الموضوع بحث حول الغيبة |
||||||||||||||
|
مقدمةإن الابتعاد عن تجسيد الأخلاق الإسلامية وعدم تطبيقها على وجه الواقع يفضي إلى الانحراف الخلقي الذي طالما تأففت منه الحضارات السابقة بل كان أحد عناصر زوالها الرئيسية ، فمثلا قوم لوط عندما انحرفت أخلاقهم ودعتهم نفوسهم إلى ترك النساء ومعاشرة الرجال كان سببا كافيا لهلاك تلك الأمة، وإلى ما هناك من أدلة ووقائع تاريخية سجلها القرآن وذكرها التاريخ. فكل حضارة كانت ركيزتها الأخلاق الطيبة وراحت تنشدها ، فمن تلك الحضارات من وجدت بغيتها كالإسلام مثلا ومنها من لم تجد كقوم لوط.يعتبر الانحراف الخلقي مرضا روحيا. واللطيف في هذا الجانب أن يد القانون الوضعي لا تصل إلى عقوبة مرتكبه، لذا فرضت الشريعة الإسلامية عقوبات تلاحق المذنب في الدارين ففي دار الدنيا مثلا تحجب ذنوبه الدعاء وتمنع الإجابة، تغير النعم وتبيد الأمم، تنقص العمار، تهتك العصم، تورث القلق، تؤدي بالإنسان إلى الكفر. أما في الآخرة أعد الله لها عذابا أليما كسقي الحميم ، خمش الوجوه بأظافرهم ..الخ. ومن تلك الذنوب التي تنخر في جذور المجتمعات الغيبة ، النميمة ، البهتان ، الحسد …الخ. ( كما ورد في كتاب عقاب الذنوب لهاشم الرسولي المحلاتي).وسوف أتناول في بحثي المتواضع هذا اثنين من الذنوب التي انتشرت في مجتمعاتنا وأصبح من إحدى ميزاتها : هما الغيبة والحسد. وسوف نرى تعريف كل منهما وما هي دوافعه ، أخطاره ، وأخيرا طرق العلاج.
الغيبةلغة: الغيبة مصدرها " غاب " اسم مصدر لـ " اغتياب " قال الجوهري في كتاب الأربعون حديثا :" اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه…" تعريفها " أن يتكلم الإنسان خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه ، فإن كان صدقا سمي غيبة ، وإن كان كذبا سمي بهتانا" بحار الأنوار المجلد 75 ص221 وجاء في مجالس الشيخ في حديث أبي بصير في وصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رضوان الله عليه ".. قلت يا رسول الله ما الغيبة ؟ قال: ذكر أخاك بما هو فيه فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته". وسائل الشيعة المجلد8 باب من أبواب أحكام العشرة ، ح9
الغيبة في القرآن وأحاديث أهل البيت عليهم السلام ورد لفظ الغيبة في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة الحجرات آية 12 حيث قال تعالى " ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه". أما الأحاديث التي وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وعن أهل بيته الأطهار في النهي عن الغيبة والآثار الناجمة منها فهي كثيرة أذكر منها : · المغتاب يأكل من لحمه يوم القيامة . عن نوف البكالي قال أتى أمير المؤمنين عليه السلام وقال" .. قلت زدني قال: اجتنب الغيبة فإنها أدام كلاب النار ، ثم قال : يا نوف كذب من زعم أنه ولد حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة ". وسائل الشيعة المجلد 8 من أبواب أحكام العشرة ، ح16. · عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ..