الموضوع

خطبة أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله
في الليلة العاشرة من محرم (1419 هـ)

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا شفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين وأصحابه الأخيار المنتجبين..

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت برحلك، عليك مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار..

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين..

السادة العلماء، إخواني وأخواتي، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

مجدداً، في ليلة العاشر، عظّم الله لنا ولكم الأجر بمصاب سيدنا ومولانا وإمامنا سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع)، وإخوانه، وأولاده، وأولاد إخوته، وأبناء عمومته، وأصحابه، وسبي نسائه.

وفي هذه الليلة المباركة والحزينة والعزيزة، كما في الليلة الأولى، نتوجه أولاً الى صاحب العزاء، الى حفيد الحسين (ع)، الى مَن يبكي جدّه في مثل هذه الليالي والأيام بدل الدموع دماً، إمامنا وسيدنا صاحب العصر، بقية الله (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، لنواسي ونعزّي، ونشاركه الألم والحسرة والبكاء..

على كل حال، هذه الليلة هي ليلة خاصة، لها جوّها، لها سماؤها وأرضها، لها نجومها، وهواؤها ونسيمها، وعبراتها، وحشرجاتها، وآمالها، وآلامها.. وفي هذه الليلة سنحاول أن نتزود من مجرياتها لما هو بالنسبة إلينا أهم وأخطر من كل شأن، ومن كل أمر، ومن كل شيء، وهو: آخرتنا، ويوم اللقاء بين يدي الله (سبحانه وتعالى)، عندما نمضي بعقولنا وقلوبنا وتصوراتنا الى ليلة العاشر، الى صحراء كربلاء، الى ذاك الجمع المحاصر بعشرات الألوف من الجنود والمقاتلين. ونجد أنفسنا أمام مجموعتين من الناس، مجموعة قليلة، صغيرة، مستضعفة، محاصرة.. قائدها وأميرها أبو عبد الله الحسين (ع) وثلة من شباب الهاشميين، والنساء الهاشميات، وبعض الأصحاب من رجال ونساء.. ومجموعة كبيرة، حاشدة، عشرات الألوف، أميرهم يزيد، وعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، يحاصرون المجموعة الصغيرة.

نحاول أن نطلّ على المجموعتين بعين تنظر الى الآخرة قبل أن تنظر الى الدنيا، ونسأل هنا: ألا يمكن، وأليس هو الحال، في كل لحظة، أو في أي ساعة، أو في أي يوم، أن أكون أنا وأنت أمام موقف من هذا النوع علينا أن نحسم فيه خياراتنا فإما أن نكون مع هؤلاء أو مع أولئك؟

كيف يمكن لنا أن نختار لنكون دائماً وأبداً صادقي العهد والبيعة مع سيدنا الحسين (ع)، فنكون معه في موقف، في كل أداء، في كل ممارسة، وفي كل ساحة، ولا نكون في فريق عدوه، الذي حاصره، وقاتله، وقتله، وسبى نساءه؟ كيف يمكن لنا أن نكون كذلك؟

وبالتالي، علينا أن نفهم كيف كان هؤلاء القلّة هنا، وكيف كانت كل الكثرة هناك. لماذا هؤلاء مع الحسين، ولماذا كان أولئك في ذاك الموقع الآخر؟

ويكبر السؤال عندنا لنسأل عن عاقبتنا، عن حالتنا التي نموت فيها وننتقل من دار الدنيا، نحن مع مَن؟ والى جانب مَن؟ ونسأل: عندما ننتقل الى قبرنا والى آخرتنا ونقف بين ربنا، أين نحـن؟ ومـا هو مصيرنا؟ والى أين مآلنا؟ ومع مَن؟ والى جنب مَن؟ ونسأل، ونحن نتحدث عن المخاوف والقلق، وأقول لكم: من حقنا، بل من واجب كل واحد منا، أن يقلق على مصيره الإيماني، على عاقبته، على خاتمته، على حالته التي سينتقل فيها من دار الدنيا الى دار الآخرة. ومَن لا يقلق، مَن لا يخاف، مَن لا يخشى، فهو يأمن من مكر الله، والأمن من مكر الله من الكبائر، من الذنوب الكبيرة التي تهدد مصير الإنسان. وها نحن نتحدث عن المخاوف وعن القلق، نسأل عن السبيل؟ عن الضمانات؟ عن الطريق الموصل الى الغاية والهدف؟

أيها الإخوة والأخوات، يمكننا أن نفترض مجموعة أمور، كلاً على حدة، نتحدث عنها بشكل مختصر..

قد يتصور الواحد منا أنّ هذه هي التي تشكّل لنا الضمانة، حتى تَحْسن عاقبتنا ويُختم لنا بخير، ونأتي يوم القيامة نُحشر ونورنا يسعى بين أيدينا وبأيماننا..

أولاً: العلم والمعرفة. أي أننا إذا حصّلنا علماً، حصّلنا معرفة، هذا هو الذي يشكّل بالنسبة إلينا الضمانة. أن نعلم ونعرف أنّ الله موجود، وأنّ هناك آخرة، وأنّ الدنيا فانية، وأنّ الآخرة هي الحياة الأبدية الباقية، وأنّ الموت حق، وأنّ البعث حق، وأنّ كل ما ينتظرنا في الآخرة حق، وأن نعلم ونعرف أنبياء الله، ورسله، وكتبه، وأحكامه، وما يشاء وما يرضيه ويغضبه.. هذا العلم وهذه المعرفة هما اللذان يشكّلان بالنسبة إلينا الضمانة.

أقول: قد يتصور أحدنا هذا.. أن نعرف الحق ونعرف أهل الحق، فتكون معرفتنا هي الضمانة، وهي العصمة، وهي السبيل الذي يوصلنا الى الغاية ويوصلنا الى الهدف.

