الموضوع

الإسلام والوطنية

 

 

جامع مدينة عيسى الجنوبي ( جامع الامام المنتظر – الجمعة 16 / 8 /2002

ترتفع الأصوات اليوم تنادي بالوطنية ، حتى كانت " الوطنية " شعاراً  براقاً يرفعه

الكثيرون  ويدعون له ، ونحن هنا في هذا اليوم المبارك سنناقش الوطنية من وجهة النظر

الاسلامية ، ونبين الوطنية التي يتبناها الاسلام كرابط وشعور وما هي الخصوصيات

الاسلامية في طرحه للوطنية .

وسيكون حديثنا في نقاط أربع :

أولاً : مفهوم الوطن : فالوطنية مشتقة من الوطن ولابد لنا أن نقف أمام معاني الوطن

وهي :

1.      المعنى اللغوي : فالوطن لغة مايقيم فيه الانسان ، ولذلك نص ابن منظور على أن

الوطن هو المنزل الذي يمثل موطن الإنسان ومحله .

2.      المعنى الفقهي :  فقد استفاد الفقهاء من المعنى اللغوي للوطن في تعريفه فقد نصوا

على أن الوطن هو مسكن الإنسان ، وقسموه إلى قسمين :

أ – الوطن الأصلي : وهو المسكن الأصلي للإنسان ومسقط رأسه .

ب- الوطن الاتخاذي : وهو ما اتخذه الانسان مسكناً له اختياراً .

وعالج الفقهاء هذين المعنيين في بحوثهم ، ومن هنا فالطرح اللغوي والفقهي يتحدث عن

الوطن على أنه حدود المسكن ومحله ، ومن هنا قد تتعدد الأوطان في البلد الواحد .

3.      المعنى السياسي : وهو الرقعة الجغرافية للدولة والحدود الإقليمية الدولية لبلد

ما ، والوطنية يقصد بها  انتماء الفرد إلى هذه الرقعة الجغرافية ، والوطنية كمصطلح

سياسي ظهر في القرن التاسع عشر ليفيد أن مصالح الأمة أو الوطن تفوق كل المصالح

الأخرى ، وقد تسبب هذا الفهم للوطنية بكوارث إنسانية كالتي سببتها ألمانيا النازية

حينما فضلت العنصر الألماني على غيره ، وكالصرب في البوسنة وكوسوفو .

ثانياً : الارتباط بالوطن :

هناك عدة عوامل تحتم على الانسان الارتباط بوطن ، والتمسك به ، والانتماء له ، نذكر

منها ما يلي :

·       أ -  الارتباط الشعوري : فهناك حالة شعورية في الانسان تربطه بوطنه ، وتجذبه إليه

، حتى نص البعض على فطرية حب الوطن ، وأنه شعور وجداني مغروز في كينونة الإنسان ،

حيث ينشد الى بلده ووطنه ، ويحن إليه ، ويتحمل المصاعب على أرضها ، ويحس بالأمن

والاطمئنان فيها .

  ومن هنا نلاحظ أن القرآن الكريم  يتحدث عن هذه العلاقة الشعورية والعاطفية بالوطن

، وبالأرض ، في عدة آيات منه ، وينص على ان الاخراج من الوطن والنفي يعتبر حالة من

الصعاب التي يمر بها الإنسان .

قال تعالى : " .... فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا

وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند

الله والله عنده حسن الثواب " آل عمران 195

وقال تعالى أيضاً : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ،

الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله " الحج 39-40

وقال : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن

تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين ، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في

الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فاولئك هم

الظالمون " الممتحنة 8-9

فهناك حالة من الشعور الوجداني بالارتباط بالوطن وبالأرض التي تنفس الإنسان هواءها

، وترعرع فيها ، ومن هنا نرى الرسول {ص} يخاطب مكة : " والله إنك لخير أرض الله ،

وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أخرجت منك ما خرجت " ، رغم المعاناة الطويلة

والشاقة التي واجهها الرسول في هذه الأرض ، بل نراه كلما ذكرت له مكة يبكي اشتياقاً

لها ، فقد قدم ابان بن سعيد على رسول الله {ص} فقال : ياابان كيف تركت أهل مكة ؟

فقال : تركتهم وقد جيدوا وتركت الإذخر وقد أغدق وتركت الثمام وقد خالص ، فاغرورقت

عينا رسول الله {ص} .

