الفصل الثاني :

 

أهل السنة وتحريف القرآن

 

القسم الأول :  تحريف القرآن غير الصريح

 

الأثر البالغ لعلوم القرآن في فهم نصوصه واستنباط أحكامه لا ينكره أحد من العلماء ، ولا يمكن إهمالها بحال من الأحوال لإدراك لمراد الله عز وجل من مجاميع الآيات كالناسخة والمنسوخة التي يتبدل فيها الحكم تبعا لتحديد الناسخ من المنسوخ ، ولا يتأتى هذا إلا بعد طرق أبواب أخرى من علوم القرآن كباب أسباب النـزول ذي الوجهة التاريخية .

وليس هذا موضوع البحث ، وإنما الكلام هنا عن الأثر الذي تضفيه العلوم القرآنية على نفس مفرداته وألفاظه دون التعدي إلى مداليلها وما يستفاد منها ، وبعبارة أخرى سنقصر النظر في هذه المطالب على خصوص ما تمليه علوم القرآن عند الفريقين من سلامة ألفاظه من التحريف بالزيادة أو النقص في مادتـها ، لتحصيل المقارنة الواضحة .

 

 

S المستفاد من نتيجة البحث في علوم القرآن :

 

ومع السير حثيثا في أزقة ما حُشر في علوم القرآن يتضح لنا من الجدير بنسبة تـحريف القرآن لمعتقده ، فالكلام كله دائر مدار المرتكزات في كل من مذهب آل البيت عليهم السلام ومذهب أهل السنة ، والمستفاد من هذه الأبحاث الاطلاع على التحريف بثوبه العام المتجسد بمباحث علوم القرآن التي بـها يقع القرآن بكامله وبجميع نصوصه تحت رحمة مطرقة وسندان ما زج في علوم القرآن ، فلو استفيد التحريف من تلك العلوم فإن كل آيات القرآن بلا استثناء تزحزح عن مقامها الراسخ ويسفّ بـها إلى حضيض عالم التبديل والتشكيك ، لأن علوم القرآن المبحوثة هنا لا تمس آية دون أخرى .

ولا يلزم من نسبة قولا ما لأي مذهب أن جميعهم قائلون به ، ونحن لا جرم نتنـزه عن أسلوب الوهابية هذا فلا نجحف بمن خالف القول السائد ، بل سننقل أقوال بعض المخالفين له ، نعَم النسبة تكون للعموم والمتعارف فيما بينهم أي النسبة للأغلب لا الكل ، وهذا نلتزم به مع السنة والشيعة على حد سواء .

وأوّل هذه المباحث ترتيبا هو الكلام في الأحرف السبعة ومن ثم جمع القرآن ومن بعده القراءات القرآنية وآخرها هو نسخ التلاوة .

 

المبحث الأول : 

 

الأحـــرف الســـبـعـة

 

 

موضوع الأحرف السبعة من المواضيع الشائكة ، ومن استرق السمع في ميدان الأخذ والرد فيها يستشعر ملالة الموضوع وطول نفس من خاض فيه ، لا لأن ماهيته غير محددة فقط ، بل لأن بعض من خاضوا فيه تكلموا بآرائهم الشخصية بعيدا عن الأدلة ومقتضى القواعد العلمية ، فراج سوق من لا يملك سوى التقول على الله عز وجل بغير علم والجزم بلا تحرّج !

ومن الواضحات التي لا تحتاج إلى إطالة أن علوم القرآن لها أثر بالغ في إثبات نزاهة القرآن الكريم وقداسته ، وأهمها مقامنا هذا لما سيثمر عنه من نتائج وآراء ، إذ هي طاعنة بقداسة القرآن الكريم في الصميم ، وباختصار فإن علوم القرآن التي نسبتها روايات بعض الفِرق ومشوا في ظلامها صارت حجر عثرة ووصمة عار في جبين القرآن .

 

أولا :  أهل السنة ومعنى الأحرف السبعة

  

 

S ما هي الأحرف السبعة ؟

 

هذا السؤال معضلٌ ومتشابك الأطراف لكثرة تضارب علمائهم في تحديد ماهية تلك الأحرف السبعة ، وبنظرة عابرة في كتب علوم القرآن نجد أن كتـّابـهم قبل أن يخوضوا في هذا المبحث يمهّدون بمقدمة مفادها أن هذا البحث مؤذٍ والخوض فيه ليس من السهولة بمكان ، ومعهم الحق في ذلك .