أيها الأعزاء، العلم والمعرفة مطلوبان، وشرطان لازمان. وبعث الأنبياء والرسل ليعرّفوا الناس ويعلّموهم الكتاب، والحكمة، والعقيدة، والشريعة، وما يرضي الله وما يغضبه، وليعرّفوهم الحق وأهل الحق على مدى التاريخ والى قيام الساعة.. هذا لازم، وبدونه لا يمكن أن نمشي في الطريق. ولكن هل هذا يكفي لوحده حتى نصل؟ لا.. بشكل قاطع لا.. هذا لا يكفي، هذا شرط لازم، هذا من العدّة، من المؤونة التي نحتاجها ونحن نمشي في طريق الآخرة، ولكنه ليس لوحده كافياً وضامناً. نعم، بالجهل نضيع، مَن لا يعرف ربه، ولا نبيه، ولا إمامه، ولا حقيقة دنياه ولا آخرته، ولا ما يرضي ربه ولا ما يغضب ربه.. لا يمكن من أن يمشي، حاله في ظلمات.. هذا العلم، وهذه المعرفة، هما ضروريان ولازمان وواجبان، وبدونهما لا نستطيع أن نسير، ولكنهما لوحدهما ليسا كافيين.

دليل على ذلك: هناك قصة يحدثنا القرآن الكريم عنها في أكثر من سورة، ويكررها بأساليب وتعابير وتصاوير مختلفة، إلا أنها ذات مضمون واحد: قصة إبليس وآدم (ع)، قصة تعرفونها، أنّ إبليس كان من الجن وعبد الله (سبحانه وتعالى) حتى التحق بالملائكة، وعبده آلاف السنين، حتى عُدّ – بحسب بعض الروايات – "طاووس الملائكة". وفي يوم من الأيام، شاءت الإرادة الإلهية أن توجد آدم، فخلق الله آدم من الطين، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أجمعين أن يسجدوا لآدم، وكان الأمر متوجهاً أيضاً الى إبليس. هذه القصة موجودة في القرآن في أكثر من مكان. فسجد الملائكة كلهم إلا إبليس رفض أن يسجد، وعصى ربه، وأصبح طريد الرحمة الإلهية، وقاطع طرق، بل أمير قطاع طرق الخلق الى الله، وأبى أن يسجد!

ما الذي منع إبليس من السجود لآدم، مع أنه علم وعرف أنّ هذا أمر الله ومشيئة الله وإرادة الله؟ رفض..! لم يكن السبب أنّ إبليس كان جاهلاً بالله، لا.. كان يعلم، وكان يعرف قدرة الله، وعظمته، وحكمته، وحلمه، وصبره، وشدته، وكبرياءه، وجبروته.. وهو الذي عبد الله آلاف السنين، وكان يعرف أنّ هذه هي الحياة الدنيا، وأنّ هناك آخرة، وكان يعرف ماذا يعني التمرد على أمر الله، كان يعلم جيداً، وكان يعرف جيداً، وعِلْم إبليس أقوى وأشد من علمنا نحن، نحن نتحدث عن ملكوت السماوات، وهو كان في ملكوت السماوات! نتحدث عن الملائكة، وهو عاش مع الملائكة! نتحدث عن آدم، وهو عاش مع آدم وعاصر كل الأنبياء وكل الرسل! ما لدى إبليس من علم ومن معرفة، لا يملكه أي واحد منا على الإطلاق، ولكن علمه ومعرفته لم يمنعانه من معصية الله، وبالتالي من الخروج من رحمة الله (عز وجل)..

إذاً، لم يشكّل العلم هنا والمعرفة حصناً وضماناً ومانعاً. ليس صحيحاً أن أظن وأن أفكر أنه بمقدار ما أزداد علماً فقط أستطيع أن أزداد قرباً من الحق ومن الله ومن الآخرة. ما الذي منع إبليس من أن يسجد؟ بكل بساطة: الكِبْر. تكبّر إبليس منعه أن يسجد لآدم. أن آدم خلقته من طين، وأنا خلقتني من نار، والنار أشرف من الطين..؟! أين أنا وأين آدم حتى تأمرني بالسجود له؟!

هذا خروج عن العبودية لله (سبحانه وتعالى). أنت عبدٌ لله أم لا؟ أنت مخلوق لله أم لا؟ يجب أن تكون رهن أمره وإشارته. لكن إبليس هنا خرج عن هذه الإرادة بكبره، بتكبّره، بعصبيته. وأول عصبية في هذا الكون كانت عصبية إبليس، فسقط، وهوى الى أسفل السافلين.

وعندما نمضي الى كربلاء أيضاً، هل تظنون أنّ تلك المجموعة الكبيرة التي حاصرت الحسين وأحاطت به كانت مجموعة جهّال؟ لا.. أنّ مشكلة هؤلاء المساكين أنهم كانوا لا يؤمنون بالله، ولم يبلّغهم أحد أنّ هناك إلهاً في الأرض والسماء، أو لا يعرفون أنّ هناك آخرة وحساباً وعقاباً، أو أنهم لا يعرفون الحكم الشرعي في الخروج على إمام المسلمين، أو في الحد الأدنى في الخروج لقتل مسلم ونهب ماله وسبي نسائه (فكيف بأولاد رسول الله وبنات رسول الله)، أنهم لم يكونوا يعرفون..؟؟ كلا.. كانوا يعرفون جيداً، ويعلمون جيداً، ويعرفون لقتال مَن خرجوا، وهم كانوا قد أرسلوا له بالبيعة. يعرفونه مَن هو، إبن مَن، وحفيد مَن، وأخو مَن.. وهم الذين قاتلوا لسنوات طويلة في ركاب علي وفي ركاب الحسن!!

لم يكن الذين أحاطوا بالحسين مجموعة جهّال لا يعرفون شيئاً، بل كانوا يعرفون حق المعرفة.. وهم الذين كانوا قبل سنوات قليلة ضباطاً وقادة وجنوداً في جيش أبيه علي بن أبي طالب في صفين. كانوا يعرفون مَن يقاتلون. كانوا يعرفون زينب مَن هي، ومَن هو الحسين..!

عمر بن سعد، عندما عُرض عليه أن يكون أمير الجند، إستمهل ابن زياد ليلته ومضى في الليل يفكر ويخيّر نفسه ويقول: إذا قبلت بإمرة الجند وقيادة الجيش، ومضيت الى كربلاء وقتلت الحسين، ستكون لي ولاية الريّ وجرجان (التي هي اليوم منطقة إيران) ستكون لي الولاية، والزعامة، والملك، والجاه.. وأنا أطمع في هذا. ولكن، من جهة أخرى، إذا قتلت الحسين، إبن بنت رسول الله (هو يعرف مَن هو الحسين) سأدخل النار. وقام يخيّر نفسه بين الجنة والنار.

