الموضوع

عناد اليهود وتمردهم عبر التاريخ
" نظرة قرآنية "

 

ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم العديد من القصص عن اليهود ومقدار ما كانوا يتصفون به من عناد وتكبر ولؤم وإلتواء .

نذكر هنا قصة من هذه القصص ( بتصرف ) من كتاب " دراسات فنية في قصص القرآن الكريم " للدكتور محمود البستاني . لتوضيح مقدار عنادهم .

                            
بسم الله الرحمن الرحيم
أَ لَمْ تَرَ إِلى الْمَلا مِن بَنى إِسرءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إِذْ قَالُوا لِنَبىٍّ لّهُمُ ابْعَث لَنَا مَلِكاً نّقَتِلْ فى سبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسيْتُمْ إِن كتِب عَلَيْكمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَتِلُوا قَالُوا وَ مَا لَنَا أَلا نُقَتِلَ فى سبِيلِ اللّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَ أَبْنَائنَا فَلَمّا كُتِب عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلّوْا إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَ اللّهُ عَلِيمُ بِالظلِمِينَ (246) وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيّهُمْ إِنّ اللّهَ قَدْ بَعَث لَكمْ طالُوت مَلِكاً قَالُوا أَنى يَكُونُ لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا وَ نحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْت سعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنّ اللّهَ اصطفَاهُ عَلَيْكمْ وَ زَادَهُ بَسطةً فى الْعِلْمِ وَ الْجِسمِ وَ اللّهُ يُؤْتى مُلْكهُ مَن يَشاءُ وَ اللّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيّهُمْ إِنّ ءَايَةَ مُلْكهِ أَن يَأْتِيَكمُ التّابُوت فِيهِ سكينَةٌ مِّن رّبِّكمْ وَ بَقِيّةٌ مِّمّا تَرَك ءَالُ مُوسى وَ ءَالُ هَرُونَ تحْمِلُهُ الْمَلَئكَةُ إِنّ فى ذَلِك لاَيَةً لّكمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ (248) فَلَمّا فَصلَ طالُوت بِالْجُنُودِ قَالَ إِنّ اللّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شرِب مِنْهُ فَلَيْس مِنى وَ مَن لّمْ يَطعَمْهُ فَإِنّهُ مِنى إِلا مَنِ اغْتَرَف غُرْفَةَ بِيَدِهِ فَشرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمّا جَاوَزَهُ هُوَ وَ الّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوت وَ جُنُودِهِ قَالَ الّذِينَ يَظنّونَ أَنّهُم مّلَقُوا اللّهِ كم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كثِيرَةَ بِإِذْنِ اللّهِ وَ اللّهُ مَعَ الصبرِينَ (249) وَ لَمّا بَرَزُوا لِجَالُوت وَ جُنُودِهِ قَالُوا رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صبراً وَ ثَبِّت أَقْدَامَنَا وَ انصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَ قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت وَ ءَاتَاهُ اللّهُ الْمُلْك وَ الحِْكمَةَ وَ عَلّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاس بَعْضهُم بِبَعْضٍ لّفَسدَتِ الأَرْض وَ لَكنّ اللّهَ ذُو فَضلٍ عَلى الْعَلَمِينَ (251)


                             
صدق الله العلي العظيم

تتحدث القصة عن حفنة من كبار اليهود الذين نقضوا عهود الله ، فانتقم الله منهم ، بأن سلط عليهم جبابرة شردوهم من ديارهم وسبوا ذراريهم، وأذلوهم كل الإذلال .

هذه الحفنة من كبار اليهود - نتيجة لاستذلال الجبابرة لطائفتهم - طلبوا من (نبي) بعثه الله في زمان أعقب وفاة موسى ( ع ) ، ... طلبوا من هذا النبي أن يبعث الله لهم قائدا عسكريا ينتشلهم من الحياة المهنية التي يحيونها .

وقد أجابت السماء دعوة النبي المذكور ، تفضلا منها ومنة ... وكان القائد هو ( طالوت ) .

