الموضوع
وعلى خطاهم نسير |
|
مقدمة :
قال الله سبحانه و تعالى : " وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً . وما تدري نفس بأي أرض تموت . " ......... و ما تدري نفسٌ كيف تموت ؟؟ نؤمن بأن الموتَ حقٌ وهو حقٌ آتٍ لا ريب فيه ، ولا مفرَ منه ، ومن البديهي أن يسعى الموتُ خلفَ المرء فلكلِّ أجلٍ كتابٌ ، و لكن العجبَ العُجاب أن يسعى المرءُ بنفسِه خلفَ الموتِ !! هذا الحمقُ بعيِنه ، وتتمثلُ الحماقةُ في أن يقتلَ المرءُ نفسَهُ بدعوى الانتحار، و يستعجل وُرودَها جهنم ، والموتُ آتيه لا محالة وقتَ أجلِه المكتوب والمعلوم في الكتاب فـ " كلُّ نفسٍ ذائقةَ الموت " .
الحياة نعمة :
بما أن الموت حقٌ كذلك الحياة هي حقٌ مقدس لا يحل انتهاك حرمتها ، و لا استباحة حماها ، فالحياةُ نعمةٌ كبرى أنعمها الخالق عزّ شأنه على المرء الذي عليه أن يصونها ويحافظ عليها من كل سوء ، بل طالبه بألا يعرضها للتهلكة " و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلُكة " لذا حرم الإسلام الاعتداء على النفس الإنسانية و أوجب الدفاع عنها والقصاص لها ، ولا يحق لأي كائن كان أن يعتدي عليها حتى لو كانت نفسه التي بين جنبيه ، فالله سبحانه وتعالى هو وحده واهب الحياة و صاحب الحق في انتزاعها منا .. متى شاء وكيفما أراد ... و نفوس البشر تتفاوت قوة و ضعفاً في تحمل تبعات هذه الحياة القاسية ، و النفوس الضعيفة هي التي تجد للانتحار سبيلاً و مخرجاً لعدم قدرتها على تحمل المزيد من الصعاب ....
أصناف الناس :
والناس في مواجهة كَلِب الزمان ونوازله أصنافٌ ثلاثة منها :
الصنف الأول :
مَن يقف متحدياً لتلك النوازل ، و يحاول أن يتابع حياته بإصرار وعزم شديدين ، فلا يعبأ بغِـير الزمان التي تأتيه من كل جانب ، لقدرته على تذليل الصعاب بإيمان قوي وصبر جميل ، فهو متترسٌ بسلاح قوي لا تزعزع نفسه القوية و لا تحرك دواخلها الراسخة ، والذي يدعمه ويقوي رغبته في التحدي هو إيمانه بالله وتوكله عليه و ثقته التامة به وبأن الفرج قريب آتٍ ، فلا بد لغيوم البلاء أن تنقشع يوماً ، وتصفو سماء حياته من جديد ليكمل بعدها مسيرته بكل قوة و جَـلدٍ ، ويعود لمسارها أقوى مما كان عليه من قبل ، فكأنما أكسبته تلك المحن قوة وإرادة على تخطي كل ما تعترض طريقه مستقبلاً من صعاب ، وهو بذلك أشبه بالصخرة الصامدة في وجه الموج المتلاطم .. لا تبالي بما يثيره هذا الموج العاتي من حولها ما دامت متيقنة بثباتها وصمودها .. وعلينا نحن يا أبناء خير أمة أخرجت للناس أن نكون صخور الإسلام .. صلبةً متينةً .. لنقف في وجه أمواج الأعداء الهائجة لنقهرهم ، ونعيد لأمتنا المسلمة عزها القديم وماضيها العريق .
الصنف الثاني :
مَن تضطرب تلك النوازل حياته وتذبذبها ، لكن رغبته في مواصلة طريقه تدفعه إلى مواجهتها فيتغلب على السهلة منها ، ويقف عاجزاً عن المسيرأمام الصعبة منها وذلك حسب قوته الروحية و همته الجسدية ، فتسير دفة حياته بين الأمواج المتلاطمة ، فيومٌ له و يوم عليه ، هو بذلك أشبه بربان السفينة الذي قد يتغلب على قوة التيار بصبرٍ وحكمة ، و يوجه سفينته لبرالأمان ، أو نحو الوجهة التي يريدها ، وأحياناً يفقد سيطرته عليها فتتحكم قوة التيار فيها لتتقاذفها يمنةً ويسرة ، فيومٌ للربان ويومٌ للتيار .