إذاً، لم تكن المسألة أنّ عمر بن سعد لا يعرف ربه، آخرته، نبيّه، تكليفه الشرعي، حرمة ما يقوم به، وأنّ ما يقوم به يدخله جهنم.. كان يعرف وكان يعلم، ولكن طمعه بالدنيا وبالملك وبالسلطان هو الذي أوصله الى ما وصل إليه.

في قصة هارون الرشيد، أنه في يوم من الأيام دخل الى مجلسه رجل من بني هاشم، فخرج هارون الى الباب واستقبله استقبالاً عظيماً، وكرّمه، وأجلسه الى جانبه، ونسي كل مَن كان في مجلسه، وتوجه بالكامل إليه، وناجاه وحدّثه، ثم ودّعه الى الباب وعاد. كان ابنه المأمون صغير السن، تعجّب أنّ هذا ليس وزيراً، ولا أميراً، ولا قائداً، ولا من الأعيان، وللمرة الأولى يراه! إستغرب، أنه مَن هو هذا الشخص الذي اهتم به هارون الرشيد الى هذا الحد؟ فبعد أن انفضّ المجلس سأل أباه: مَن هو هذا الشخص الذي اهتمّيت به الى هذا الحد؟ قال له: يا بني هذا موسى بن جعفر (أي الإمام موسى الكاظم "ع") وهو أحق بهذا الأمر منا (يعرف أنّ موسى بن جعفر هو أحق بهذا الأمر). فقال له على بساطته وهو صغير السن: إذا كان هو أحق بالأمر، وأنت تعرف ذلك، لماذا لا تسلّم إليه الأمر؟! فيقول له هارون الرشيد: لو نازعتني أنت (أنت ابني من صلبي وليس موسى بن جعفر) في هذا الأمر (يعني في أمر السلطان والملك) لأخذت الذي فيه عيناك (أي أقطع رأسك).

إذاً، لم تكن مشكلة الذين خرجوا على الحسين مشكلة جهل، لا.. كان عندهم علم، وكان لديهم معرفة.

يكفي هذا المقدار لتقول: العلم والمعرفة أمران مطلوبان وواجبان ولازمان، ولكنهما لوحدهما لا يشكّلان الضمانة لِحُسن العاقبة وللوصول الى الغاية.

ثانياً: يمكن أن نأتي ونقول: العبادة بالمعنى الخاص الذي تكلمت عنه في الليلة الثالثة، هذه المراسم العبادية (صلاة، كثرة الصلاة، كثرة الصيام، الحج الى بيت الحرام، وما شاكل..) هل يمكن للعبادة أن تشكّل بالنسبة إلينا، بهذا المعنى الخاص، ضمانة كافية؟ هي شرط وواجب ولازم، بلا صلاة، وبلا صوم، وبلا حج وبلا عبادة، لا يمكن الوصول أيها الإخوة والأخوات.. الصلاة عمود الدين.

لا يمكن الوصول بدون عبادة. ولكن العبادة، بالشكل الشائع والمفهوم العام، حتى بالمقدار الذي مارسه الكثير من العبّاد في التاريخ، هل يمكن أن تشكّل لوحدها ضمانة؟ الجواب أيضاً بشكل قاطع: لا. ونرجع مرجوعنا، الدليل: إبليس، الذي إنما أصبح طاووساً للملائكة، عبادته، وركوعه، وسجوده، وذكره وتسبيحه، وصل الى هذا المقام الرفيع بعبادته، كان عالماً في النقطة الأولى، وعابداً في النقطة الثانية. إلا أنّ آلاف السنين من العبادة لم تكن كافية لوحدها أن تحصّن إبليس من السقوط في لحظة الإمتحان الصعب الذي يطاله شخصياً في نفسه، في كبريائه، في ذاته، في أنانيته.

والذين خرجوا على الحسين، واجتمعوا في مثل هذه الليلة، حاصروه، وقطعوا عليه الماء، وصمّموا على قتاله، أو أن يفرضوا عليه البيعة لذاك السلطان المتهتك، كان كثير منهم – بالحد الأدنى – من أهل الصلاة والصيام والحج والعبادة، بهذا المعنى، لكن لم يَحُلْ أداؤهم للعبادة ولمراسم العبادة، بهذا الشكل العام، من أن يسقطوا في هذا الإمتحان وفي هذا الموقف.

العبادة شرط ضروري ولازم، ولكنها ليست كافية. وطوال التاريخ شاهدنا عبّاداً في الحد الأدنى صرفوا حياتهم بالعبادة، عبّاداً لم يكن لهم من صلاتهم إلا الشقاء والتعب، ومن صومهم إلا الجوع والعطش، وعندما كان الحق بحاجة الى ناصر، وكان العدل بحاجة الى سيف، وكان المعروف بحاجة الى آمرٍ، وكان المنكر بحاجة الى ناهٍ، وجدتهم يسكنون الزوايا، ويعصون الله، ويفرّون من الزحف، وهم يظنون أنفسهم أنهم العبّاد العظام الكبار، وأنهم قسيمو الجنة والنار، وهم مخطئون ومشتبهون وجاهلون في هذا المعنى.

العبادة شرط ضروري ولازم، ولكنها لوحدها لا تشكّل الضمانة.

لكن، الى الآن، نريد علماً ومعرفة، ونريد الى جانبهما عبادة، ولكن هذا أيضاً لا يكفي.

ثالثاً: الحب، والمودة العاطفية، والتعلّق النفسي والعاطفي للحق، أو بأهل الحق.. نحن نحب الإسلام، ونحب القرآن، ونحب الرسالة، ولكن حبنا لوحده ليس ضمانة في أن نقف الى جانب هذا الإسلام، وهذه الرسالة، وهذا القرآن، مهما كان الثمن، وخصوصاً إذا احتاج الأمر الى تضحيات.

حبنا لرسول الله، حبنا لآل رسول الله، مطلوب وضرورة وشرط لازم وواجب في الوصول الى الله، الى الآخرة، الى العاقبة الحسنة {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}.

هذا هو الحد الأدنى من المودة، الحب والود والإرتباط العاطفي، هذا أقل شيء.. هو شرط لازم، ولكن أيضاً لوحده لا يكفي.

