍ، إذن سقراط فانٍ) فسقراط يندرج في ضمن الإِنسان، والإِنسان في ضمن الفاني، ويكون الحكم المنطبق على الأعمّ بشكلٍ كليّ منطبقاً على الدَّاخل ضمن ذلك الأعمّ وهو أقل منه عموماً، أمّ الاستدلال الرياضي فهو إحدى صور القياس الذي لم تلحظ فيه رابطة "الإِندراج"، وإنما لوحظت فيه علاقة "التساوي" أو "التعادل"، فنضع المقادير المعادلة لبعضها مكان بعضها الآخر ونستنتج من ذلك نتائج ضرورية".

إنَّ التفرقة بين القياس المسمى بالصوريّ والبرهان الرياضيّ بكون العلاقة في الأول هي "الإندراج" وفي الثاني هي "التساوي" ليست صحيحة، فقد انتهى المنطقيون في تحقيقهم إلى أن "قياس المساواة" المستعمل في الرياضيات ينحلُّ إلى قياسين، وتلاحظ في القياس الثاني علاقة "الإِندراج" وما لم يعنٍ القياس الثاني، فإن الذهن لا يصل إلى مقصوده، فمثلاً عندما نقيم الدليل على أن الزاوية (أ) تساوي الزاوية (ب) وأن الزاوية (ب) تساوي الزاوية (ج) فإن النتيجة المباشرة لهذا القياس هي أن الزاوية (أ) تساوي المساوي للزاوية (ج) (لا أنها تساوي الزاوية ج)، ثم نجعل هذه النتيجة مقدمة لقياس آخر تلاحظ فيه علاقة الاندراج ويسير فيه الذهن من الكليّ إلى الجزئيّ بهذا الشكل: الزاوية (أ) تساوي المساوي للزاوية (ج)، وكلّما كانت هناك مقادير مساوية لمقدار واحد فهي متساوية فيما بينها، إذن الزاوية (أ) مساوية للزاوية (ج).

وكما يلاحظ فإنَّ خلاّقية الذهن هذه مدينة للقياس المسمى بالصوريّ الذي ينتقل فيه الذهن من الكليّ إلى الأقل منه شمولاً. وكلّ ما هناك هو أن هذا القياس الثاني لمّا كان مستعملاً في جميع الموارد بنحو واحد لذا فإن الإِنسان يكون حاضر الذهن بالنسبة إليه دائماً ولا يقحم في المعادلة الرياضية.

وقد اعترف بعض الفلاسفة وعلماء النفس المحدثين بكون مجموعة الأصول الكليّة العقلية غير تجريبية، أي أنهم سلّموا بأن ظهور الأحكام الكليّة العقلية ليس وليد المشاهدة والتجربة والاستقراء، لكنهم زعموا أن ظهورها معلول لعوامل حيويّة أو عوامل اجتماعية، أي أن حاجات الحياة الحياة الفردية أو الحياة الاجتماعية قد دفعت الذهن لصياغة هذه الأصول، فجعلته يحكم باستحالة التناقض وبضرورة ثبوت الشيء لنفسه وامتناع الصدفة... وبتغيير حاجات الحياة قد تخلي هذه الأصول مكانها في الفكر البشري لتحلّ محلّها أصول أخرى، وبناء على هذا فإنَّ الأصول الأوَّلية وإنْ كانت غير معلولة للتَّجربة ولكنها لا تتمتع بقيمة منطقية مطلقة كما يزعم ذلك المنطق التَّعقلي ويعتبرها صحيحة مطلقاً وعامة وأزليّة وأبديّة ترفض أيّ تختلف.

إن هذه النظرية أشدّ ضعفاً من النظرية التجريبية، فلم تتم التفرقة فيها بين الأفكار الحقيقية والأفكار الاعتبارية، وسوف نتناولها بالدراسة والنقد في المقالة السادسة عند الحديث عن الاعتباريّات والأفكار العملية.

وأشاعت فئة أخرى نغمة جديدة، فاعترفت بانَّ الأصول السابقة الذكر غير تجريبية، وسلّمت بأنَّ الذهن يسير من الحكم الكليّ إلى الحكم الجزئيّ، لكنها ادَّعت أن هذه الأصول في الذهن لا تتمتع بقيمة يقينيّة وهي فروض بحتة صاغها الذهن ولا يجد حرجاً من الشك والترديد فيها. وغاية ما في الأمر هو أن الذهن مرغم على اعتبار هذه الفرضيات مسلّمة من دون دليل، لأنه إن لم يقبلها بلا دليل ولم يفرض مثلاً أن التناقض ممتنع وأن الصدفة مستحيلة و... فإن صرح العلم ينهار ويغيب عن العلم البشري النظام والاستحكام.

والجواب على هذه النظرية هو: أيكون فرض هذه الأصول الكلية مؤثراً في إعطاء المسائل العلمية نتائجها أم لا؟

إن لم يكن مؤثِّراً فسواء، أفرضناها أم لم نفرضها، فإنَّ الوضع لا يختلف، وإن كان مؤثِّراً فهل استنتاج هذه المسائل الجزئية من تلك الفروض الكلية أمر قطعيّ ويقينيّ للذهن أم هو بدوره يحتاج إلى فرض؟

إن كان قطعيّاً ويقينيّاً إذن يعرف من هذا أنه بديهيّ أوّليّ (ضرورة إنتاج القياس) ويكون هذا البديهيّ  قطعيّاً ويقينيّاً في أذهاننا ولا تجيز أذهاننا عندئذٍ أيّ لون من الشكّ والترديد فيه، وإن كان استنتاج المسائل العلمية من تلك الأصول الكلية محتاجاً أيضاً إلى فرض إذن لم يصل الذهن إلى هدفه الذي هو انتظام واستحكام المسائل العلمية، ويصبح فرض هذه الأصول وعدم فرضها على السواء بالنسبة للذهن، وتبقى المسائل العلمية على مستوى الفرض فقط، وقد كان الذهن منذ البدء-ومن دون أن يبسط يده طالباً العون من هذه الأصول-قادراً على أن يفرض ما يشاء.

والحقيقة هي ان إنكار الأحكام البديهيّة الأوَّليّة يستلزم الشكّ في كلِّ شيءٍ وحتى الشكّ في الشكّ نفسه، وهذا هو بنفسه الحدّ الفاصل بين الفلسفة والمنطق من جهة والسوفسطائية من جهة أخرى.

ونرى من المناسب أن ننقل كلام فيلسين شاله- أحد أتباع المنطق والفلسفة التجريبيين والمتأثر بقوة المذهب الوضعي لأوجست كنت-في هذا المجال وننتقده.

يقول شاله في كتابه ميثودولوجي (علم الأساليب) في فصل: "أسلوب العلوم الفيزيائية والكيميائية" ما نصه:

"الاستقراء عبارة عن ذلك الاستدلال الذي يعتمد فيه الذهن على التجربة وينتقل من معرفة الجزئيات لصياغة القانون العام، أي عندما تنسجم فرضية ما في نتائجها مع جميع الأمور المشاهدة والمجرّبة فغن تلك الفرضيّة المهم الذي يبدو في الاستقراء هو: هل يكون مثل هذا الاستدلال منسجماً مع قوانين العقل أم لا؟ إن كان منسجماً معها فبأي دليل وما هو الأساس في كونه قانوناً؟ ومن الواضح أن هذا الإِشكال لا يرد في موضوع القياس أو (الاستنتاج)، لأنَّ من حق الذهن دائماً أن يستخرج من الأصول التي قد وضعها من قبل وسلم بها نتائج ضرورية من المنطقية، ولكن الاستقراء لما كان مبنيّاً على التجربة فبايِّ حقٍّ يتجاوز حدوده التجريبية ويعمّم الحكم الصادق على المجرّبات، ليشمل الحوادث التي لم تتم تجربتها لحدِّ الآن؟ أي أن تجاربنا ومشاهداتنا تتم في مكانٍ معيّنٍ وزمانٍ خاصٍ، فباي مبرّر نقوم بوضع قانون عام يشمل جميع الأزمنة والأمكنة؟ وكيف نستطيع أن نتيقّن أن الأمور المجهولة التي لا عدّ لها تشبه هذه الأمور المعدودة التي جربناها؟

إن المشاكل التي تكتنف أساس الاستقراء هي من هذا القبيل. أو لظاهر أن العلماء مجمعون على أن الاستقراء مبنيٌّ على اصل تشابه الطبيعية واتِّحاد شكلها، إي إذا سلكت الطبيعة دائماً سلوكاً معيّناً فإننا نكتفي بملاحظة علاقة معيّنة بين الحوادث في زمانٍ واحدٍ ومكانٍ خاصٍ، ثم نعلم من هذا أن هذه العلاقة موجودة دائماً وفي كلِّ مكانٍ، ولكن الصعوبة هي في هذه النقطة، فكيف نستطيع أن نتيقّن بأن الطبيعة تسلك دائماً سلوكاً معيّناً وبنحو متشابه؟

فالفلسفة التجريبية القائلة أنَّ جميع أفكارنا حاصلة لنا نتيجة للتجربة تفسر أصل تشابه الطبيعة واتِّحاد شكلها بوساطة التجربة أيضاً وتقول: إنَّ الشيء الوحيد الذي يثبت للإِنسان أن للطبيعة مسيراً متَّحد الشكل هي التجربة، وقد أيّد هذه النظرية الفيلسوف الإِنجليزي "جون استوارت ميل" في كتابه المنطق، ويعود برهانه في هذا الباب إلى أصل العليّة العامة، فكلّ علّة معيّنة تستوجب دائماً معلولاً معيّناص، وقانون العلّية العامة هذا ليس أمراً يدركه العقل قبل التجربة، ولا يعتبر من أصول الفكر الإِنساني، وذلك لأنه من الناحية المنطقية ليس مستحيلاُ أن تحصل الحوادث صدفة واتفاقاً، والذي حمل الإِنسان على الإِعتقاد بهذا الموضوع هو تجربته، فعرف بوساطتها أن العلّة المعيّة دائماً تستوجب معلولاً بعينه ليس غير: إذن أصل العلّية العامة-الذي يعتبره "جون استوارت ميل" أساس الاستقراء-هو بنفسه حاصل نتيجة للإِستقراء وتعميم الملاحظات المكتسبة عن طريق التجربة، ولكنه لا ينبغي أن يتصور أحد أنَّ في كلامنا هذا دوراً باطلاً (لأن أساس الاستقراء الذي هو أساس هذا الأصل يعتبر نتيجة للاستقراء)، وذلك لأن المقصود من الاستقراء الذي هو أساس هذا الأصل هو الاستقراء العاميّ السطحيّ، بينما المقصود من الاستقراء الثاني هو الاستقراء العلميّ، فنحن نعلم أن الإِنسان العاميّ والطفل وحتى الحيوان إذا رأى مرة واحدة أمراً يستلزم أمراً آخر، فإنه ينتظر أن يتكرر ذلك دائماً..."

إن الجواب الذي يقدّمة فيلسين شاله عن أشكال "الدور" لا معنى له وهو بعيد عن الأُسس العقلية والعملية وذلك لأنه:

أولاً: يظهر أمامنا هذا السؤال: كيف يؤدِّي الاستقراء السطحيّ إلى حكم كليّ؟ ثم أيتحرك الذهن جزافاً ومن دون ملاك في الاستقراء السطحي وحتى في ذهن الطفل والحيوان، حيث ينتقل من الجزئي إلى الكليّ؟ أم يوجد هناك ملاك؟

إن كان ذلك جزافاً فأصل العلّية يصبح أيضاً جزافاً ولا تعود له أيّة قيمة منطقية، وتغدو جميع القوانين العلميّة التجريبية -المبينة على أصل لا قيمة له- لا قيمة لها أيضاً. وإن كان ملاك، إذن يمكن القول أن الطفل وحتى الحيوان يدرك أصل العلّية العامة بالفطرة.

والواقع أن ما ينتظره الطفل والحيوان من وقوع حادثة بعد أخرى حيث شاهد حدوث ذلك مرة واحدة، يختلف تماماً عمّا يدركه الإِنسان من أصل العلّية. فما يدركه الإِنسان بقوّته العاقلة أمران: أحدهما: إمتناع الصدفة. والثاني: ضرورة ترتب المعلول على العلّة وامتناع تخلفه عنها. وأصل "الضرورة" و "الجبر العلّي والمعلوليّ" هما اللذان يمنحان العلوم النظام والاستحكام ويخرجانها  بصورة نواميس قطعيّة وقوانين حتميّة. وأمّا ما ينتظره الطفل والحيوان فهو صرف وقوع حادثة بعد أخرى كان قد شاهدها من قبل تحدث أمامه مرة واحدة، وهذا الانتظار لون من السبق الذهنيّ الذي ليس له قيمة منطقيّة، وهو يغزو الأَذهان البسيطة من قبيل ذهن الإنسان العاميّ والطفل والحيوان، وهو نابع من قوة "تداعي المعاني"، وهو لون من الانتقال من جزئي إلى جزئي آخر، وكلّما كان الذهن أكثر بساطة وكان العقل أشد ضعفاً كان السبق الذهنيّ المصطلح عليه في المنطق بـ"التمثيل" اكثر حدوثاً، وكلّما كان العقل أقوى فإن الذهن يبتعد أكثر عن التمثيل الذي هو انتقال من جزئي إلى جزئي آخر، ويتجه نحو القياس الذي ينبع من الأحكام الكليّة والضروريّة والدائمة، وبعبارة أخرى فإن الذهن في البدء لا يتمتع بالتمييز المنطقي وتكون الأحكام التي يصدرها جزئية وسطحية، ولهذا في جميع الموارد التي يوجد فيها "تداع" بين معنيين فإنَّ الذهن يسبق للحكم، ولكنه بمجرد أن يصبح عقله قويّاً ويستحكم ذهنه بتوفّر الأصول الكليّة والبديهيّات الأوَّليّة فيه، فإنه يبدأ في إصدار أحكامه حسب أُسس منطقية مطابقة للواقع ونفس الأمر، ولهذا فإن الذهن بعد أن يشتدّ عوده بالأصول العقلية يكفّ عن أفعال السبق الذهنيّ التي تتم في ذهن الإِنسان العاميّ والطفل والحيوان بوساطة تداعي المعاني، وهي أحياناً تطابق الواقع وأحياناً -وهي الأكثر- لا تطابقه. وأساس نظرية "جون استوارت ميل" التي أشير إليها في ضمن حديث فليسين شاله هو أن المبنى الذي يسير عليه الذهن في التفكير والاستدلال ليس هو الإِنتقال من الكليّ إلى الجزئيّ (القياس) وليس هو الإِنتقال من الجزئيّ إلى الكليّ (الإِستقراء) وإنما هو الإِنتقال من جزئي إلى جزئي آخر (التمثيل)، ويتم هذا الإِنتقال بوساطة "تداعي المعاني"، ولعل أوّل من أبدى هذا الرأي هو "دافيد هيوم" (1711-1776)، ولكنه قد علم ممّا مرّ في التعليقات المثبتة في الصفحتين (79-80) وممّا ذكر في المتن أنه:

أولاً: "الحكم" يختلف عن تداعي المعاني، وعلل الحكم ومباديه غير علل تداعي المعاني ومباديه.

ثانياً: قد يكون تداعي المعاني أحياناً مبني وعلّة لسبق الذهن في أحد الأحكام، ولكن هذا اللون من السبق الذهنيّ ليس له قيمة من الناحية المنطقية وفي نفس الأمر، وهو يحدث غالباً للأَذهان البسيطة كالإِنسان العاميّ والطفل والحيوان، وكلّما تسلّح الذهن أكثر بالأصول العقلية والمنطق الصحيح والقدرة على التنبؤ بما يطابق الواقع، فإنه يحول دون أفعال السبق الذهنيّ المبنيّة على أساس تداعي المعاني، إذن تداعي المعاني ليس هو الأساس الأصيل لانتقالات الإِنسان العلمية الصحيحة، وبالتالي فإن الأساس في الإِستدلالات المنطقية ليس هو التمثيل.

ولسنا نعرف لماذا يتضايق من "لزوم الدور" فليسين شاله وسائر أتباع الفلسفة التجريبية؟ وما الذي يحملهم على اعتبار الدور باطلاً وممتنعاً؟ وهل يستطيع هؤلاء أن يفسّروا بطلان الدور عن طريق الاستقراء؟!!!

إن الاستقراء والمشاهدة والتجربة معقولة في مورد الأَشياء العينيّة، أمّا المعدومات والممتنعات فإنها لا يمكن مشاهدتها ولا تجربتها.

ويعلم ممّا ذكرناه لحدِّ الآن:

1-إن للإِنسان في ذهنه أحكاماً وتصديقات بديهيّة أوّلية.

2-تتمتع هذه البديهيات بقيمة يقينيّة.