الصنف الثالث :
مَن يحمل بين جوانحه نفساً ضعيفة ، و ُروحاً إنهزامية ، فيتخاذل ويتراجع تاركاً الدنيا تفعل به ما تشاء من دون تحدٍ لها و لتبعاتها ... لا يستطيع تحمل صروفها لانعدام ثقته بنفسه ، أو لاتكاليته واعتماده على الآخرين في تسيير شؤون حياته ، فتستسلم نفسه الضعيفة لإغواء الشيطان بعد أن فقدت روح المواجهة والتحدي .. فـفقد معها إحساسه بقيمة الحياة و طعمها ، وبالتدريج تضعف قابليته في الحياة ويضيق بها ذرعاً فيُصاب بالاكتئاب والإحباط إلى أن يغرّه شيطانه الغوي ويزين له فكرة الانتحار في أبهى حُــلّةٍ ، وأزهى صورة لتغزو عقله وتهيمن فكره ... ليجد نفسه وحيداً حائراً يسير في حلقة دائرية مفرغة لا سبيل للخروج منها إلى أن يقرر قتل نفسه ظلماً وعدواناً باعتبار الردى طريقاً للخلاص من معاناته ، ليحظى بفهمه القاصر بالسعادة والراحة الأبدية.. وهيهات .. هيهات أن يبلغها بعدما تجرأ على خيانة أمانةٍ الخالق عز وجل التي أودعها عنده والتي لم يأت أجلها بعد ، فـفرط بالأمانة ولم يكن أهلاً لها ، ولا يستحق إلا سوء العذاب خالداً مخلداً فيه أبداً . وصاحبنا هنا أشبه بالغريق وسط موج هائج ، بما أنه وجد نفسه قاب قوسين أو أدنى من الموت حتى أنقاد لمصيره وأطلق العنان للأمواج يتهادى بينها مستسلماً .. فاقداً إيمانه بربه .. لا يصارع الموج ولا يتحداه ، إلى أن تنشب يد المنية أظفارها في قلبه .. تنزع روحاً دون مقاومة .. .. لتترك ورائها جسداً بلا روح ، فيفنى الجسد و تبقى الروح تتعذب . مهما تكن الأسباب قاهرة والظروف معاندة للمرء لا يجدر به أن يفكر مجرد التفكير في الانتحار ، بل عليه أن يضع نفسه موضع اختبار يقيس فيها مدى إيمان تلك النفس وصلابتها ، فيقف مع الحياة موقف المتحدي لها القادر على تذليل صعابها لينعم بعد ذلك بالراحة والأمان . كانت تلك أصناف ثلاثة من البشر ، والتي تعبر عن قابلية كلٍ منها في قوة التحمل وتذليلها للصعاب كلٌ حسب قدرته و طاقته ، وعلى قـدر فضل المرء تأتي خُــطوبه ، وفي هذا المعنى قال المتنبي :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المــكارم . وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم.