ألم يكن الذين خرجوا على الحسين – على ما يبدو – له في قلوبهم نوع من الود والإرتباط العاطفي؟ ألم يقل له كثير ممن خذلوه: لا تذهب يا أبا عبد الله فإنا نخشى أن تُقتل وتسبى نساؤك. وكانوا يتحدثون بحب. ألم يبكه بعد مصرعه قَتَلته في جيش عمر بن سعد؟! ألم تضج الكوفة كلها برجالها ونسائها وأطفالها بالبكاء لابن رسول الله، وهي التي تركته، وخذلته، وخانته، وقتلته، وسبت نساءه؟ بلى.. ولم يكن هذا الحب لوحده كفيلاً وكافياً في أن لا يسقط هؤلاء في هذا الإمتحان الصعب. هو مطلوب ولكنه ليس كافياً. لكن نريد علماً ومعرفة، ونريد عبادة، ونريد حباً ووداً لله وللحق وأهل الحق وأئمة الحق.

لكن يبقى هناك شيء.. الآن لا أريد الإطالة بالنقاط التالية، أختصر لأصل الى النتيجة التي أود الوصول إليها..

النقطة الرئيسية في الحقيقة التي تستقي قوّتها من كل العناصر التي ذكرناها، وتعابيرها، وتجلّياتها، ولكن هي التي تشكّل – من حيث المجموع – الضمانة والكفالة هي: التقوى. تقوى الله والزهد في الدنيا. العالِم العابد المحبّ إن لم يكن تقياً، إن لم يكن زاهداً في هذه الدنيا وبهذه الدنيا، لن يصل، لأنه لا يمكن الوصول إلا بالتقوى والزهد في الدنيا وبالدنيا.

نأتي الى هذه النقطة، فنجد أنّ الله (سبحانه وتعالى) في القرآن الكريم مباشرة، أمر بالتقوى، طلب من أنبيائه أن يأمروا الناس بالتقوى. وتحدث عن التقوى وآثار التقوى ونتائج التقوى في عدد من الآيات، طبعاً لن يتسع المجال للتعرض لها، ولكن لا نجد عندما يتحدث الله (سبحانه وتعالى) عن أي واحدة من تلك لوحدها، أنّ هذه تعني كيت وكيت في ضمانة الآخرة.. مثلاً: يتحدث عن التقوى، ويعطي نتائج مباشرة.. سأذكر بعض مقاطع من الآيات:

{فإن الله يحب المتقين} فالتقوى تجلب حباً.

{واتقوا الله واعلموا أنّ الله مع المتقين} فالله مع المتقين لا مع غير المتقين.

{وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين}.

الله ممن يتقبل؟

{إنما يتقبل الله من المتقين}.

مستقبل الأرض لمن؟

{إنّ الأرض لله يورثها مَن يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}.

الجنة لمـن؟

{وأُزلفت الجنة للمتقين}.

والآخرة كلها لمن؟

{والآخرة عند ربك للمتقين}.

وليّ المتقين مَن؟

{وإنّ الظالمين بعضهم أولياء بعض والله وليّ المتقين}.

الظالمون أولياء بعضهم، أما المتقون فالله (سبحانه وتعالى) وليّهم.

{ومَن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}.

لا يوجد طريق مسدود في وجه المتقين، الله يفتح لهم الأبواب.

{ومَن يتقِ الله يجعل له من أمره يسراً}.

{ومَن يتقِ الله يكفّر عنه سيئاته ويعظّم له أجراً}.

والكثير الكثير من الآيات..

عندما نقول: متقين، واتقوا، وتقوى.. ماذا يعني؟ بعبارة أيضاً مختصرة ووجيزة:

أن نتّقي الله، يعني أن نجتنب معصيته، ما أمرنا الله به نفعله، وما نهانا الله عنه نجتنبه.

لا يكفي أن أصلّي – هنا سأرجع الى الأمور التي تحدثت عنها قبل قليل – صلاة الليل وأترك أرض المسلمين للغزاة المحتلين، فأنا هنا أقوم بالمستحب، وأرتكب هناك المعصية والحرام والكبيرة!

لا يكفي أن أصلّي الصلاة الواجبة، وأغشّ الناس، وأسرق الناس، وأكذب على الناس، وأغتاب الناس، وأفتن بين الناس.. هذا لا يجوز. لو كانت علامات السجود في جبهتي بادية الى مئات الأمتار ولساني لا يلهج بالصدق، لا قيمة لهذه العبادة، لا قيمة لصلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، ولا قيمة لصوم لا يعلّم صاحبه أن يصوم عن الحرام وعن المعاصي.

التقوى تعني أن لا تعصي الله، الموضوع ليس معقداً ولا صعباً ولا يحتاج للتنظير، بكلمتين فقط:

التقوى تعني أن لا نعصي الله. مَن لا يعطي الله فهو تقي، وهذا أمر ممكن، الله كلّف به كل مَن بلغ سن التكليف.. أي البنت التي تبلغ التسع سنوات تستطيع أن تكون تقية، والشاب الذي يبلغ ضمن العلامات أو سن الخامسة عشرة يستطيع أن يكون تقياً، ولو كان هذا الصبي وتلك الصبية عاجزين أن يكونا تقيين فالله لا يأمرهما بذلك، لأنّ الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها. كل إنسان بلغ سن التكليف يستطيع أن يكون تقياً.

بل أكثر من هذا، حتى مَن يبلغ سن التكليف يستطيع أن يكون تقياً، وإنّ التكاليف والأوامر ليست موجهة إليه، ولكنه يستطيع أن يحمل روح التقوى، فلا يرتكب أمراً يعرف أنّ هذا يُغضب الله.

بالنسبة الى المكلّفين، هذه هي التقوى، هذا العمل، أي حين نلتزم الأمر الإلهي، نجتنب المعصية الإلهية، ويصبح لدينا في أنفسنا طبيعة من هذا النوع، حال من هذا النوع، ملكة من هذا النوع، طاقة من هذا النوع.. هذه الطبيعة، هذه الملكة، هذه الطاقة النفسية، هذه الحالة، هي التي تشكّل بالنسبة إلينا الضمانة من الوقوع والسقوط.

ولذلك، العاقبة الحسنة لمن؟ للعالِمين؟ لا. للعابدين؟ لا. للمحبّين؟ لا.. ليس فقط. العاقبة للمتقين.