غير أن السماء ( وهي أعرف بواقع هذه النفوس الذليلة ) بعثت إليهم - على نحو الاختبار - القائد المذكور ، وفق خصائص معينة تتطلبها طبيعة المعركة التي سيخوضونها ، ... لكنها لا تتفق مع التطلعات والأحلام المريضة لليهود .

لقد اعترض الاسرائيليون على النبي المذكور ، في انتقاء هذا القائد ، محتجين : بأنه لم ينحدر من أسرة عسكرية أو أسرة دينية : علما بأن القيادة العسكرية والدينية كانت عهدئذ منحصرة في بيتين من بيوتاتهم ، بينما جاء القائد العسكري الجديد من بيت ثالث ... ومن هنا جاء اعتراضهم على الشخصية المذكورة .

مضافا إلى ذلك : تقدم اليهود باعتراض آخر على القائد العسكري ، محتجين على ذلك بأنه : شخصية فقيرة لا تملك أموالا ضخمة ... وطبيعي ، أن مثل هذه الاعتراضات تحملنا على الاقتناع بأن هؤلاء الأذلاء ، لايستحقون أية عناية تذكر : ماداموا حائمين على نفس التطلعات والأحلام المريضة التي غلفت شخصياتهم منذ أن دبوا على هذه الأرض .

ومع ذلك ، فإن نبيهم أبدى مرونة ملحوظة حيال هذا الاعتراض . وقال لهم : إن الله عوض عن فقر القائد وعدم انتسابه للأسر التي توارثت قيادة الجيش ، ... عوضه عن ذلك ، بسعة في العلم ، وبطولة في الجسم ... وهما أبرز مميزات القائد العسكري .

وخضع اليهود للأمر الواقع .

لكنهم مع ذلك ، بدأوا يشككون في الأمر ، ... فطلبوا من نبيهم آية أو دليلا حسيا على صدق ادعائه باختيار طالوت .

وحينئذ أجابهم النبي بأن دليل ذلك : هو ( التابوت ) الذي كان الله قد أنزله على أم موسى ( ع ) ، فوضعت إبنها فيه . ولما توفى موسى ، وضع فيه الألواح ، والدرع ، وجملة من آثار النبوة .

وكان التابوت المذكور - نقلا عن النصوص المفسرة - يستفتح اليهود به على عدوهم .

وحين أمعن اليهود في سلوكهم المتمرد ، انتزع التابوت منهم . ثم ، أعيد إليهم مع ( طالوت ) ، حتى يكون دليلا عل صدق ادعاء النبي لهم : في اختيار هذا القائد العسكري .

ولما رأى الاسرائيليون هذه الآية أو الدليل حسيا ، اقتنعوا بذلك ، وانقادوا لطالوت : القائد العسكري الجديد الذي طلبوه ، حتى يحررهم من أسر العبودية ، والتشريد ، والسبي .

لكن اليهود ، للمرة الثالثة ، أمعنوا في الغواية ، حينما تمردوا على طالوت ذاته . وذلك : عندما جهز جيشا لمقاتلة ( جالوت ) - وهو : الشخصية التي استعبدت اليهود وأذلتهم - . 

وكان طالوت : قد أمرهم بناء على أوامر السماء ألا يشربوا من نهر معين خلال عملية زحف الجيش ، إلا تناول الماء غرفة واحدة ... وذلك لمصلحة إرتأتها السماء . وهدفها هو : اختبار اليهود في مدى التزامهم أو تمردهم .

لكن الغالبية منهم - في ضوء هذه التجربة - تمردت على أوامر طالوت ، إلا فئة قليلة .

وكان ذلك ، عندما وصلوا إلى النهر ، حيث قال المتمردون : لا طاقة لنا بجالوت وجنوده .

أما الفئة القليلة ، فقالت : إن النصر من عند الله .

وبالفعل : بدأ القتال ، ... وانتهى بالنصر ، حيث قتل جالوت .

وقد تم قتل جالوت على يد ( داود ) الذي اختير لهذه المهمة ، حينما ألبسه طالوت - نقلا عن النصوص المفسرة - درع موسى .