من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه ونقض وضوءه وجاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرم الله عز وجل" وسائل الشيعة المجلد 8 من أبواب أحكام العشرة ، ح13. يقصد ببطلان الصوم هنا هو فقدان الغاية المنشودة من الصوم ، و إلا فالغيبة ليست مبطل من مبطلات الصوم. · في البرزخ ، " عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم ، فقلت يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم " المحجة البيضاء المجلد 5 ص251 · عن النبي (ص) قال".. يا أبا ذر إياك والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا. قلت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها " وسائل الشيعة المجلد 8 من أبواب أحكام العشرة ، ح9 · عن النبي " ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد" المحجة البيضاء المجلد 5 ص253 · وفي حدث آخر ان الحسنات تذهب إلى المستغاب. · ورد في الكافي بإسناده إلى الإمام الصادق (ع) قال:" من لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسان من نار". أصول الكافي المجلد 2 كتاب الإيمان والكفر باب ذي اللسانين ح1
ألستم ترون معي مدى قبح ونتانة هذا العمل الإجرامي الذي يقوم به المغتابون، فالغيبة تخدش في صوم الفرد ، تنقل حسنات الفرد إلى الشخص المستغاب ، يكون له لسان من نار ، يخمش وجهه بأظافر من نار .. إلى آخره من الوعيد المرتجى يوم القيامة. فأي ذنب أقبح من هذا المرض الذي يفتك بصاحبه أولا ومن ثم يفتك بالمجتمع الواحد ليشتت شمله ويجعله فئات. قال الشاعر:
سببهاما هو سبب الغيبة؟ لماذا يذكر المسلم أخاه بالسوء في غير محضره؟ ما الذي يدفعه لهتك ستر أخيه أمام الأشهاد؟ لماذا يعطيهم فرصة لكي يستهزئوا ويشمتوا بأخيهم المسلم؟ ذكر الشيخ عبد الأمير الجمري – حفظه الله - في كتابه تعاليم إسلامية أن هناك مسببات للغيبة تدفع الإنسان لارتكاب مرض الغيبة وهي: 1- الغضب والحقد: عامل الغضب مهم ومؤثر في ذات الفرد حتى ولو كان مؤمنا ملتزما ، لأن الغضب يحفز بعض الخصائص الكامنة في ذات النفس - التي كان ولا زال المؤمن في صراع معها ليتخلص منها ويطهر نفسه - ويجعلها تسيطر على عقله ويفقد صوابه ويبدأ بسب وشتم وذكر مساوئ الآخرين. والحقد كذلك يؤدي إلى نفس النتيجة ، إذ الشحناء تملأ قلبه وتعميه وتغويه عن جادة الطريق ويهتك عرض الآخرين وذكر مثالبهم. فلذا أتى رجل من الأعراب وأسلم على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وطلب من الرسول أن يعلمه أمرا ينفعه إذا التزم به، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضبط نفسه عند الغضب.2- الحسد : الحسد له دور فعال في ارتكاب الكثير من الذنوب مثل الغيبة ، النميمة ، البهتان ، الكذب .. الخ. وقد قيل أن أقل الناس راحة هو الحسود، لكثرة انشغاله بمراقبة الناس، فإن رآهم في خير اغتم لذلك وحسدهم وبدأ بإظهار معايبهم، وإن رآهم في شر أو مصيبة فرح لذلك.3- موافقة الرفقاء ، ورد في كتاب صفات الشيعة للشيخ الصدوق (ره) ، أن الإمام علي عليه السلام قال " مجالسة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار… فمن اشتبه عليكم أمره ولم تعرفوا دينه فانظروا إلى خلطائه ..". وهذا واضح وجلي في مجتمعاتنا ، حيث يجالس الفرد أشخاصا يقومون بذكر مثالب شخص ما ، وهو لا يستطيع أن يدافع عنه مخافة أن يستهزئوا به ، لمركزهم الاجتماعي أو مخافة أن تنقطع صداقتهم..الخ.فلذلك أورد الإمام السجاد (ع) في أحد أدعيته ذكر الغيبة بل سطره في بداية دعائه وقال " اللهم إني أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره… ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره…" 4- رفع النفس: ويعني التكبر على الغير ، ولكي يقلل من شأن الآخرين ويفرق الناس عنهم فيقوم بذكر مساوئهم.