الموضوع

الإمام المهدي (عج) سيرة وتاريخ

الولادة المباركة و دهور الظلم

ولد الإمام المهدي (ع) في بيت أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) في ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين هجرية في سر من رآى في العراق.

وتوالت  خط الإمامة المقدس لتصل إلى الإمام العسكري والد الإمام المهدي الموعود (ع) و الذي انتقل مع أبيه الهادي (ع) إلى سر من رآى في العراق عام 234هجرية وله من العمر اثنان و عشرون عاما بيد انه لم يعش بعد أبيه إلا نحوا من ست سنين عاصر فيها ثلاثة من الحكام العباسيين و هم المعتز و المهتدي و المعتمد و كان يمر فيها (ع) بظروف حساسة و دقيقة لاسيما و قد تكاثر عدد الشيعة في الكوفة و سمراء و بغداد و ايران والمدائن و مصر و اليمن و غيرها من بلاد الإسلام بيد أن اشتداد هذا الأمر على الإمام العسكري (ع) لم يثنه عن مواصلة توجيه الشيعة و قيادتهم و الاهتمام بأمور المسلمين و قضاياهم و هذا ما كان يقلق السلطة الحاكمة اشد القلق لذا كانت تضيق الخناق على الإمام و إحصاء أنفاسه و التثبت على عدم ولادته أي مولود له يرثه و يرث خط الإمامة المقدس في محاولة يائسة عقيمة ليس هو أول من ابتدأها بل كان وريثا لمن سبقه من حكام بني العباس لقطع شجرة الإمامة و منعها عن الامتداد و النمو لاسيما و الأخبار الواردة ابتداء برسول الله (ص) و انتهاء بالإمام العسكري (ع) تشير إلى وجود إمام ثاني عشر من ذرية الإمام الحسن العسكري (ع) و انه سيقيم دولة الحق في الأرض و يبير الظالمين و انه سيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا و انه السيف القاطع لدول الظالمين و المتجبرين و المستكبرين.

و لقد كان هذا هو الهاجس الذي يقلق الحكام و يقض مضاجعهم ولا يترك لهم سبيلا للراحة و الاطمئنان و ولد الإمام المهدي (ع) في ظروف حساسة و دقيقة للغاية عمد فيها والده الإمام الحسن العسكري على عيون احد إلا خلص أصحابه وخيار شيعته

 

نرجس أم الإمام المهدي

تذكر الروايات المختلفة بأنها رومية الأصل تدعى بالإضافة إلى نرجس اشهر أسمائها والذي عرفت به بأسماء أخرى مثل سوسن و ريحانة صقيلة و مليكة.

كما أن المصادر المختلفة تذكر بان هذه السيدة الجليلة لم تكن مغمورة مجهولة بل كانت رفيعة النسب و جليلة الأصل حيث كانت واحدة من أبناء الملوك وكان أبوها ويدعى يشوعا ابنا لقيصر الروم.

بل وان أمها كانت من ولد شمعون الصفا.

وتضيف هذه المصادر بان جدها القيصر حاول تزويجها من ابن أخيه و هي لم تزل في الثالثة عشر من عمرها بيد أن المشيئة الربانية التي قدرت لهذه المراة الطاهرة أن تكون زوجة لإمام معصوم وأم لإمام معصوم أيضا حالت دون وقوع هذا الأمر و إتمامه.

وتضيف الروايات بان هذه السيدة الطاهرة رأت في منامها آنذاك بان مجلسا كان منعقدا في بيت جدها كان يضم المسيح (ع) و شمعون و جماعة من الحواريين. ثم لم يلبثوا أن دخل عليهم جماعة يعلوهم النور و تحيطهم الهيبة و الوقار عرفت أنهم النبي محمد(ع) و ابن عمه ووصيه علي بن أبي طالب (ع) و ابنته فاطمة الزهراء (ع) و عدة من أبنائهم و يرافقهم شاب بهي الطلعة عرفت انه الإمام العسكري (ع).

تقول نرجس : فتقدم المسيح (ع) إليه فاعتنقه فقال له رسول الله (ص) : يا روح الله إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا و اوما بيده إلى أبي محمد.

فنظر المسيح إلى شمعون و قال له : قد أتاك الشرح فصل رحمك برحم آل محمد فقال : قد فعلت.

تضيف نرجس : فصعد ذلك المنبر فخطب محمد (ص) و زوجني من ابنه وشهد المسيح (ع) وشهد أبناء محمد (ص) و الحواريون.