ولنا في تقليد الغرب نهجٌ متبع :
يمكن للنفس البشرية أن تثبت قوتها من ضعفها بصمودها أمام المحن و قدرتها بالتغلب عليها ، لكن باتت نفوسنا اليوم ضعيفة هزيلة لا تصمد في وجه إعصار المحن ، لبعدنا عن ما يقويها بعد ابتعادنا عن ديننا ، وتقليدنا للغرب تقليد أعمى ، فنحن نحاكي الغرب ونقلده في كل شيء .. صغيرةً كانت أم كبيرة ، و ضارةً كانت أم نافعة ، ليس المهم كيف يكون الأخذ منهم بل الأهم أن نقلدهم و ننفتح على العالم و نتحضر تحضرهم الماجن ، وللأسف مازلنا نسير على هذا المنوال سنيناً طويلة ، بينما الغرب ـ المتحكَم أصلاً من قبل اليهود ـ يحاول دائماً بإيعاز من العدو أن يضعف نواة القوة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالنيل من مصادر قوتها الكامنة في شبابها الواعد ، والشباب المسلم هم المستهدفون دائماً وأبداً لكونهم عماد الأمة وبناة مستقبلها ، وتُعقد عليهم آمالاً كثيرة لتغيير حالها لتكون الأفضل بين الأمم .... لذا يسعى الغرب الحاقد بكل السبل ـ المباشرة منها وغير المباشرة اضعاف أمتنا الإسلامية بإخماد قوة شبابها من أجل خلخلتها وإحكام قبضته عليها ومن ثم تدميرها تدميراً و القضاء عليها عن بكرة أبيها ، فلا يكون لها شأن ولا خبر يُذكر . من المؤلم حقاً أن نقلد الغرب في كل صغيرة ، وعلى خُطاهم نسير خطوةً خطوةً ، وعن ضلالهم لا نحيد شبراً شبراً ، بينما عن ديننا ننأى فراسخَ وأميالاً ، ، وننبذ القرآن وراء ظهورنا سنين عدداً ، والسبب تيار الغرب الجامح وسيله الجارف الآخذ في دربه بعض شبابنا و شاباتنا الذين انخرطوا في سلك الغربية الماجنة ، فابتعدوا عن رحاب الإيمان ، و لم يتفيئوا بظلال القرآن ، فحاكوا الغرب أيما محاكاة .. بلا ريبٍ ستصل بنا تلك المحاكاة العمياء إلى أرذل و أحط مكانة لا يمكننا توقعها ، فحتى الآن لم نجني منهم خيراً خلا الشوك و الألم ، والويل والسقم ، و ليت الشباب يعـَوّا الخطر المحدق بهم من كل حدبٍ و صوب ليعودوا إلى جادة الحق والرشاد ، فطريق التوبة مفتوحٌ و بابه أوسعُ ، و العـودُ أحمدُ.
الانتحار بيننا :
للأسف الشديد بتّنا اليوم نقلد الغرب في أفكارهم ، حتى وإن كانت أفكاراً جنونية داعية إلى إزهاق نفسٍ بريئة حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق ، فالجنون كامنٌ بقدر في كل نفس بشرية ومتأصلٌ فيها ، ودرجة العقولة ـ في موقف ما ـ هي التي تظهر هذا الجنون أو تدفعه بعيداً عن حيز التنفيذ .. و كلُ نفس أمارةٌ بالسوء إلا ما رحم ربي ، بلا شك قد مرت في حياة كل واحد منا لُحيظات جنونية يدركها أو لا يدركها ، و لا يعرف كيف تسللت تلك الفكرة المجنونة وتمكنت من السطو على مكامن عقله .. و هكذا الانتحار فكرة مجنونة سطت بعض خفاف العقول من شبابنا ذوي النفوس الضعيفة . فالانتحار فكرة جنونية مستوردة إلى عالمنا كما تستورد البضائع ، غربية الرافـد ، يهودية المنبع ، بل هي فكرة شيطانية روّجها لنا الغرب من خلال أفلامهم ومسلسلاتهم القائمة على أسس الفساد والدمار الخلقي والاجتماعي، فنشروا تلك الأفكار الهدّامة تحت مسميات خدّاعة و شعارات برّاقة ، هذا كما ظهرت مؤخراً مواقع يهودية على شبكة الإنترنت تنشر أفكاراً قاتلة في دعوة صريحة للانتحار، فتدعو كل مَن وجد اليأس طريقه إلى قلبه أن يبادر فوراً ويشترك بالموقع ، ليساعده في وضع حدٍ لشقائه ومعاناته تحت عنوان " أقتل نفسك KILL YOUR SELF " .. وكم قرأنا في الصحف عن أناسٍ ماتوا في ظروفٍ غامضةٍ أمام