أعود وأقول: التقوى تحتاج الى العلم، والتقوى تحتاج الى العبادة، والتقوى تحتاج حباً، لكن التقوى هي أوسع وأكبر. والتقوى المطلوبة التي أتحدث عنها ليس هي مجرد المظهر الخارجي، أو الأداء الخارجي، بل التقوى التي تصبح طبيعة في الإنسان. وسأوضح ماذا أقصد أنها طبيعة في الإنسان:

لعلّنا تكلمنا في بعض الليالي، أنّ شخصاً مثلاً هو بطبيعته - ويسمّونها ملكة - إنسان صادق، لا يكذب، لكن ربما في يوم من الأيام "إنحشر" فكذب، إشتبه فكذب، وسوس له الشيطان فكذب.. هذا لا نسمّيه كذّاباً، لأنه بحسب طبعه إنسان صادق، أخطأ فكذب. وشخص آخر بطبعه كذّاب، فهذا يصدف أنه يصدق، هذا في طبعه كذّاباً.

حين نتكلم عن الكرم، فيوجد شخص يضغط على نفسه ليدفع 50 دولاراً ليتيم. هذا ليس لديه طبع كرم، إنما يتكارم، فهو لا يملك طبيعة من هذا النوع. شخص آخر، طبعه وطبيعته.. أمر ممزوج في كيانه، في روحه، في نفسه، فهو يدفع ويجود، هذا كريم. الشخص الأول لا نسمّيه كريماً، تقبّل الله منه صحيح، لكن لا نسمّيه كريماً، لأنّ الكرم يتحول الى طبع في نفسه وذاته..

وحين أتكلم عن التقوى، أي ينبغي أن تصل التقوى الى هذه المرحلة، وهذه التقوى إنما تصل الى هذه المرحلة بتهذيب النفس، وتزكيتها، والزهد في الدنيا، أي ليس دائماً الإلتزام بالأمر الإلهي مسألة سهلة، وليس دائماً الإبتعاد عن المعصية أمر سهل. ليس الإمتحان عندما يكون الأمر الإلهي الذي نؤمر به يعجبنا، والأمر الذي ينهانا عنه في الأصل نحن لا نحبه.. الله يقول لا تأكلوا كذا.. فأنا لا أحب هذه الأكلة أصلاً فهذه توافقني.. الإمتحان ليس هنا، الإبتلاء ليس هنا، الإبتلاء عندما يصل الأمر الى حيث ينهانا الله عن شيء نحبه، فنصبح في صراع هل نطيع الله أم نطيع أنفسنا؟ أو عندما يأمرنا الله بشيء نكرهه، فيصبح لدينا صراع هل نطيع الله أم نطيع أنفسنا؟ فهذا هو جهاد النفس الذي تكلمت عنه في الليالي الماضية، وأنه "لا فضيلة كالجهاد" و"لا جهاد كجهاد النفس"، لأنه هو الذي يحسم هذه المعركة، معركة العاقبة الحسنة، معركة الآخرة، معركة مصير الإنسان.. فهذا النوع من الجهاد هو الذي يحسم.

عندما نعود الى كربلاء، القصة أيها الإخوة والأخوات هنا.. عندما يصبح الإنسان في موقف عليه أن يختار: هل يختار الدنيا أم يختار الآخرة؟ فالجمع بين الإثنين غير ممكن.

كمثال: أحياناً، يمكن أن يكون هناك حكم عادل في بلد ما، فيأتي الحاكم العادل ليقول لك: تعالَ وكن أميراً لجندي.. والياً على المنطقة الفلانية.. حسناً هنا نعبد الله ونطيعه، وفي نفس الوقت حصلنا على ولاية وإمرة وزعامة. الإمتحان ليس هنا، الإمتحان والإبتلاء والإختبار، وكلنا يمرّ في هذا الإختبار فلا يظنن أحد أنه خارج هذا الإبتلاء.. خارج هذا الغربال.. كلنا داخل هذا الغربال {لِنبلوكم أيكم أحسن عملاً}. الله يعلم النتائج، ولكننا إذا دخلنا الجنة ندخلها بجدارة ولياقة، هذه الجدارة التي أثبتناها في ساحة الإمتحان، في العمر الممتحَن الذي عشناه. هنا يصل الإنسان الى النقطة التي يختار فيها.. عليه أن يؤثر الدنيا على الآخرة فيسقط، أو يؤثر الآخرة على الدنيا.. وهنا كان الإمتحان الصعـب فـي كربلاء.

في الحقيقة، المائز الرئيسي بين جماعة الحسين والجماعة الأخرى، لم يكن في أصل العلم والمعرفة، فكل طرف كان يعرف مَن هو الطرف الآخر، وهؤلاء يصلّون وهؤلاء يصلّون.. وهؤلاء يحبون الحسين وهؤلاء معظمهم كان يحب الحسين.. الميزة الرئيسية هي أنّ الذين وقفوا مع الحسين، أيها الإخوة والأخوات، آثروا الآخرة على دنياهم الفانية، وأنّ الذين وقفوا في الجبهة المعاكسة آثروا دنياهم على آخرتهم. لو أتينا وسألناهم: لماذا تخذلون الحسين وتقاتلونه؟ يقولون: إن وقفنا مع الحسين (أن يقاتلوا جيش الشام الآتي في الطريق) نخاف أن يهدم عبيد الله بن زياد بيوتنا، نخاف أن يأخذ أموالنا، نخاف أن يعلّقنا على الصلبان، نخاف أن يذبح أطفالنا، أن يسترقّ نساءنا.. فنحن نخاف على دنيانا، فلذلك كنا هنا.. والبعض يطمع في أن يكون له قرب وحظوة، ومال، ودرهم، ودينار، وقصر، وجاه، وموقع عند أصحاب المال والدنيا والجاه والسلطان.

عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية، لم يكن لديهما أي سبب آخر أبداً.. ولذلك كان هذا هو الأمر الحاسم والفاصل بين الجبهتين.