3-يستطيع الذهن باعتماده على تلك البديهيات أن ينتقل من الحكم الكليّ إلى الحكم الجزئيّ.

4-إن الأساس الأصيل في الانتقالات الفكرية والاستدلالات العقلية ليس هو السير من الجزئيّ إلى الكليّ ولا من الجزئيّ إلى الجزئيّ الآخر وإنما هو السير من الكليّ إلى الجزئيّ.

5-إن الذهن في العلوم الطبيعية والتجريبية يتصاعد من الحكم الجزئيّ إلى الحكم الكليّ، يتم هذا التصاعد بمساعدة الأحكام البديهيّة والأوّليّة والقواعد المعتمدة عليها.

6-السبب في عدم كون بعض مسائل العلوم الطبيعية يقينيّة هو النقص في التجارب.

7-من وجهة نظر علم المنطق وفن الظفر بـ"مقاييس الفكر" تكون التجربة مقياساً من الدرجة الثانية، أما المقاييس من الدرجة الأولى فهي مجموعة من الأصول العقلية التي بوساطتها يثبت للذهن أن التجربة مقياس أيضاً.

وخاتمة هذا البحث نجد من المناسب أن نكرر الجملة التي ذكرناها في مقدمة هذه المقالة (ص32):

"صحيح أنه ليس لدينا تصورات متقدمة على التصورات الحسيّة ولكن لدينا تصديقات كثيرة متقدمة على التّصديقات التجريبية".) (التصديقية)

لا ريب أنَّ لدينا ما لا عدّ له من المعلومات الفكرية والإِدراكات التصديقية، وعندما نتوفر على دراستها نجد أنها غير منفصلة عن بعضها،

[141]

أي أنها ليست بشكل بحيث نستطيع أن نفرض أحدها معلوماً وحده، ونفرض الباقي كلّه مجهولاً، أي أن حصول العلم بمعلوم ما لا ارتباط له إطلاقاً بسائر المعلومات. ويكون هذا الكلام في العلوم البرهانية أوضح من

[142]

أي مكانٍ آخر. فنحن لا نستطيع أبداً أن نثبت كثيراً من مسائل هذه العلوم ما لم نكن قد أثبتنا قبل ذلك مسائل أخرى كثيرة.

إذن بين هذه المعلومات التصديقية لون من العلاقة والارتباط لا يخلو من شبه بالتَّوالد الماديّ. وذلك لأن التصديقين اللذين بينهما نسبة الأصل والفرع يشبهان تماماً الأب والأم والولد، أو يشبهان الشجرة والثمرة، فالأُسس الماديّة المكوّنة للفرع محفوظة في وجود الأصل، وهو ينفصل عن أصله بصورة جديدة فيصبح ظاهرة حديثة، وأقصى ما يوجد من فرق بينهما هو أن ظهور الفرع الماديّ متوقف على وجود أصله دون بقاء ضروريّ لبقاء النتيجة، بحيث إذا زال من الوجود المعطي للنتيجة فإنَّ انعدام النتيجة يكون ضروريّاً.

إذن وجود مجموعة من الأفكار والتَّصديقات التي تولِّد -بصورة منحصرة- فكراً وتصديقاً معيّناً لا يمكن مقارنته بوجود مجموعة من الظواهر الماديّة التي تولِّد ظاهرة ماديَّة، وذلك لأن مجموعة علل الحوادث الماديّة يمكن أن تفرض غير متناهية بحيث تذهب من الوجود كلّ حلقة من هذه المجموعة عندما يصل دور الحلقة اللاَّحقة وتعطي مكانها للحلقة الآتية بعدها، ولكنَّ أيَّ علة تصديقية  لا بدَّ أن تكون موجودة مع وجود معلولها التَّصديقي، وفرض عدم التناهي في سلسلة العلل التَّصديقية يستلزم عدم حصول ذلك التَّصديق، وعليه فإذا فرضنا وجود معلوم تصديقي فلا بدَّ أن تقف سلسلة التصديقات المولِّدة له في مكانٍ ما، أي لا بدَّ أن تنتهي إلى تصديقٍ يكون ظاهراً بنفسه من دون أن يحتاج إلى تصديقٍ آخر (البديهي الأولي).

ويستنتج من هذا البيان:

[143]

1-إذا فرضنا وجود تصديق علمي (في مقابل الشك)، فإمّا أن يكون ذلك المفروض بذاته بديهيَّاً وإما أن ينتهي بالتالي إلى بديهيّ، وبعبارة أخرى فإن عندنا تصديقاً بديهيّاً.

2-إن كلَّ معلومٍ نظريّ (غير بديهيّ) يوجد بوساطة تركيب البديهيات أو النظريات المنتهية إلى البديهيات.

3-إن للعلوم كثرة بوساطة انقسامها إلى البديهيّة والنظريّة.

إشكال

قد يعترض البعض على الحديث السابق الذكر قائلاً:

إن الحركة العلمية تغيّر فرضيّاتها باستمرار وتعتبرها مؤقتّة، وهذا ينقض نظريتكم، وذلك لأنَّ كلَّ مجالٍ من المجالات العلمية يتبنى فرضيّة معيّنة ويبدأ البحث على أساس تلك الفرضيّة، فيبيّن بعض الخواص، وبعد فترة يلمس خواصّ جديدة لا تنسجم مع تلك الفرضيّة الموجودة، فينفض اليد عن الفرضيّة القديمة ويحلُّ محلها فرضيّة جديدة أوسع أفقاً وأكثر انسجاماً، ويواصل على أساسها البحث والدراسة، وحينئذ تهمل الفرضيّة القديمة في الأوساط العلمية، مع أن لها نتائج إيجابية حيّة وسوف تظل حيّة إلى أمد غير معلوم.

إذن زوال علّة التّصديق لا يستلزم بطلان نتيجته.

الجواب

إن الفرضيات العلمية على قسمين:

1-الفرضيّات التي ظهور الجديد منها لا يبطل القديم، وإنما تبيّن الفرضية الجديدة مجالاً أوسع وأرحب من المجال الذي كانت تبيّنه الفرضيّة

[144]

القديمة. وفي هذه الصورة لا تكون الفرضية القديمة - المنتجة لنظرية إيجابية- قد انهارت، بل تظهر بحلّة أجدُّ وأروع تؤكد نتائجها وتمنحها الوضوح والثبات.

2-الفرضيّات التي ينسخ فيها المتأخر المتقدم ويُلقي به في غمار النسيان، مثل فرضيّة حركة الأرض مع فرضيّة حركة الفلك في علم الهيئة، وفي هذه الصورة تزول نتيجة هذه الفرضيّة مثل الفرضيّة نفسها، ولكنَّ النتائج العلمية الحاصلة عن طريق الحس والتجربة لا تنعدم، كما يجري ذلك في الأرصاد المتوالية والتجارب المستمرة في أوضاع الأجرام المتحركة في علم الهيئة، فهذه كلّها تتم المحافظة عليها والاستفادة منها.

وبغضّ النظر عن كلّ هذا فإنه يمكن القول في كلاّ قسمي الفرضيّات: إن فرضها في أيّ علمٍ لا يكون للإِستنتاج العلمي، أي ليس فرضها بهدف التّعرف على مسائل ذلك العلم ونظرياته، بمعنى أن تلك الفرضيّة لا تحوّل مجهولاً إلى معلوم، وإنما لتعيين خط السير فقط حتى لا نضلّ ونضيّع في سلوكنا العلمي، وإلاّ فإن استنتاج المسائل متوقّف على براهين المسائل والتجارب وسائر علل إنتاج النظرية، وليس هو معلولاً للفرضيّة، ويكون حال الفرضيّة تماماً مثل حال الطرف الثابت للفرجار (آلة مركبة من ساقين متصلتين تثبّت إحداهما وتدور حولها الأخرى، ترسم بها الدوائر والأقواس، ويقولون له أيضاً: بركار، وبرجل، المعجم الوسيط،ج1 ص47) فهو بثباته يحفظ سير الطرف المتحرك منه لئلاّ يضل وينحرف، لا أن النقاط التي يرسمها الطرف المتحرك متتالية قد خطّها الطرف الثابت.

[145]

الإِشكال (2)

لو كان العلم بالنظريات متولّداً عن العلم بالبديهيات، والبديهيات مستثناة من قانون التوالد، إذن لا معنى لتوقف بديهي على بديهي آخر، مع إنكم تقولون إن جميع القضايا -سواء أكانت نظرية أم بديهيّة- متوقفة على قضية امتناع اجتماع وارتفاع النقيضين(لقد سبق لنا القول: إن الأحكام الذهنية على قسمين: بديهية ونظرية، والبديهية أيضاً على قسمين: بديهيّة أوّليّة وبديهيّة ثانوية، ويعتبر المنطقيون والفلاسفة بعض القضايا من البديهيّات الأوَّليّة، من قبيل الحكم بامتناع التناقض والحكم بأن المقادير المساوية لمقدار واحد متساوية فيما بينها والحكم بامتناع ملء جسم واحد في آن واحد لمكانين، والحكم بامتناع إحلال جسمين في آن واحد في مكان واحد و.....

ومن بين جميع البديهيّات الأوليّة يطلق على أصل امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما-المعبّر عنه اختصاراً بأصل امتناع التناقض- اسم "أولى الأوائل" و "أم القضايا".

ونواجه في هذا المجال هذا السؤال: ما معنى أن تكون هذه القضية أولى الأوائل؟ إذا كانت سائر البديهيّات بديهيّة أوّلية، والذهن بمجرّد أن يواجه الموضوع والمحمول، فإنه يحكم من دون أن يحتاج إلى أيِّ شيءٍ آخر، إذن تكون جميعاً على السواء، وما معنى أولى الأوائل عندئذٍ؟ وإن كان الذهن في موردها يتوقف على الحكم بامتناع التناقض، إذن لا تكون هذه الأحكام في الواقع بديهيّة وإنما هي نظرية.

للجواب على هذا الإِشكال توجد عدة نظريات:

أ-إن سائر القضايا ليست في الواقع بديهيّة بل هي نظريّة ومعنى كون أصل امتناع التناقض أولى الأوائل وأم القضايا هو أن جميع القضايا تستنتج منها.

ولسنا نؤيد هذه النظرية لسببين:

الأول: لأن هذا مخالف لما يجده كلّ واحد منّا في ضميره.

الثاني: لو كانت جميع البديهيات الأخرى نظرية لكانت بحاجة إلى الاستدلال، وكما نعلم فإنه في أي استدلال لا بدَّ من أخذ مقدمتين (صغرى-كبرى) مفروضتيّ الصحة ومسلّمتين، إذن لا بدَّ أن يكون لدينا أصل بديهيّ آخر على الأقل علاوة على أصل امتناع التناقض حتى يستطيعا تكوين أول قياس، وبالإِضافة إلى ذلك لا بدّ أن نكون مسلّمين بصحة استنتاج الجزئيّ من الكليّ (إنتاج الشكل الأول) بلا وساطة، أي نكون مصدِّقين بذلك بشكلٍ بديهيٍّ.

إذن هذه النظرية القائلة بانحصار البديهيّ في أصل امتناع التناقض لا يمكن قبولها.

ب- إن سائر الأصول البديهيّة ليست في الواقع أصولاً ولا أحكاماً مستقلة وإنما هي عين أصل امتناع التناقض مطبقاً في موارد مختلفة، مثلاً يعبّر عن أصل امتناع التناقض في مورد المقادير باسم قانون المساواة، وفي مورد العلّية باسم أصل امتناع الصدفة، وفي الموارد الأخرى بأسماء أخرى.

وهذه النظرية أيضاً لا يمكن قبولها، وذلك لأن اختلاف القضايا يتوقف على اختلاف الأجزاء المكوّنة لها، أي يتوقف على الموضوع والمحمول، والموضوع والمحمول في سائر الأصول مختلفان عن الموضوع والمحمول في القضية، وعلاوة على هذا فإن الإِشكال الثاني الذي أوردناه على النظرية الأولى وارد أيضاً على هذه النظرية.

ج-إن أصل امتناع التناقض وسائر البديهيات كلّها بديهيّة أوّليّة، وفي نفس الوقت فإن جميع تلك البديهيّات محتاجة إلى أصل امتناع التناقض، وكلّ ما هناك هو أن نوعية احتياج البديهيّات الأوّليّة إلى أصل امتناع التناقض تختلف عن نوعية احتياج النظريات إلى البديهيّات، فنوعية احتياج النظريات إلى البديهيّات هي أن النظريات بتمام وجودها مدينة للبديهيّات، أي أن النتيجة المأخوذة من أحد القياسات تماماً مثل الوليد الناتج من الأب والأم، ولكن نوعيّة احتياج البديهيّات الأوَّليّة إلى أولى الأوائل تكون بشكلِ آخر، ويمكننا بيانها بنحوين:

أحدهماكما جاء في المتن من أنَّ الحكم اليقينيّ عبارة عن الإِدراك المانع من الطرف المخالف، مثلاً لا يتيسر الحكم اليقينيّ بالنسبة لهذه القضية "زيد قائم" إلاَّ إذا كان الحكم بشكل ينفي تماماً احتمال عدم قيامه، ولا يمكن نفي هذا الإِحتمال من دون اللجوء إلى أصل امتناع التناقض: فبالإِعتماد على أصل عدم التناقض يتحقق العلم بأنَّ زيداً قائم يقينياً، وخلاف ذلك منفي يقينياً، ولو أننا انتزعنا هذا الأصل من الفكر البشري لما استطاع الذهن إطلاقاً أن يظفر باليقين والعلم القطعيّ بالنسبة لأيّ شيء.

إذن حاجة جميع العلوم البديهيّة والنظرية إلى أصل امتناع التناقض، إنما هي في الحقيقة حاجة الحكم في كونه يقينياً.

البيان الثاني: لو لم يكن أصل امتناع التناقض موجوداً في الفكر لم يمنع أيّ علمٍ وجود أيّ علمٍ آخر، توضيح ذلك: أن بعض العلوم (الإِدراكات اليقينية) لا تمنع وجود علوم أخرى، مثل العلم بأن هذه الورقة بيضاء لا يمنع من العلم بأن زيداً قائم، ولكن بعض العلوم يمنع من وجود العلوم الأخرى بل ويمنع حتى وجود بعض الإِحتمالات، مثل العلم بأن زيداً قائم فهو يمنع العلم بأن زيداً غير قائم. ويتم هذا المنع بفضل أصل امتناع التناقض، ولو أننا جرّدنا الفكر البشري من هذا الأصل لما منع أيّ علمٍ وجود أيّ علمٍ آخر، وعندئذٍ لا مانع في الفكر أن يكون للشخص علم يقينيّ بأن زيداً قائم، وفي نفس الوقت له علم يقينيّ بأن زيداً ليس بقائم، أو على الأقل يحتمل كون زيد غير قائم.

وبناءاً على البيان الأول لو انتزعنا أصل امتناع التناقض من الفكر البشري لهدمنا كلّ أُسس "الجزم" و "اليقين" ، ولأصبح الذهن غارقاً في الشكِّ المطلق، ولتعذر عليه التّصديق اليقنيّ بأيِّ موضوع من المواضيع، ولو كان مدعوماً بمئات الآلاف من البراهين.

وبناءاً على البيان الثاني فإنَّ أيَّ يقينٍ لا يمنع من أيِّ يقينٍ آخر، فلا مانع من أن يتمسَّك الذهن بأحد طرفيّ القضية (النفي أو الإِثبات) وفي نفس الوقت يتمسك بالطرف الآخر ولا يختار أيّاً منهما.

وبناءاً على كلا البيانين فإنَّ أساس جميع القوانين العلمية سوف ينهار، وذلك لأن القانون العلميّ يعين تمسّك الذهن بأحد طرفيّ القضية بالذات، فلو لم يكن تمسّك على الإِطلاق (حالة الشكّ) أو كان تمسّك بالطرفين فإنه لا معنىً عندئذٍ للقانون العلميّ، مثلاً حسب أُسس هندسة إقليدس يكون الذهن مُذعناً بأنَّ هذه المسألة القائلة أن مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين قانون علميّ، وهذه قضية موجبة توصّل إليها الذهن بفضل البرهان الرياضي وأصل امتناع التناقض، وهو معرض عن نقيضها القائل أن مجموع زوايا المثلث ليس مساوياً لقائمتين، أمّا لو فرضنا أننا جرَّدنا الذهن من أصل امتناع التناقض، فإنَّ الذهن بالتَّأكيد لن يظفر بأيِّ يقينٍ (بناء على البيان الأول) وعندئذٍ لا يصبح هذا الأصل قانوناً علميّاً، فإنه من الممكن عدّ نقيضها قانوناً علميّاً أيضاً، وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ الموضوع سوف يخرج عن كونه قانوناً علميّاً لأن معنى القانون العلميّ هو اختيار الذهن لأحد الطرفين.