أجهزة الحاسب دون ترك أي أثرٍ يدل على الجاني . والأسوأ من ذلك ظهور مواقع تشرح طرقاً كثيرة للانتحار ، وما على المشترك سوى اختيار الطريقة التي يجدها مريحةً له .. تلك الأفكار الحمقاء نُشرت في العالم أجمع على مرأى ومسمع الجميع ، فقد لاقت رواجاً في عالمنا العربي ومازالت ، ووجدنا لها صدىً في الأفلام العربية ، ومن ثم راقت هذه الفكرة للشباب والمراهقين ، وهي إن غدت أقوالاً متداولة بينهم إلا أنها تُشكل خطراً حقيقياً على مستقبل الاجتماع من انتشار هذا الوباء الفكري المدمر على نحو لا يمكن بعدها السيطرة على نتائجها الوخيمة ، فكم من أقوالٍ تُرجمت لأفعالٍ واقعة ، وفعلاً سمعنا بالكثير ، فليس كل ما يحدث في مجتمعاتنا يُنشرعلناً وعلى الملأ . لقد تفشت ظاهرة الانتحار في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، وباتت كابوساً تقضُّ مضاجعَ الأسر العربية ـ التي وإن كانت تدرك خطورة التأثير الغربي على أبنائها وتخشى من كل غربي دخيل على حياتها وعلى حياة أفرادها ـ إلا أنها تقف عاجزة ساكنة ترقب الخطر المحدق بأبنائها ، وإن تحركت .. تحركت بتخبطٍ وحيرة لا تملك من أمرها شيئاً ، فالأمور سرعان ما تخرج من بين يديها ، وتفقد سيطرتها و تحكمها بكل شيء . إنّ مجتمعاتنا في واقع الأمر لا تعي هول الخطر المحاط بها إلا متأخراً ، و لا تفيق من سباتِها العميق إلا بعد ضياع أبنائها في المتاهة الغربية المظلمة ، وساعتها تبكي ما جنت يدها من سوء حرثها ، و تندم أشد الندم لصمتها المتخاذل .. ولكن أين عقول شبابنا الراشدة ... الواعية لتلك الحقيقة الغائبة ، حقيقة قتل الغرب لجذوة الشباب بطرقٍ ملتوية و سُـبل منحلة .. أقول إن غابت الحقيقة الساطعة عن أذهان البعض فلا بد للبعض الآخر أن يدركها و يحاول أن يصلح ما أفسده الغرب قبل أن تتفاقم الأمور وتخرج من نصابها ، و حينها لا ينفع عض الأنامل ندماً ، أو ذرف الدموع قهرا ً.. فما مضى لن يعود ، و لن يجدي البكاء نفعاً على ما ضاع .... ووقتها لن نجرِّ إلا أذيال الفشل و الخيبة ، ونطلق زفراتنا ألماً و حسرةً ، ولكن الأمل قائمٌ في أن نطرح أفكار الغرب جانباً ، ونضرب بها عرض الحائط ، لنعيش بأفكار ورؤى إسلامية نسير عليها .. وما لنا إلا الانتظار من سبيل ، وإن طال بنا الأمد .
و للانتحار أسبابه :
لقد وجد بعض شبابنا من الانتحار خيرُ وسيلة لتحقيق مآربهم أو لوضع نهاية لآمالهم ، فقد غدا الانتحار في نظرهم السقيم وسيلة تهديدية للضغط على آبائهم لتلبيةً أوامرهم ، كما أنه وسيلة هروبية من الدنيا وما عليها من ضغوط وأعباء تكهل عاتقهم ، فيجدون في الانتحار خير وسيلة للهرب من خلافات و مشكلات أسرية يعانون منها ، أو للفرارالأبدي من هذا العالم التعيس لعدم قدرتهم على مواجهة صروف الدهر وخطوبه التي لا تنتهي ، فيهربون من المسؤولية المنوط إليهم ، و تستسلم نفوسهم ـ الخاوية من نور الإيمان ـ لغوايات الشيطان باتباع خطواته ، لتقذف بنفسها في أحضان الموت بعد إزهاق روح تنبض بين جنباتها من دون وجه حق . و من أهم الأسباب التي تدفع بشبابنا إلى الانتحار الخلافات الأسرية ، و لعل انفصال الوالدين أو طلاقهما يعتبر من أكثر الأسباب شيوعاً ، وهناك الكثير من القصص الواقعية تثبت خطورة الطلاق على الأبناء ، وهذه الواقعة حدثت في مدينتنا ، فلقد دفعت فتاة خلوقة عمرها ثمناً لطلاق والدتها ، حيث كانت متعلقة بها بشدة ، وبعد الطلاق منعها والدها من الاتصال بها ، وفي الخفاء كانت تتحدث