الموضوع الغزو الثقافي |
|
الغـزو
الثـقـافي هـو أن تقوم قوة ما –
سياسيــة أو إقتصاديــة – بالهجوم على الأسس
والمقومات الثقافية لأمة من الأمم ، ثم
تعمد إلى أن تحل محلها معتقدات وثقافة
جديدة ، هادفة من ذلك وضع تلك الأمة في
إسار تبعيتها . بالنسبة لنا نحن
المسلمون فإننا في مرمى الآخرين
وبالذات الحضارة الغربية ، فهناك خطة
مبرمجة للغزو الثقافي للبلاد الإسلامية
وواقع المجتمعات الإسلامية – حتى في
أشد بلاد المسلمين تقليدية ومحافظة –
خير شاهد على ما نقول .
ذهب
البعض إلى القول بأن قضية الغزو الثقافي
وهمية مصطنعة ولا وجود لها في العالم
الخارجي ، ولعل السبب الرئيسي الذي دفع
هذا البعض الناكر للغزو إلى التشنــج
وأحيـانــا إلى السخريــة من المصدقين به هو
لأن الإسلاميين هم الذين تبنوا قضية
الغزو الثقافي وحملوا راية التصدي له
بالدرجة الأولى ، إذ يرى الإسلاميين أن
العالم العربي – الإسلامي واقع في معرض
مخططات الغرب وأهدافه لإستلاب مجتمعاته
وسلخه عن دينه وقيمه وثقافته ، ساعيا
بذلك إلى إبقاء سمـة التـخـلف مستمـرة في
هذا الجزء من العالم .
لكي
نعالج الإلتباس الذي وقع فيه الرافضين
لوجود الغزو الثقافي ، و المتحاملين على
الإسلاميين و المنـهميـن لـهم باختلاق
القضيـة لتحقيـق أغراض آيديولوجيـة
تـفرضها ظـروف الصراع الداخلي مع التيارات
الأخرى فإننا سنوجه أنـظارهم إلى
بلـدان أخـرى من العالم تتبنى القضيــة بشكل
جـاد و
بحساسية كبيرة ، فأوربا تتحدث بصراحة عن
غزو ثقافي أمريكي ، برغم أن أوربا تشترك
مع أمريكا في بناء حضاري موحد ، وتتجلى
حساسية قضية الغزو
الثقافي
الأمريكي لأوربا بوضوح في بلدين هما
فرنسا و ألمانيا ، ففي عام 1989 شهدت باريس
إجتماعا لخبراء ومتخصصين في الإعلام
بحثوا إمكانية وضع حد للتدفق الثقافي
الأمريكي أحادي الجانب الذي ينهمر من
خلال الشبكات الفرنسية ، وقد شارك في
هذا الاجتماع الرئيس الفرنسي ميتران
بكلمة أعرب فيها عن خشيتـه على الهويـة
الفرنسية و الأوربية قائلا : " إنها في
خطر " . وفي عام 1993 أشار أدغار بيزاني
رئيس معهد العالم العربي ( مؤسسة فرنسية
) في مؤتمر مؤسسة راما الذي عقد في باريس
إلى أن فرنسا تتعرض هي الأخرى كالعالم
العربي إلى الغزو الأمريكي في المجال
السمعي و البصري . ويلمس المتابع للشأن
الروسي وجود تيار قوي داخل روسيا يحذر
من الغزو الثقافي الأمريكي ، وينبه إلى
المخاطر الشديدة المترتبة على الإنفتاح
، ويدعو في المقابل إلى إحياء الهوية
والثقافـة السلافيـة والإستنـاد عليها
لبناء قوتهم العظمى كالسابق ، وفي الصين
أصبح الحديث عن مخاطر الغزو الثقافي
والتأكيد على الهوية والثقافة القومية
منتشر ، أما في اليابان فما زال
الأمريكي يعيش حيرة كبيرة في فهم اللغز
التالي : كيف يكون الياباني بمثل هذه