وعلى أي حال فإن هذه المباني من علوم القرآن وغيرها ليست من المباني العقلية التي يصح للعقل البت فيها منفردا عن النصوص الشرعية ، فهي تأسيس من الشريعة لذلك يلزم مراجعة رأي الشارع عز وجل في تحديد ماهيتها ، فالحكم الفصل في المسألة هي النصوص الشرعية وإلا نقف متحيرين .

وبما أن النصوص الشرعية تدور في فلك الآيات والأحاديث ، استقرأنا آيات القرآن فلم نجد أي دليل فيها يشير من قريب أو بعيد إلى المطلوب ، فتعين لنا الشق الآخر وهي الروايات .

وبعد الوقوف على نوع الدليل المعول عليه في إجابة السؤال المطروح عن ماهية الأحرف السبعة ، نقول إن النظر في مدلول روايات أهل السنة حول الأحرف السبعة ينادي بإبـهام وغموض ماهية الأحرف السبعة ، وهاك تفصيل الكلام .

 

 

S السبب في إبـهام ماهية الأحرف السبعة . 

 

كان سبب دخول الأحرف السبعة في حيز علوم القرآن وجود بعض الروايات في صحاح أهل السنة ، فمفهوم الأحرف السبعة استفاض نقله من طرقهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ادّعى تواتر رواياتـها أبو عبيد بن سلام في فضائل القرآن وردّ عليه الأستاذ الزرقاني في مناهله فقال:

" وكأن هذه الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب هي التي جعلت الإمام أبا عبيد بن سلاّم يقول بتواتر هذا الحديث ، لكنك خبير بأن من شروط التواتر توافرَ جمعٍ يُؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية ، وهذا الشرط إذا كان موفوراً هنا في طبقة الصحابة كما رأيت فليس بموفور لدينا في الطبقات المتأخرة "[1] .

وكان من الطبيعي حال ورود هذه الكثرة من الروايات أن يحدد بـها معنى الأحرف السبعة ، ولكن يا حسرة ! تلك الروايات غير متفقة في المعنى وتضاربـها على أشده سواء أكان في تحديد معناها أو في عدد الأحرف نفسها حتى أشكل المقصود منها على كثير من علمائهم وتاهوا في دوامة تلك الأحرف .

إذن فعلة الإبـهام هو قصور الأدلة ، ولنذكر هنا مناقشة معنى تلك الروايات ، والمناقشة ستكون على ثلاثة محاور :

 
المحور الأول :  اختلاف الروايات في عدد الأحرف

 

( حرفٌ واحد )

-         كنـز العمال : " أتاني جبريل فقال : اقرأ القرآن على حرفٍ واحد "[2] .

 

          ( ثلاثة أحرف )

-         المستدرك على الصحيحين : " عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : أنزل القرآن على ثلاثة أحرف "[3] .

-    كنـز العمال : " أنزل القرآن على ثلاثة أحرف فلا تختلفوا فيه، ولا تحاجوا فيه فإنه مبارك كله فاقرؤوه كالذي أقريتموه "[4] .

 

( أربعة أحرف )

-    كنـز العمال : " أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلالٌ وحرام ، لا يعذر أحد بالجهالة به ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب "[5].

 

( خمسة أحرف )

-    تفسير الطبري : " عن عبد الله بن مسعود قال : إن الله أنزل القرآن على خمسة أحرف : حلالٌ وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحل الحلال وحرّم الحرام واعمل بالمحكم وآمن بالمتشابه واعتبر بالأمثال "[6] .

 

( سبعة أحرف )

-    صحيح البخاري ومسلم : " عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أقرأنيها ، وكدت أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها ، فقال لي : أرسله . ثم قال له : أقرأ ، فقرأ . قال : هكذا أنزلت ، ثم قال لي : اقرأ . فقرأت ، فقال : هكذا أنزلت ، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر "[7].

 

-    مستدرك الحاكم : " عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف  "[8].

 

( عشرة أحرف )

- كنـز العمال : " أنزل القرآن على عشرة أحرف ، بشير ونذير وناسخ ومنسوخ وعظة ومثل وحكم ومتشابه وحلال وحرام "[9].