أن أصل امتناع التناقض هو الأساس لجميع أحكام الذهن البديهية والنظرية.

ويشبِّه صدر المتألهين نسبة أصل امتناع التناقض إلى سائر الأصول والتصديقات البديهيّة والنظرية بنسبة ذات واجب الوجود إلى سائر الموجودات في عالم الأعيان، أي أنها نسبة المعيّة والقيّومية، فلو لم يكن لانهار كلّ شيء، والحقيقة كما يقول، وذلك لأننا لو انتزعنا من الفكر البشري هذا الأصل الذي هو في الحقيقة أساس جميع الأصول الفكرية لما بقي له سوى الشكّ المطلق والتصورات المختلطة المبعثرة العارية عن التّصديق أو التّصديقات المشوّشة العارية عن اختيار طرف بعينه.

ومن حقّه أن يسمى بـ"أصل الأصول".

إن أصل امتناع التناقض هو مورد قبول جميع الأذهان البشرية، والواقع أنه لا يمكن أن يوجد إنسان وهو ينكر هذا الأصل في أعماق ذهنه وصميم نفسه، أي أنه قد يكون هناك إنسان غافل عن هذا الحكم الفطريّ للذهن بسبب عروض بعض الشبهات أو قد ينكر وجوده، ولكنه لا يمكن إطلاقاً أن يُوجد إنسان وهو فاقد لهذا الحكم في أعماق ذهنه. 

ولم يتورط في إنكار وجود هذا الأصل في الفكر البشريّ العلماء في العالم القديم أو الحديث، التجريبيون والعقليّون. ويستثنى من هذا السوفسطائيون في العالم القديم حيث أنكروا هذا الأصل، وقد أنكره أيضاً أتباع المنطق الديالكتيكي في العالم الحديث.

وقد حاول أتباع الماديّة الديالكتيكية أن يظهروا بعض قدماء اليونان القائلين بالحركة في الطبيعة أو المؤسسين فلسفتهم على أصل النزاع بين الأضداد في الطبيعة -حاولوا إظهار هؤلاء بمظهر المنكرين لأصل امتناع التناقض، ومن هنا فقد اعتبروا الفيلسوف اليوناني القديم هرقليطوس Heraclite منكراً لأصل امتناع التناقض في الفكر، ولكن الحقيقة هي أنه قبل الفيلسوف الألماني هيجل Hegel المؤسس للديالكتيك الحديث لم يُنكر أحد هذا الأصل الفكريّ علناً سوى السوفسطائيين. وقد كان هيجل نفسه ملتفتاً إلى أن ما يقوله لا علاقة له بأصل امتناع التناقض، ولكن الماديّين نهضوا لمقاومة هذا الأصل مقاومة عنيفة وذلك لأسباب خاصة. فالماديّون في منطقهم وفلسفتهم قد انتهوا إلى طريق مسدود، ولا مفرّ لهم إلاَّ اللجوء إلى إنكار هذا الأصل البديهيّ. وقد أشرنا إلى بعض هذه الطرق المسدودة التي واجهتهم في تعليقاتنا على المقالة الرابعة (الجزء الأول ص 257 وما بعدها من الترجمة العربية) وسوف نتناول هذا الموضوع قريباً بتفصيل أكبر بعون الله.) . 

[149]

الجواب

لو تأملنا إحدى القضايا (بديهيّة كانت أم نظرية) بذهن منفتح لوجدناها بذاتها وبقطع النظر عن الخارج ومحكيها إما مطابقة للخارج أو غير مطابقة له (احتمال الصدق والكذب)، ولا يمكن أن نقبل أبداً أن تكون قضية ما بجميع قيودها الواقعية مطابقة له وغير مطابقة له في نفس

[150]

الوقت، أي انها صادقة وكاذبة في وقت واحد، أو لا صادقة ولا كاذبة في آنٍ واحد. ومن هنا فإن اختيار أحد الطرفين (الإِثبات والنفي) ليس كافياً لاستقرار العلم (الإِدراك المانع من النقيض باصطلاح المنطق)، وإنما لا بدَّ أيضاً من إبطال الطرف الآخر، ولا علاقة لهذا العمل بمواد القضايا وصورها، وإنما مع فرض استكمال القضية لمادّتها وصورتها لا بدّ لاستقرار العلم من إثبات أحد الطرفين (الصدق أو الكذب) ونفي الطرف الآخر.

والفرق بين البديهيّات والنظريات هو أن النظريات محتاجة إلى غيرها في اكتساب مادّتها وصورتها، أمّا البديهيّات فإن مادّتها وصورتها تكون من ذاتها، كما أنه في عالم الطبيعة كلّما فرضنا تركيباً فإنه محتاج إلى آخر مادة في التحليل، ولكن المادة ليست بحاجة إلى مادة وإنما هي المادة نفسها، إذن سنخ احتياج أي قضية إلى قضية استحالة اجتماع وارتفاع النقيضين (أولى الأوائل بالإِصطلاح الفلسفي) يختلف عن سنخ احتياج النظري إلى البديهيّ فهو احتياج مادّيّ وصوريّ.

توضيح ذلك: لو أخذنا برهاناً رياضيّاً مثلاً وقارنّاه إلى نتيجته، فتأملنا في البرهان ثم انتقلنا إلى النتيجة، وبالعكس أدركنا النتيجة ثم رجعنا إلى البرهان، فإننا نواجه في هذه الحركة الفكرية حادثتين: إحداهما هي لو أننا استبدلنا بمواد البرهان المفروض مواد برهان آخر، فأقحمنا مثلاً القضايا المستعملة في برهان طبيعي مكان القضايا المستعملة في برهان رياضيّ، بشرط أن يبقى الشكل والترتيب محفوظاً، لوجدنا أن النتيجة سوف تنقطع علاقتها بالبرهان وتسقط.

والثانية: هي لو أننا غيّرنا مكان مقدمات البرهان وبعثرنا ترتيبها لوجدنا أن النتيجة تختّل أيضاً.

[151]

ويستنتج من هذا البيان:

1- كما أن مواد التّصديقات المنتجة (المقدمات) مؤثّرة في حصول النتيجة فكذا هيئة المقدمات وترتيبها فإنَّ له تأثيراً في النتيجة أيضاً.

2-كما أن لمواد القضايا -أي القضايا من دون تأليف- بديهيّات فكذا هيئتها وتأليفها- من حيث التأثير في النتيجة- إما أن تكون بنفسها بديهيّة وإما أن تنتهي إلى البديهيّ (من أحب التوسع في هذا الموضوع فليرجع إلى بحث القياسات النظرية والبديهيّة في المنطق).

وقد اتَّضح من هذا البيان أن توقّف النظري على البديهيّ إمَّا أن يكون في تولّد مادة من مادة  أو في تولّد صورة من صورة، ولا علاقة له بتوقف حكم على حكم آخر، وأمّا قولنا أن جميع القضايا متوقّفة على قضية امتناع اجتماع وارتفاع النقيضين فالمراد منه هو التوقف في العلم والحكم وليس التوقف الماديّ ولا الصوريّ.

إشكال

يقول علماء الماديّة التحولية(إن الفلسفة الماديّة الحديثة المعروفة باسم الماديّة الديالكتيكية والتي يعتبر كارل ماركس (Karl Marx)  وفردريك إنجلز (Frederic Engels) المؤسسين الأصليين لها تتميز بنظرية فلسفية وأسلوب منطقي خاص، فنظريتها الفلسفية ماديّة حيث تعدّ الوجود مساوياً للمادة وتنكر وجود كلّ ما وراء المادة، وأسلوبها المنطقي أسلوب خاص استخدامته في طريقة التحقيق للتوصل إلى معرفة الطبيعة، وهي تؤمن بأنه بوساطة هذا الأسلوب فقط يمكننا التَّعرف على الطبيعة والظفر بالمعرفة الحقيقة. إن أسلوب التحقيق هذا هو الأسلوب الديالكتيكي الماركسي، وهو عبارة عن طراز خاص في التفكير مبني على عدة أصول عامة مسيطرة على الطبيعة، ويعتقد هؤلاء أنه أسلوب البحث الوحيد الذي يكشف لنا الطبيعة وأجزاءها كما هي موجودة في الواقع، إذن البحث العلمي هو الذي يطبق هذه الأصول وهي كما يلي:

أ- إن ماهيّة أيِّ شيءٍ هي عبارة عن علاقة ذلك الشيء بسائر أجزاء الطبيعة، وكلّ شيءٍ وكلّ جزء من أجزاء الطبيعة بذاته ليس قابلاً للمعرفة، وبناء على هذا إذا أردنا دراسة موجود من موجودات الطبيعة فلا بدَّ من الإِلمام بجميع ارتباطاته بسائر الأشياء ولا بدَّ من دراسة تأثير البيئة الخاصة التي تخضع لها ماهيّته شاء أم أبى.

يقول ستالين في الكرّاسة المسماة "الماديّة الديالكتيكية والماديّة التاريخية":

"يؤكد الأسلوب الديالكتيكي على أنَّ أيَّ ظاهرة في الطبيعة لا يمكن فهمها منفردة ومن دون الأخذ بعين الإِعتبار علاقاتها بسائر ظواهر بيئتها، وذلك لأن الظواهر التي نتصورها في أيِّ مجال من مجالات الطبيعة عندما ندرسها بعيدة عن بيئتها فإنها تتحول إلى أمر فاقد لأيّ معنى".

ويسمى هذا الأصل بأصل تبعيّة الجزء للكلّ أو أصل التأثير المتبادل أو أصل الارتباط العام بين الأشياء.

ب- إن كلَّ شيءٍ في تغيير وحركة وصيرورة دائمة، ولا وجود للسكون. والفكر الذي هو خاصة من خواص الطبيعة تابع أيضاً لقانون التغيير والحركة هذا. يقول إنجلز:

"لا ينبغي لنا أن نتصور الدنيا خليطاً من الأشياء الثابتة والتامة، بل الدنيا عبارة عن خليط من مسيرات تحوّلية تبدو فيها بعض الموجودات ثابتة في الظاهر، وكذا انعكاسات هذه الموجودات في ضمير الإِنسان التي نسميها بالأفكار، ولكن الواقع هو أن هذه جميعاً في حال حركة وتحوّل دائم وتحطّم مستمر".

ويطلق على هذا الأصل عادة اسم أصل التغيير أو أصل الحركة أو أصل التكامل.

ج- ليس التغيير والحركة دائماً على حالة واحدة وإنما تصل لحظات تطرأ فيها على التغييرات التدريجيّة حالة شديدة وثورية وتؤدِّي بالتالي إلى التغييرات الكيفية.

يقول استالين:

"إن الديالكتيكية -على العكس من الميتافيزيقية- لا ترى المسيرة التكاملية بشكل تيار بسيط في النشوء والارتقاء بحيث لا تنتهي فيها التغييرات الكميّة إلى تغييرات كيفيّة، وإنما تنظر إلى التّكامل بما أنه يبدأ من التغييرات الكميّة الخفيّة والقليلة الأهميّة، وينتهي إلى التغييرات الكيفيّة الواضحة والأساسية."

ويعرف هذا الأصل عادة باسم أصل القفزة.

د- إن الحركة التكامليّة للأشياء نتيجة للتّضاد والتناقضات الموجودة في أعماق الأشياء.

يقول استالين:

"إن الأسلوب الديالكتيكي قائم على أن تيار التّكامل من السافل إلى العالي لم يكن نتيجة لتكامل الظواهر المنسجمة واتِّساعها، بل على العكس أنه أثر لظهور التناقضات الداخلية للأشياء والظواهر، ويتم خلال "نضال" مرير بين الرغبات المتضادة الناشئة من تلك التناقضات".

يقول جورج بوليتزر في كتابه "الأُسس الأوّليّة للفلسفة":

"إنَّ الأمور لا تتبدل إلى بعضها فحسب وإنما كلّ أمر لا يبقى وحده وكما هو موجود بل يصبح عبارة عن شيء شامل لضده أيضاً، فكلّ شيءٍ يكون حاملاً لضده، فأمور العالم هي نفسها وهي ضدها في نفس الوقت... وتغيير الأشياء وتحوّلها بسبب أنَّ فيها تضاداً، ويحدث التحوّل من جهة أنَّ كلّ شيء غير منسجم مه ذاته، فالبيضة الموجودة تحت الدجاجة في داخلها قوتان: إحداهما: تحاول أن تحتفظ بالبيضة على حالتها، والأخرى: تحاول أن تحوّل هذه البيضة إلى فرخ، ومن هنا فإن البيضة ليست منسجمة مع ذاتها... فالشيء الذي يشتق من السلب يتّخذ حالة الإِيجاب. فالفرخ إيجاب يخرج من نفي البيضة، وهذه مرحلة من مراحل التكامل. إن الفرخ يتغير إلى دجاجة، وخلال هذا التحول يوجد نزاع وصراع بين القوى التي تريد الاحتفاظ بالفرخ على هذه الحالة والقوى التي تريد تحويله إلى دجاجة. فالدجاجة نفي للفرخ والفرخ بدوره حصيلة نفي للبيضة، إذن الدجاجة نفي النفي، وهذا هو الأسلوب العام للديالكتيك:

1- الإِثبات المسمى بـ "تز" (الحكم).

2-النفي المسمى بـ "آنتي تز" (ضد الحكم).

3-نفي النفي المسمى "سنتز".

ويعرف هذا الأصل عادة باسم أصل التّضاد أو أصل نزاع الأضداد.

وكما سبق لنا القول فإن النظرية الفلسفية للمادّية الديالكتيكية قائمة على أساس الاعتراف بالمادة فحسب ونفي وجود ما وراء المادي، ويسير تفكيرها المنطقي على أساس الأصول الأربعة الماضية. ونحن إن نتناول في هذه المقالة الأفكار والإِدراكات وكيفية ظهور الكثرة في الإِدراكات بالدراسة والتحليل فلهذا لا ينبغي لنا أن نخرج من موضوع البحث لنقد النظرية الماديّة والبحث حول الأصول الأربعة للديالكتيك، فما يتعلق بالنظرية الفلسفية العامة سوف يأتي تفصيلة في المقالة الرابعة عشرة، وأما ما يتعلق بتفسير القوانين الكلية والأصول العامة المسيطرة على الطبيعة، فسوف نشرحه في المقالة العاشرة إن شاء الله. ولكلّ واحد من الأصول الأربعة للديالكتيك مؤيدون -قليلون أو كثيرون- في القديم والحديث لتفسير القوانين العامة للطبيعة، وبعض هذه الأصول يمكن قبوله بقطع النظر عن نقاط الضعف الموجودة في منطق الماديّين، وسوف نبحث هذا الموضوع بالتفصيل في المقالة العاشرة. وكلّ ما يتعلق بهذه المقالة وقد تعرّض له المؤلف في المتن هو العقائد والنظريات التي أبداها أتباع الماديّة الديالكتيكية - حسب الأصول الأربعة الماضية ونظريتهم الماديّة- حول "الإِدراكات" و "الأفكار". فهاهنا يبدو منطق الماديّين بشكل عجيب ووضع خاص غريب. ويمكن تلخيص الأُسس العامة لتلك العقائد في هذه النقاط:

أ- إنَّ كلّ شيءٍ هو بنفسه ليس ذاته، فكلّ شيءٍ هو غير ذاته، فإذا قلنا:

"(أ) هو (أ) وليس هو غير (أ)".

فإنه خطأ، أولاً: لأن هذا اللون من التفكير ناشىء من تصور أنَّ الأشياء منفصلة عن بعضها ولا علاقة تربط فيما بينها، ولكنه حسب الأصل الأول للديالكتيك لا يوجد شيء (لا في الخارج ولا في الفكر) يتمتع بماهيّة منفصلة عن ماهيّات سائر الأشياء، فماهيّة أي شيء إنما هي مجموعة من الإِرتباطات المتبادلة بين ذلك الشيء وسائر الأشياء، وثانياً: لأن هذا القول يفرض للأشياء ماهيّات ثابتة (في الفكر أو في الخارج)، يقول جورج بوليتزر:

"إن الثبات يعني البقاء على حالة واحدة من دون تغيير في الشكل، والآن لننظر ما هي النتائج العملية الناشئة من هذه الخاصيّة الميتافيزيقية (أصل الثبات)؟ إذا اعتبرنا الموجودات غير متغيرة فلا بدَّ أن نقول إنَّ الحياة حياة والموت موت".

إن ما تقوله الميتافيزيقية ومن جود الثبات ومن أن كلَّ شيءٍ هو ذاته فحسب يتعلق بالمفاهيم والتصورات الذهنية، ولا يشمل الأعيان الخارجية. الميتافيزيقية تعلن أن كلَّ مفهوم في الذهن فهو "منفصل" عن المفهوم الآخر، وتصور أيّ شيء غير تصور الشيء الآخر، فتصور الحياة غير تصور الموت وتصور البياض غير تصور الجسم و....