ولهذا الشعور أيضاً أوصى يوسف أن يحمل جثمانه ليدفن في فلسطين ورفض فرعون تنفيذ

وصيته وبعد اغراقه نقله موسى إلى فلسطين .

ويقول الشاعر : وطني لو شغلت بالخلد عنه         نازعتني إليه في الخلد نفسي

وقد  روى الجاحظ في رسالة الحنين إلى الوطن أن العرب كانت إذا غزت أو سافرت حملت

معها من تربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه .

وكم تباكى شعراء العرب على الأطلال حين فراقها ، فإن ذلك من اصعب اللحظات عليهم ،

رغم أن اوطانهم ليست ثابتة ، وإنما هم يتنقلون إلى حيث الكلأ والمرعى والماء ، ولكن

الألفة التي تحصل بينهم وبين الأرض تجعل الفراق صعباً .

فاذن هناك شعور وجداني بالارتباط بالوطن والحنين له .

 

·       ب : الاتباط الإنساني : فمن عوامل الارتباط بالوطن هو الارتباط الانساني ،

فالانسان من طبيعته لا يحس بقيمته الإنسانية إلا في على أرض يستشعر وطنيته عليها ،

ويرتبط بها ، ومن هنا حين يتغرب الانسان عن وطنه يحس بالألم والضيق والضجر حتى لو

كان ذا سعة ويسر ، ومن هنا أيضاً يدافع المرء عن وطنه وقد يموت في سبيل ذلك تماماً

كما نرى على أرض فلسطين المغتصبة الحبيبة .

·       ج : الارتباط المصلحي : فعادة ما تكون مصالح الإنسان مرتبطة بوطنه ، فعمله

ومكتسباته لها صلة بوطنه ، وكلما استقر وضع الوطن كان وضع الانسان مستقراً أيضاً .

والآن دعونا نتحدث عن :

ثالثاً : خصوصيات  الطرح الإسلامي في الوطنية :

فالفكر الإسلامي قد طرح بعض القضايا والمميزات للوطنية مما تعتبر خصوصيات له ،

ومنها :

      اتساع الأرض : فالنظرة الإسلامية تنص على أن الأرض تتسع للجميع ، وللانسان حرية

التنقل فيها ، ففيها المتسع للحركة والعمل ، وبالتالي لا داعي لأن يغلق على الانسان

حدود بلد معين ، أو رقعة جغرافية معينة ، ويمكن استفادة ذلك من الآيات التالية :

-      " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور "

الملك 15

-      " إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون " العنكبوت 56

-      " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " النساء 97

      ومن هنا يقول الإمام على (ع) : " ليس بلد بأحق من بلد خير البلاد ما حملك " .

ومن هنا يمكن القول أن الوطنية في الطرح الاسلامي تشمل كل الأرض ولا تقتصر على حدود

جغرافية ضيقة ، ويحمل هذا المفهوم من قيم  التسامح والألفة بين أفراد النوع

الإنساني الكثير الكثير والكفيل لأن يعيش اناس كلهم وكأنهم أبناء وطن واحد .

