الموضوع

وخلق الإنسان ضعيفا

                     

بسم الله الرحمن الرحيم

و خُلق الإنسانُ ضعيفاً

لقد أنعم الله سبحانه و تعالى على الإنسان بنعمٍ لا تعد و لا تحصى ، و من أهمها نعمة العقل ، و التي ميزته بني آدم عن بقية الخلق فخُلق الإنسان في أحسن تقويم ، و كان جديراً بحمل الأمانة التي أبت السماوات و الأرض حملها و أشفقن منها على الإنسان ذلك الحمل الثقيل ، و في مقابل هذا خصّه سبحانه بالتكريم بعقل يعي حقيقة خلقه و وجوده ، و يعمل وفق الرسالة التي اختير لأدائها بعد اختيار خليفة لله في أرضه يعمرها بالعبادة و الطاعة لا بالكفر و المعصية ، فكان على الإنسان أن يعمل عقله فيما يعود عليه بالنفع عليه و على غيره في دنياه و آخرته ، لكننا نجد الإنسان يعطل عقله عن التفكير في سبب وجوده في هذه الدنيا الفانية ( صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) فيكون أشبه بمن لا عقل له و إن كان بعقل حيث لا يعقل به ، و ذلك بتعطيل العقل و عدم إعماله في الوجه الذي خُلق من أجله ، فيضرُّ نفسه قبل غيره ، و كل إنسانٍ يتمتع بفكر وقاد و نظر ثاقب و لكن حب الدنيا حدّ عقله عن التوقد و لعبه فيها أوقفته عن التفكر و التعمق ، فظل تفكيره سطحياً طافياً على السطح دون محاولة منه لسبر الأعماق السحيقة لنفسه التي تغشتها عمىً عن رؤية الدنيا على حقيقتها فيكالب عليها و ينجرف بملذاتها ناسياً هدف وجوده .. غافلاً عن حقيقة خلقه ( و ما خلقتُ الإنس و الجن إلا ليعبدون )
و أيام الإنسان في حياة الدنيا محدودة جداً و هو عن أيامه تلك ساهٍ ، و عن عبادة الله لاهٍ ، أخذته الغفلة عن العبادة ، و طمست على قلبه غشاوة ، لا يرى فيها إلا ما يجده أمامه ظاهراً ، و هو عن يوم الحساب غافلاً ، و هو في دنياه يمر بمراحل من القوة و الضعف ، فيولد ضعيفاً ليموت ضعيفاً بينما القوة تتمثل في مرحلة الشيبوبة و عليه أن يستغل هذه المرحلة للعبادة فلا يجعل الفرص تمر منه مر السحاب ، و تضيع جذوة شبابه فيما لا ينفع ، و يخسر دنياه و هو عن خسران آخرته أعظم خسراناً .
و صدق الله تعالى في قوله : " و خُلق الإنسان ضعيفاً " فالضعف لا يكون حكراً على مرحلة الطفولة و الكهولة فقط ، بل تعتري مرحلة الشباب ضعف من حيث لا يشعر و لا يحتسب ، فتأخذه العزة بتلك القوة النابعة من داخله ، فيصرف قوته تلك في المعصية و ايتاء الفواحش ما بطن منها و ما ظهر ، معتزاً بقوته مغتراً بشبابه ، و قد غشت قلبه المعاصي و جلفت فلا عبادة و لا ذكر بل شرك و كفر قال الإمام علي عليه السلام : " يا ابن آدم إذا رأيتَ ربك سبحانه يتابع عليك نعمه و أنتَ تعصيه فاحذره " فأيها الإنسان العاصي إليك رسالتي أحملها بتساؤلات ، ففكر و قدّر ، ثم فكر و تدبر في شبابك قبل أن تذهب نفسك عليه حسرات و تجد للحق منطقاً في كلماتي :

أيها الإنسان أما فكرت في تلك القوة التي مُنحت لها في أن تسلب منكَ و أنتَ في عز شبابك !!
أ لم تفكر في لحظاتٍ قد تتحول قوتك الجبارة تلك لضعف واهن ؟؟
لا تقدر فيها حتى عن هش ذبابٍ واقف على أنفك ، فلا تستطيع إلى طرده من سبيل ؟
أ لم تفكر في سكونك الرهيب بالليل و أنت في رقاد و سبات فتسلب منك قوتك و يتسلل الضعف إليك فلا تحرك ساكناً ؟؟
أ تعتقد أن في شبابك قوة دائمة لا تذهب منك بطرفة عين أو قد تُسلب كلها في لحظةٍ طيش عندما تفرط بتلك الأمانة ( الروح ) التي بين جنبات نفسك فتقذفها في مسالك الموت و الهلاك بدعوى المتعة و اللهو بتلك القوة التي تذهب هباءً منثوراً في لحظات و ساعات تفر من بنانك فراراً فلا تستطيع لها مَسكاً .
أيها الإنسان يا من تتباهى بشبابك الذابل أما فكرت في أناس قتلت الأمراض غٌرة شبابهم ، و أتت على نفوسهم القوية لتحليها ضعفاً و انكساراً ، و أبادت قوتهم الشامخة و حلت ديارها وهناَ و ذلاً .
أين أنت أيها الإنسان من التفكر ملياً في أمر نفسك ، ثم التفكر و التدبر لما أنتَ عليه الآن من قوة و قدرة في استغلال شيبوبتك فيما يحبه الله و يرضاه ؟؟ في العبادة و الذكر ، في الطاعة و الشكر ليبلغك الله بها مقاماً محموداً يوم الحساب ، و يكون جزاؤك فيه جزاءً موفوراً ، و الجزاء من جنس العمل فإن حمدت ربك شاكراً أنعمه بالعبادة الطاعة تكن من أصحاب اليمين و تحشر مع المصطفى الأمين و آله الميامين ( عليهم أفضل الصلاة و السلام ) فتفزْ بعملك الجنان .
أيها اللبيب العاقل فما شبابك إلا مجرد أيام تنقضي ساعاته ، و تنتهي لحظاته ، و تمر مسرعةً ، و تولي منك هاربة ، لتغدو تلك السنوات في عمر الشباب مجرد لحظات تتراءى كسراب و تختفي ومضاته ، لقوله (ع) : " إن الله افترض عليكم فرائضَ فلا تضيعوها ، و حدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، و سكتَ عن أشياءَ و لم يدعها نسياناً فلا تتكّلفوها " .
فاسعِ أيها الإنسان سعيك الآن في العبادة ، و ما بقي من لحظات قوة قبل أن تخسرها ، فتعود عليك يوم الحساب بالخسران المبين ، و لا تنسَ أنك مسؤول عن شبابك هذا فيما أفنيته ؟ و أنك خُلقتَ ضعيفاً فأحسن مسار قوتك .
الآن أتركك أيها العاقل و نفسك السوية التي فُطرت بها بفطرة سليمة لتفكر في عاقبة أمرك ، و بيدك أن تجعلها في خيرٍ أو شرٍ ، و تختمها كما ترغب بخير ختام و أحسن مقام ..
ربنا بلغنا مقاماً محموداً و اختم حياتنا بخيرٍ مأمولاً
و صلِ اللهم على محمد و آله وسلم تسليماً كثيراً

نسألكم خيرالدعاء و لكم مثلها

أختكم

نور الزهراء / الدوحة

الأول من ربيع الأول / 1425 هـ
الموافق 20 من أبريل / 2004 م

 

   -----------------

مشاركة من :  نور الزهراء