وتتَّصف التصورات بهذه الخاصيّة لأنها فاقدة للصفات الماديّة، ولو كانت التصورات ماديّة لاتَّحد تصور أيَّ شيءٍ مع تصور أيَّ شيءٍ آخر، أي أنه حينئذ لا يكون لدينا -في الواقع- تصور واضح لأيَّ شيءٍ على الإِطلاق، والماديّون حسب ما يؤمنون به من قانون الحركة العامة الشامل للأفكار أيضاً وما يعتقدونه من كون الإِدراكات تتغير ماهيّتها متأثرة بالبيئة لا مفرّ لهم إلاّ إنكار هذا الأصل الميتافيزيقي.

إن هذا الأصل الذي ينكره الماديّون بالنسبة للفكر يسمى بأصل "العينيّة" أو "الهوية" (Identite)، وهو أحد الأُسس الأوّلية للفكر البشري. ويعترف علم النفس الحديث أيضاً بوجود هذا الأصل الفكري. أن لهذا الأصل من الأهميّة بالنسبة للتصورات ما لأصل امتناع التناقض بالنسبة للتصديقات، فكما أننا لو انتزعنا أصل امتناع التناقض من الفكر البشري لم يستقر حكم بأيّة قضية فكذا الأمر لو أننا جرَّدنا الفكر البشري من هذا الأصل، فأننا عندئذٍ لن يكون لدينا تصور لأيِّ شيءٍ من الأشياء، لأنه يلزم حينئذٍ أن يكون تصور أيَّ شيءٍ في فكرنا نفس تصور جميع الأشياء الأخرى.

أما أصل تبعيّة الجزء للكلِّ أو أصل التأثير والعلاقة المتبادلة بين الأشياء في الطبيعة فهو مورد قبول العلماء، ويعترف الماديّون أنفسهم أن أول من صرّح بهذا الأمر هو أفلاطون ثم أرسطو، وما هو مورد قبول العلماء اليوم لا يعني أن ماهيّة أيِّ شيءٍ هي مجموعة علاقات ذلك الشيء بسائر الأشياء، وبالخصوص فإن هذا الأصل لا يُعطي تلك النتيجة في مورد التصورات والأفكار. والماديّون أنفسهم أيضاً يسلمون -بالفطرة- بأصل العينية في الأفكار والتصورات لأنهم يقولون: كلُّ ظاهرة هي مجموعة من علاقات هذه الظاهرة بذاتها بسائر الظواهر المجاورة لها، إذن هم يعترفون بأن كلَّ ظاهرة يحاولون دراسة علاقاتها لها "ذات" بحيث إن الدَّارس يتتبع علاقات ذات تلك الظاهرة (لا غيرها) مع سائر الظواهر. ويعترف الماديّون -بالفطرة- أيضاً بأن التفكير في أيِّ شيءٍ ليس هو عين التفكير في جميع الأشياء الأخرى، والدِّراسة العلمية لظاهرة ليست هي نفس الدراسة العلمية لسائر الظواهر الأخرى، وهذا هو اعتراف بأصل العينية، وكما قال المؤلف في المتن:

فإن العينيّة ملازمة للمفاهيم بشكل عام بحيث يكون حتى سلب العينية أيضاً بنفسه مستلزماً لإِثبات العينيّة". وذلك لأنه كلّما حاول شخص إنكار العينيّة فإنه يريد أن ينفي نفس العينيّة وليس شيئاً آخر، إذن في فكر ذلك الذي يحاول إنكار أصل العينيّة يكون مفهوم العينيّة هو نفس مفهوم العينيّة هو نفس مفهوم العينيّة لا شيئاً آخر.

يقول إنجلز في كتاب لودفيج فيورباخ (Leudwick Feuerbach) معرّفاً الديالكتيك إنه عبارة عن:

"علم قوانين الحركة في العالم الخارجي أم في الفكر الإِنساني".

فهل الديالكتيك في فكر إنجلز هو الديالكيتك أم شيء آخر؟

فهل هو عندما يحاول تعريف الديالكتيك يتصور مثلاً في فكره الميتافيزيقا وأشياء عديدة أخرى، أم أن الديالكتيك في فكره هو الديالكتيك فقط لا أكثر ولا أقل؟

ب- حسب القانون العام للحركة والتغيير تكون جميع الأفكار والأحكام الذهنية أيضاً في حركة وتغيّر، ولا يصبح لأيِّ فكرٍ قيمة دائمة . يقول إنجلز في كتاب "لودفيج فيورباخ":

"وبهذه الصورة يكفّ الإِنسان إِطلاقاً عن البحث عن طرقٍ للحلِ يقينيّة ويمسك عن طلب الحقائق الدائمة ويلتفت إلى الناحية المحدودة لكل لون من ألوان المعلومات، فهذه المعلومات تابعة لظروف معينة قد وجدت فيها".

وقد أثبتنا في المقالة الثالثة أن الأفكار والإِدراكات لا تتصف بالخصائص العامة للمادة، وفي مقدمة المقالة الرابعة والتعليقات المذكورة فيها أقمنا الأدلة الكافية على رأينا فيما يتعلق بموضوع:

هل الحقيقة مؤقتة أم دائمة؟ وموضوع: هل الحقيقة متحوِّلة ومتكاملة؟ (ليرجع من شاء إلى الترجمة العربية للجزء الأول من هذا الكتاب ص 175-180).

ونكتفي هنا بالقول: هل النظرية الفلسفية للماديّة الديالكتيكية وأُسسها المنطقية من الحقائق أم لا؟ وإذا كانت من الحقائق فهل هي دائمة تفسر عالم الوجود والقوانين الطبيعية دائماً أم لا؟

إنْ لم تكن من الحقائق أصلاً فما هي دعوى الماديّين حينئذٍ؟

وإن كانت من الحقائق فهل هي مؤقتة وذات قيمة محدودة؟ وحسب قانون التّكامل و "الثلاثي" المشهور: الأطروحة -الطباق- التركيب فإنها تتحول إلى ضدها فلماذا إذن كلّ هذا الضجيج، ولماذا يقول لينين:"لا يمكن أبداً تغيير أيِّ قسم من الأقسام الأساسية للفلسفة الماركسية المبنية بأكملها من الفولاذ"؟ وإن كانت هذه النظرية الفلسفية وأسسها المنطقية حقائق دائمة، إذن يثبت خطأ تلك النظرية القائلة أن كلَّ حقيقة فهي مؤقتة. 

وعلاوة على هذا فإن نفس هذا الحكم بأنَّ كلَّ حقيقة فهي مؤقتة أهو حقيقية أم لا؟ إنْ كان حقيقة فهل هذه الحقيقة مؤقتة أم دائمة؟ إنْ كانت دائمة إذن ليست كلّ الحقائق مؤقته بل ظفرنا بمورد استثناء، وإن كانت مؤقته إذن لا يمكن القول إنَّ جميع الحقائق مؤقته بشكل كليّ ودائم ومطلق. بل من لوازم هذه النظرية الإِنغماس في الشكّ المطلق والختم على الأفواه حتى لا تبدي رأياً بالنسبة لأيِّ شيء. وحتى حول الحقائق التاريخية أيضاً لا يمكن إبداء رأيٍ يقينيّ، لأن كلّ حقيقة تاريخية فهي فكره تحتل مكاناً في الذهن ومشمولة لقانون التغيّر والتّبدل، فمثلاً هذه الفكرة التي تتضمن أن ثورة اكتوبر قد تمّت عام 1917م هي حقيقة لفترة معينة ثم بعد ذلك تفقد قيمتها الحقيقية. بل حسب هذه النظرية القائلة بتغيير الفكر لا معنى حتى للحقيقة المؤقته لأنَّ أيَّ فكرةٍ لا يمكن أن تبقى لفترة معينة، فهي في حركة وتغيّر لا ينقطع، وأيّ شيءٍ في اللحظة الثانية ليس هو الذي كان في اللحظة الأولى.

والواقع هو أننا لو قلنا بالوجود المتغير المتحرك للفكر والإِدراكات لأصبحنا من المنكرين لإِمكانية العلم والقائلين بأن كلَّ شيءٍ هو مجهول لدينا، وكما قال المؤلف في المتن لا بدّ من الاعتقاد "بأن كلَّ شيءٍ مجهول، وحتى هذه القضية القائلة: كلًّ شيءٍ مجهول، بنفسها هي قضية مجهولة".

ومن هنا فقد توصّل الحكماء منذ أقدم الأزمنة إلى أن كيفية وجود الإِدراكات تختلف عن كيفية وجود الحركة والتغيير.

وقد تقدم لنا القول في التعليقة على هذه المقالة (ص 53 فيما بعد):

إن الوجود الماديّ المحتل للمكان والمتغيّر في الزمان يكون محتجباً عن نفسه، ونحن إذ ندرك الأشياء المكانية والزمانية، كلّ واحدٍ منها في مكانه ورتبته، فذلك بسبب أن إدراكاتنا لا تتميز بالأبعاد المكانية والزمانية، وحتى الحركة نفسها التي لا يجتمع أيّ جزءٍ مفروض منها مع الجزء المفروض الآخر في الزمان، فنحن نستطيع إدراكها لأنَّ فكرنا قادر على الإِحاطة في ظرفه بالجزء المتقدم والجزء المتأخر، الجزء الماضي والجزء اللاَّحق، ويستطيع أن يستوعبها في ظرفه بأجمعها كما هي موجودة في مكانها ورتبتها، ولو فرضنا أن الإِدراكات والأفكار لا تتمتع بالوجود المحيط والجامع فإنَّ الإِدراك عندئذٍ سيكون متعذراً.

وفي هذا المجال نجد من المناسب أن نحول دون الوقوع في اشتباه قد يتورط فيه البعض، فنحن لا نريد أن ندّعي -مثل بعض فلاسفة أوروبا- أن عملية الإِدراك تستلزم فرض الأشياء ساكنة، بل على العكس من ذلك فنظريتنا تتضمن أن الإِدراك الحقيقي لحركة الأشياء وتغيّرها لا يتيسر للذهن إلاَّ إذا كانت للذهن ناحية يتّصف فيها الثبات والإِحاطة والشمول.

ج- لا اختلاف بين الوجود والعدم، ولا بين الإِيجاب والسلب. فالشيء الواحد قد يكون موجوداً وهو في نفس الوقت معدوم.

والقضية الواحدة قد تكون صادقة وهي في نفس الوقت كاذبة، فلا اختلاف بين الصدق والكذب، ولا بين الصحيح والخطأ، ولا بين الإِيجاب والسلب. يقول جورج بوليتزر:

"يرى الميتافيزيقيون أن الموجودات وانعكاساتها في المخ والإِدراكات هي أمور منفصلة لا بدَّ من دراستها منفردة ومتعاقبة بشكل ثابت ومتجمد، بعيداً عن التغييرات، ويعتبرون الطباق (آنتي تز-ضد الحكم) بلا وساطة ومنفصلاًً عن الحكم، فهم إمَّا أن يقولوا: نعم، نعم- وإمَّا أن يقولوا: لا، لا، وغير هذا لا يجوز الإِيمان به، وحسب تصورهم فإنه لا بدَّ من اختيار أحد الطرفين: أمَّا الوجود وأمَّا العدم...".

ويقول إنجلز في كتاب "لودفيج فيورباخ":

"وكذا الإِنسان فإنه لم يعد يرهب التناقضات التي كانت علوم ما وراء الطبيعة تؤكد أنها قديمة وثابتة وترفض أيَّ تغيير، من قبيل: التضاد، الصحيح والخطأ، الخير والشر، الثابت والمتغير، الحتميّ والصدفة وغيرها، فنحن نعلم أن لهذه التناقضات قيمة نسبيّة، فما يعتبر اليوم صحيحاً له ناحية غير صحيحة مستترة وستظهر فيما بعد، وما يُعدُّ اليوم غير صحيح له ناحية صحيحة بسببها كان يعتبر في الماضي صحيحاً. وما نعتبره واجب الوقوع فهو مركّب من حوادث اتفاقية تماماً، وما نعدُّه صدفة فقد ركَّزنا على ظاهره فقط، ويختفي تحت هذا الظاهر الوجوب واللزوم".

إن الفلسفة الماديّة لّما كانت قائلة في الطبيعة بالنزاع بين الأضداد وتبديل الشيء إلى ضده، ومن ناحية فهي تعتبر الأفكار ماديّة صرفة، ومن ناحية أخرى لم تجعل أيّ فرق بين التضاد والتناقض، ولا بين الإِيجاب والسلب، وهي تنكر أصل امتناع التناقض في الأفكار، وهناك مشاكل أخرى ورطتها في طرق مسدودة (ليرجع من شاء إلى كتاب الترجمة العربية للجزء الأول من هذا الكتاب ص 257 فما بعد) كلّ هذه الأمور دفعت هذه الفلسفة لإِنكار هذا الأصل الفكري المسلّم من أساسه وادّعت أنه لا مانع من أن يكون شيء واحد صادقاً وكاذباً في نفس الوقت، صحيحاً وخطأ في وقت واحد.

وقد أوضحنا من قبل أن غضّ النظر عن أصل امتناع التناقض يهدم أساس جميع العلوم. فكما قلنا أن القانون العلميّ للذهن البشري يغني اتِّجاه الذهن إلى قضية خاصة والأعراض عن الطرف المقابل لها، فأنتم الذين تصوغون في أفكاركم نظرية فلسفية وتدّعون أن الوجود يساوي المادة لا بدَّ أن تكونوا متَّجهين في أذهانكم إلى هذه القضية ومعرضين عن القضية المقابلة لها وهي أن الوجود ليس مساوياً للمادة، وكذا الحال في مورد كلّ واحد من أصول الديالكتيك الأربعة التي قبلتموها لا بدَّ أن تكونوا معرضين عن النقاط المقابلة لها، إذن أنتم بأنفسكم قد قلتم: نعم، نعم لنظريتكم الفلسفية وأُسسها المنطقية، وقلتم: لا، لا للنظرية الفلسفية الميتافيزيقية وأُسسها المنطقية.

ونذكر مثالاً من العلوم: فنحن في الرياضيات نبذل جهدنا لنقيم برهاناً على مسألة ونثبت نتيجة معينة، ومن المؤكد أن الذهن يقبل تلك النتيجة ويعرض عن النقطة المقابلة لها وذلك لأنه لا يرى تلك النتيجة قابلة للجمع مع النقطة المقابلة لها، وكما قال المؤلف في المتن:

"كيف يتصور أن يقام برهان على نظرية من النظريات ويتم إثبات نتيجة معينة، ثم في نفس الوقت لا يضرّ بذلك البرهان القيام بتكذيب تلك النتيجة؟!".

كانت هذه هي الأصول الثلاثة الديالكتيكية في مورد الأفكار والإِدراكات، وتشكّل هذه الأصول الثلاثة النقطة المقابلة تماماً للأًصول الثلاثة التي تؤمن بها سائر الأنظمة الفلسفيّة ولا سيّما الميتافيزيقية، فالميتافيزيقية تؤمن في مورد الأفكار بثلاثة أصول هي: العينيّة-الثبات-امتناع التناقض، وقد عرف القارئ الكريم أن إمكانية المعرفة متوقفة على هذه الأصول الثلاثة التي تعلنها الميتافيزيقية، وعلى فرض إنكار أيّ واحد منها فإن حصول العلم يصبح متعذراً.

والمطَّلعون على الفلسفة وتاريخها يعلمون أن السوفسطائية ليست شيئاً سوى إنكار إمكانية العلم، وقد اكتفى السوفسطائيون القدماء بإنكار أصل امتناع التناقض لتهديم إمكانية العلم، ولكنّ المادّيين أضافوا شيئين آخرين يكفي كلَّ واحد منهما -إذا تم قبوله- لنفي إمكانية العلم. والعجيب هو أن لهؤلاء السادة -في نفس الوقت- نظرية فلسفية وأسساً منطقية وهم يدعون اليقين بشأنها، بينما السوفسطائيون قد التفتوا إلى أنهم بإنكارهم لأصل امتناع التناقض لا بدَّ أن يغضّوا النظر عن أيَّ نظرية فلسفية وعن أيِّ أُسس منطقية يقينية!!

والأعجب من هذا كلّه هو أن هؤلاء السادة يعتبرون أنفسهم حماة العلم والتابعين له والذابّين عنه!!!) : أن جميع النظريات السابقة المستنتجة 

[161]

 من البيان الماضي والتي تشكّل الأساس للمنطق الجامد يقوم منطقها على أساس هذه الأصول الثلاثة:

1-أصل العينيّة، أي أن كلَّ شيءٍ هو بنفسه عين ذاته.