 

وهذا أول وجه من وجوه التضارب في الأدلة ، ولا قيمة لرأي دون رأي المشرع في التوقيفيات ، لذا لا يعترض بأن أهل السنة اتفقوا على أنـها سبعة أحرف فبعضها تدعي خلاف ذلك وهي صحيحة السند .

 

 

المحور الثاني : التضارب في معنى الحرف

 

اختلفت الروايات في المقصود من الحرف إلى معنيين :

 

المعنى الأول : نزول آيات القرآن على سبعة أشكال مترادفة في المعنى

ويدل على هذا المعنى الغريب كثيـرٌ من الروايات الصحيحة في مصنفات أهل السنة ، وهو الرأي المشهور بين علماء أهل السنة ، ولدينا مزيد : 

 

-    " عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب قال : قرأت آية وقرأ ابن مسعود قراءة خلافها فأتينا النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقلت : ألم تقرأني آية كذا وكذا ؟ قال ابن مسعود : ألم تقرأنيها كذا وكذا ؟ قال : بلى . قال : كلاكما محسن مجمل . قلت : ما كلانا أحسن ولا أجمل ! فضرب في صدري وقال : يا أُبي ! أقرئت القرآن ، فقيل لي : على حرف أم على حرفين ؟ فقال الملك الذي معي : على حرفين . فقلت على حرفين ؟ فقيل لي : على حريفين أم ثلاثة ؟ فقال لي الملك : الذي معي على ثلاثة . فقلت : ثلاثة ؟ حتى بلغ سبعة أحرف ، قال : ليس فيها إلا شاف كاف . قلت : غفور رحيم ، عليم حليم ، سميع عليم ، عزيز حكيم "[10].

 

-    " أتاني جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرف . فقلت : أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك . ثم أتاني ثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين . فقلت : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك . ثم جاءني الثالثة فقال لي : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف . فقلت أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك . فجاءني الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيـما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا "[11].

 

-    " عن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال أتاني جبرئيل وميكائيل عليهما السلام فقال جبريل عليه السلام اقرأ القرآن على حرف واحد فقال ميكائيل استزده فقال اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف ما لم تـختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة "[12].

ورواية أخرى عن أبي بكرة توضح مقصود السابقة : " قال-صلى الله عليه وآله وسلم- : كل شاف كاف ما لم تـختموا آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك تعال ، وأقبل ، وهلم ، واذهب ، وأسرع ، وأعجل "[13].

 

هذه الروايات تعطي للأحرف السبعة معنى صريحا لا يقبل التأويل ، وهو إمكان قراءة القرآن بألفاظ متعددة متغايرة على سبعة أنحاء وكلها من القرآن ، وقد ذهب لهذا الرأي جمهور علمائهم سلفا وخلفا وسيأتي ذكر بعض منهم بإذنه تعالى ، وعلى أي حال فرواياتـهم في هذا المعنى صريحة .

 

المعنى الثاني : الآيات القرآنية مدارها على سبعة مضامين 

ذكرت بعض روايات الأحرف السبعة عندهم أن آيات القرآن مفرزة إلى سبعة أقسام من المعاني والمضامين ، وكما ترى فإن هذا متضارب مع المعنى السابق ومباين له ، ولا بأس باستعراض شيء منها :

-    " عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجراً ، وآمراً ، وحلالاً ، وحراماً ، ومحكماً ، ومتشابـهاً ، وأمثالاً فأحلوا حلاله و حرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نـهيتم عنه واعتبروا بأمثاله وعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابـهه و قولوا أمنا به كل من عند ربنا "[14].

-    " عن عوف بن أبي قلابة قال بلغني أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال أنزل القرآن على سبعة أحرف : أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل "[15].

 

وقد مرت باقي الروايات التي تندرج تحت هذا القسم من معنى الأحرف السبعة وكان فيها بدلا عن سبعة أحرف خمسة وعشرة وأربعة أحرف أـأح، فلا نعيدها .

إذن تحصل إلى هنا أن الأحرف في روايات الطائفة الأولى تعني إمكانية تغيير ألفاظ الآيات لمعانيها المترادفة ، وأما روايات الطائفة الثانية فتفيد أن آيات القرآن مقسّمة إلى حرام وحلال إلخ ، والقسم الأول على ضوئه تتغير كلمات القرآن وتكون بحالة عائمة متغيّرة تبعا لمزاج القارئ بشرط أن لا يغير المعنى السياقي للآيات ، وأما القسم الثاني ففيه ثبوتٌ لألفاظ القرآن كما هو الآن ولكن آياته مفرزة لمعان متعددة ، وشتّان ما بينهما .

