الموضوع

وكن لله عبدا شاكرا .. فقليل من عباده الشكور

                     

بسم الله الرحمن الرحيم

و كنْ لله عبداً شاكراً
فـقـليلٌ من عباده الشكور

الأرض جعلها الله سبحانه للإنسان ذلولاً ، و رزقه فيها من طيباتها ، ليتمتع بنعمائها ، و يسعد فيها و يعمرها بالعبادة و الشكر لمولاه ، فله على الإنسان فضلاً عميماً الذي يجب ألا يقطع ما بينه و بين ربه ببطران نعمه و جحدان آلائه ، فلا يشكر لله نعمه و لا يحمده ، بل يطمع لما عند غيره و يحسده ، و لو تمعن جيداً لما بين يديه ، و أحصى فضل الله عليه ، لوجد عنده الخير الوفير ، و عليه تقديم الشكر الجزيل لخالق الكون الفسيح ، لكن الإنسان كفور بالنعمة ، متهاون بالعبادة ، و إن كان يمرح في خيرات ربه فلا حمدَ و لا شكر بل جحدان و نكر ، و الله سبحانه هو الكريم الرحيم بعباده يتفضل عليهم بالكثير و البعض يجده قليلاً ، و كفى بالإنسان في نفسه تأملاً " فـلينظر الإنسان مما خُلق " و لو تأمل في نفسه و في خَلقه دون سائر النعم الأخرى لشكر الله شكراً كثيراً ، و مهما شكره فلن يفي حق ما أنعم عليه ، فقد خلقه في أحسن تقويم و أجمل تصوير بأن ميزّه عن سائر خلقه بالعقل ، و جعل له عينين و لساناً و شفتين و هداه السبيل إما شاكراً و إما كـفوراً " و قسم له الـرزق الوفير ، يتقلب في النعم أفلا عليه أن يبلغ الشكر لله في شيء منها ، و في الـدعاء : " ربِّ جعلتَ لي جوارح لاستبهام النعم منك يحق بي لك الشكر على جوارحي و أعضائي و أوصالي ، و الذي يحق لك عليها من العبادة بخشوع نفسي و بصري و جميع أركاني " .

و مع قسوة قلب الإنسان و تقصيره و قلة شكره ، فالله له سابغ النعم وافر الكرم ، فكنْ لله عبداً شاكراً ، و لكن " و قليلٌ من عبادي الشكور " هكذا أعلنها جليةً سبحانه العظيم في كتابه الكريم أي لا تُشكر نعمه ، و هو أعلم بعباده و هو أعلم بالشاكرين الحامدين و الذاكرين له كثيراً " إلهي فأي نعمِك أشكر، ما ابتداتني منها بالاستحقاق ، أو حلمك عني بإدامة النعم ، و زيادتك إيايّ كـأنّي من المحسنين الشاكرين و لستُ منهم " تأمل جُود الله و كرمه على عباده و هو الغني عنهم ، فسبحانه يتفضل عليهم من دون حساب و لا يبخل عليهم ، و هم عن عبادته مشركون ، و عن شكر نعمه جاحدون ....

نعم الله على الإنسان لا يحصى عددها ، و لا يقدر قدرها ، و لا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله و رحمته ، مع ذلك تجد الإنسان إذا سقم ظل نادماً و إن صحّ آمن لاهياً ، و يعجب بنفسه إذا عُوفي ، و يقنط إذا ابتلى ، و يكون عن ذكر ربه لاهياً لاعباً في السراء و ينعم جاحداً دون شكر في الرخاء ، و لكن ما أن يمسه ضراء أو يصبيه بلاء حتى تجد يتذكر خالقه و يدعوه ليخلصه مما هو فيه من بلاء و ما جرى عليه من سوء ، هنا فقط يتذكر ربه و يعود لسيرته الأولى من الكفر و الضلال بعد أن يكشف عنه الضر كأنه لم يدعُه إلى ضُرٍّ مسه و تلك عند الإنسان حقيقة واقعة و طبيعة حادثة " و إذا مسّ الإنسان ضرٌّ دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسيَّ ما كان يدعو إليه من قبل و جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله " و " و لو رحمناهم و كشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمون " .
ألا ترى معي ::
أن الله سبحانه و تعالى يستحق منا الشكر على نعمه علينا ، و أن نحمده و نذكر فضله ، و لو كان الشكر قلبياً ، فللشكر ثلاثة أضرب :
شكرٌ بالقلب و هو تصور النعمة ، و شكرٌ باللسان و هو الثناء على المنعم ، و شكر بسائر الجوارح و هو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها .
و يرى الطوسي : أن الشكر أشرف الأعمال و أفضلها ، و الشكر مقابلة النعمة بالقول و الفعل و النية . " و أما بنعمة ربك فحدث " ، فـ " التحدث بنعم الله شكرٌ و ترك ذلكَ كفرٌ " ( الوسائل )
أيها الإنسان اذكر نعم الله عليك و أظهرها و حدّث بها و هذا دليل شكرك ، و عليك أن تترجم هـذا الشكر بالعبادة المطلقة ، و في ذلك بلاء من ربك عظيم " ليبلوني أ أشكر أم أكفر ، و من شكر فإنما يشكر لنفسه و من كفر فإن ربي غني كريم " ليوفيّك خير الجزاء نظير شكر النعماء و " لئن شكرتم لأزيدنكم " .