[162]

2-أصل الثبات، أي أن كلَّ شيءٍ في اللحظة الثانية هو نفسه الذي كان في اللحظة الأولى.

3-أصل امتناع اجتماع الضدين، أي أنَّ الوجود والعدم لا يجتمعان في مكانٍ واحد.

(لقد بدّلوا اجتماع النقيضين -الذي هو عبارة عن اجتماع الصدق والكذب، أو اجتماع السلب والإِيجاب من جهة واحدة حقيقية- إلى المتناقضين ثم بدَّلوه إلى الضدين، وقد وسّعوا معنى الوجود والعدم من معنى الإِيجاب والسلب ليشمل مورد القوة والفعل ثم عبّروا بهذا التعبير وقاموا بهذا التفسير).

ولكنه بعد أن أحرز العلم الحديث تقدمه الهائل وصاغ قانون التَّحول والتَّكامل العام وأُسّس نظام: الاطروحة "تز"، الطباق "آنتي تز"، التركيب "سنتز" (الوجود- العدم- الصيروة) فإنه لم يبق أيَّ أساس تقوم عليه الأصول الثلاثة السابقة الذكر للميتافيزيقية ومنطقها فسقطت عن الاعتبار، وذلك لأنه حسب النظام المذكور يكون كلّ موجود متمتعاً بواقعه ووجوده، وهو الذي يحفظ له وضعه الفعلي، ولّما كان في تبدلٍ مستمرٍ فإنه يرافق عدمه ونفيه وينمّيه، ومن مجموع الوجود والعدم يظهر موجود آخر، وفي نفس الوقت الذي تتعلق فيه هذه المراتب الثلاثة (الوجود والعدم والصيرورة) بالمراحل الثلاثة المترتبة لهذا الموجود فإننا إذا بدأنا من المرحلة الثانية له (العدم). فإنها تنطبق عليه أيضاً، أي أنَّ "العدم" يصبح "وجوداً"، و "الصيرورة" تصبح "عدماً"، والوجود اللاَّحق الآتي من تبدل "الصيرورة" يصبح "صيرورة" وهكذا دواليك...

وبهذه الصورة لا يبقى مجال لأصل الثبات والعينيّة وامتناع اجتماع

[163]

 الضدين. ويهاجم العلماء المادّيون -اعتماداً على هذه النظرية وبعد هذا البيان المجمل- البديهيّات والنظريات التي تمَّ إثباتها في أبواب المنطق المختلفة ويبطلونها ببيانات نابعة من هذا البيان، فيقولون مثلاً بالنسبة للحدِّ: إن الحدَّ الذي يقول به المنطق الميتافيزيقي هو مجموعة أجزاء ماهيّة الشيء، ولا يكون هذا الأمر صحيحاً إلاَّ إذا كانت للشيء ماهيّة منفصلة عن بقية الماهيّات، والحال أنه ليس كذلك، ولا يكون صحيحاً إلاَّ إذا كانت ماهيّة الشيء ثابتة على حالة واحدة، والحقيقة أنه ليس كذلك، ولا يكون صحيحاً إلاّ إذا لم يكن مع الشيء ضده، والواقع أنه ليس كذلك.

ويقولون مثلاً بالنسبة للشكل الأول من القياس الاقتراني:

في هذا المثال المعروف: كلّ إنسان حيوان -وكلّ حيوان حسّاس- إذن كلّ إنسان حسّاس، لا يعطي هذا الشكل هذه النتيجة، ولا يكون الإِنسان حسّاساً إلاّ إذا كانت للإِنسان ماهيّة مستقلة عن الماهيّات الأُخرى، بحيث يبقى الإِنسان إنساناً ولا يصبح غير إنسان، بينما الواقع ليس كذلك. وفي غير هذين الموردين قد أوردوا إشكالات تشبه حديثهم فيهما، ومن الواضح أنَّ هذه جميعاً ناشئة من نفي الديالكتيك للأصول الثلاثة المذكورة.

الجواب

نحن الآن لا نتناول في حديثنا النظام الثلاثي:

(الأطروحة-الطباق-التركيب) بشكل أساسي، ونترك الشرح الكامل لأجزاء هذه النظرية الحديثة -بعون الله- إلى مقالة قادمة عنوانها "القوة والفعل".

فنحن سوف نوضّح هناك -ضمن شرحنا لمعنى الحركة العامة- إن 

[164]

 هذا الموضوع هو عين ذلك التفسير الذي قدّمه الفلاسفة منذ أقدم العصور موضحين فيه حقيقة مطلق الحركة بأنها:

"كمال أول لما بالقوة من حيث إنه القوة"، أو "اتّحاد القوة والفعل في الحركة". والفرق بين هذين البيانين هو أن فلاسفة الماديّة التَّحولية قد بيّنوا موضوعاً ناضجاً ببيان ساذج فجٍّ قاصر.

أجل إن القصة الطويلة لـ"الأطروحة-الطباق-التركيب" يمكن اختصارها في هذه الجملة القصيرة:"اتحاد القوة والفعل في الحركة". والسبل البعيدة الممتدة التي سلكها الفلاسفة الماديّون في هذا الوادي والتحف الطازجة التي يعودون بها في كلّ مرة ويعرضونها للنظارة على المسرح، إنما هي متضادة ومتناقضة فيما بينها إلى مدى عجيب بحيث يكونون في الواقع قد صاغوا نظاماً من اللاّنظام.

ولئلا نبتعد عن مجرى الحديث الخاص في هذه المقالة ولنبيّن النتيجة المنطقية لهذا الكلام ونوضّح بعض الملاحظات حول الأصول الثلاثة المذكورة (العينيّة-الثبات-استحالة اجتماع الضدين) التي ينكرها الديالكتيكيون والتي قد اتَّضحت إلى حدٍّ ما من المقالات السابقة فإننا نذكِّر بهذه النقاط:

أولاً: إن ما يقوله العالم الماديّ من انتفاء العينيّة صحيح، ولكنَّ هذا الأمر يجري في مجال المادة الخارجية وتركيباتها، لا في مجال العلم والإِدراك، لأننا قد أثبتنا في المقالة الثالثة (العلم والإِدراك) إن العلم والإِدراك لا يتميزان بصفة التَّحول الماديّ، وأي صورة إدراكية فهي منفصلة تماماً عن أيِّ صورة إدراكية أخرى، وطبيعتنا المنتجة للعلم والمولِّدة للأفكار شاهد صادق على ما نقول، ومن الواضح أن العالم الديالكتيكي

[165]

أيضاً يتمتع بهذه الطبيعة، وضميره العلمي ليس مستعداً أبداً لقبول مضمون حديثه، وذلك لأنه خلال هذا البيان والتخاطب يحبّ من أعماق نفسه أن يوصل إلينا (نحن المخاطبين) عين مقصوده دون غيره، أنه يتمنى أن نعترف بصحة نفس مقصوده لا سواه، وضميره يشهد بأن الموضوع الذي يشرحه اليوم هو نفس ما فهمه بالأمس، وهو نفسه الذي كان قبل الأمس من المجهولات إن العينية ملازمة للمفاهيم بشكل عام بحيث يكون حتى سلب العينيّة أيضاً بنفسه مستلزماً لإِثبات العينيّة (يحسن التأمل في هذا المجال).

وثانياً: إن إنكار الديالكتيكيين للثبات صحيح في المادة -كما قلنا ذلك في العينيّة- وليس صحيحاً في الصورة العلمية التصورية أو التّصديقية.

حقّاً إن هؤلاء ماذا يتخيلون بالنسبة للقضايا التاريخية المتصرّمة وتاريخ حيّاة الماضين والمتقدمين علينا؟ أيكون كلّ شيءٍ مجهولاً للإِنسان؟ وحتى هذه القضية مجهولة لديه أيضاً؟

أيكون كلّ شيءٍ في إدراك الإِنسان نسبيّاً ومتغيّراً، حتى هذا الشيء؟

لعلّنا نفكر بالطريقة الميتافيزيقية ولا نفهم ما يقولون! (كما يدّعون هم)، ولكن ماذا يقولون بالنسبة لهذا الفرض:

ألم توجد أفكار تتّصف بالعينيّة والثبات؟

وإذا كانت قد وجدت فهل يعقل أن تكون فئة من الأفكار تتّصف بالعينيّة والثبات وفئة أخرى فاقدة لهما؟!

أي أن الفكر يوجد تارة مع أوصاف المادة وتارة أخرى بدونها؟!!

[166]

أي أن الفكر الذي هو ماديّ، أحياناً يكون مادّياً وأحياناً لا يكون مادّياً (وهذا التناقض مستحيل ولكن هؤلاء العلماء يصرِّحون بجواز اجتماع المتناقضين!!).

وثالثاً: إن اجتماع النقيضين (الذي يُعبَّر عنه غالباً باجتماع الضدين عند الديالكتيكيين) مستحيل في المادة وفي الإِدراك، ومن الواضح جداً أننا لو فرضنا الشكّ في أيّة قضية بديهيّة (كما قلنا أن حصول العلم بأيّ بديهيّ متوقف على قضية استحالة ارتفاع واجتماع النقيضين، ومع فرض عدم هذه القضية فإنه لن يستقر علم) فإنه لا يمكن الشكّ إطلاقاً في حكم النقيضين، وفطرة أيّ إنسان -وحتى علماء الماديّة التَّحولية- ترفض بطلان هذا الحكم، وكلّ هذه المحاولات التي يبذلها الديالكتيكيون لنفي هذا الحكم والأمثلة التي يذكرونها لإِثبات صحة دعواهم والتعبيرات المختلفة في هذا المجال (من قبيل الوجود والعدم -بالقوة وبالفعل- الأطروحة، الطباق، التركيب-الضدان والمتغايران والمتنافيان) كلّها تدل على أنهم قد تورّطوا في خلط عجيب فوضعوا شيئاً آخر مكان النقيضين، وبذلك فقد خرجوا من محل النزاع ووجهوا سهامهم إلى غير الهدف المقصود، وإلاَّ فإنهم ليسوا مستعدين على الإِطلاق أن يوافقوا على أنَّ حكماً مّا صادق مئة بالمئة وكاذب أيضاً مئة بالمئة، وهو ليس صادقاً ولا كاذباً.

أجل إن العلماء الديالكتيكيين يقولون: إن أسلوب التفكير الميتافيزيقي -الذي هو تفكير مطلق- هو الذي يخلق هذه المشاكل، أمّا أسلوب التفكير الديالكتيكي فهو "نسبيّ"، ويتّفق معه الخارج الماديّ، لأنه في الخارج الماديّ ليس لدينا إثبات مطلق ولا نفيّ مطلق، إذن أي إثبات في الخارج قابل للجميع مع السلب.

[167]

ولكننا نقول:

أولاً: إن هذا اعتراف صريح بصحّة حكم النقيضين حتى في الخارج، لأن الحكم الذي يثبتونه في الخارج (وهو أن التفكير نسبيّ ومتّفق مع الخارج الماديّ) لا يقبلون أبداً أن يصبح كاذباً وينفى من الخارج.

ثانياً: إن أسلوب التفكير الديالكتيكي نفسه أسلوب مطلق، لأن هؤلاء العلماء لا يرضون أن يقال لهم: كلّ هذه الجهود التي بذلتموها ذهبت أدراج الرياح، واستدلالكم فارغ وكاذب، إذن لا بدَّ أن يكون هذا الاستدلال صحيحاً باعتقادهم، وهذا هو تفكير مطلق قد حلّ في عقولهم، ومن حسن الحظ أنه تفكير على الطريقة الديالكتيكية، إذن التفكير بالأُسلوب الديالكتيكي أيضاً كان مطلقاً وليس نسبيّاً.

بل كيف يتصوّر أن يُقام برهان على نظرية من النظريات ويتمّ إثبات نتيجة معينة، ثم في نفس الوقت لا يضرّ بذلك البرهان القيام بتكذيب تلك النتيجة؟!

إشكال

لو فرضنا أن جميع الأحاديث الماضية مع أُسسها الاستدلالية المذكورة ضمن المقالات الثالثة والرابعة والخامسة صحيحة، فإنه لا يمكن إنكار هذه الحقيقة وهي أن جميع العلوم والإِدراكات أو أغلبها مأخوذة من واقع المادة الخارجية، إذن تكون المادة على أيِّ تقدير مؤثرة في ولادتها، ولا يعقل أن يكون هناك موجود متحوّل متكامل مع أنه يوجد شيئاً ثابتاً غير متغيّر. ومن هنا فإنه لا مفرّ من الإِعتراف بوجود التّحول في العلوم والإِدراكات، وبناء على هذا يصبح حديث الديالكتيك صحيحاً في وصفة للعلوم والإِدراكات وفي الأُسلوب الذي اتَّخذه في هذا المضمار.

[168]

الجواب

إن ما تقتضيه الأصول المبرهنة الماضية هو أنه مع فرض عدم كون العلوم والإِدراكات ماديّة لا يمكن الحديث عن الولادة الطبيعية، ومن الطبيعي عندئذ أن تنعدم التبعيّة في الحكم بين المادة والإِدراكات، وأما فيما يتعلق بما تستنتجه الدراسات الفلسفية في مورد النسبة الوجوديّة بين الموجودات غير الماديّة فمع حفظ موافقة ذلك في مورد الإِدراكات لا بدَّ من القول إن الإِنسان عند حصول الإِدراكات توجد فيه مجموعة من الآثار الماديّة في ظل ظروف خاصة فتوجد هذه الظواهر غير الماديّة الي تتميز بمطابقة خاصة مع المادة، سوى أن المادة دائماً ناقصة متحوِّلة، وأما تلك الظواهر غير الماديّة فهي تامة ثابتة.

أمّا ما ورد ضمن حديثنا عن هذه الظواهر من ذكر لـ"التّوالد" و"الاستنتاج" و"التّكوّن" فهو من آثار جوّ البحث، وما ألفه الإِنسان من التّعامل مع المادة والماديّات، وهو من باب التّجوّز والتسامح.

إشكال

إن التجارب المتعاقبة تُثبت لنا أن البيئة التي يعيش فيها الإِنسان تساهم في تكوين أفكاره، ومن الواضح أن اختلاف المعلومات والأفكار تابع لاختلاف المنطقة والبيئة التي يقطنها الإِنسان، ويحدث هذا حتى بالنسبة للإِنسان الواحد إذا عاش في زمانين وتعرّض لبيئتين، ونحن نستطيع أيضاً أن نُوجِد في الناس أفكاراً مختلفة إذا ما وفّرنا لهم ألواناً مختلفة من التربية، إذن الحقائق العلمية مخلوقاتنا وهي تابعة لنا، وليس لها ثبات لا يقبل التغيير.

[169]

الجواب

إن الوصف المذكور (التغيير) خاص بجموعة معينة من المعلومات والإِدراكات، وهي التي يكون مطابقها الخارجي من الأمور الاجتماعية التي نحن نوجدها، ومن المؤكَّد أن هذه الإِدراكات الخاصة سوف تتغير بالتغييرات التي ندخلها نحن على ظروفنا الاجتماعية.

أمّا مجموعة الإِدراكات التي يكون مطابقها خارج مجال المجتمع، وهي تتّصف بالوجود والتَّحقق مع فرض وجود الإِنسان أو عدمه ومع فرض وجود أيِّ حيٍّ اجتماعي أو عدمه، أي أن وجود الحيوان المدرك وعدمه لا يؤثر في واقعيتها، فإن اختلاف بيئة الحياة والتربية والتَّلقين لا يؤدي إلى اختلافها.

إن التَّوضيح الكامل لهذا الموضوع بشكل مفصّل يحتاج إلى دراسة لمواد العلوم والإِدراكات بأسلوب آخر أحدث وأجدّ، بحيث نتناول بالبحث والتّحقق العلوم والإِدراكات الحقيقية والإِعتبارية، ونوضِّح كيفية مطابقتها لخارجها وما لها من خواص أخرى، ولهذا نرى أن ننهي هذه المقالة عند هذا الحدِّ لنبدأ مقالة أخرى تنهض بهذه المهمة.

[171]

قائمة بالمسائل التي أثبتنا صحتها

في هذه المقالة:

1-لكل علمٍ حصوليِّ في مورده علمٍ حضوريّ.

2-إنَّ لكلِّ واحدٍ منّا علماً حضوريّاً بنفسه وقواه وأفعاله الإِدراكية، وكذا له علم حضوريّ بنحو من الأنحاء بمحسوساته الأوّلية، وكلّ علمٍ حصوليّ فهو نابع من هذه العلوم الحضوريّة.

3-تنقسم العلوم والإِدراكات إلى التصوّرات والتّصديقات، وتنقسم التصورات إلى قسمين: الماهيّات والاعتبارات.