 

 

المحور الثالث : التضارب في مدلول الروايات المتفقة في المعنى

 

الروايات التي اعتمدها أهل السنة لبيان معنى الأحرف السبعة وهو إمكانية قراءة الآية بأكثر من شكل فيها من التضارب الشيء الكثير ، إذ لم يتفق الروايات في كيفية زيادة الأحرف حرفا بعد حرف حتى بلغت سبعة أحرف ، مما يجعل تلك الروايات عرضة لسهام الشك والترديد وهذا يحول دون قبولها على علاتـها[16].

 

 

S بيان التضارب فيما ذكرناه من الروايات :

بلحاظ ما ذكرناه سابقا من الروايات نجد أن رواية البيهقي تقول إن الاختلاف حدث أول الأمر بين أبي بن كعب وابن مسعود وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسَّن قراءتـهما معا ، وأن ملكا جاء إليه صلى الله عليه وآله وسلم وخيّره بين أن يقرأ القرآن على حرف أو على حرفين ، فكان الملك الآخر يرشده صلى الله عليه وآله وسلم ليختار الأكثر حتى بلغ سبعة أحرف .

وأما رواية مسند أحمد فيستفاد منها أن الملكين هما جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ، ولكن فيها أن جبرئيل لم يخيّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أمره بالقراءة على حرف مباشرةً وأن ميكائيل لم يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل وجّه أمره إلى جبرئيل نفسه حتى بلغ جبريل سبعة أحرف ، وهذا مخالف لما رواه البيهقي .

وأما رواية كنـز العمال ففيها أن جبرئيل كان بمفرده بدون ذكر لميكائيل ، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي طلب الرخصة بقراءة القرآن على أحرف متعددة للتوسعة على الأمة لأن الأمة لا تقدر على قراءته على حرف واحد ، وفيها أيضا أن جبريل كان ينطلق ويعود ثلاث مرّات ثم جاء في الرابعة فاستزاده دفعة واحدة من أربعة أحرف إلى سبعة .

ومن ثم نجده متناقضا مع ما رواه أحمد في بسنده عن أبي بن كعب : " فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : يا أبي ! أن ملكين أتياني فقال أحدهما : اقرأ على حرف . فقال الآخر : زدني . قال : اقرأ على حرفين . فقال الآخر : زده . فقلت : زدني . قال : اقرأ على ثلاثة . فقال الآخر : زده . فقلت : زدني . قال : اقرأ على أربعة أحرف . قال الآخر : زده . قال : اقرأ على خمسة أحرف . قال الآخر : زده . قلت : زدني . قال : اقرأ على ستة . قال الآخر : زده . قال : اقرأ على سبعة أحرف . فالقرآن أنزل على سبعة أحرف "[17] .

ففيها أن الزيادة كانت من جبريل بإشارة من ميكائيل وكانت الزيادة بالتدريج حرفاً إثر آخر من حرف واحد إلى أن أتم سبعة أحرف .

وفي رواية أخرى في كنـز العمال : " إن ربي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت إليه أن هوّن على أمتي ، فأرسل إليّ أن اقرأه على حرفين ، فرددت إليه أن هوّن على أمتي ، فأرسل إلي أن اقرأه على سبعة أحرف"[18] .

وهي تدل على أن الزيادة كانت بدعاء وطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا أن الملكين خيّراه أو أن الله عز وجل طلب منه ذلك !

وكل هذا التخبّط في النقل يتناقض بالجملة مع ما رواه الترمذي في سننه عن نفس أبي بن كعب الذي رويت عنه المتناقضات قال : "  لقي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جبرئيل فقال : يا جبرئيل ! إني بعثت إلى أمة أمييّن ، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط ، قال : يا محمد ! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف "[19].

والمستفاد منها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شكا لـجبريل حال أمّته بأن فيهم الشيخ الكبير والعجوز والغلام فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القرآن قد نزل مسبقا على سبعة أحرف ، وعلى هذا ، أين ذهبت زده ، فزادني ، فازددت ؟!

 

وبمضمون رواية الترمذي روى أحمد بن حنبل في مسنده عن حذيفة : " إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : لقيت جبريل عليه السلام عند أحجار المراء ، فقال : يا جبريل ! إني أرسلت إلى أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لا يقرأ كتابا قط . فقال : إن القرآن نزل على سبعة أحرف "[20] .