-
إنتهى -
-----------

(التعليق ) :

لاحظنا أن النبي ، شكك في مزاعم اليهود ، حينما قال لهم : لعلكم عندما يحين موعد القتال ، تمتنعون عن ذلك . ولاحظنا أيضا أنهم أجابوه بلغة الواثق من نفسه : من أنهم كيف لا يحاربون العدو وقد شردهم من ديارهم وسبى ذراريهم !!

ويبدو أن النبي قد أمر بتنفيذ طلبهم فعلا - على سبيل الاختبار - ، حتى يكشف المزيد من وساخة أعماقهم . فها هو النبي ، يبشرهم بتحقيق ما طلبوه  قائلا لهم : " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا "
إن القارئ يتوقع أن يستبشر اليهود بهذه الشخصية الجديدة : ( طالوت ) ، لأنها - ببساطة - جاءت بناء على طلبهم . إنهم هم الذين قالوا لنبيهم : إبعث لنا ملكا ، نقاتل في سبيل الله .

وها هو الملك أو الشخصية العسكرية ترسل إليهم ، من قبل الله فهل من عذر ؟؟

القارئ - كما قلنا - لا يتوقع أي اعتراض على هذه الشخصية العسكرية ، لأنها جسدت أحلام الاسرائيليين بالشكل الذي طلبوه بأنفسهم ...

لكن الذي حدث ... يجيء على خلاف ما نتوقعه أبدا ... الذي حدث من ردود الفعل اليهودية حيال هذه الشخصية ( طالوت ) ، يثير السخرية والاشفاق والعجب ... ألم يرسل بناء على طلبهم ؟؟ ألم يرسل وفق ما يتطلبه القتال من توفر سمات عسكرية في شخصيته ؟؟ كل ذلك ، متحقق في شخصيته ... فما هو العذر بعد هذا كله ؟؟

ها هم الاسرائيلييون : أذلاء ، طردوا من ديارهم ... وسبي الكثير من ذراريهم ... طبيعي ، أنهم مستحقون لمثل هذا الاستذلال ، ما داموا قد أمعنوا في المعاصي ، وتنكروا لعهود الله ... لكن عناية الله عظيمة ... والاختبار محك بل فرصة جديدة لأن يعدلوا من سلوكهم ... وها هي السماء ترسل إليهم " نبيا " ، يتعامل معهم برفق ، ... ويتفقد شؤونهم ، ... لعلهم يرعوون ...

وها هم أيضا ، يضيقون ذرعا بهذا الاستذلال الذي لحقهم ، ... ويتطلعون إلى أية فرصة ، أو سبب يفتح لهم طريق الخلاص ... وهل هناك فرصة أو سبب أفضل من وجود ( نبي ) بينهم : يمثل السماء بكل قدراتها التي لا تحد ... إذن : فليتجهوا إلى نبيهم ... وليطلبوا منه أن يدعو الله بإرسال من ينقذهم ... ليطلبوا منه إرسال قائد عسكري يستطيع أن يقتحم المعارك ، ويحقق النصر ...
 

وها هو النبي يستجيب لطلبهم ... ها هو يبشرهم بمجيء الشخصية العسكرية التي تطلع الاسرائيليون إليها ... ها هو ( طالوت ) : البطل الذي أرسلته السماء ، يجيء لتحقيق ما يصبوا إليه الاسرائيليون ... لكن : يا لدهشة الموقف ... ولا دهشة في الواقع ...

لا دهشة لمن خبر اليهود ، وعرف عمق التواءاتهم ، وأمراضهم ، ولؤمهم ، وعنادهم ... إنهم ( جبناء ) مصلحيون ، ... جبناء عندما يستذلهم الجبابرة ... طغاة عندما يسيطرون على غيرهم ... إنهم كذلك ، منذ أن دبوا على الأرض ... منذ أن مسخهم الله قردة وخنازير ... منذ ذلك الحين وحتى أيامنا المعاصرة ... إنهم كذلك ...

  

-----------------

مشاركة من : Bo-Fatma