4-نحن نطّلع على كنه المعلوم في مورد الماهيّات.

5-تعلم المفاهيم الاعتبارية بعد الماهيّات.

6-نحن نحصل على المفاهيم الاعتبارية في البدء بوساطة النسبة، ثم بعد ذلك بشكل مستقل، وفي جميع هذه الموارد تكون حكايتها عن الخارج بالعرض.

7-إن كمية كبيرة من التَّصورات تكون قضايا في الحقيقة، والعكس أيضاً صحيح.

8-كما أن الانقسام إلى الحقيقة والاعتبار موجود في التصور فهو موجود أيضاً في الـتَّصديق.

[172]

9-المفاهيم كثرة وانقسام آخر وهو الحاصل عن طريق البساطة والتركب.

10-لابدَّ من معرفة الماهيّات عن طريق التَّحديد المنطقي.

11-للعلوم والإِدراكات كثرة أخرى بوساطة الانقسام إلى البديهي والنظري.

12-إن أيَّ معلومٍ تصديقي نفرضه فهو إمَّا أن يكون بنفسه بديهيّـاً وإمَّا أن ينتهي إلى بديهيّ.

13-إنَّ أيَّ معلومٍ نظريّ يوجد من تأليف البديهيات أو النظريّات المنتهية إلى البديهيّات أو المختلطة منهما.

14-الفرق بين البديهيّ والفرضيّة.

15-إنَّ احتياج النظري إلى البديهيّ يختلف عن سنخ احتياج أي قضية لحكم النقيضين. وجميع المعلومات محتاجة إلى حكم النقيضين.

16-كما أن مواد التّصديقات المنتجة مؤثِّرة في النتيجة فكذا هيئة المقدمات.

17-إنَّ الهيئة-مثل المادة-تنقسم أيضاً إلى البديهيّة والنظريّة.

18-إنَّ النسبة بين المعلوم الخارجي والصورة العلمية ليست هي نسبة الولادة.

[173]

 

المقالة السادسة

الإدراكات الاعتبارية

 

[175]

مقدمة صاحب التعليقة

إن الموضوع الذي نطرحه في هذه المقالة يتعلق أيضاً بعالم الذهن والإِدراكات. فما ندرسه في هذه المقالة ونحلَّله هو قسم من الإِدراكات المسمى باصطلاح هذه المجموعة عن المقالات باسم "الإدراكات الاعتبارية".

فالإِدراكات الاعتبارية في مقابل الإِدراكات الحقيقية. والإِدراكات الحقيقية هي انكشافات وانعكاسات ذهنية للواقع ونفس الأمر، وما بينّاه في المقالة الخامسة من أقسام التّصورات والتَّصديقات وكيفية وجودها في الذهن كان متعلقاً بالإِدراكات الحقيقية. وأمَّا الإِدراكات الاعتبارية فهي فروض صاغها الذهن لتأمين احتياجات الحياة، وهي تـتّصف بالوضعيّة والاتفاقية والاعتبارية ولا علاقة لها بالواقع ونفس الأمر. ويُستفاد من الإِدراكات الحقيقية في البراهين الفلسفيّة أو العلمية- الطبيعية أو الرياضية-ويمكن الاستنتاج منها نتيجة فلسفية أو علمية، وكذا نستطيع الظفر بإدراك حقيقي من برهان فلسفيّ أو علميّ، ولكنه في مورد الاعتبارات لا يمكن الحصول على مثل هذه الفائدة. وبعبارة أُخرى فإن للإِدراكات الحقيقية قيمة منطقيّة، وليس للإِدراكات الاعتبارية قيمة منطقيّة.

ولا تكون الإِدراكات الحقيقية تابعة لاحتياجات الموجود الحيّ

[176]

الطبيعية ولا لعوامل بيئة حياته الخاصة، وهي لا تتغير بتغيّر الاحتياجات الطبيعية أو عوامل البيئة، أما الإِدراكات الاعتبارية فهي تابعة لاحتياجات الحياة وعوامل البيئة الخاصة، وهي تتغيّر بتغيّرها. والإِدراكات الحقيقية ليست قابلة للتطور والنشوء والارتقاء، أما الإِدراكات الاعتبارية فهي تقطع طريق التّكامل والنشوء والارتقاء. وتكون الإِدراكات الحقيقية مطلقة ودائمة وضرورية، لكن الإِدراكات الاعتبارية نسبيّة ومؤقتة وغير ضرورية.

ونواجه في هذا المجال موضوعاً مهمّاً وهو: وهو لدينا-حقيقة- لونان من الإِدراكات: أحدهما: حقيقيّ ومطلق وثابت ومتحرر من الاحتياجات الطبيعية وعوامل البيئة، والآخرة فرضيّ ونسبيّ ومتطور وتابع للإحتياجات الطبيعية وعوامل البيئة؟

وإذا كان الواقع كذلك فهل تكون ميّزات ومشخّصات كلّ قسم منها منفصلة عن ميزات ومشخصّات القسم الآخر؟

إنَّ التَّمييز والتَّفكيك بين الإدراكات الحقيقية والإِدراكات الاعتبارية لازم وضروريّ جداً، وعدم التَّمييز بينهما مضرٌّ وخطير جداً، وعدم التمييز هذا هو الذين أورد كثيراً من العلماء المهالك، فقاس بعضهم الإِعتبارات على الحائق، واستعملوا الأسلوب العقلي المختص بالحقائق في الإِعتبارات، والبعض الآخر سار بعكس هذا فأخذ نتيجة دراسته في مورد الإِعتبارات وعمّمها لتشمل الحقائق، فظنَّ أنَّ الحقائق- مثل الإِعتبارات- مفاهيم نسبيّة متغيّرة للاحتياجات الطبيعية.

*******

في أواخر المقالة الخامسة-عندما كنّا نتحدث عن أصل الثبات-

[177]

قلنا: إن الإِدراكات ليس لها صفة التغيير، وذكر المؤلف في متن تلك المقالة ص176 إشكالاً نعيد ذكر نصه:

"إن التجارب المتعاقبة تثبت لنا أن البيئة التي يعيش فيها الإِنسان تساهم في تكوين أفكاره، ومن الواضح أن اختلاف المعلومات والأفكار تابع لاختلاف المنطقة والبيئة التي يقطنها الإِنسان، ويحدث هذا حتى بالنسبة للإِنسان الواحد إذا عاش في زمانين وتعرّض لبيئتين، ونحن نستطيع أيضاً أن نوجد في الناس أفكاراً مختلفة إذا ما وفّرنا لهم ألواناً مختلفة من التربية، إذن الحقائق العلمية مخلوقاتنا وهي تابعة لنا، وليس لها لا يقبل التغيير".

وقلنا في التعليقة المذكورة هناك (ص143 فما بعد) عند الحديث عن اختلاف وجهة نظر المنطق التَّعقلي عن المنطق التَّجريبي في باب "الأُسس والمبادئ العقلية العامة".

إن بعض الفلاسفة وعلماء النفس المحدثين يعتبرون ظهور هذه الأُسس والمبادئ العقلية- أي تلك التَّصديقات التي يطلق عليها المنطق العقلي اسم "البديهيات الأوَّلية التَّصديقية"-معلولاً للعوامل الحيوية أو الاجتماعية.

وتتَّفق نظرية هؤلاء العلماء مع نظرية المنطق العقلي في القول بأن الأصول العقلية ليست وليدة التجربة، وبهذا فإنهما تردان المنطق التجريبي، ولكن نظريتهم تخالف المنطق العقلي من ناحية القول بالثبات وعدم التَّغيير، وذلك لأن نظريتهم تدَّعي أن هذه الأُسس متناسبة دائماً وتابعة لبيئة الإِنسان الطبيعية أو الإجتماعية، وبتغيّر البيئة الطبيعية أو الإجتماعية فإنها تتغير وتتبدل قطعاً، أما نظرية العقليين فإنها تصرّح بأن

[178]

العقل والأُسس العقلية ليست تابعة للبيئة، وهي لا تتغير بتغيّرها.

وتعتمد نظرية هؤلاء على دراسات ومشاهدات قام بها عدد من العلماء لفهم الأجواء الروحية السائدة عند الأمم والطوائف المختلفة. وقد انتهت بهم دراساتهم إاى نتيجتين:

الأولى: إنَّ هذه الأُسس العقلية ليست على نمط واحد عند جميع الناس.

الثانية: إنها لا تتمتع بوضع ثابت لا يتغير، بل هي مرتبطة باحتياجاتهم ومقتضيات حياتهم، ولذا فهي تتغير عندما تتغير تلك الاحتياجات.

وحسب هذه النظرية تصبح جميع الأُسس والمبادئ العقلية من الأحكام الوضعية (الأصول الموضوعة) التي يضعها الإِنسان من أجل أن يتمَّ الإِنسجام بينه وبين بيئة حياته، فإذا تغيَّرت تلك البيئة وظهرت احتياجات جديدة فإن الذهن يضطر لإِهمال تلك الأصول ووضع أصول أخرى تتناسب مع الاحتياجات الجديدة. وبناء على هذا تكون هناك علاقة خاصة بين العقل وإدراكاته من جهة، واحتياجات الحياة والعوامل الطبيعية والاجتماعية- المولّدة لتلك الاحتياجات- من جهة أخرى، وهذه العلاقة هي من ألوان علاقة التابع والمتبوع.

ولكي نستوعب هذه النظرية ونفهم الأمور التي سوف تجيء في هذه المقالة بدقة لا بدَّ لنا من الإِشارة إلى أصلين من أصول علم الأحياء، وهما مورد قبول أهل الفن، وهذه النظرية مبنيّة على أساسهما:

1-أصل بذل الجهد من أجل الحياة:

قد انتهى علماء الأحياء في دراساتهم إلى هذه النتيجة وهي أن الموجود الحيِّ في محاولة دائمة. وتنصب هذه المحاولة الدائمة على جلب

[179]

النفع والفرار من الضرر المتَّجه إليه. فكلّ محاولة ونشاط يصدر من الموجود الحيّ فإنه يكمن فيه هدف ومقصود، والهدف هو جلب منفعة من المنافع أو دفع ضرر أو خطر يهدَّد حياته، وبناء على هذا يكون محور جميع نشاطات الموجود الحيّ استمرار حياته أو تكميلها.

ويسمى هذا الأصل- الذي هو أصل بذل الجهد من أجل استمرار الحياة أو تكميلها- أحياناً باسم أصل بذل الجهد من أجل البقاء وهو أحد الأصول التي اعتمد عليها (دارون) في نظريّته المشهورة بتبدّل الأنواع وتكاملها(Transformisme).

ولهذه المقالة بيان خاص لهذا الأصل سوف يأتي خلال المقالة نفسها.

2-أصل التكيّف مع البيئة:

إن الموجود الحيّ خلال محاولاته من أجل الحياة مضطر لإعداد نفسه حتى يستطيع الاستمرار في الحياة في البيئة التي يعيش فيها، ولا شكّ أن العوامل الطبيعية وشروط استمرار الحياة ليست متَّحدة في كلَّ مكان بل هي مختلفة ومتفاوته.

وهذا الاختلاف في شروط استمرار الحياة يؤدِّي حتماً إلى اختلاف الاحتياجات الحيويّة للموجود الحيّ، أي أنَّ استمرار الحياة في كلِّ بيئةٍ يتطلب تزويد الموجود الحيّ بالوسائل والمستلزمات الخاصة التي ترفع الاحتياجات المعينة لتلك البيئة.

وقد توصل المتخصصون في علم الأحياء ولا سيّما علماء الحيوان في دراساتهم إلى هذه الملاحظة: وهي أنه كلّما حصل تغيير في البيئة وتغيرت الاحتياجات في وضع الأجهزة الوجوديّة للكائن الحيّ إن هناك تغييرات تحصل بحيث تتناسب مع البيئة والاحتياجات الجديدة. وتقع هذه

[180]

التغييرات الوجودية أحياناً بذاتها وبصورة مخفيّة عن وعي الكائن الحيّ، وأحياناً أخرى تكون بصورة ظاهرة، أي أن الموجود الحيّ يوجد هذه التغييرات أحياناً عن علمٍ ووعي وإرادة، وأحياناً أخرى تظهر هذه التغييرات والاستعدادات من دون أن يلتفت إليها. مثلاً لو صعدنا بإنسان إلى إرتفاع شاهق في الجو فإن عدد الكريات الحمر في الدم يزداد بشكل طبيعي حتى يستطيع الاستفادة من غاز الأوكسجين- الذي يقل في ذلك المستوى من الارتفاع- بصورة كافية، وتوجد هذه الظاهرة في النباتات كثيراً أو قليلاً.

ويسمّى هذا الأصل بأصل التكيّف مع البيئة. ويفسّركثير من المتخصّصين في علم الحيوان ظهور أعضاء أجسام الحيوانات والجوارح والأجهزة العجيبة الموجودة فيها حسب هذا الأصل.

فعلماء الحيوان لا يشكّون في أن التركيب الوجوديّ للكائن الحيّ منسجم مع احتياجاته، ولا يترددون في أن تغيير الاحتياجات يؤدِّي إلى تغيير في تركيبه الوجوديّ من حيث الاستعدادات الحيويّة، ويكون تغيير الاستعدادات متناسباً دائماً مع تأمين الحاجات الحيويّة بحيث يؤمّن له مستلزمات استمرار حياته، وقد التفت العلماء منذ الأزمان الغابرة- بشكل مفصل أو مختصر- إلى هذا الموضوع، فقد أشار ابن سينا في أحاديثه إلى هذا الأمر- ولكن يختلفون في تعيين العلّة الحقيقية لهذه التغييرات الحاصلة في التركيب الوجوديّ للكائن الحيّ، ولا يتّفقون على تعيين مداها، ولا على أنَّ الموجود الحيّ إلى أيَّ حدٍّ له القدرة على النشاط ليتأقلم مع بيئته فتستمر حياته. فبعض يقول: إنَّ سبب هذه التغييرات هي العوامل الطبيعية للبيئة، وبعض يدَّعي أنَّ الاحتياج نفسه هو الموجود لها، وبعض يزعم أنَّ سبب هذه التغييرات والاستعدادات هي قوة الحياة التي نعبّر عنها

[181]

بالنفس النامية (في النباتات) والنفس الحيوانية (في الحيوانات)، وبعض ينسب هذه التغييرات مباشرة إلى علل ما وراء الطبيعة، والقدر المتيقن هو أن العلم لم يستطع لحدِّ الآن معرفة العلَّة الواقعية لهذه التغييرات، وكلّ ما قيل إنما هو من قبيل النظريات الفلسفية التي لا بدَّ من معرفة صحّتها أو سقمها بالأدلة الفلسفية.

ونحن لا نستطيع في هذا المجال أن نتخلى عن موضوعنا لنتفرغ لهذا الموضوع، لذلك نتركه إلى فرصة أخرى، والذي يتعلق  بموضوعنا هو أن هناك أصلاً مسيطراً على وجود الكائن الحيّ  يسمى بأصل التّكيف مع البيئة، ونسمّيه نحن بأصل الإِنسجام مع الاحتياجات ليصبح ذا معنىً أعمّ، ويكون هذا الإِنسجام أحياناً مخفيّاً عن الشعور والوعي، وأحياناً أخرى ظاهراً، ويسيطر هذا الأصل على الأمور الجسمية وعلى الشؤون النفسيّة، أي أنَّ جميع أجهزة البدن المختلفة والإِحساسات القلبية والملكات الأخلاقية والعواطف والرغبات الباطية خاضعة لهذا الأصل، وها هنا نواجه موضوعاً مهمّاً جداً لم يسبق إليه، ويتعلق بالمنطق والفلسفة إلى حدٍّ بعيد وهو  عبارة عن: "علاقة العقل والإِدراكات العقلية بأصل الإِنسجام مع البيئة"، أي كما أن الأمور الجسميّة والنفسيّة للكائن الحيّ تتناسب دائماً مع البيئة والاحتياجات الحيويّة- حسب أصل الإِنسجام مع الاحتياجات- وهي تتغير بتغيّر تلك البيئة وهذه الاحتياجات، أيكون العقل والإِدراكات العقلية- ولا سيّما الأُسس والمبادئ العقلية المسمّاة بالبديهيّات الأوّلية التي أثبتنا في المقالة الخامسة أنها "المعايير" الأصلية للفكر البشري من الناحية المنطقية وقد بُنيت عليها أُسس الأفكار الفلسفية والعلمية (الرياضيّة والطبيعيّة)- تابعاً للأصل العام بالإِنسجام مع البيئة، فتكون كلّ بيئة مُوجِدة لعقل خاص وأُسس عقلية معينة، ويكون العامل

 

 

 

[182]

أو العوامل التي تودِّي في سار أقسام التركيب الوجوديّ للكائن الحيّ إلى وجود استعدادات متناسبة مع احتياجاته، وبتغيّر الاحتياجات تتغير تلك الاستعدادات مسيطرة أيضاً على النشاطات العقلية أم لا؟

وبعبارة أخرى: أنَّ لدينا في الوقت الراهن مجموعة من الأُسس والمبادئ العقلية، وقد أشدنا عليها الفلسفة والمنطق والعلوم الرياضيّة والطبيعيّة، فهل تكون هذه الأُسس خاضعة لأصل الإِنسجام مع البيئة ويكون الذهن قد وضعها وفرضها متأثراً بعامل أو عوامل التّكيف، وبتغيّر أوضاع البيئة الطبيعية أو الاجتماعية وتغيّر الاحتياجات فإن هذه الأصول تخلي مكانها لتحلَّ محلّها "أصول موضوعة" أخرى أم لا؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يبقى في أنفسنا اطمئنان بالعلم والفلسفة والمنطق؟!!!