يجب أن نقف في هذه الليلة على هذا الخط الفاصل، ونحن نلتقي بروح أبي عبد الله الحسين (ع) تحت عباءته وفي خيمته ليخيّرنا بين الجنة والنار، ليخيّرنا بين الدنيا والآخرة، نحن ماذا نختار؟ لقد اختار أصحاب الحسين (ع) وأهل بيته المضيّ معه حتى الشهادة، وآثروا الآخرة، وزهدوا بالدنيا، رفضوها، ولفظوها، وأخرجوها من قلوبهم، وأقبلوا بقلوبهم على الله واليوم الآخر، فكانوا يوم العاشر الشهداء بل سادة الشهداء، وكانوا العظماء بل سادة العظماء، وكانوا أهل الجنة الأبرار الكبار. هذا هو مائزهم، هذا هو شأنهم، هذه هي قصتهم في كربلاء. أمضَوا ليلتهم تلك يقرأون القرآن، يركعون ويسجدون، وعلى غير حال الناس، الناس الذين ينتظرون الموت في الصباح، وجوههم مسودة، متشائمون، باكون، حزينون.. أما هم فيمزحون ويضحكون، حتى أنّ شيخهم الكبير حبيب بن مظاهر قال له أحدهم: يا حبيب، ما هذا الوقت وقت مزاح ووقت ضحك! فقال حبيب: كيف لا نضحك، وما هي إلا ساعات حتى نلقى الله ورسوله في الجنة.

الذين بقوا مع الحسين في ليلته صمّموا على المضيّ الى الجنة فمضَوا ووصلوا، والذين خرجوا على الحسين صمّموا على أن يكونوا أهل الدنيا، فلم تكن لهم الآخرة، ولم تكن لهم حتى الدنيا التي طلبوها، وخسروا دينهم وآخرتهم من أجلها، وهذه هي العبرة العظيمة من حادثة كربلاء. حتى عمر بن سعد لم يصبح والياً ولا ملكاً ولا زعيماً، وقُتل شر قتلة، والآخرون أصابهم ما شاكل ذلك..

إخواني وأخواتي، في ليلة العاشر، نحن مدعوون في هذا المجلس أن يعود كل واحد منا الى نفسه ليسألها: لو قُدِّر لي أن أكون الليلة في كربلاء أين سأكون؟ لو قُدِّر لي أن أواجه موقفاً كهذا الموقف أين سأكون؟ هل أنا مهيّأ لأبيع نفسي لله طلباً لرضاه؟ هل أنا قد هذّبت نفسي وربّيتها وأعددتها لتختار الآخرة على الدنيا؟ عندما أصبح في موقف إما أن أكون من أهل الآخرة وإما أن أكون من أهل الدنيا؟ كم أنا جاهز..؟ هذا الأمر يجب أن يشغل بالنا أيها الإخوة والأخوات، وأن لا يغيب عن بالنا أبداً وعلى الإطلاق تلك اللحظة وتلك الساعة التي سنموت فيها، قد نموت على الفراش مَن يدري؟ قد نقطّع بقذيفة أو عبوة أو صاروخ مَن يدري؟ قد يموت الواحد منا في حادث سير، أو على سرير المرض، مَن يدري؟ لا يملك أحد ضمانة تتعلق بالزمان والمكان أو الأسلوب، وكلنا ينتظر في كل لحظة أن تأتيه ملائكة الموت لتُخرج روحه من جسده، ولتنقله من دار الى دار، ولتعبر به كما قال الحسين: "ما الموت إلا قنطرة" لتعبر به القنطرة من هذه الدار الى تلك الدار. نحن ماذا حضّرنا؟ ما جهّزنا؟ ماذا هيئنا لذلك اليوم؟ عندما نقرأ في أدعية أئمتنا (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، وهم الأئمة المعصومون، نجد لديهم هذا الألم هذه الحسرة، هذا الوَلَه، هذا التأوّه، هذا القلق، هذا البكاء، هذه الدموع.. عن تلك المرحلة التي سيصلون إليها.. فما بالنا نحن؟ وما حالنا نحن؟ وماذا أعددنا من جواب لكل سؤال؟ وما حضّرنا للكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

في ليالي شهر رمضان المبارك، من أهم المستحبات قراءة دعاء "السَحَر"، المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، سأنقل لكم مقطعين.. ولا تنسَوا أنّ مَن يقول هذه الكلمات هو الإمام المعصوم علي بن الحسين، الذي كان في كربلاء، وعاش آلام كربلاء، وكان حاضراً للشهادة بين يدي سيده ومولاه الحسين (ع)، كلمات المأسور المسبي من بلد الى بلد، الذي لا يملك أي واحد منا لا علمه، ولا معرفته، ولا عبادته، ولا جهاده، ولا إخلاصه، ولا تاريخه، ومع ذلك يجلس بين يدي الله (سبحانه وتعالى) فيقول: "سيدي، أخرج حب الدنيا من قلبي (أصلاً ليس ممكناً أن نمشي وفي قلبنا حب للدنيا)، واجمع بيني وبين المصطفى وآله، خيرتك من خلقك، وخاتم النبيين محمد (ص)، وانقلني الى درجة التوبة إليك، وأعنّي بالبكاء على نفسي، فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري (الآن ما زلت شاباً وغداً أستغفر، غداً أتوب، غداً أصلّي، غداً أتقي الله) وقد نزلت منزلة الآيسين من خيري، فمَن يكون أسوأ حالاً مني إن أنا نُقلت على مثل حالي الى قبر (تصوّر نفسك الآن نُقلت الى قبر على الحال الذي أنت عليه..) لم أمهّده لرقدتي (أي لم أحضّره الى النومة التي سأنامها فيه) ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي، وما لي لا أبكي ولا أدري ما يكون مصيري (إذا كان زين العابدين، الحسيني الكربلائي، يقول "ولا أدري الى ما يكون مصيري" فما بالي أنا وأنت؟!)، وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت، فما لي لا أبكي؟ أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري، عرياناً، ذليلاً، حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يمين وأخرى عن شمالي (مَن يهتم لأمرك؟ يومذاك لا يوجد معرّف، ولا حضور، ولا شعارات، ولا مَن يعترف بمَن، ولا مَن يهتم لأمر أحد.. لا أبيك، ولا أمك، ولا أخيك، ولا صاحبك، ولا جارك، ولا ابنك، ولا زوجتك ولا أحد..) لكل امرئٍ منهم يومئذ شأن يغنيه".