الذهنية الخلاقة والقدرة العجيبة في
التأقلم مع مظاهر التحديث الطاغية إلى
جوار العيش والالتحام مع ثقافته الخاصة
وتقاليده وأعرافه ؟ الواضح
أن هناك قلق غربي من الإسلام من حيث هو
إطار مرجعي حضاري لأكثر من مليار مسلم ،
ونستدل على ذلك من خلال تصريحات بعض
ساسة الغرب الكبار ، فعلى سبيل المثال
لا الحصر عبر الرئيس الأمريـكي الأسبـق ريتشارد نكسون عن
قـلقـه من الإسلام من خـلال كتابيـن
نشرهما منذ سنوات قريبة مضت
أولهما ( نصر بلا حرب ) وثـانيهمـا (
انتهزوا الفرصة ) خلص فيهما " أن
الولايـات المتـحدة ستواجه – بعد
إنهيار
الإتحاد السوفيتي وإنـهزام
الإشتـراكيــة عـالمـيــاً – ( مارداً آخر ) هو الإسلام ،
وحث الغرب على إنتهاز الفرصة والإمساك
بسرعة بـ ( الريادة الروحية في العالم ) ،
وعدم السماح لما وصفه نماذج ( التشدد
الإسلامي ) من أن تجد فرصتها في هذا
المجال " وقد كشف هذه الخلاصة الدقيقة
لكتابي نيكسون الدكتور عبدالله
النفـيسي
في إحدى مقالاته في صحـيفـة الـوطن
الكويتية . وممـا
يـزيـد في يقيننـا من حقيقـة النـوايـا
والأهـداف لدى الغربيين مراجعتنا
لصفحات
سجل الصراع الغربي ضد الإسلام وضد
الأمـة العربيـة أيام الإستعمار والتي بإختصار
كانت حربا ضروس ضد الثقافة الإسلامية
وقيمها استمرت طوال الحقبة الإستعمارية
، وظلت أحد محاور إستراتيجية الإحتلال ،
ولم تتوقف هذه الحرب بعد رحيل السلطة
الإستعمارية بل استمرت على أيدي تلاميذ
المدرسة الغربية ، الذين أثبتـوا ولاءهم
الشديـد لسياسة أساتذتهم ومعلميهم ،
فكانوا ومازالوا هم أصحاب الحظوة في
الدول الغربية ، التي لم تبخل عليهم
بالنصرة والدعم والتكريم في المحافل
الثقافية الدولية . الغزو
الثقافي الغربي على عالمنا العربي –
الإسلامي اليوم يتحرك على جبهتين ، جبهة
في الداخل وجبهة في الخارج ، من الداخل
عبر النخب الثقافية المغتربة التي تمهد
طريق المجتمع للوقوع في أسر الحضارة
الغربية ، عبر هتكهم للمقدسات والثوابت
الدينية والدعوة للإنقطاع عن الأصول
بإسم اللحاق بركب التقدم تارة ، وبإسم
الحداثة تارة أخرى ، ومن الخارج عبر
الدعاية الواسعة لقيم وسلوك المجتمعات
الغربية ، مستفيدين في ذلك من التقدم
التقني الهائل والقوة الإقتصادية
العملاقة التي في حوزتهم ، والذي بهما
يتم تعبئة جيش ثقافي ضخم يضمن تدفق
المعلومات في إتجاه واحد : من الشمال إلى
الجنوب ، تلك المعلومـات التي يرغـب هـو
بدفعـهـا وتـغذيــة الأمم بهـا لتحقيـق
مآربـه المعروفـة ففي تـقرير مفصل نشرته صحيفة
الصنداي تايمز في عددها الصادر في 1/ا/1995
تحت عنوان : " سلاح الغرب السري ضد
الإسلام " ذكرت فيه وبسعادة أنه يتم
تهريب 10 آلاف طبق لاقط ( الدش ) إلى إيران
كل عام ، وأن في الجزائر 100 ألف طبق ..