و تشاء الإرادة الإلهية أن تخرج نرجس في جيش جدها القاصد لحرب المسلمين و تقع في أسرهم وتعرض للبيع في سوق النخاسة في بغداد.

وفي ذلك الوقت كلن الإمام الهادي (ع) قد أرسل بشر بن سليمان لشرائها هناك فاشتراها وقدم بها إلى سامراء حيث يقيم الإمام (ع).

فدفعها الإمام (ع) إلى أخته حكيمة طالبا منها تعليمها الإسلام و عقيدته المباركة تمهيدا لتزويجها من ولده الإمام العسكري (ع).

فوجدتها حكيمة صالحة عابدة ناسكة انهمكت بشوق في التعلم و التزود من هذه العلوم المباركة النقية من أمنائه و حملته فكانت خير مجسد فعلي لما تعلمته و بهرت من عرفها برفيع سلوكها و دماثة أخلاقها حتى نالت حب جميع من تعامل معها وأحاط بها.

و اختلف في وقت وفاتها فقيل بأنها قبل وفاة الإمام العسكري وقيل بعده.

وقبرها إلى جوار مرقد زوجها (ع) في مدينة سامراء في ارض العراق مع الإمام الهادي (ع).                

                        

ولادة الإمام المهدي(ع)

تقول حكيمة وهي عمة الإمام العسكري (ع) : بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي فقال : يا عمة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان و إن الله تبارك و تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة و هو حجته على أرضه.

قالت : فقلت له : ومن أمه؟

فقلت له : و الله جعلني الله فداك ما بها اثر.

هو ما أقول لك.

قالت حكيمة : فجئت فلما سلمت وجلست جاءت تنزع خفي و قالت لي : يا سيدتي كيف أمسيت؟

فقلت لها : بل أنت سيدتي و سيدة أهلي.

قالت حكيمة : فقلت لها : يا بنية إن الله تبارك و تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا و الآخرة.

قالت حكيمة : فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو محمد (ع) من المجلس و قال : لا تعجلي يا عمة فان الأمر قد قرب.

قالت : فقرات الم السجدة ويس فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت : اسم الله عليك ثم قلت لها تحسين شيئا؟

قالت : نعم يا عمة.

فقلت لها : اجمعي نفسك و اجمعي أمرك فهو ما قلت لك.

قالت حكيمة : ثم أخذتني فترة و أخذتها فطرة فانتبهت بحس سيدي فكشفت عنه الثوب فإذا أنا به ساجدا يتلقى الأرض بمساجده فضممته إلي فإذا به نظيف منظف فصاح بي أبو محمد (ع) : هلمي الي ابني يا عمة.

فجئت به إليه فوضع يديه تحت اليتيه و ظهره و وضع  قدميه على صدره ثم أدلى لسانه في فيه و أمر يده على عينيه و سمعه و مفاصله ثم قال : تكلم يا بني.

فقال : اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله (ص) ثم صلى على أمير المؤمنين (ع) وعلى الأئمة (ع) إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم.                        

     

عود على بدء

لم يعد شك بان الحكام العباسيين كانوا اشد الناس توجسا من أن يولد للإمام العسكري ولد تناط به الإمامة بعد أبيه لعلمهم القاطع يعنيه ذلك من ظهور الإمام الموعود الذي سيهدم بمعوله السماوي أركان الانظمة الفاسدة و يحيل احلامهم المريضة باستعباد الناس و واد تطلعاتهم و امانيهم بالعيش الكريم.

فالعناية الالهية التي دبرت ان يكون حمل ام الامام خفيا وغير واضح للعيان و بشكل خفي حتى عن النساء المحيطات بامه.

 

             

 

وفاة الامام العسكري

لم يطل العمر بابي محمد العسكري (ع) حيث ادركه الاجل في الثامن من شهر ربيع الاول عام ستين و مائتين هجرية في ملك المعتمد العباسي اثر مرض الم به طوال ثمانية ايام ذهبت جملة من الروايات انه كان اثر سم دس اليه في الطعام بامر من الحاكم العباسي تعضده شواهد متعددة منها حرص هذا الحاكم على ارسال من يلزم دار الامام (ع) طوال ايام مرضه سواء من خاصته او من الاطباء المختصين به.