آثـــارهـــا · الناس يتجنبون من يهتك أستارهم: وهذا أمر ونتيجة طبيعية، إذ لا ترى شخصين يتماشيان ويعلم أحدهما أن الآخر يغتابه في غيبته. وهذا ما ذكرته سابقا إذ أنه يشتت ويكسر أواصر المجتمع. · يسقط من أعين الناس: كنتيجة أخرى يصبح هذا الفرد منبوذا من المجتمع ومعزولا ، حتى من هم على شاكلته لا يخالطونه ولا يجالسونه. · الاستمرار في الغيبة يبعث إلى الضغينة والعداوة تجاه المستغاب وتزداد شيئا فشيئا، وربما يتجاوز الأمر ويتفاقم من أمر غيبة إلى بهتان أو فتنة بين الناس لا ولم يحسب لها المغتاب لها حسابا. الاستماع إلى الغيبة أمر محرمعن النبي ( ص) قال :" المستمع أحد المغتابين". المحجة البيضاء المجلد 5 ص 260عن الإمام علي (ع) قال:" السامع أحد المغتابين" غرر الحكم المجلد 2 ص 12أي يجري عليه من العقاب والجزاء والآثار السالفة الذكر مثلما يجري على المغتاب ؛ لأن المستمع يشجع المغتاب إلى التمادي في اغتياب أخيه من خلال مشاركته والاستماع إليه.وجوب رد الغيبةعن الصدوق بإسناده إلى الإمام الصادق (ع) أن رسول الله (ص) قال:" ..ألا ومن تطول على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة فإن هو ( لم يردها وهو ) قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة" وسائل الشيعة المجلد8 الباب 151 من أبواب أحكام العشرة، ح13وقد أورد الإمام السجاد (ع) أيضا في أحد أدعيته ذكر الغيبة " اللهم وأيما عبد من عبيدك أدركه مني درك أو مسه من ناحيتي أذى أو لحقه بي أو بسببي ظلم ففته بحقه أو سبقته بمظلمته فصل على محمد وآل محمد وأرضه ني من وجدك.."وقال في دعاء يوم الاثنين " …وأسألك في مظالم عبيدك عندي فأيما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ….أو غيبة اغتبته بها أو تحامل عليه بميل أو هوى … فأسألك يا من يملك الحاجات وهي مستجيبة لمشيئته ..أن تصلي على وآل محمد أن ترضيه عني بما شئت وتهب لي من عنك رحمة..".طرق علاجهايذكر الإمام الخميني (قدس سره) في كتابه الأربعون حديثا أن علاج الغيبة يكمن في أمرين ، العلم النافع والعمل.أما العلم النافع فهو أن يفكر الإنسان في الآثار الخطيرة الناجمة من هذه الكبيرة العظيمة ويفكر في عملية مضاعفة السيئات ومحو الحسنات ويعرضها على العقل فيختار ما فيه صلاح ومنفعة له.أما من ناحية العمل فيجب على الفرد أن يروض نفسه بكفها عن هذه المعصية ولجم اللسان والمراقبة الدائمة للنفس ومعاهدة النفس بعدم اقتراف هذه الخطيئة ، وبعد فترة يجد نفسه تنفر منها بحسب طبيعتك وتنزجر عنها.ومن ناحية أخرى فالعاقل هو من يفكر وينشغل بعيوبه عن عيوب الآخرين فقد قال ( ص) " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الآخرين ". المحجة البيضاء المجلد 5 ص 254وقال الشاعر
مسائل فقهية في الغيبة
وقبل الخاتمة أو أن أشير إلى أنه يجب على المغتاب أن يتوب من هذا الذنب العظيم، فيجب عليه المبادرة بالاعتذار من الشخص الذي اغتابه. و إذا أحس أن الاعتذار ربما يسبب له إحراجا أو فتنة بينه وبين الشخص الذي اغتابه فيجب عليه أن يستغفر له وأن يذكر بخير في جميع المجالس التي يذكر فيها اسمه. بل يجب عليه أن يدافع عنه إذا ما ذكر بسوء. خاتمة
إن من أراد أن يطهر نفسه أولا وصحيفته فلا بد من أن يراقب لسانه. لأنه كما قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم " .. وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" ، وأيضا قيل " الإنسان مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه". فيجب على ذوي البصائر والذين يرجون لقاء الله أن يتبصرا في عقوبة هذا الذنب ، و نتائجه الوخيمة التي يتركها على الفرد والمجتمع.
ملاحظة:
----------------- ممشاركة من : أبوعون |