وخلصت إلى أن تلك الأطباق هي جسر
التغيير المنشود لصالح الثقافة الغربية
! يجب
أن يعلم الفرد العربي – المسلم بأن
تنازله عن الهوية الوطنيـة وتقليد
نـمـوذج الحيــاة الغربيـة
والأمريكيـة بشكـل أخـص ،
من لبس الجينـز والملابس ذات الألـوان
الصارخـة والمـوديـلات الغربيـة
وقصـات الشعـر والهـامبـرغر والديسكو
والعنـف والإنـحـلال الجنسي
والعبـثيـة واللامبـالاة وطغيـان النزعة
الإستهلاكية والتمرد على التعليمات
الدينية .. الخ ، كل هذه الأعمال لن تبدله
من عربي إلى أمريكي ، بل ستجعله مسخاً
هجيناً ، ليس له هوية واضحة ، ولا محيطاً
يحس بالتفاعل الصادق معه ، فيغدو في قلق
دائم لا يذوق معه الطمأنينة ، أليس هذا
ما يعاني منه شبابنا اليوم ؟ قد
يقال أن طرح مسألة الغزو الثقافي تنطوي
على مخاطر ، إذ ربما تبرر الكسل وتسوغ
التقاعس عن الإنتـاج والإبـداع
الـثـقـافي بـإسم الخــوف من الغزو
الثـقافي ، أو ربما
تحولت هذه المسألة إلى عصا غليظة يهوى
بها على رؤوس المبدعين ، فنقول لا يجب
الخلط بين التفاعل الثقافي أو التبادل
الثقافي الذي بـات أمراً ضروريـاً للعالم
برمتـه ، وبين الغزو الثقافي ، فالأخير
فرض وقسر ، والأول إختيار . فلا ضير في
تلقي ثـقـافـة الآخرين والنهل من علومهم
فالإسلام دين الإنفتاح ودين العلم
مصداقاً للحديث الشريف " اطلب العلم
ولو كان في الصين " ، فثقافة الغرب
فيها الكثير من الأشياء النافعة ، علينا
أن نجذبها ونتعلمها ، ولعلها هي السبب
في بقائه حتى الآن مسيطراً على العالم ،
فمثـلا هم منظميـن إدارياً .. مثـابريـن في
العمل .. لديـهـم إصـرار .. يفسـحون المجال
للطاقات المبدعة .. يقدرون العلماء
والمخترعين .. ، فلا ضير من أخذ وتعلم
العناصر الإيجابيـة في ثـقافتهـم
والإستفادة منها مع بـقـائـنـا متيقظين
وواعين لخططهم ومكرهم الثقافي ، قال
الإمام علي (ع) : " من نام لم ينم عنه
" . لن
نتحدث الآن في الشق المتعلق بالدور
الداخلي الذي أدى لإيجاد حالة الضعف
المشهود في البلاد الإسلامية – مع
ملاحظة أنه ليس وليـد السـاعـة بل هو نتاج
تراكمات عدة عوامل تـاريـخيـة – والذي
مهد الأرضيــة ليشق التيار الفكري المضاد
طريقه إلى المسلمين وتبلور مصطلح
الـغـزو الـثـقـافي ، وسنتكتفي بتشخيص جمال الدين
الأفغاني الذي كان دقيقـاً عندمـا قال
بأن الأمـة الإسلاميــة فقدت موقعها الحضاري
بسبب الإستعمار الغربي من جانب ، وبسبب
الدكتاتورية المحلية والجهل المنتشر في
أوساط الأمة من جانب آخر . هنـاك
حقيقـة ينبغـي أن تكون حاضرة في
أذهانـنـا ، وعلينـا أن لا نغيبـها وسط الشكوى والتظلم
أو التباكي على الأمجاد التاريخية ، وهي
أنه لا سبيل إلى صد الغزو الثقافي إلا
بتوفيـر شروط النهضـة الذاتية والعودة
إلى الهوية الإستقلالية . لقد كان بيت
المقدس بيت للمسلمين في بادىء الأمر ،
وهو أمـر جعل اليـهـود يـتـهمـون
المسلميـن ويشهـرون بـهـم ، بـأن لا
قبلـة لهــم ، وأنهـم
يؤمون قبلتنـا في عبادتهـم ، فنزل الوحي
الإلهي بتغييـر القبلـة وردت في الآيات 142
– 150 من سورة البقرة – وفي هذا الأمــر درس
للمسلمين وهو أن يعتمدوا على أنفسهم وأن
تكون لهم إستقلاليتهم في كل شيء ، حتى في
رمز التوحيد الإلهي . لديـنـا يقيـن بأن الأمـة الإسلاميـة الآن تمر بمرحلـة استعادة الثقة في نفسهـا وعقلهـا وفي قيمهـا الإسلامية ، وعلينا في هذه المرحلة أن نسعى جاهديـن لتوفير أجواء ثقافية مميزة تحوطها الأخلاق والقيم ، وترتكز على أسس العقيدة الثابتة كشرط هام لإستعادة موقعنا الحضاري ، ونؤكد بأن النظام العـالمي الجـديـد ما لجـأ إلى الحرب الثقافية إلا لإستنقـاذ نظامه من النظام الإسلامي الذي ولد من جديد ، والتـجـربـة الإسلامـيـة المعاصرة – بإستثناء التصرفات المتطرفة والمتخلفة لبعض الجماعات الإسلامية – قد خلقت أزمة للغرب وهذه الأزمة هي ( ولادة حضارة وموت أخرى ) . قال تعالى ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) صدق الله العظيم . ----------------- مشاركة من : محمد مصطفى غضنفري |