من المؤَّكد أنه ما لم نفرغ من دراسة هذا الموضوع فإن المسائل المذكورة في المقالتين الرابعة والخامسة تبقى ناقصة، بل ما لم ننتهِ إلى نتيجة واضحة حول هذا الموضوع فإن أعمدة المنطق والفلسفة والمعلوم لن تكون مشيدة على أساس، وتـتّضح لنا أهمية دراسة هذا الموضوع إذا عرفنا أن بعض الفلاسفة وعلماء النفس المحدثين-كما سوف نلاحظ ذلك فيما بعد- قد ادّعى أن دراسة ومشاهدة عقائد الأمم المختلفة أفكارها تؤدِّي إلى هذه النتيجة.

إن مسألة تحديد علاقة العقل والإِدراكات العقلية بأصل الإِنسجام مع الاحتياجات مسألة جديدة لم يسبق إليها، وسبب تناولها في هذه المقالة هو أن الأصلين البيولوجيين اللذين نحاول معرفة وعلاقة الأفكار والإِدراكات بهما أصلان جديدان لم يمض على دخولهما الساحة العلمية سوى قرن ونصف، وقد نال هذ1ان الأصلان تأييداً ودعم شخصيتين مشهورتين

[183]

هما لامارك (1744-1829م) ودارون (1809-1882م)، وصحيح أنه قد التفت إلى هذين الأصلين في الماضي بشكل مختصر، ولكن لاشكَّ أنه كان التفاتاً بسيطاً وطفيفاً.

ولهذا فإن الحكماء الذين كانوا مؤيّدين لنظرية ثبات العقل والأصول العقلية من قبيل أرسطو، والفارابي، وابن سينا، وصدر المتألهين في الشرق، وديكارت وأتباعه في الغرب لم يتعرضوا لهذا الموضوع، وحسب ما وصل إليه اطِّلاعنا فإنَّ هذا هي المرة الأولى التي تدرّس فيها علاقة الأفكار والإِدراكات بهذين الأصلين البيولوجيين: أصل بذل الجهد من أجل الحياة، وأصل الإِنسجام مع الاحتياجات، وذلك ضمن هذه المجموعة من المقالات، وتشرح وتفصّل بصورة مستقلة، وتقسم الإِدراكات إلى قسمين: حقيقيّة واعتباريّة، ويصرّح بأن الإِدراكات الاعتبارية وليدة أصل بذل الجهد من أجل الحياة، وتابعة لأصل الإِنسجام مع الاحتياجات، ويعلن بأنها-مثل الأمور الجسمية والنفسيّة- تقطع طريق التكامل و"النشوء والارتقاء"، وتبيّن نقطة انطلاق مسيرها وكيف يتم، وما هي المراحل التي تقطعها، وما هي القواعد والقوانين المسيطرة عليها؟ وهذا بعكس الأفكار والإِدراكات الحقيقيّة فإنها ليست خاضعة لهذا الأصل وإنما هي تتمتع بوضع ثابت ومطلق ومستمر.

*******

كما أشرنا من قبل فإن النظرية القائلة: بتبعية العقل ومطلق الإِدراكات العقلية  لأصل الإِنسجام مع البيئة تخالف من جهة نظرية التجريبيين القائلة: إن جميع الأصول العقلية وليدة التجربة، وتتّفق مع نظرية العقليّين من هذه الجهة، وذلك لأنها تعترف بكون العقل والأصول العقلية مستقلة عن التجربة، والشيء الذي تخالف فيه نظرية العقليّين هو

[184]

أنها لا تعتبر هذه الأصول مجرّدة وغير متغيّرة بل تراها قابلة للتَّغير وتابعة لأصل الإِنسجام مع الاحتياجات. وسوف نحاول توضيح الموضوع بشكل أكبر.

جاء في كتاب "علم النفس عند ابن سينا، ومقارنته بعلم النفس الحديث" تأليف الدكتور على أكبر سياسي عميد جامعة طهران، في فصل النظريات الحديثة كلام يتعلق بالعقل ومبادئه هذا نصه:

"يقول أحد الحكماء وعلماء النفس  المعاصرين (برنسفيج Brunschviag) وله دراسات دقيقة في هذا الباب: إن الحكماء بالنسبة إلى الأصول المنطقية التي عرضت الأذهان قبل ظهور العلم (بمعناه الحديث) كانوا يقتفون أثر سراب الثنائيّة، فبعضهم كان يحلم بعلمٍ عقليٍّ محض، ولا يحتاج إلى الحسّ والتجربة، والبعض الآخر يتصور الإدراك الحسيّ مستغنياً عن النشاط الذهني الخاص، بينما الحقيقة هي أن علم الإِنسان نتيجة للعلاقة والتأثير المتبادل بين الحس والعقل...".

وهذه العلاقة والتأثير المتبادل يعتبرها بعض العلماء تابعة للعوامل الحيوية والعملية، واندفع البعض أكثر من ذلك فقال بالعوامل الاجتماعية. وتعتقد الفئة الأولى بأن النفس والعقل (النفس الناطقة) مثل آله عملها تكييف الإِنسان مع مقتضيات الحياة، فهي تحملنا على على أن يكون لنا أسلوب واحد في الموارد المختلفة خلال حياتنا، وهذه الحالة تُوجِد فينا العادة.

أجل إن البحث عن الوحدة بين الكثرة من ضروريات الحياة، وهذه الضرورة هي التي تهدينا إلى إدراك المفاهيم المجرّدة والكلية، وبالتالي إلى إدراك مبدأ الهوية (Identite)، وهو أصل ضرورة حمل الشيء على نفسه

[185]

فكل شيء هو نفسه، وهذا المبدأ في الواقع هو الأساس لسائر المبادئ العقلية وحتى مبدأ العلّـيّة، لأن العلّـيّة عبارة عن إطلاق الإِحتياج المذكور على الأمور الجارية في الزمان، أو بعبارة أخرى: هي صياغة المستقبل من قبل في الزمان الحاضر.

وقد اهتم برجسون(Bergson)  بصورة خاصة بالاحتياجات الفنيّة والصناعيّة للإِنسان واعتبرها المُوجِدة للمبادئ العقليّة، هو يقول: إن الفكر المنطقي والمعقول وليد الصناعة...

وظنَّ فريق آخر من الحكماء أن حصول المعلومات الأوَّلية والمبادئ العقليّة ناشئ من الهيئة الإجتماعية، أو على الأقل يكون تأثير العوامل الاجتماعية في هذا المجال في الدرجة الأولى من الأهميّة. وقد انتهت بهؤلاء العلماء دراساتهم في مجال أخلاق الأمم البدائيّة وأحوالها ومعتقداتها إلى هذه النتيجة وهي أن الحياة في المجتمع والتنظيمات الإِجتماعية والمراسيم والمعتقدات الدينيّة كانت منشأ تصور الزمان والمكان والعلة والعلّـيّة وسائر المبادئ التصوريّة والتّصديقيّة. وقد أكدت هذه الدراسات- على عكس الرأي السائد والمختار- على أن العقل البشريّ لم يكن متشابهاً دائماً من الناحية المنطقية في الأمكنة والأزمنة المختلفة ولن يكون متشابهاً إطلاقاً، فمثلاً يختص "مبدأ عدم التناقض" بالناس الذين قد ارتفعوا إلى مستوى معيّن من التّكامل الذهنيّ وهم يعيشون في مجتمعات متقدمة نسبيّـاً، ولكنه لا وجود له بين الأمم البدائيّة، فلأفراد هذه الجماعات- التي لها عقائد خاصة وتؤمن بـ"الطوطم"(جاء في "الموسوعة العربية الميسّرة"ص1166توضيحاً لمعنى الطوطم ما نصه:

"الطوطم: حيوان يرتبط باسم العشيرة عند الشعوب البدائيّة، وبخاصة أهالي أستراليا الأصليين. ويعتبر لحمه محرّماً على أفرادها الذين يعتقدون أنهم انحدروا منه، ويحملون لذلك اسمه (مثل عشيرة القنغر)، ولذلك فإنه يجب عليهم القيام نحوه بشعائر وطقوس معينة في مواسم خاصة. وبعض العشائر تتّخذ طواطمها من النباتات أو من الكائنات الماديّة أو حتى (وهو نادر) من الظاهرات الطبيعية. ويحرِّم النظام الطوطميّ قيام صلات جنسيّة بين أفراد الطوطم الواحد، لأنهم أخوة وأخوات لانحدارهم من طوطم واحد، ةلذا كان الزواج الداخليّ محرّماً...، وينتشر النظام الطوطميّ في أستراليا وميلانيزيا وشمال أمريكا، ولا توجد نظرية واحدة مقبولة تماماً عن أصل ذلك النظام") مثلاً، وقد يجد كلُّ واحد منهم نفسه إنساناً

[186]

ووزغة أو حيواناً مفترساً في نفس الوقت-لا يبدو التناقض مستحيلاً. ولا يعني هذا أنه لا وجود للمبادئ العقلية في ذهن هؤلاء الناس بل هي موجودة ولكنها تختلف عمّا هو موجود في أذهان أفراد المجتمعات الراقية... إذن العقل والمبادئ العقلية لم تودع في نفس الإِنسان بشكل واحد ثابت بل هي أمور تتناسب مع الاحتياجات ومقتضيات الحياة الاجتماعية وتوجد تدريجيّاً حسب مسير تربية الإِنسان. وبناء على هذا  فإن كلاًّ من النظرية العقليّة والنظرية التجريبيّة حسب هذا البيان لا يمكن أن يقع موقع القبول لدى علماء النفس المحدثين، لأن هؤلاء وإن كانوا يسلكون سُبُلاً مختلفة في دراساتهم ويسردون مقدمات متنوعة ولكنهم يصلون بالتالي إلى مقصد واحد وهو الاعتقاد بوجود العقل والمبادئ العقلية المكّونة بصورة قطعية. إن هذا العقل-كما مرّض علينا- يعتبره العقليون ناشئاً عن النركيب الطبيعي للنفس الإنسانية، ومن هنا فإنهم يعتقدون بفطريّة المبادئ الأولّية وتقدمها على الحس والتجربة، أما التجريبيّون فيعتبرونها متأخرة عن الحس والتجربة ووليدتهما. والدراسات الدقيقة التي أُجريت في نفس العقود الأخيرة من هذا القرن على أحوال وأخلاق الناس البدائيين

[187]

والأطفال، وسائر أفراد الناس من القوميات والطبقات المختلفة، قد جعلت الحكماء وعلماء النفس المعاصرين يتفقون في هذه العقيدة وهي:

أولاًً:  يتكوّن العقل ومبادئه تدريجياً بحيث تتناسب مع مقتضيات الحياؤ وشؤون الحياة الاجتماعية، وكيفية تركيب دماغ أفراد الإِنسان،وبالمرور بالطُّرق المتعرّجة وقبول الصور المختلفة.

  ثانياً: لما كان كلّ واحد من العوامل الحيوية والاجتماعية والنفسية يتحرك نحو التَّشابه بل الوحدة كان العقل- الذي هو تحت تأثير تلك العوامل- في تغييراته وتحوّلاته يتّجه دائماً وفي أيِّ مكان نحو أصول كلّية متشابهة، ولهذا فهو يجعل مقصده الوصول إلى مبدأ الهوية، وعن هذا الطريق يجعل التفاهم ممكناً بين أفراد الإِنسان.

ثالثاً: بناءً على هذين الأصلين السابقين يكون العقل دائماً في حالة تطور وتكوّن وتكامل، ولا يظهر أبداً بصورة قطعيّةٍ ثابتةٍ غير قابلة للتغيير، والعقل المتكوّن في الظاهر أي الذي فيه معلومات أوَّليّة ومبادئ عقلية معينة ليس هو في الواقع إلاّ صورة مؤقتة وهي قابلة للتغيير والتحوّل. ويكفي في تأييد هذا الأصل أن نذكّر بالمراحل التي تقطعها العلوم وتتسبب بين الحين والآخر في الإِعراض عن النفس الناطقة التي كانت تُعَدُّ من الأصول العلمية المسلمة والاعتقاد بأصول أخرى.

ونعود مرة أخرى فنقول: كما أن هدف النشاط الماديّ والبدنيّ للإِنسان هو جعل الطبيعة منسجمة مع احتياجاته فكذا النشاط النفسيّ، فإنه يهدف إلى جعل نفس الحقيقة والواقع منسجمين مع مقتضياته الخاصة.

إن ما يتعلق منةهذه النظرية بوضوعنا يشمل ثلاث نقاط هي:

[ 188]

1-إن العلم حصيلة التعاون بين الحس والعقل.

2-يتكوّن العقل والإِدراكات العقليّة تدريجيّاً وليس لها منذ البدء تركيب كامل ثابت.

3-تكون الأصول العقلية تابعة لأصل الإِنسجام مع البيئة.

ويستنتج من هذا الموضوع شيئان آخران:

أ-إن العقل والأصول العقلية ليست واحدة ولا متشسابهة في جميع الأشخاص.

ب-بتغيّر الأوضاع والظروف الاحتياجات يتغير العقل والأصول العقلية!

ونظريتنا فيما يتعلق بالقسم الأول تتلخص فيما قلناه في المقالة الخامسة، فقد بيّنا فيها مساهمة الحس في ظهور بعض التصورات، ومشاركة الضمير في ظهور تصورات أخرى، وتدخل "الحمل" أو "الحكم" في ظهور التصورات العامة، وتدخل العاقلة في تعميم التصورات الجزئية الحاصلة من طريق الحس أو من طريق آخر. ومشاركة التجربة في ظهور بعض الأحكام والتَّصديقات، وتدخل العقل المباشر وبلا وساطة في ظهور بعض الأحكام والتَّصديقات الأخرى التي سمّيناها بالبديهيّات الأوَّليّة أو الأصول والمبادئ العقلية. والنتيجة التي استفدناها من تلك المقالة هي أن العلم البشري حصيلة التعاون بين الحس والعقل، وقد فرّقنا في تلك المقالة بين التصورات المتقدمة على الحس والتَّصديقات المتقدمة على التجربة. إذن فيما يخص هذا الأمر نحن موافقون على ما تقوله النظرية السابقة ولكن حسب البيان الخاص الذي قدمناه في المقالة الخامسة ولا حاجة بنا إلى تكراره.

وبالنسبة للقسم الثاني لنا نظرية موافقة، وقد كانت هذه النظرية شائعة منذ عصر أرسطو وقد وضَّحها ابن سينا بشكلٍ رائع، ولكنه حسب

[189]

نظرية أرسطو وابن سينا فإن النفس منذ البدء تكون جوهراً مستقلاً عن البدن، والإدراكات العقلية التي تظهر لها تدريجيّاً هي بمنزلة أوصاف وأعراض تعرض عليها.

وتعتبر النظرية المحكمة والمبرهنة لصدر المتألهين أكمل وأجمع النظريات في مجال التّكامل التدريجيّ للعقل والمعقولات، فهي من ناحية تعتبر النفس في البدء أمراً ماديّاً جسمانيّاً ثم هي بالتّدريج تظفر بالكمال الجوهريّ وتصل إلى مرتبة الحس والخيال ثم إلى مرتبة العقل، ومن ناحية أخرى تعتبر العقل والعاقل والمعقول متَّحدة. وحسب هذه النظرية لا تكون النفس في البدء جوهراً مستقلاً عن البدن ولا الإِدراكات العقلية أعراضاً وأوصافاً للنفس.

ومطابق هذه النظرية يكون الظهور التدريجيّ للمعقولات عين التكوّن التدريجيّ التّكامليّ للعقل والعاقلة. إذن يتكوّن العقل والإِدراكات العقلية تدريجيّاً وليس لها منذ البدء تركيب كامل ثابت.