مع والدتها دون علم والدها من خلال هاتف نقال اشترته الأم لابنتها لتكون وسيلتهما في الاتصال ، وبعد أن اكتشف الأب ذلك ثار غاضباً في وجه ابنته المدللة ، فتشاجر معها وعنّفها بصورة لم تتوقعها منه ، فما كان من الفتاة إلا أن حبست نفسها في غرفتها ، وفي لحظة يأس تناولت كمية كبيرة من الحبوب المنومة لم تفق بعدها ، ولم تشرق عليها شمس صباح جديد ، وأثار موتها صدمة للجميع وبالأخص والديها كما أن الفشل في الدراسة دفع بالكثير في مسار الانتحار ، خاصة الفشل في الثانوية العامة التي باتت هاجساً مرعباً يؤرق حياة أبنائنا بعد أن هولت الصحافة العربية من أمرالشهادة الثانوية العامة بحيث أصبح موضوعاً مصيرياً تفرد لها الصفحات الأولى رافعة من شأنها لكونها مرحلة مهمة نحو التخصص العملي ، وعلى الكل الجد والاجتهاد فيها ، حتى أضحى هذا الموضوع كابوساً جاثماً على صدور الممتحنين خاصة مَن يسعى فيها لتحقيق ذاته واثبات وجوده ، والذي مرّ بهذه التجربة يعلم حقيقة قولي ، فما المبالغة من شأني لأنني مررتُ بها ، والحمد لله أنها مرحلة انقضت ومرت بسلام ، وليتها تكون كذلك للمقبلين عليها ، ولكن قد لا تمر بسلام عند القلة ، واقصد الثلة العابثة الفاشلة التي تجد الفشل يحاصرها ، فضلاً عن ضغوط أسرية تطوقه وتحثه على الحصول على معدل مرتفع ، وأحياناً يُخطأ الآباء في ممارسة تلك الضغوط بالمقارنة الخاطئة بالغير ، بل قد يتعدى البعض منهم بالضرب المبرح وبالإهانة الجارحة للابن أمام أخوته الصغار وهذا ينعكس سلباً على تربيتهم ، ويؤثر في شخصيتهم مستقبلاً ، والكثير من الشباب اليافع دفعهم الخوف من الأب أو مواجهة الأهل بالفشل الذريع الذي وقعوا فيه بالإقدام على الانتحار في لحظة شيطانية .. هذه واقعة حقيقية واحدة من الوقائع المأساوية الكثيرة ، فلقد أقدم مراهق على قتل نفسه هرباً من خزي الفشل الذي مُني به ، بعد رسوبه في الثانوية العامة على الرغم من أن له دوراً ثانياً في المواد الثلاثة التي رسب فيها ، لكنه خاف من الفشل مجدداً فوضع لحياته حداً . والحقيقة أن معظم حالات الانتحار التي سُجلت في مجتمعاتنا الخليجية كانت بين العمالة الوافدة إلينا والتي لا تدين بالإسلام ديناً ، وتلك الفئة لا يردعها شيءٌ عن قتل نفسٍ بريئة ، فليس لها إيمان يعصمها، ولا وازع يمنعها ، فيتسرب الاكتئاب إلى نفوسها الضعيفة ، وتجد في الانتحار سبيلاً للخلاص من معاناتها و غالباً ما تكون معاناة مادية .
الاكتئاب وراء الانتحار:
أصبح الاكتئاب اليوم هو المحرك الرئيس و الباعث الأساسي لكثير من حالات الانتحار في العالم ، لذا سُمي بمرض العصر لكثرة المصابين به نظراً لتعرضهم لظروف قهرية أُجبروا للعيش في ظلها . فلقد كشفت منظمة الصحة العالمية بأن لبنان من أكثر الدول إصابةً بالاكتئاب وذلك من حيث تعداد سكانها ، كما تعتبر الدول الأسكندنافية من أكثر الدول ارتفاعاً في نسب الانتحار خاصة السويد لإصابتهم بالاكتئاب نتيجةً لعدم تعرضهم لأشعة الشمس التي لا تُشرق عندهم إلا مرة واحدة في السنة وتسمى بشمس منتصف الليل ، و لمعالجة هؤلاء المرضى ظهرت طريقة علاجية جديدة تُسمى بالعلاج الضوئي تعتمد أساساً على تعريض المرضى لأضواء شبيهة بضوء الشمس . هذا ولقد بينت أحدث دراسة بريطانية بأن التعلم سر الصحة والسعادة ، فالأشخاص المتعلمين هم أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب وأكثر تحفزاً لتحقيق الإنجازات ، وصحتهم أفضل من الأقل تعليماً .
