الموضوع جوهر
العلم وحقيقته |
|
عن
عنوان البصري – من حديث طويل –
أنه قصد الإمام جعفر الصادق (عليه
السلام) ليتعلم منه ، فقال له الإمام : يا
أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم ، إنما
هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك
وتعالى أن يهديه ، فإن أردت العلم ،
فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية ،
واطلب العلم باستعماله ، واستفهم الله
يفهمك . فقال
البصري : يا أبا عبد الله ! ما حقيقة
العبودية ؟ فقال (عليه
السلام) : ثلاثة أشياء ، أن لا يرى العبد
لنفسه فيما خوّله الله ملكاً . لأن
العبيد لا يكون لهم ملك ، ويرون المال
مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به ، ولا
يدّبر العبد لنفسه تدبيراً ، وجملة
اشتغاله فيما أمره تعالى به
ونهاه عنه . فإذا
لم يره العبد لنفسه فيما خوّله الله
تعالى ملكاً ، هان عليه الإنفاق فيما
أمره الله تعالى أن ينفق فيه ، وإذا فوض
العبد تدبير نفسه على مدّبره هان عليه
مصائب الدنيا ، وإذا اشتغل العبد بما
أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما
إلى المباهاة مع الناس ، فإذا أكرم الله
العبد بهذه الثلاثة هان الدنيا ، وإبليس
، والخلق ولا يطلب الدنيا تكاثراً
وتفاخراً ، ولا يطلب ما عند الناس عزاً
وعلواً ، ولا أيامه باطلاً ، فهذا أول
درجة التقى ، قال الله تعالى : (( تلك
الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون
علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة
للمتقين )) . القصص / 83 . قال
البصري : يا أبا عبد الله أوصني ! قال
(عليه السلام) : أوصيك بتسعة أشياء فإنها
وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى
والله أسأل أن يوفقك لاستعماله : ثلاثة
منها في رياضة النفس ، وثلاثة منها في
الحلم ، وثلاثة منها في العلم ، فاحفظها
وإياك والتهاون بها ، قال عنوان البصري
ففرغتُ قلبي له . فقال
(عليه السلام) : أما اللواتي في الرياضة :
فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه ، فإنه يورث
الحماقة والبله ، ولا تأكل إلا عن الجوع
، وإذا أكلت فكل حلالاً وسم الله واذكر
حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ما ملأ
آدمي وعاءً شراً من بطنه . وأما
اللواتي في الحلم : فمن قال لك : إن قلت
واحدة سمعتَ عشراً ، فقل له : إن قلتَ
عشراً لم تسمع واحدة ، ومن شتمك فقل له :
إن كنتَ صادقاً فيما تقول فأسأل الله أن
يغفر لي ، وإن كنتَ كاذباً فيما تقول
فالله أسأل أن يغفر لك ، ومن وعدك بالخنى
فعده بالنصيحة والدعاء . وأما
اللواتي في العلم : فاسأل العلماء ما
جهلتَ ، وإياك أن تسألهم تعنتاً وتجربة
، وإياك أن تعمل برأيك شيناً ، وخذ
بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً ،
واهرب من الفتيا هربك من الأسد ، ولا
تجعل رقبتك للناس جسراً .
----------------- مشاركة من : أبو تراب العاملي |