بل و اصراره على نفي موت الامام بغير حتف انفه و اشهاده العلويين و العباسيين و كبار رجال الدولة على ذلك و كانه يريد ان ينفي امرا ما فأثار حفيظة الناس وكان على هذا التصور مصداق القول المشهور : يكاد المريب يقول خذوني و الله تعالى هو العالم بحقيقة الحال.

و عموما فقد توفى الامام (ع) و حاز اخاه جعفر ظاهر تركته و جهد في التصدي لامامة الشيعة بعده ما قدر على ذلك و لكنه فشل في ذلك و اسقط ما في يده و رفضته الشيعة رفضا قاطعا لما تعرفه من سلوكه و مخالفته لاخيه الامام (ع) و ذلك مشهور معروف.

                

السفراء الأربعة

لقد اتسمت الغيبة الأولى للإمام المهدي (ع) بوجود حلقة الاتصال المحددة المشخصة بينه وبين الامة و التي عرفت بالسفراء او النواب و الذين تحددوا خلال هذه الحقبة التي انتهت بالغيبة الكبرى باربعة فقط تولوا مسؤولية خطيرة شهدت تطورات كثيرة اثرت في بناءها الاحداث الجسام التي المت بالامة الاسلامية في عصر شهد ضعف و تراخي الدولة العباسية و اشتداد احكام الموالي و الاتراك من قبضتهم على السلطة و فرض ارادتهم في تنحية و تنصيب الحكام و ما يرافق ذلك من اضطرار في حياة الناس و تاثرهم المباشر بنتائج هذه الاحداث.

فقد توالت طوال عصر الغيبة الصغرى عهود ستة من الحكام العباسيين هم : المعتمد و المعتضد و المكتفي و المقتدر و القاهر و الراضي شهدت فيها الدولة الاسلامية إشكالا متقبلة و متفاوتة من الادارات السيئة و الفاسدة و التي يحكم معظمها الظلم للرعية و الاستهانة بكرامتهم و بحياتهم و بشكل واضح للعيان.

ومن هنا فيمكننا القول بان الوكلاء الاربعة عاصروا احداثا مضطربة احاطت بهم و القت على عاتقهم مسؤولية خطيرة و حساسة امتدت طوال هذه السنين الممثلة لما يعرف بالغيبة الصغرى للامام و كان عليهم ان يكونوا مرآة صادقة في نفل ارادات الامام (ع) و توجيهاته الى الامة مع حرصهم على التكتم و التستر للمحافظة على الوجود المقدس للامام (ع) فكانوا بحق اهل لهذا الامر الخطير و وفقوا في ادائه ايما توفيق.

و السفراء الربعة هم :

1- الشيخ ابو عمرو عثمان بن سعيد العمري.

ويقال له السمان ايضا لا تجاره بالسمن على ما قيل تسترا و تخفيا عن اعين الرقابة و رجالات السلطة.

كان رحمه الله اسديا على ما ذكره الشيخ الطوسي في غيبته و انما سمي العمري لما رواه ابو نصر هبة الله بن محمد بن احمد الكاتب ابن بنت ابي جعفر العمري رحمه الله حيث قال : كان اسديا فنسب الى جده فقيل : العمري.

و قد قال قوم من الشيعة : ان ابا محمد الحسن بن علي (ع) قال : لا يجمع على امرئ بين عثمان و ابو عمرو و امر بكسر كنيته فقيل : العمري.

و يقال له : العسكري ايضا لانه كان في عسكر سر من رآى.

و يقال له : السمان لانه كان يتاجر في السمن تغطية على الامر

وعموما فقد توفى الشيخ ابو عمرو بعد سنوات قليلة من توليه السفارة عن الامام المهدي (ع) لتوليها من بعده ولده محمد بن عثمان العمري و دفن في بغداد  و قبره لازال يتبرك به الزوار.

2-الشيخ ابو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

و هو ولد الشيخ ابي عمرو عثمان السفير الاول للامام المهدي (ع).

قام مقام ابيه بعد مضيه بنص من الامام العسكري (ع) و نص من ابيه بامر من الامام المهدي (ع).

فقد روي عن الامام العسكري (ع) قوله لأحد اصحابه : العمري و ابنه ثقتان فما اديا اليك فعني يؤديان و ما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما و اطعهما فانهما الثقتان المامونان.

و على أي حال فقد ادركته الوفاة في جمادي الاول عام خمس و ثلاثمائة او اربع و ثلاثمائة في رواية اخرى.

3-الشيخ ابو قاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي.

هو ثالث السفراء في الغيبة الصغرى و من انيطت به الوكالة عن الامام المهدي (ع).