وفي مقطع آخر، يقول الإمام علي (ع): "إرحم في هذه الدنيا غربتي (الإنسان غريب في هذه الدنيا، وعندما ينتقل الى الآخرة سيكون غريباً أكثر {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم})، وعند الموت كربتي، وفي القبر وحدتي، وفي اللحد وحشتي، وإذا نُشرت للحساب بين يديك ذلّ موقفي، واغفر لي ما خفي على الآدميين من عملي (كم يوجد أناس مثلي وأمثالي، الناس يظنونهم طيبين وجيدين، وهم لا يعرفون ذنوبنا ومعاصينا وظلماتنا..؟ سترها الله عنا في الدنيا، ونسأله أن يسترها علينا في الآخرة)، وأدِمْ لي ما به سترتني، وارحمني يا رب صريعاً على الفراش تقلّبني أيدي أحبتي، وتفضّل عليّ ممدوداً على المغتسل يقلّبني صالح جيرتي، وتحنّن عليّ محمولاً قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وجد عليّ منقولاً قد نزلت بك وحيداً في حفرتي، وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي حتى لا أستأنس بغيرك. سيدي، إن وكلتني الى نفسي هلكت، فبمَن أستغيث إن لم تقلني عثرتي، فإلى مَن أفزع إن فقدتُ عنايتك في ضجعتي، والى مَن ألتجئ إن لم تنفّس كربتي. سيدي مَن لي ومَن يرحمني إن لم ترحمني".. ذاك اليوم، يجب أن يكون دائماً – أيها الإخوة والأخوات – في بالنا وأذهاننا.. لا يجوز أن نغفل عنه لحظة واحدة على الإطلاق. مَن يكون ذكر ربه في قلبه، مَن لا يغفل عن الآخرة، عن الموت، عن خروج النفس، عن القبر وحسابه، عن الحشر وطول الوقوف بين يدي الله (عز وجل)، مَن لا يغفل، يزهد في الدنيا، ومَن يزهد في الدنيا يتقي الله. الإنسان لماذا يعصي؟ أنا وأنت لماذا نعصي الله؟ إما نعصيه لأنا مضطرون لأن نعصي هذه المعصية كي نحصل على المال، حباً بالمال نعصي الله، أو نريد أن نحصل على زعامة أو جاه.. ليس شرط الزعامة أن تكون ملكاً، في هذه الأيام إذا أراد أحد أن يصبح "مختاراً" للزعامة، فهو أمر يتقاتل الناس لأجلها! الجاه: نعصي الله من أجل الجاه. نعصي الله من أجل أن نُشبع شهواتنا، في نظرة الى حرام، أو استماعٍ لحرام، أو قول حرام، أو فعل حرام.. فقط إشباع لغريزة، وتلبية لنداء الشهوة! لا أحد يعصي ترفاً، يعصي لأنه يوجد دنيا، الدنيا هي سلاح الشيطان. رسول الله (ص) يقول: "حب الدنيا رأس كل خطيئة". ويعلّق الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، عندما يتحدث عن هارون الرشيد ويقول: إننا نستغرب كيف قتل هارون الرشيد موسى بن جعفر، وهو يعرف مَن هو هارون بن جعفر؟! فيقول الشهيد الصدر: إننا الآن جماعة فقراء، مستضعفون، مساكين، نحتجّ على هارون، وهل أُعطي الواحد منا دنياً وسلطاناً وجاهاً كجاه هارون ولم نقتل موسى بن جعفر؟ لقد أُعطي أقل من هذا لأهل الكوفة وقتلوا سيد شباب أهل الجنة! ونحن نعصي الله في كل يوم مرات كثيرة وليس لنا من دنيانا شيء إلا الفقر والإهمال والحرمان والإبعاد والإستضعاف..!

هل الدنيا، أيها الإخوة والأخوات، دنيانا نحن - أنا وأنتم - التي نعصي الله صباحاً ومساءاً من أجلها تستحق أن نعصي الله من أجلها؟! لا هي دنيا ملوك، ولا هي دنيا زعماء، ولا هي دنيا مترفين.. هي حتى لو كانت كذلك لا تستحق، ولكن في حالنا نحن الحجة أشد وأكبر وأنكى {وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} وفي مكان آخر {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} و{متاع قليل} في آية أخرى. ما قدر الدنيا أمام الآخرة؟! ما هو نعيم الدنيا أمام نعيم الآخرة؟! عز الدنيا أمام عز الآخرة؟! جاه الدنيا أمام جاه الآخرة؟! سلام وأمن وطمأنينة الدنيا أمام سلام وأمن وطمأنينة الآخرة؟! وما عذاب الدنيا أمام عذاب الآخرة؟! وخزي وذلّ وهوان الدنيا أمام خزي وذلّ وهوان الآخرة؟! ما لنا كيف نختار.. كيف نفكر.. كيف نقرر.. كيف نعيش.. كيف نمضي..؟!!

نتعلم في هذه الليلة من الحسين، وأصحاب الحسين، وأهل بيت الحسين، ونساء الحسين.. نتعلم، رجالاً ونساءاً، كيف نهتدي الطريق ونقرر أننا لن نختار على آخرتنا شيئاً أبداً. لن ننسى نصيبنا من الدنيا طالما أنه لا يتعارض مع آخرتنا. ولكن يجب أن يكون أغلب همنا هو هذه الآخرة، هي تلك اللحظة التي سننتقل فيها من هذه الدار، فلا يبقى عنوان لمن يقاتل للعنوان، ولن يبقى لقب لمن ينافس على الألقاب، سينادى كل واحد منا يوم القيامة: يا فلان بن فلانة! بلا ألقاب، لن يبقى مال لمن يجمع المال، لن يبقى أهل، ولا عشيرة، ولا دار، ولا عقار.. ولن تغادر معنا دنيانا إلا نفسنا وعملنا الذي سنَقْدِم عليه فنجده حاضراً أمامنا يوم القيامة.