أيها الإنسان إنه لحقٌّ عليك واجب شكر نعمة ربك ، فلا تقطع لسان شكرك لله ، و لا تتوقف عن حمد آلائه ، و لو تساءل الإنسان و نفسه السوية و فطرته السليمة :
لم بُدئت سورة الحمد كتاب الله العزيز ، لتكون فاتحة الكتاب ، و لم قدّمت على سائر السور لتكون خير مقدمة لخير كتاب ؟؟؟
ذلك لأن فـيها جُمع جوامع الخير و الحكمة ، و لو تدبر الإنسان آيات الحمد تلك لعلم أنه لحقٌّ عليه و لازمٌ شكر نعم الله و ذكر آلائه " الحمد لله رب العالمين " ، و نعماؤه عليه و على جميع خلقه " الرحمن الرحيم " ، لذا على الإنسان التقرب إلى مولاه الحق ، و الاخلاص له بالعمل دون غيره " إياك نعبدُ " ، و الاستـزادة من توفـيقه و عبادته ، و الاستدامة لما أنعم عليه و نصره " و إياك نستعين " ، و عليه الاعتصام بحبل الله القويم و صراطه المستقيم " اهدنا الصراط المستقيم " و تلك أعلى الهدايات و أرفع الدرجات ، و قوله " صراط الذين أنعمت عليهم " توكيدٌ في السؤال و الرغبة و ذكر لما تقدم من نعمه على أوليائه السابقين ، و رغبة منه في تلك النعم ، ثم يستعيذ بألا يكون من المعاندين الكافرين " غير المغضوب عليهم " و من الذين ضلّوا عن سبيله و هم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً " و لا الضالين " و تلك هي الحكمة أيها الإنسان من جعل سورة الحمد فاتحة الكتاب فالشكر عليك واجب و حق لازم . ( البحار ج6 ص 68 )

و لقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قوله : " في كل نفسٍ من أنفاسك شكرٌ لازمٌ لكَ ، ألف و أكثر و أدنى الشكر رؤية النعمة من الله من غير علة يتعلق في القلب بها دون الله ، و الرضا بما أعطاه ، و أن لا تعصيه بنعمته ، و تخالفه بشيءٍ من أمره و نهيه بسبب نعمته ، و كُـنْ لله عبداً شاكراً ، تجد الله رباً كريماً على كل حال " و لكن الله سبحانه يجد القلة منه شاكراً " و قليلٌ من عبادي الشكور " فمهما شكرت مولاكَ أيها الشاكر ستكون عن تمام الشكر عاجزاً حتى عن بلوغ أدنى شكره ، و إن كان اعترافاً باللسان خاضعاً لله تعالى ، و الشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها أيضاً ، و هي أعظم قدراً ، و أعزّ وجوداً من النعمة التي من أجلها وُفقت له ، فيلزمك على كل شكرٍ شكرٌ أعظم منه إلى ما لا نهاية له مستغرقاً في نعمته ، قاصراً و عاجزاً عن درك غاية شكره ، فأنّى يلحق العبد شكر نعمة الله و حتى يلحق صنيعه بصنيعه ، و العبدُ ضعيفٌ لا قوة له أبداً إلا بالله ، و اللهُ غنيٌّ عن طاعة العبد ، قوي على مزيد النعم على الأبد ، فكُـنْ لله عبداً شاكراً و اسجد له ذاكراً، فلا يضرك في الدنيا شيء لقول أبي عبدالله ( عليه السلام ) : " ثلاثة لا يضر معهن شيء : الدعـاء عند الكـرب ، و الاستغـفار عند الذنب ، و الشكر عـند النعمة " ، و عنه (ع) أنه مـكـتوبٌ في التوارة " اشكر من أنعمَ عليك ، و أنعمْ على من شكركَ ، فإنه لا زوالَ للنعماء إذا شكرتَ ، و لا بقاء لها إذا كفرتَ ، و الشكرُ زيادةٌ في النعم و أمانٌ من الغير " .