صورٌ أخرى للانتحار:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تنوعت الأسباب والموت واحدٌ
والانتحار واحدٌ وإن تنوعت صوره ، فهو الموت بعينه ، و في مجتمعاتنا انتشرت صورٌ انتحارية بين شبابنا وإن جاءت تحت مسمى إلقاء النفس في التهلكة فالنتيجة انتحارية بلا ريب وإن كانت مجرد لهو ممتع بغض النظر عن خطورته ومن تلك الصور : ـ القتل البطيء لعنفوان الشباب و غُـرّته عن طريق المخدرات ، وما أدراك ما المخدرات .. إنها سُمومٌ قاتلة تفتك بالأفراد والمجتمعات . ـ سباق الموت السريع وذلك بقيام الشباب بسباق للسرعة في مناطق نائية بعيدة عن أعين الشرطة ، أو في الشوارع الخالية ، فيطلقون العنان لسياراتهم لتحلق في سماء السرعة ، غير مدركين خطورة تلك السباقات فقد غشت متعة اللهو أعينهم ، و تمكن الشيطان من نفوسهم ، ونجد أن أغلب الوفيات التي سُجلت في حوداث السرعة من الشباب اليافع . ـ اللهو مع الموت وذلك بقيامهم باستعراضات بهلوانية وحركات قاتلة بسياراتهم ، أو بركوب الكثبان الرملية (الطعس) ونزولهم بحركات جنونية.. كانت تلك بعض الأعمال الخطرة المنتشرة في مجتمعنا الخليجي وهي أشبه بصور انتحارية وإن لم تكن بقصد الانتحار الفعلي ، وللأسف تلك الصور قبضت أرواح الكثير من شبابنا .. فكم من شبابٍ يانع في عمر زهور ربيعية سحقتها أقدام الموت ، ومتعةُ اللهو هي السبب ..
جرائم المنتحر :
إن المنتحر بإقدامه على هذه الفعلة الحمقاء يعتقد بأنه لم يرتكب ذنباً في حق الغير لأنه جنى على نفسه فقط ، لكنه سها وغفل عن جرائمه في حق الله والمجتمع ، وفي حق نفسه أيضاً ، فقد خان الأمانة واقترف جُرماً في حق الله لاعتدائه على أخص خصائص الألوهية ، واعتدائه على خلقه وتحديه في ملكه ، حيث تصرف في روحٍ لا يملك من أمرها شيئاً ، متمرداً بذلك على الله وعاصياً إياه ، وسبحانه أرحم على عباده من أنفسهم ، ونلتمس ذلك من قوله : " و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " حريٌّ به جنهم ساءت له مستقراً ومقاماً ، و مخلداً فيها مهانا " ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً " . كذلك أجرم في حق نفسه فقد قضى عليها و قتل الإيمان فيها ، وحرّمها من أسباب العيش الرغيد حيث الدّعة والأمان ، والسكينة والاطمئنان ، وسحبها إلى سوء المصير و العذاب المرير . لم تتوقف جرائمه عند هذا الحد ، بل إنه بفعلته هذه أجرم في حق مجتمعه الذي هيأ له أسباب الحياة والنمو والتربية في ظله ، ليغدو فرداً قادراً على إنماء مجتمعه و يساهم في تطوره ، لكنه للأسف تهرّب هذا الجبان من أداء واجبه نحوه بعد فشله في تحقيق ما يصبو إليه ، وفرّ من المسؤولية الملقاة على عاتقه ، فكان الأجدر به أن يعطي مجتمعه كما أعطاه ، لأن الحياة أخذٌ وعطاء ، وليس أخذاً فحسب ، و بإقدامه على الانتحار أثبت أنه أناني تافه ، همّه السعي خلف شهواته ونزواته.. و بعدالاخفاق خيّر نفسه بين : حياةٍ كما يشتهيها ، أو مماتٍ هرباً وفراراً
نفوسٌٍ شيطانيّة تتعذب :