ثم تأتي رواية أخرى تنسف مضمون كل هاتيك الروايات فتصدمها من الأساس ، ورويت عن حذيفة نفسه ! حيث تسرد نفس الحادثة وهي لقاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل عند أحجار المراء وهي : " لقي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم جبريل عليه السلام وهو عند أحجار المراء فقال : أن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما عُـلّم ولا يرجع عنه . قال أبي ، وقال ابن مهدي : إن من أمتك الضعيف فمن قرأ على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه "[21] .

          وهذا الرواية تنهى عن عدول القارئ من أحد الحروف السبعة إلى غيره ، فأين التخيير والقول بأن : كلها شاف كاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ؟! 

 

وعلى ما مر يتضح وجه الخلل في المرويات وتعارضها فيما بينها الذي يحول دون الاعتماد عليها ، حتى أن أكابر علماء أهل السنة وأساطين علوم القرآن منهم توقّفوا في إجلاء المقصود منها فحكموا بإشكال معنى تلك الأحرف الذي حتم عليهم إحالة أمرها إلى الله علاّم الغيوب !

 

S كلماتهم في معنى الأحرف السبعة :

 

انقسم علماء أهل السنة في غمار معنى الأحرف -بحسب تتبعي القاصر- إلى قسمين ، ما بين متحير توقّف في معناها وبين متخبط مرتئي وهم الأكثر ، وكل من انتمى إلى القسم الأكثر أدلى بدلوه ، وراج بينهم الاستحسان والتقول بغير علم ، وكان الدليل المعتمد في ذلك كله هو المزاج والرأي !

 

 

g كلمات بعض المتخبّطين :

 

وصلت استمزاجات القوم في تفسير معنى الأحرف السبعة إلى أربعين قولا وذلك إلى زمان العلامة جلال الدين السيوطي ، والله العالم إلى إي عدد وصلت اليوم  :

" وفي نـهاية الأمر يأتي السيوطي (ت 911 ه‍ ) فيومئ إلى أن تفسيرات الحديث الأوجه السبعة   بلغت أربعين ولكنه لا يذكر منها سوى خمسة وثلاثين أكثرها متداخلة ومنها أشياء لا يفهم معناها على الحقيقة وأكثرها معارضة حديث عمر وهشام بن حكيم الذي في الصحيح "[22].

 

ولننقل هنا ما في الإتقان من وجوه الاختلاف والتضارب في معناها :