كان رحمه الله تعالى اول عهده من المقربين من ابي جعفر محمد بن عثمان و حافظا لاسراره و وكيلا لاعماله.

عهدت اليه الانابة عن السفير الثاني في السنتين الاخيرتين من عمره الاخير لعجزه ومرضه و بامر من الامام المهدي (ع).

و قد تحولت السفارة الى الحسين بن روح بشكل قطعي بعد وفاة ابي جعفر العمري عام 305هجرية و استمر قائما بها الى وفاته عام 326هجرية.

و اخيرا فقد توفى رحمه الله تعالى في شعبان عام 326هجرية و دفن على ما روي من الشيخ الطوسي في النوبختية في الدرب التي كانت فيه دار علي بن محمد النوبختي النافذ الى التل والى الدرب و قبره في بغداد معلوم مشهور يزار و يتبرك به.

4-الشيخ ابو الحسن علي بن محمد السمري.

كان يعد رحمه الله تعالى من اصحاب الامام العسكري (ع) قبل ان توكل اليه السفارة عن الامام المهدي (ع) بوصاية من الشيخ الحسين بن روح كما روى ذلك الشيخ الطوسي في غيبته.

كان رحمه الله تعالى جليل الشان و عظيم المنزلة و مشهور بالامانة و التقوى و الزهد و الورع.

لم تزد فترة سفارته عن الامام المهدي (ع) عن الثلاثة اعوام فقد ادركته الوفاة في النصف من شعبان عام 329هجرية قضاها في العمل على ادامة عملية النيابة عن الامام في غيبته الصغرى و كان الحلقة الاخيرة من هذه الحلقات فبه ختمت السفارة و شرعت الغيبة الكبرى التي ما زلنا حتى يومنا هذا نعيش في عصرها و بانتظار انقضائها باذن الله تعالى.

 

انتهاء الغيبة الصغرى

ليس ثمة خلاف بان ورود الكتاب الشهير الى السفير الرابع الشيخ السمري رحمه الله كان ايذانا بانتهاء الغيبة الصغرى التي امتدت سبعين عاما حفلت بالكثير من الاحداث و الوقائع المختلفة التي افرزت جملة واسعة من المعطيات البعيدة العمق في تأريخ الكيان الشيعي الراسخ البنيان.

فهذه السنوات الممتدة على طول غيبة الامام المهدي (ع) الصغرى لم تكن بحقبة عابرة غير ممهدة للغيبة الثانية الكبرى التي ما زلنا نعيش سنينها الممتدة حتى ياذن الله تبارك وتعالى بانتهائها و ظهور وليه المغيب عن الانظار و الحاضر في قلوب شيعته و مواليه.

لقد كان مقدرا لهذا الامام الذي يشكل خلاصة الانبياء و الاوصياء ان يغيب عن اعين الناس حتى يحين الظرف المواتي له لاقامة حكم الله تعالى في ارضه و كان مقدر ايضا لهذه الغيبة ان يطول امدها و يمتد زمنها وفي ذلك امتحان كبير و عسير يمتحن به شيعته محبوه و موالوه و يستدعي فيهم جهدا مضاعفا و جهادا متواصلا لا يسع احد التصدي له دون العدة اللازمة به و التي اهمها الايمان القطعي به (ع) و اليقين بظهوره الذي لا يعلم وقته الا الله تبارك و تعالى و هذه مرتبة لا يلقاها الا الصادقون المخلصون و قليل ما هم.

و من هنا فان الارادة الالهية الحكيمة بعدى ان استنفذت

 

.الغيبة الكبرى اشارات و شواهد

ليس هناك ثمة ريب بان شروع الغيبة الكبرى المزامن لانتهاء الغيبة الصغرى عام 329هجرية على الرغم مما يصفه البعض من انه مفاجاة اذهلت شيعة الامام المهدي (ع) و اصابتهم بحالة من الذهول و الحيرة المشوبة بآلام و الحسرة الا انه وان لامس بعض الحقيقة في تشخيصه تشخيص تنقصه الكثير من الدقة و الوضوح.

فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري عن الرسول (ص) قوله : المهدي من ولدي اسمه اسمي و كنيته كنيتي و اشبه الناس بي خَلقا و خُلقا تكون له غيبة و حيرة تضل فيه الامم ثم يقبل كالشهاب و يملاها عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما.

 

   -----------------

مشاركة من :  جعفر بهبهاني