أيها الإنسان :
أنى لك أن تكون لله عبداً شاكراً حق شكره ؟؟
عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : قال الله عزّ و جلّ لموسى بن عمران : يا موسى اشكرني حق شكري .
قال : يا ربِّ كيف أشكرك حق شكرك ، و النعمة منك ، و الشكر عليها نعمةٌ منك .
فقال الله تبارك و تعالى : إذا عرفت أن ذلك مني ، فقد شكرتني حق شكري .

و لا يكون الشكر للنعم التي أنعمها علينا و نتلمس آثارها فقط ، بل يشمل كل النعم الظاهرة و الباطنة و منه نعمة الأنبياء و الأوصياء ( عليهم السلام ) و بعثهم لنا رسلاً هداة و أئمة تقاة من أجل بيان طريق الحق و الفلاح ، قال النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : " يؤتى بعبدٍ يوم القيامة فيُوقف بين يديّ الله عزّ و جلّ فيأمر به إلى النار ، فيقول : أيّ ربِّ أمرتَ بي إلى النار ، و قد قرأتُ القرآن .
فيقول الله : أيّ عبدي إني أنعمت عليك فلم تشكر نعمتي .
فيقول : أيّ ربِّ أنـعمت عليّ بكذا فشكـرتك بكذا ، و أنعمت عليّ بكذا فشكرتك بكذا ، فلا يزال يحصي النعم و يعدد الشكر .
فيقول الله تعالى : صدقتَ عبدي إلا أنك لم تشكر من أجريتُ لك نعمتي على يديه ، و أني قد آليتُ على نفسي أن لا أقبل شكرَ عبدٍ لنعمةٍ أنعمتُها عليه حتى يشكر سائقها من خلقي إليه . ( البحار ج7 ص 223 ) .

سأختم حديثي في هذا الموضوع بقول الإمام علي ( عليه السلام ) حيث فمن فيّه الدرُّ ناثر ، و بالحق ناطق ، و كيف لا فالحق مع علي و الحق مع علي يسير معه أينما سار و دار ، و تبقى كلماته تلك خير خاتمة لمقالي الذي يُرفع بذكر علي ( عليه السلام ) و تلك مقاله و المنبر مقامه حيث قال لمَن في عصره و ما زال يقول لنا و مقاله سيردد في كل العصور :
" أما بعد ، فإنا نحمد الله ربنا و إلهنا و ولينا و ولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرةً و باطنة ، امتناناً منه بغير حولٍ منا و لا قوة ، ليبلونا أ نشكرُ أم نكفر ، فمن شكر زاده ، و من كفر عذبه ، فأفضل الناس عند الله منزلةً ، و أقربهم من الله وسيلةً ، أطوعهم لأمره ، و أعملهم بطاعته ، و أتبعهم لسنة رسوله ، و أحياهم لكتابه ، ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله و طاعة الرسول ... " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ... ثم قال : ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها و ترغبون فيها ، و أصبحت تغضبكم و ترضيكم ليست بداركم ، و لا منزلكم الذي خلقتم له ، فلا تغرنّكم ، فقد حذرتموها و استتموا نعم الله عليهم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله ... " ( البحار )
يا أيها الإنسان فذلك الحق من ربك فلا تكن من الممترين الجاحدين ...
فيا من بطرتَ بالنعم و تعرضتَ للنقم ، و سهوتَ عن الذكر ، و نسيتَ الشكر ، و ركبتَ الجهل بعد العلم .. فلا حجةَ لك الآن و لا عذر ، و لا تثريب عليك و لا لوم إن أنتَ لم تحمد و لم تشكر ، و ذاك قولي أذيل به سطوري ...
الحمد لله رب العالمين على نعمك ظاهرة و باطنة ، فلك الحمد إلهي ، فتمم علينا بسوابغ النعم و ادفع عنا مكاره النقم ، و لك الحمد على حسن بلائك ، و سبوغ نعمائك حمداً يوافق رضاك يا عظيم يا كريم برحمتك يا أرحم الراحمين .

وصلى الله على محمد و آله و عجل فرج وليهم القائم


نسألكم خير الدعاء و لكم مثله

أختكم

نور الزهراء
السبت
5 من ربيع الأول 1425 هـ
24 من أبريل 2004 م

   -----------------

مشاركة من :  نور الزهراء