" قال ابن حبّان : اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة و ثلاثين قولاً ! فمنهم من قال :  هي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال .الثاني : حلال وحرام وأمر ونـهي وزجر وخبر ما هو كائن بَعْدُ وأمثال . الثالث : وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج . الرابع : أمر ونـهي وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال . الخامس : محكم ومتشابه وناسخ و منسوخ وخصوص وعموم وقصص .السادس : أمر وزجر و ترغيب وترهيب وجدل و قصص ومثل . السابع : أمر ونـهي وحدّ وعلم وسرّ وظهر وبطن . الثامن : ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورُغم وتأديب وإنذار . التاسع : حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات . العاشر : أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص . الحادي عشر : حلال وحرام وأمثال وأنباء ومنصوص وقصص وإباحات . الثاني عشر : ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال . الثالث عشر : أمر ونـهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار . الرابع عشر : مقدّم ومؤخّر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال . الخامس عشر : مفسَّر ومجمل ومقضيّ ونَدْب وحتم وأمثال . السادس عشر : أمر حتم وأمر ندب ونـهي حتمْ ونـهي مرشد ووعد ووعيد وقصص . السابع عشر : أمر فرض ونـهي حتم وأمر ندب ونـهي مرشد  ووعد ووعيد وقصص . الثامن عشر : سبع جهات لا يتعدّاها الكلام : لفظ خاصّ أريد به الخاصّ ، ولفظ عام أريد به العام ، ولفظ عامّ أريد به الخاص ، و لفظ خاص أريد به العام ، و لفظ يستغْنى بتنـزيله عن تأويله ، ولفظ لا يعلَم فقهه إلاَّ العلماء ، و لفظ لا يعلم معناه إلاَّ الراسخون . التاسع عشر : إظهار الرُّبوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الأُلوهيّة والتعبّد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب . العشرون : سبع لغات ، منها خمس من هوازن واثنتان لسائر العرب . الحادي و العشرون : سبعة لغات متفرِّقة لجميع العرب ، كلّ حرفٍ منها لقبيلة مشهورة . الثاني و العشرون : سبع لغات ، أربع لعجُز هوازن : سعد بن بكر وجُشم بن بكر ونصْر بن معاوية ، ثلاث لقريش . الثالث و العشرون : سبع لغات : لغة قريش ولغة اليمن ولغةُ لجرْهم ولغة لقُضاعة ولغة لتميم ولغة لطيّئ . الرابع والعشرون : لغة الكعبيين : كعب بن عمرو وكعب بن لؤيّ ولهما سبع لغات . الخامس والعشرون : اللغات المختلفة لأحياء العرب في معنىً واحد ، مثل : هلمّ وهات وتعال وأقبل . السادس والعشرون : سبع قراءات لسبعة من الصحابة : أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ عليه السلام- وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب رضي الله عنهم . السابع و العشرون : همز وإمالة وفتح وكسر وتفخيم ومدّ وقصر . الثامن والعشرون : تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجُع ولغات مختلفة كلُّها في شيء واحد . التاسع والعشرون : كلمة واحدة تُعْرَب بسبعة أوجه ، حتى يكون المعنى واحداً ، وإن اختلف اللفظ فيه . الثلاثون : أُمّهات الهجاء : الألف والباء والجيم والدال والراء والسين والعين لأن عليها تدور جوامع كلام العرب .الحادي و الثلاثون : أنّها في أسماء الربّ مثل : الغفور الرحيم ، السميع البصير ، العليم الحكيم . الثاني والثلاثون : هي آية في صفات الذات ، وآية تفسيرُها في آية أُخرى ، وآية بيانـها في السنّة الصحيحة ، وآية في قصّة الأنبياء والرُّسل ، وآية في خلْق الأشياء ، وآية في وصف الجنّة ، وآية في وصف النار . الثالث والثلاثون : آية في وصف الصانع ، وآية في إثبات الوحدانيّة له ، وآية في إثبات صفاته ، وآية في إثبات رسله ، وآية في إثبات كتبه ، وآية في إثبات الإسلام ، وآية في نفي الكفر . الرابع و الثلاثون : سبع جهات من صفات الذات لله التي لا يقع عليها التكييف . الخامس و الثلاثون : الإيمان بالله ومباينة الشِّرك وإثبات الأوامر ومجانبة الزّواجر والثبات على الإيمان وتحريم ما حرّم الله وطاعة رسوله "[23].

 

 فقد أشكل حل معضلة هذا الحديث -الأحرف السبعة- على فطاحل علماء علوم القرآن عندهم ، فهذا ابن الجزري بعد جهد جهيد ولنحو نيف وثلاثين سنة يرجو أنه قد توصل لحل لغز وطلسم الأحرف السبعة ، وهو الإمام الرمز في علوم القرآن والمعتمد عليه في القراءات وإليك نص كلامه :

 " و لا زلت أستشكل هذا الحديث -الأحرف السبعة- و أفكر فيه وأمعن النظر من نحو نيف و ثلاثين سنة حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله تعالى ، وذلك إني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه "[24].    

فإذا كان هذا حال ابن الجزري فما ظنك بعياله ؟ ، وهنا سؤال يطرح نفسه ، على أي من تلك الآراء نحكّم القرآن ؟ بل على أي منها نلجمه ؟

 

 

g كلمات بعض من تحرّز الدخول في المزلـقة

 

قلنا أن بعض علماء أهل السنة توقّف في المسألة ولم يتقوّل بما لا يعلموقليل ما هم فصار بين إبـهام المعنى وصحة تلك الروايات فآثر عدم البتّ في معناها وتجنب اقتحام غمار الرأي والاستهواء ، فهذا ابن حبان مع كل ما سبق من التخبّط الذي ذكره السيوطي- يقول أن تلك الأقوال من المشكل التفريق بينها فجميعها وجوه محتملة ، يل يحتمل غيرها أيضا ! :

" قال ابن حبّان : فهذه خمسة وثلاثون قولاً لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعةِ أحرف ، وهي أقاويل يشبه بعضُها بعضاً ، وكلها محتملة ، وتحتمل غيرها ."[25] ، فزاد في الطنبور نغمة !

