|
بسم الله الرحمن الرحيم
كما تعلمون بأن المسلمين
قبل الهجرة لاقوا
الكثير من صنوف العذاب
من المشركين ، مما دعاهم للهجرة للحبشة . و قد هاجرت في
البداية مجموعة قليلة ..
لبثت في الحبشة مدة قصيرة ، ثم عادت لمكة بعد أن أشيع بأن
قريش آمنت بالله و
برسوله . لكن اتضح لهم عند عودته كذب تلك المقولة . فلم يستطع
الكثير منهم دخول مكة
إلا بجوار بعض الشخصيات القرشية ، و إليكم الآن قصة للصحابي
الجليل : عثمان بن مظعون
، و التي أنقلها لكم من كتاب : سيد المرسلين للشيخ جعفر
السبحاني في جزئه الأول
ص460 :
و كان ممن دخل مكة بجوار
(
عثمان بن مظعون )
الذي دخلها بجوار ( الوليد بن المغيرة ) (1) و لكنه كان يشاهد ما
فيه أصحاب رسول الله (ص)
من البلاء ، و العذاب و هو يغدو و يروح في أمان فتألم لذلك
و لم تطق نفسه تحمل هذا
الفرق و قال : و الله إن غدوي و رواحي آمناً بجوار رجل من
أهل الشرك ، و أصحابي و
أهل ديني يلقون من البلاء و الأذى في الله مالا يصيبني لنقص
كبير في نفسي . فمشى إلى
الوليد بن المغيرة و رد عليه جواره ليواسي المسلمين و
يشاركهم في آلامهم و
متاعبهم و قال : يا أبا عبد شمس وفَت ذمتك ، و قد رددت إليك
جوارك
.
قال : لم يا بن أخي ؟
لعله آذاك أحد من قومي ؟
قال : لا و لكني
أرضى بجوار الله و لا
أريد أن أستجير بغيره .
فقال الوليد له : إذن
فاردد عليّ
جواري علانية كما أجرتك
علانية .
فانطلقا فخرجا حتى أتيا
المسجد ، فقال الوليد
مخاطباً من حضر من قريش :
هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري
.
قال : صدق ، قد
وجدته وفياً كريم الجوار
و لكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه
جواره .(2)
ثم لم يمض شيء من الوقت
حتى دخل المسجد ( لبيد ) و كان شاعراً
متكلماً بارزاً من شعراء
العرب و متكلميها و وقف في مجلس من قريش ينشدهم و عثمان بن
مظعون جالس معهم فقال من
جملة ما قال شعراً :
ألا كل شيء ما خلا الله
باطلُ
فقال عثمان بن مظعون :
صدقت .
فقال لبيد : و كل نعيم لا
محالة زائلُ
فقال عثمان : كذبت ، نعيم
الجنة لا يزول
فاستثقل لبيد تكذيب عثمان
و تحديه
له في ذلك الجمع فقال : يا معشر
قريش و الله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا
فيكم ؟
فقال رجل من القوم : إن
هذا سفيه في سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا فلا
تجدن في نفسك من قوله
.
فرد عليه عثمان حتى تفاقم
الأمر بينهما ، فقام إليه ذلك
الرجل فلطم عينه فخضرها (
أصابها ) ، و الوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان
فقال : أما و الله يا ابن
أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية لقد كنت في ذمة منيعة
)
و هو يريد أنك لو بقيت في ذمتي و
جواري لما أصابك ما أصابك. (
فقال عثمان
راداً عليه : بل و الله
إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، و
إني لفي جوار من هو أعز
منك ، و أقدر يا أبا عبد شمس
.
فقال له الوليد : هلم يا
ابن أخي إن شئت فعد إلى
جوارك ، فقال ابن مظعون : لا .((3
و كانت هذه صورة
رائعة من صور كثيرة لصمود
المسلمين ، و تفانيهم في سبيل العقيدة ، و إصرارهم على
النهج الذي اختاروه ، و
مواساة بعضهم لبعض في أشد فترة من فترات التاريخ الإسلامي
.
الهوامش
:
1- السيرة
النبوية – ابن هشام – ج1- ص369
2-
السيرة
النبوية – ابن هشام – ج1-
ص370
3-
السيرة النبوية – ابن هشام – ج1-
ص370 و 371
-----------------
مشاركة من
: ولد
الدسمة
|