لا يُقدم على الانتحار إلا المختل عقلياً ، المعتل نفسياً ،المضطرب فكرياً ، الانهزامي شخصيةً ، الواهن عزيمةً ، المتبلد إرادةً ، المتمرد على الله ساخطاً على قضائه وقدره ، و اليائس من روح الله ، و لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، لذا يعتبر المنتحر كافراً لاستحلاله فعلاً محرماً شرعاً.. .. تلك النفوس .. نفوس عليلة تسلل إليها الكفر وتربع عليها لتطبعها بالقسوة والغلظة .. تلك القلوب .. قلوب سقيمة استسلمت للمرض الشيطاني بعدما انطفأ منها نور الإيمان وانخمدت قوته ، فحلّ الضلال يسرح فيها ويمرح .. .. تلك العقول .. عقول قاصرة لا تعي حقيقة فعلتها المنكرة ، و لا تدرك ما ينتظرها من سوء العذاب لتخلد فيه مهانا .. .. تلك الأيدي ..أيدٍ قاتلة سرقت نبض الحياة من تلك الروح البريئة التي لا يملك زمامها ، فهي ليست ملكاً له بل ملكاً لبارئها الذي خلقها فسواها .. .. تلك جنت و ما درت أنها تنقل روحاً من شقاء محدود إلى شقاء دائم .. ما علمت أنها تقود روحاً إلى جنهم وساءت مصيراً .. تقودها إلى عذاب أبدي سرمدي .. بئس العذاب عذابُها .
الجزاء من جنس العمل :
و في جزاء المنتحر قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : " مَن تردّى من جبلٍ ، فقتل نفسه ، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخــلداً فيها أبداً ، ومَن تحسّى سُماً فقتل نفسه ، فـسُمه في يده يتحساه في نار جهنم خـالداً مخـلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحـديدةٍ ، فحـديدته في يده يجـأ بها في بطنه في نار جهنم خـالداً مخـلداً فيها أبداً " . هذا العذاب الأبدي ينتظر مَن قتل نفسه . فكيف بمَن قتل غيره ؟! .. هذا مصير كل مَن سولت له نفسه الأمارة بالسوء استعجال الموت ( وعلى يديه) أن يبوء بسوء العقبى ، فقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن رجلٍ كثُرت به الجراح في إحدى الغزوات ، فوضع ذؤابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه ـ أُخبر عنه .. أنه من أهل النار " . وأنه من تعدى على نفسه أو نفس غيره فهو بمنزلة من قتل الناس جميعاً لقوله تعالى : " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " .
و لنا في رسول الله وآله الأطهار أسوةٌ حسنة : لنتعلم يا أخوتي من الإمام الباقر ( ع ) درساً نسير على إثره في حياتنا بأن نريد في دنيانا ما يريده الله لنا ، ففي روايةٍ أن جابر بن عبد الله الأنصاري ( رض ) ابتُلي في آخر عمره بضعف الهرم والعجز ، فرآه الإمام الباقر ( ع ) فسأله عن حاله فقال : أنا في حالةٍ أحبُ فيها الشيخوخة على الشباب ، والمرض على الصحة ، والموت على الحياة . فقال الباقر ( ع ) : " أما أنا فإن جعلني الله شيخاً أحب الشيخوخة ، وإن جعلني الله شاباً أحب الشبوبة ، وإن أمرضني أحب المرض ، وإن شفاني أحب الشفاء والصحة ، وإن أماتني أحب الموت ، وإن أبقاني أحب البقاء . " علينا أن نكون كذلك .. ننظر للأمور من هذه الزاوية .. ننظر لتلك الخطوب نظرةً جديدة أسمى من الواقعية ، متجذرةٍ العمق ، وبعيدة عن الفوقية والسطحية ، بمعنى أن نجد الخير في تلك البلايا والمحن ، فالكثير منا قد يتطلع إلى أشياء يراها حسنةً فيعجز عن الحصول عليها ، أو يتمنى تحقيق هدف ما ، لكنه يُمنى بالخيبة والفشل ، فيخيم عليه حزنٌ و أسى ، و يضيق ذرعاً بالحياة حانقاً على القدر ... لكن الأمور تنجلي بعد ذلك ليبين له الخير فيما هو فيه ، فقد يكره