وتختلف وجهة نظرنا مع نظرية الفلاسفة وعلماء النفس المحدثين في القسم الثالث. فمع تقديرنا العظيم لدراسات هؤلاء العلماء ومشاهداتهم وتجاربهم ومع تحليلنا لجهودهم المبذولة في هذا المضمار، فإننا نسمح لأنفسنا بتحليل ونقد الاستنباط الذي انتهى إليه هؤلاء العلماء من دراساتهم.

فكما يُستفاد من العبارات الماضية فإنَّ هؤلاء العلماء قد استخرجوا نظريتهم في الغالب من دراسة أخلاق الناس وعاداتهم وآدابهم وسننهم المختلفة، فقد واجهوا في دراساتهم أنَّ لكلِّ أمةٍ عقائد وطرازاً للتفكير يتناسب مع احتياجات حياتها وظروفها الخاصة، ولاحظوا أيضاً أنه بتغيير الاحتياجات وظروف الحياة تختلف طرز التفكير وعقائد الأفراد أو

[190]

الجماعات، ومن ناحية أخرى فقد تخيّل هؤلاء العلماء أن جميع الأفكار والإِدراكات متشابهة فاضطروا إلى الاستنباط بأن العقل والإِدراكات بشكلٍ عام تابعة لاحتياجات الحياة.

ويبدو أنه بالتَّمييز والتّفكيك الذي قمنا به في هذه المقالة بين الإِدراكات الحقيقيّة أو "الحقائق" والإِدراكات الاعتباريّة أو "الاعتباريّات" وبالتّأكيد على أن أغلب الأفكار والمعتقدات التي درسها هؤلاء العلماء هي من قبيل الاعتبارات الخاضعة للتّغيير والتّبديل، فإن سوء الإِستنباط هذا يزول وينحل الإِشكال.

وأما ما قيل حول أصل امتناع التناقض- الذي هو من الحقائق- بالخصوص فهو اشتباه آخر للأسباب التالية:

أولاً: لو فرضنا أن " الطوطمية" أو أية فئةٍ أو طبقةٍ أخرى تعتبر نفسها حيواناً مفترساً ووزغةً في نفس الوقت فإنَّ ذلك لا علاقة له بأصل امتناع التناقض.

ثانياً: لا ينبغي الغفلة عن هذه الملاحظة وهي أنَّ الذهن يحكم أحياناً، ثم يعرض بسرعة عن ذلك الحكم ويتّجه إلى ضد ذلك الحكم أو نقيضه، ثم يعرض عن هذا الحكم الثاني ويتّجه إلى الحكم الأول وهكذا... ويتخيّل الإِنسان أن ذهنه قد حكم في آن واحد بحكمين متناقضين، وتشيع هذه الحالة بين ذوي الأذهان البسيطة الساذجة التي لا تتمتع بقدرة على الاستدلال المنطقي، وكلّما أصبح الذهن مسلّحاً أكثر من الناحية المنطقية فإنه يكون في أحكامه أكثر ثباتاً ورسوخاً.

وما دام الذهن لم يظفر بالقدرة على الاستدلال المنطقي فإنه يبني أحكامه وتصديقاته على أساس التّلقين أو تداعي المعاني، ويمكننا عدّ هذا

[191]

لوناً من ألوان السبق الذهنيّ. ومثل هذه الأحكام يتغيّر ويتبدّل بسرعة ويحلّ أحدها محلّ الآخر. فالطفل مثلاً يكون متأثِّراً بتلقينات أبوية، فهو يميل إلى ما يقولان، فإذا قالا له: إن الأمر بهذا الشكل، فهو يقبل بأنه بهذا الشكل، وإذا قالا له مباشرة بعد ذلك: إنه ليس بهذا الشكل، فإن ذهن الطفل ينصرف عن الحكم ويعتقد أنه ليس بهذا الشكل. ولعلّ من بين القبائل المتوحشة من يسلك هذا السلوك، فيعتقد الفرد منهم في حين أنه حيوان مفترس، ثم يعتقد بسرعة في حين آخر أنه ليس حيواناً مفترساً، ولكنّه لا ذهن الطفل ولا ذهن الإِنسان المتوحش يمكن أن يعتقد بطرفيّ النقيض في أنٍ واحدٍ قط.

ثالثاً: إن نفس الإِشكال الذي أورده مؤيِّدو هذه النظرية التجريبيّة وارد-بطريق أولى- عليهم أنفسهم. فقد جاء في نفس ذلك الكتاب ص123 ما نصه:

"هناك إشكال يرد على المذهب التجريبيّ وهو أن الأصول والقواعد التي تصاغ نتيجة للحس والتجربة لا تنطبق دائماً على الحقائق التجريبيّة ولا يمكن أن تكون عامة ويقينيّة لأنه من الممكن أن تدفع الطبيعة الذهن إلى تغيير تلك المبادئ، ومن هنا فإن العلم الذي بُني على هذه الأُسس المتزلزلة ينهار معها ويتداعى".

إن إشكال تزلزل أركان العلم هذا وارد بشكلٍ أقوى على هذه النظرية، لأنه حسب هذه النظرية يكون العلم حصيلة التعاون بين الحس والعقل، وليس للمبادئ العقلية- التي هي أحد العنصرين المكوّنين للعلم- وضع ثابت مطلق لا يقبل التّغيير، وذلك لأن هذه المبادئ قد صيغت حسب مقتضيات البيئة الخاصة واحتياجات الحياة، فإذا تغيّرت مقتضيات الحياة فإن تلك القوة التي عملها تكييف الإِنسان مع مقتضيات

[192]

الحياة تنفض يدها عن المبادئ وتُوجِد غيرها مكانها. إذن أيّ واحد من الأصول والقواعد العلميّة لا يتصف بالكليّة والقطعيّة، لأنه من المحتمل أن تطرأ تغييرات على مقتضيات الحياة فيضطرّ الذهن لترك تلك المبادئ واعتناق مبادئ أخرى، ومن هنا فإن العلم المبنيّ على هذه الأُسس المتزلزلة ينهار معها ويتداعى.

ونستطيع أن ننظم هذا الإشكال بصورة برهان صريح واضح على ردِّ هذه النظرية المذكورة فنقول: يلزم من صحة هذه النظرية وقبولها تزلزل وعدم اعتبار جميع القواعد والنظريات العلميّة ومن جملتها هذه النظرية نفسها، أي أن صحة هذه النظرية تستلزم نفسها، وذلك لأنه حسب هذه النظرية كما مر علينا تصبح المبادئ العقلية- التي هي أحد العنصرين المكوّنين للقواعد والقوانين العلميّة- فرضيّات تقتحم الذهن حسب الاحتياجات الخاصة للحياة، ولا يمكننا القول في مورد أي نظرية أو قاعدة علمية أنَّ الواقع ونفس الأمر هو كذلك، بل أقصى ما يمكن قوله: هو أننا نصدر أحكامنا حسب المبادئ والأصول المسيطرة على أذهاننا فعلاً، ومن الواضح أن هذه النظرية شاملة لنفسها أيضاً، أي أن في مورد هذه النظرية أيضاً لا يمكن القول أنَّ الواقع ونفس الأمر هو كون العقل والمبادئ العقليّة تابعة لأوضاع البيئة، بل غاية ما يمكن قوله: هو أننا نحكم بهذا الحكم حسب المبادئ والأصول المسيطرة على أذهاننا فعلاً، ولكن ما هو الواقع ونفس الأمر؟ لا نعلم. إذن هذه النظرية تفتني في الدرجة الأولى ببطلان نفسها، فهي تنقض ذاتها أو كما يقال تحفر قبرها بيديها.

*******

لقد عرفنا ممّا سبق أن استحكام العلم بل إمكانية لا معنىً لها إلاّ في ظلِّ نظرية العقل والمعقولات الثابتة اليقينية التي لا تتغير، أما إذا تبيّنا فرضيّة

[193]

التجريبيين في مورد العقل والمبادئ العقلية التي شرحناها في المقالة الخامسة، أو فرضيّة عدد من علماء النفس المحدثين التي مرّ علينا شرحها قبل قليل، فإنه لا يمكن الإِعتماد على العلم ولا الاطمئنان به، ولابدَّ عندئذٍ أن نغسل أيدينا من أي جزم أو يقين، ولا بدَّ من الانصراف عن العلم، والقارئ الكريم إذا تعمَّق في محتويات المقالة الرابعة والخامسة وما مرّ في هذه المقدمة فإنه سيصل إلى هذه النتيجة:

لابدَّ أن نكون مذعنين بوجود العقل والمعقولات المطلقة النظرية قبل صياغة أيِّ نظرية فلسفيّة وأيِّ قانونٍ منطقيٍّ وأيِّ قاعدة علميّةٍ.

أي أنه لا بدَّ من الاعتراف بوجود مجموعة من الإِدراكات المتحررة في تكوينها وتشكيلها من تأثير احتياجات الحياة وأوضاع البيئة، وكيفية التركيب الخاص للمخ والأعصاب وسائر العوامل الطبيعية، وهذه الإِدراكات هي التي تشيد الأُسس الأوَّليّة للعلوم والفلسفية النظرية، ومن الواضح أن لدينا أيضاً مجموعة أخرى من الإِدراكات وهي تابعة لمقتضيات الحياة ومتغيّرة ومتبدّلة باستمرار وفي نشوء وارتقاء دائماً، وتسمى في عرف هذه المقالة بالإِدراكات الاعتبارية والأفكار العلمية، ولكنه-كما سوف نرى- لا علاقة لهذه الإِدراكات بالعقل والمعقولات النظرية المطلقة، وتتكفل هذه المقالة ببيان كيفية ظهورها وتكوّنها وتطورها، وبتمييز هذه الإِدراكات من غيرها سوف يرتفع كثير من الاشتباهات الواقعة في هذا المجال.

وهناك مسائل ومواضيع كثيرة تتعلق بالإِدراكات النظرية والأفكار العملية وهي خارجة عن حدود بحثنا الحالي. وهذا المقدار من التَّوضيح كافٍ في هذه المقدمة لفهم مواضيع المقالة نفسها، ولو أردنا شرح جميع

[194]

هذه الأمور لأصبحت هذه المقدمة طويلة إلى حدِّ الملل، لأن الفلاسفة القدماء والمحدثين قد تطرقوا لهذه المواضيع وأبدوا آرائهم فيها، وسوف تشرح كثير من المسائل خلال المقالة نفسها وذلك عندما يجري الحديث عن كيفية ظهور الإِدراكات الاعتبارية وتكثّرها وتكاملها وعلاقتها باحتياجات الحياة، وسوف نقوم بالتعليق عليها بما فيه الكفاية.

[195]

الاعتباريات والعلوم غير الحقيقية

أو

الأفكار المتخيلة    

يقول الشاعر الكبير حافظ:

ليس في السماء قمر مثلك  ولا في البستان سرو يشبهك

ويقول الشاعر فردوسي:

حربتان وساعدان وشخصان باسلان

                           أحدهما الأفاعي والآخر الأِسد المغوار

لقد صافح سمعكم الشيء الكثير من ألوان هذا الشعر الغزليّ الحماسيّ، فيتناول الشعراء موضوعاً غزلييّاً ويزيّنونه بالورود والربيع الخمرة والحبيبة وكلّ ما يطرب له الشعور، أو موضوعاً حماسيّاً فيرسمون لوحة خيالية عن ساحة الحرب التي يملؤها الرجال المقاتلون الأشداء المناضلون فيحقِّقون نصراً في مجال القلب والحب أو سبقاً في الساحات المهولة المتخيلة.

ونحن نعلم أن هذا الأمر لا يختصّ بالشعر ولا بالشعراء ولا بالشعراء بل يمكن تنفيذه أيضاً في مجال النثر، ونتَّصف جميعاً بميزة التَّخيل بنسبة كبيرة أو ضئيلة، فنقوم في كلِّ يوم بإيجاد نماذج منه في مفرداتنا ومركَّباتنا التي تؤدِّي معاني التمثيل أو الاستعارة.

[196]

ونعلم أيضاً أن هذا العمل لم يكن عبثاً بل يكون لنا هدف من استغلال هذا الأسلوب وسلوك هذا الطريق. ويتلخص ذلك الهدف في إثارة المشاعر الباطنية التي تتحقق عن طريق التشبيه والاستعارة (إن التَّشبيه والاستعارة والتمثيل من المصلحات الخاصة بعلماء الأدب في فن البلاغة. ففي الأحاديث العاديّة يطلق التَّشبيه على مجرد بيان المشابهة بين شيئين،ولكنه في العرف الأدبي يطلق التَّشبيه فقط على الكلام الذي يذكر فيه كلا طرفيّ التَّشبيه (المشبّه والمشبّه به).

فإذا ذكرت في التّشبيه كلمات تدل على المشابهة من قبيل "مثل" و "ويشبه" وأمثالهما (في اللغة العربية) فإنه يكون تشبيهاً بسيطاً ساذجاً، مثل تشبيه العلماء بالذهب الخالص وتشبيه أبناء الأشراف الجاهلين بقطعة النقود المزوّرة في شعر الشيخ سعدي هذا:

إن وجـود العلمـاء مثـل الذهــب الخالـص

                     أينمـا يذهـب تعـرف قيمتـه وقدره

أما أبناء الأشراف الجاهلون فإنهم يتخلفون في بلدهم

                     لأنهم في البلاد الغربية لا يثمنّونهم بشيء

وأما إذا أُفرغت العبارة من هذه الكلمات فيسمى بالتّشبيه البليغ، مثل تشبيه "أمير الساماني" (اسم شخص) بالقمر وتشبيه "بخارى" (اسم البلد) بالسماء في شعر الرودكي هذا:

إن "الأمــير" قمـر وبخــارى سمـــاء

                     والقمــر دائمــاً يتّجه نحو السماء

 وأما إذا اكتفينا بذكر طرفيّ التّشبيه، مثلما لو ذكرنا المشبّه به فقط وحذفنا المشبّه به مكانه وأثبتنا له حكمه، فهذه العملية تسمى بالاستعارة، مثل التعبير عن المحبوب بالقمر في شعر الشيخ سعدي هذا:

اغلقي أيتها السمـاء - للحظـة - نافـذة الصبح

                          في وجه الشمس حيث إن الليلة سعيدة بقمري 

ومثل التعبير عن الجسم والتعلقات الجسميّة بزنزانة الإِسكندر والتعبير عن عالم المعنويّات بملك سليمان في شعر حافظ:

لقد ضاقت نفسي من جو سجن الإِسكنـدر

                         قلأَحزم أمتعتي ولأذهب إلى مـلك سليمـان

أما التّمثيل فهو لون خاص من التّشبيه المصطلح عليه، وهو يعني أن نقوم بتشبيه وضع خاص وكيفيّة معينة حاصلة من اجتماع وارتباط عدة أمور بوضع معيّن، وكيفيّة خاصة متكوّنة من اجتماع وارتباط عدة أمور أخرى، مثل تشبيه الوضع الخاص الحاصل من هبوط قطرات الندى الليليّ على أوراق الورد الأحمر بالوضع الخاص لتجمّع قطرات العرق على جبين المحبوب الغاضب في شعر الشيخ سعدي هذا:

في أول "أرديبهشت" ذلك الشهـر الرائـع

                     يجلـس البلبـل المغرّد علـى منابــر الغصـــون

وعلى الورد الأحمر تسقط قطرات من اللؤلؤ

                     تشبه قطرات العرق المتصبّب من جبين الحبيب الغاضـب

ومثل تشبيه حالة القلب القاسي للمعشوق ودموع العاشق حيث لا يحرّك ذلك القلب القاسي للمعشوق ألاَّ دموع العاشق الغزيرة بحالة صخور الصحراء التي لا يقتلعها من مكانها، ويُلقي بها إلى شاطئ البحر إلاَّ يسيل العارم في هذا البيت من الشعر لحافظ:

إن قلبك المتحجّر ما ليّنته إلاَّ دموعي

              فالصخرة لا يحملها إلى شاطئ البحر إلاَّ السيل

ومن المعروف أنَّ لكلِّ واحدٍ من التَّشبيه والاستعارة أقساماً وألواناً متعددة، وعلى الراغبين الرجوع إلى كتب فن البلاغة.

والشيء الذي لابدَّ من الإِشارة إليه في هذا المجال هو أن التشبيه البسيط لا يختص بمورد الاعتباريّات والتَّخيلات الشاعرية بل يمكن الإِستفادة منه في مجال بيان الحقائق والمسائل النظرية أيضاً، مثلما لو أردنا في درس الجغرافيا أن نبيّن للطلاب الشكل الكرويّ للأرض، وانحناءها إلى الداخل في القطبين، فإننا نشبّهها بالتفاحة، فهي كرويّة وفيها انحناء إلى الداخل في الطرفين.

أما التَّشبيه البليغ والاستعارة والتمثيل فهي من الأمور المختصة بالاعتباريّات والتخيّلات الشاعرية)