بسم الله الرحمن الرحيم
في كتاب الشيخ محمد تقي فلسفي .. رحمه الله .. ( الشاب بين العقل و
العاطفة ) العديد من المواضيع المتعلقة بالشباب .. و خصوصاً من الناحية
السلوكية و الأخلاقية .. و اليوم أخترت لكم قصة من القصص العديدة
المنشورة في الكتاب ، وردت في ص 196 من الجزء الأول .. و إنشاء الله
تعجبكم :
إن الاعتبار من مقطع تاريخي قصير و الحصول على تجربة
من واقعة صغيرة و الاستفادة منها قد يحدث تغييراً في حياة شاب ما و ينقذه
من الزلل و الضياع و يحقق له عزة و شرفاً ، و هنا نورد قصة تاريخية قصيرة
كمثال :
كان في عهد عبدالملك بن مروان تاجر معروف بالصدق و العمل الصالح ، و لحسن
سمعته في سوق دمشق و اعتماد الناس عليه و ثقتهم به كانوا يودعونه بعض
ممتلكاتهم و بضاعتهم ليبيعها لهم و يأخذ أجرته على ذلك .
و ذات يوم انحرف التاجر في إحدى صفقاته عن قويم مسيره و خان الأمانة ،
فشاع الخبر و انتشر بسرعة البرق بين الناس و أصبح الشغل الشاغل لألسنتهم
، ففقد التاجر ثقة العامة و الخاصة به و اهتزت شخصيته و سحب الناس
اعتمادهم عليه ، فلم يأمنوه بعدها على بضاعتهم ، حتى ساءت أموره و تشتت
تجارته و أخذ دائنوه يلحون في الطلب .
و كان للتاجر ولد عاقل تبدو على ملامحه الفراسة و الذكاء ، قد اعتبر من
تجربة أبيه المريرة ، و تعلم منها درساً لا ينسى ، و عرف أن مجرد انزلاق
أو خيانة واحدة قد تؤدي إلى القضاء على كرامة الإنسان و شرفه و تبدل حياة
العز إلى الذل و السوء .
فقرر في قرارة نفسه أن يبتعد حتى عن مجرد التفكير بالخيانة و الذنب و يضع
على الدوام نصب عينيه الطهارة و التقوى و النزاهة ، و كان لسلوكه السليم
هذا مردود إيجابي عليه فقد رفعه عزاً و أدخله في جميع القلوب .
و صادف أن بعث عبدالملك بن مروان جاراً له و هو قائد عسكري كبير بمعية
جيش المسلمين في مهمة لقتال الروم ، فاستدعى الفتى قبل توجهه إلى ميادين
القتال و أودعه جميع ماله البالغ عشرة آلاف دينار من الذهب و أوصاه بأن
يحتفظ بالمال كأمانة لديه حتى عودته من القتال إن سلم . و وعده بأن يعطيه
أجراً على أمانته ، أما إذا لم يعد فأوصاه بأن يسلم المبلغ إلى أسرته متى
ما ضاقت عليهم الأرض بعد أن يقتطع منها عشرها ليعيشوا حياة كريمة . و
هكذا كان ، فقد رحل القائد دون أن يعود .
و حينما علم أب ذلك الشاب - أي التاجر المفلس - بمقتل جاره قال لإبنه إنه
لا أحد يعلم عن القطع الذهبية المؤمنة لديه ، و أنا - أي الأب - الآن على
ما تراني في أشد الضيق و أطلب أن تعطيني بعضها على أن أردها عليك متى صلح
حالي و حسنت عيشتي .
فأجابه الشاب : يا أبتاه إن الخيانة و الإنحراف هو الذيأدي بك إلى ما أنت
عليه من الشقاء ، فبالله لن أخون الأمانة لو قطعت إرباً إرباً ، و لا
أعيد خطأك ثانية كي لا أشقى كما شقيت .
و مضت فترة ، ساءت فيها أحوال ذوي القائد القتيل ، فجاءوا إلى الشاب
طالبين منه أن يكتب عنهم رسالة إلى عبدالملك بن مروان يعلمه فيها بفقرهم
و شدة حالهم فلربما رثى لهم و أعانهم ببعض المال . فكتب ما أمر به و سلمت
الرسالة و لكن دون جدوى ، فقد أجاب عبدالملك أن أي شخص يقتل يحذف اسمه من
ديوان بيت المال .
و لما علم الشاب بالجواب و اليأس الذي سيطر على ذوي القائد القتيل قال في
نفسه : حانت الآن فرصة أداء الأمانة فلابد من أن أضع القطع الذهبية تحت
تصرفهم لإنقاذهم من الفقر و الفاقة ، فدعا أسرة القائد إلى منزله و قال
لهم : إن أباكم استودعني كمية من المال و أوصاني أن أسلمه إياكم عند
الحاجة الماسة إليه بعد أن أقطع عشره . فطار أبناء القائد فرحاً لدى
سماعهم النبأ و قالوا : سنعطيك ضعف ما أوصى به أبونا .
جاء الشاب بالمال و سلمهم إياه ، فأعادوا إليه ألفي دينار و أخذوا ثمانية
آلاف ، و لم تمض أيام على هذه القضية ، حتى استدعى عبدالملك أسرة القائد
القتيل إلى بلاطه ليحقق حول الرسالة ، و سألهم عن حالهم فأخبروه بما جرى
لهم مع الشاب .
عندها استدعى عبدالملك الشاب فوراً و أثنى عليه لأمانته و صدقه و سلمه
مسؤولية خزينة البلاد قائلاً له : إنني لا أعرف أحداً قد قام بأداء
الأمانة كما أديتها أنت .
لذا فالشباب الذين يعتبرون من تاريخ الآخرين و يكتسبون التجارب من
الوقائع و الأحداث الخيرة و الشريرة و يستندون في حياتهم على منهج سليم
قائم على الفكر الصائب و العقل السليم ، هم الأكفاء الذين ينخرطون في
المجتمع عن جدارة و يتمكنون من إحياء حياة ملؤها السعادة و الهناء .
-----------------
مشاركة من :
ولد
الدسمة |