المرء شيئاً وهو خيرٌ له ، ويتمنى شيئاً وهو شرٌ له ، و لا يعلم الحكمة من ذلك إلا سبحانه العزيز الحكيم " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " . علينا أن نقتبس من نبراس محمد (ص ) والأئمة ( ع ) من بعده ، فهم أسوتنا في هذه الحياة ، نسير على خطاهم السديد ، و نأخذ من منهلهم المعين نرتوي منه ما يكفينا لكي نعيش بعزةٍ وكرامة ، و لنستظل تحت الشجرة المحمدية الوارفة الظلال نقتبس من نورها ونستمد قوتنا منها مرةً بعد مرة .. نتخذ من مواقفهم مشاعلَ نورانية تضيء دروبنا ، لتبقى مضاءة بنورهم لتأخذنا نحو الحق القويم والصراط المستقيم .... على المسلم المبتلي أن يرى مصائب غيره كي تهون عليه مصيبته ، ومصائب أهل البيت (ع) جمةٌ فاقت كل المصائب ، و لنا فيها عبرٌ وعِظات ، ما الدنيا إلا دار عملٍ وابتلاء لدار نعيم قائم كلٌّ جزاء عمله ، و لن يدخل الدار الآخرة إلا من أحسن في دنياه صنعاً وعملاً " هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسنُ عملاً " ، و لن يكون ذلك إلا بالإيمان بالله والصبر على البلاء .. .. ما الإيمان إلا نورٌ و قبس ينير جنبات النفس المظلمة ، ويبعث فيها الأمن والسكينة ، لتمنحها الثبات والقوة ، فلا يدب اليأس بين ثناياها ، ولا يتسلل الجزع بين جوانبها .. .. ما الصبر إلا جسرٌ نعبر عليه حيث الأمان المنشود ، والاستقرار المأمول ، يعزز الإيمان بعزمٍ لا يلين ، ليتمسك بحبل الله المتين ، و يجتاز المحن والأحن ، فيصلب عوده ، ويشتد فرعه ، لا يتزعزع و لا يتضعضع أمام القادمة منها .
إذا ما أتاك الدهر يوماً بنكبةٍ فأفـرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً . فإن تصاريف الزمان عجيبةٌ فيوماً ترى يُسراً ويوماً ترى عُسراً.
كلمة أخيرة :
يا أخوتي إن الحياة تمر على كل واحدٍ منا بحلوها ومُرها ، ومن ذاق حلاوتها عليه أيضاً تجرّع مرارتها ، يقول الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ناصحاً إيانا : " وأعلم أن الدهر يومان .. يومٌ لك ويومٌ عليك ، فإن كان لك فلا تبطر ، وإن كان عليك فاصبر " في الحديث : " ما يصيب المسلم من نصب و لا وصب و لا هم و لا حزن و لا أذى و لا غم حتى الشوكة يشاكها إلا حطّ الله بها من خطاياه " ، وفي رواية أخرى : " أنه إذا أحبّ الله قوماً أو أحبّ عبداً صبّ عليه البلاء ، فلا يخرج من غمٍّ إلا ووقع في غمٍّ " . سبحانه وتعالى إذا أحبّ عبداً ابتلاه .. أي منزلةٍ أسمى وأعلى مرتبةً يبلغها عبدٌ فقيرٌ من أن يفوز بحب ملكٍ قدير .. و أن يحظى بشرف رفيع وهو الحب الإلهي وأي شيء أعظم من هذا الحب .. هو حظوةٌ لا ينالها إلا صفوة مختارة من عباده . وأخيراً ما علينا إلا الصبر والرضى و التسليم ، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله و آله الأطهار (عليهم السلام ) .. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، واجعل الوفاة راحةً لنا من كل شر ، اللهم أفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الظالمين ..أنك سميع مجيب ، وصلى الله على صفوته من خلقه محمد النبي وأهل بيته أفضل الصلاة والسلام
نور الزهراء 11شوال –1422هـ / 26ديسمبر2001م
----------------- مشاركة من : نور الزهراء |