لنسأل أنفسنا في ليلة عاشوراء، إذا كنا نريد أن نكون مجاهدين حقاً في ركاب أبي عبد الله الحسين (ع)، نعلم أنّ أعدى عدو الله هو نفسنا التي بين جنبَينا، هي نفسنا الأمّارة بالسوء، هي نفسنا الطامعة في الدنيا، هي نفسنا المنكبّة على المعاصي والذنوب والآثام.. فلنقف مع الحسين لنقاتلها ونتغلب عليها وننتصر، ونبلغ الفتح، وهذا هو فتح الفتوح.. هذا هو الفتح المبين.. وكما نقلت لكم عن رسول الله (ص): "ليس الشديد مَن غلب الناس، إنّ الشديد مَن غلب نفسه". الذين كانوا مع الحسين كانوا الأشداء لأنهم غلبوا أنفسهم وانتصروا عليها، فخرجوا ليقاتلوا، ونالوا شرف الشهادة، وخُتم لهم بخير.. والحشود المؤلفة، المجهزة بالسلاح والسيوف والرماح، كانت مهزومة، ضعيفة، هزيلة، رغم كثرة عددها، لأنها كانت منهارة أمام النفس الأمّارة بالسوء، وأمام أسفل السافلين الشيطان المطرود من الرحمة الإلهية..

هكذا نفهم عاشوراء وكربلاء في ليلة العاشر من المحرم. وإذا كنا الليلة سنبكي الحسين بألم، بحسرة.. فلتكن دموعنا التي نجريها دموع التوبة، ودموع الحسرة على ما سلف منا، وما ارتكبنا من معاصي، وما تجاوزناه من حدود، وما فعلناه من ذنوب، لنعبر بدموعنا على الحسين طريق التوبة، ويتقبّلنا الله، والله يحب التائبين، وخصوصاً التائبين الشباب الله يحبهم.

تعالَوا في هذه الليلة، لنعاهد ونبايع الحسين (ع) على الطاعة لله، على الإنقياد لأمـر الله، على الإجتناب عن كل نهي ومعصية، وأن نكون أهل التقوى، وأن نكون أهل التوبة، وأن نكون أهل الإنابة، وأن نكون أهل الآخرة.. ونعاهد الحسين (ع) أن نُخرج حب الدنيا من قلوبنا، حب الدنيا الجاه والألقاب، حب الدنيا المال والمتع والشهوات، حب الدنيا الشياطين من الرجال والنساء والبنين والإنس والجن.. نعاهده أن نُخرج الدنيا التي قتلته من قلوبنا، لنطهّر هذه القلوب، فتصبح مكانـاً لذكر الله، ولنظر الله، ولبركة الله، ولتكون قلوب الأولياء الذين وليّهم الله (سبحانه وتعالى).

قبل أن أغادر المنبر، ملاحظة ليس لها علاقة بالموضوع لكن لا بد من الألفات إليها، الملاحظة الأولى، إليكم والى الإخوة المشاهدين أيضاً: غداً ستقام مسيرات اليوم العاشر في أكثر من مكان وفي أكثر من منطقة.. يجب أن تكون أجواء هذه المسيرات، بالدرجة الأولى، أجواء حزن وألم.. وتكون تعبيراً عن هذا الود والحب الذي نكنّه للقربى الذين جعل الله أجر الرسالة مودتهم.. ولذلك، هذا المظهر، هذا الشعار، يجب أن يكون بادياً على الوجوه، على الملامح، على الشفاه، في العيون.. هذا ما أريد أن أؤكد عليه أولاً.

ثانياً: الشعارات التي يقوم الإخوة والأخوات بترديدها، أو لطميات وما شاكل.. فليراجعوا الإخوة المسؤولين ليرَوا ما تم اختياره ليُعتمد، وإذا افتُرض أنّ هناك نقصاً في الإختيار، أو أنّ قسماً من المسيرة لم يصله هذا الأمر، فيجب أن يتجنب الإخوة والأخوات أي شعار يثير أي نوع من الحساسيات.. ويجب أن تكون هذه المناسبة مناسبة تعبير عن قوة الحضور الحسيني، الجهادي، المعنوي والإيماني، الذي نستمد منه الخير لأنفسنا ولوطننا ولشعبنا ولأمتنا إن شاء الله. هذه النقطة الأولى.

النقطة الثانية: بخصوص مسيرة الضاحية.. غداً تُختتم مسيرة الضاحية عند وقت صلاة الظهر بصلاة الجماعة، تأكيداً على هوية هذه المسيرة، واتّباعاً بحق وصدق لأبي عبد الله الحسين (ع)، الذي صلّى صلاة الظهر في أول وقتها وهو في ساحة القتال. وعسى أن يكون هذا الشعار، هذه الشعيرة، من شعائر الله، أن تدفعنا لمزيد من التقوى والإلتزام.. هنا لا أتكلم معكم فقط، وإنما أكلم نفسي أيضاً، لأننا يظهر أنّ لدينا تقصيراً في تأدية الصلاة أول وقتها، الحسين (ع) بالرغم من القتال والحرب والظروف الصعبة، قام للصلاة في أول وقتها، ومدح مَن طلب منه إقامة الصلاة جماعة بأنك "ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلّين".وهذه الإلتفاتة هذا العام من سماحة الإمام القائد السيد الخامنئي (دام ظله الشريف) هي التفاتة عظيمة ومباركة إن شاء الله. ونحن هذا العام سنلتزم هذا الأمر في مسيرة الضاحية الجنوبية، على أمل أن نخطط في العام المقبل إن شاء الله لتكون هذه سنّة حسنة في كل مسيرات يوم عاشوراء.

الشيء الأخير، كما عملنا السنة الماضية، نحن سنكمل بعد يوم العاشر مساءاً، أي الليلة 11 و12 و13 في هذا المكان.

في النهاية، هذه الليالي والأيام لها أجواؤها الخاصة ومعنوياتها الخاصة، إن شاء الله نأمل من الإخوة والأخوات أن يشاركوا في هذه المجالس، ولا أحد يعتمد على التلفزيون لأنه لن تكون منقولة مباشرة، والبرنامج غير مطوّل وسيقتصر على قراءة العزاء والرادود.

وختاماً، نحن لعشر ليالٍ أنا ومجموعة من الإخوة في الداخل والإخوة في الخارج، يمكن أن يكونوا عانَوا من مشكلات أخرى.. على كلٍّ، إذا لم يكن موضوع من الموضوعات مفيداً، أو أحياناً كنا نطيل عليكم أو ما شاكل.. نسأل الجميع المعذرة، ونطلب من الله (سبحانه وتعالى) الأجر والثواب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

   -----------------

مشاركة من : إياد