      صناعة الإنسان الصالح : يهدف الاسلام إلى صناعة الإنسان الصالح ، بينما

الأطروحات الأرضية تهدف إلى صناعة المواطن الصالح – في أفضل تقديراتها – وهناك فرق

كبير بينهما ، فالمواطن الصالح هو الذي يؤدي ماعليه تجاه وطنه ويخلص له ويشارك في

تنميته ، ولكنه قد يكون سبعاَ ضارياً على أبناء الاوطان الأخرى ، يحترم حرية وطنه

ولكنه قد يعتدي على حرية الأوطان الأخرى ، ولذلك فالمواطن الأمريكي مثلاً يدافع

ويموت في سبيل الديمقراطية في وطنه ، ولا يرضى  أن يتدخل أحد في تعيين رئيسه إلا

صناديق الاقتراع ، ولكن الولايات المتحدة نفسها تتدخل في شئون الآخرين ، فتسعى

لتعين رئيساً لأفغانستان ورئيساً للعراق وما إلى ذلك .. ويعترض الأمريكيون على مقتل

أمريكي واحد هنا أو هناك أو حتى الإساءة له ولكنهم يقتلون الأبرياء ويقصفون المدارس

والمستشفيات – كما رأينا في العراق وأفغانستان – فقد يكون المواطن صالحاً في بلده

ولكنه الوحش خارجه .

    بينما الاسلام يهدف لصناعة الإنسان الصالح ، الذي يفيض رحمة وحناناً على الجميع

، سواء التقوا معه في بنوة التراب الواحد أم لم يلتقوا ، ويرفع شعار " إما أخ لك في

الدين أو نظير لك في الخلق " . فأي وطنية أثرى وأعمق وأجدى نفعاً هل الوطنية

الأرضية أم وطنية السماء ( إن صح التعبير ) .

      الإسلام مقدم على الوطن : فلأن الإسلام هو الدين الشامل لكل الأرض ، وجاء ليهدي

الناس جميعاً فهو المقدم على الوطن ، ومصلحته أولى من مصلحة الوطن لو كان هناك

تعارض أو تزاحم بينهما .

رابعاً : ملاحظات ختامية :

1 -  لا للصنمية الوطنية :   فالاسلام يرفض رفضاً قاطعاً ان تتحول الوطنية إلى صنم

،  يقدسها الانسان ليدوس على مقدسات الآخرين ، ويضرب بها دين الله في أرضه ،

ويحييها ليميت الناس ، أو أن يكون أسيراً وعبداً لها .

     2 – إذكاء الطائفية يفتت شمل الصف الوطني : فمن الغريب أن ترتفع نداءات هنا

لتكرس روح الطائفية فيما بيننا ، انطلاقاً من مواقف وطنية معينة ووجهات نظر قد لا

تتفق معها ، فتتهم أبناء مذهب أو طائفة بالخروج على صف الوطنية والحس الوطني

وتشتمهم ، وإننا نؤكد أن الموقف السياسي الوطني سواء كان بنعم أو لا فإنما يصب في

مصلحة الوطن كما يتصورها الفرد فمن عزم على المشاركة مثلاً في الانتخابات النيابية

القادمة فإنما ذلك من وجهة نظره مصلحة للوطن ، ومن قاطع فأيضاً من وجهة نظره مصلحة

للوطن ، ومن اتخذ موقفاً أو قراراً لا لمصلحة الوطن وإنما للوهم الطائفي فهو من يجب

أن يصحح مساره ورؤيته ، فلابد من العمل للمصلحة الوطنية الشاملة التي تستوعب الجميع

.

    3 – الوطنية والمرجعية الدينية : ومن الأمور الغبية جداً التي تم طرحها في

الآونة الأخيرة من قبل بعض كتّاب الصحافة المحلية ربط الولاء للقيادات والمرجعيات

الإسلامية من خارج البلد بعدم الولاء للوطن ، واعتبروا ذلك خرقاً للوطنية ، ومن

الواضح جداً أن المرجعيات الإسلامية مرجعيات عالمية لا تحجم في إطار الرقعة

الجغرافية التي تستوطنها ، تماماً كما هي رسالة الاسلام العالمية ونبوة سيد

المرسلين {ص} ، فانني استغرب كيف يقال إن الولاء للقيادة أو المرجعية الاسلامية

يخرق الولاء للوطن وكل أئمة  المذاهب الإسلامية الذين يرجع لهم كل المسلمين ويرجع

لهم ابناء هذا الوطن ليسوا من وطننا هذا !  فعلينا أن نحذر من مثل هذه الكتابات

الواهمة والمفرقة للشمل . 

 

 

-----------------

ممشاركة من :  مجيد التوبلاني