 

وذهب العلامة المرسي إلى أن هذه الوجوه لا يعرف معنى بعضها وأنـها تتداخل فيما بينها ، فلا يعلم لماذا جُزم بـها على الله عز وجل بلا بيّنة ولا دليل ؟

" وقال المرسي : هذه الوجوه أكثرها متداخلة ، ولا أدْرِي مستندها ، ولا عـمّن نُقِـلت ، ولا أدري لم خصّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ، مع أن كلها موجودة في القرآن ، فلا أدري معنى التخصيص ، وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة ، وأكثرها يُعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح "[26].

 

وكذلك ذهب أبو بكر بن عربي :" ومنشأ الخطأ فيها إرادة التعيين على سبيل القطع والجزم مع أنّه لم يأتِ في معناها نصٌ ولا أثر واختلف الناس في تعيينها "[27].

 

وقال القرطبي : " وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن حِبّان السُبْتي  "[28].

 

وتبعهم الكردي الخطاط : " ونـحن نرى أنه لا يبعد أن يكون هذا الحديث متشابـها يفوّض معناه إلى الله تعالى كما ذهب إليه بعض العلماء وذلك لأمرين : الأول : كثرة اختلاف العلماء في معناه حتى بلغ نحوا من أربعين قولا . الثاني : ورود أحاديث كثيرة في هذا المعنى بعبارات مختلفة"[29].

 

والعلامة السيوطي الذي نقل كل تلك الوجوه والآراء توصل إلى أن الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه :

" إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف . والمراد به أكثر من ثلاثين قولا حكيتها في الاتفاق والمختار عندي أنه من المتشابه الذي لا يدري تأويله "[30].

 

وموقف هؤلاء من الأحرف السبعة أسلم مما أقحم به علماء السلف[31] أنفسهم وكذا أغلب المعاصرين بتجويز إبدال آيات الله بغير كلماتـها تعويلا على الظن ، ونسبوا للدين تغيير كلمات القرآن رأسا على عقب بلا دليل واضح تركن إليه النفس .

 

 

S سيـرا مع الجمهور :

 

ومع غض الطرف عن تـهافت الأدلة وسيرا مع رأي جمهرة علمائهم ، نسلم بما اتفق عليه البخاري ومسلم من كون معناها هو جواز تبديل الكلمات بمترادفاتـها وتحسين قراءة الجميع بدعوى أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف .

وحتى لو قصرنا النظر على الأدلة فإن رواياتـهم دالة على هذا المعنى ، فهنالك روايات مجملة وأخرى مبيّنة ، والقسم المجمل منها لم تُبين لنا تفاصيل اختلاف الصحابة في القراءات لنتمكن من الوقوف على ما جوّز قراءته الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وعليه فهذه الروايات لا تساعد على تعيين معنى الأحرف السبعة فإن غاية ما يستفاد منها وجود اختلاف وإنكار بين الصحابة لقراءة بعضهم البعض ولا تبين ماهية هذا الاختلاف بتوضيح موارده أو كيفيته ، والقسم المبيّن تنص رواياته على ماهية الأحرف السبعة ، لأنـها بيّنت ما جوّزه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من تغيير قراءة ألفاظ القرآن إلى ألفاظ أخرى بشرط الموافقة فيما بينها في المعنى والمضمون .

ومقتضى قاعدة حمل الروايات المـجملة مثل ( أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ) على المبينّة والشارحة لكيفية هذه الرخصة نحو ما رووا ( احتى بلغ سبعة أحرف قال : ليس فيها إلا شاف كاف ، قلت غفور رحيم ، عليم حليم ، سميع عليم ، عزيز حكيم )[32].

فالعمدة في الجواز عدم تغيير المعنى والسياق العام للآية ولا مانع من تبديل الألفاظ بما يحلو للقارئ بشرط أن تكون مرادفة لمعنى اللفظ المبدّل ، وبذلك نحافظ على السياق العام للآية فلا نختم آية رحمة بعذاب ولا آية عذاب برحمة  نحو : " قال كل شاف كاف ما لم تختموا آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك تعال ، وأقبل ، و هلم ، واذهب ، و أسرع ، واعجل "[33].

وقد يعترض بأن هذا أحد الوجوه التي ذكرها علماء أهل السنة للأحرف السبعة ، لا كلها ؟   فنقول : نعم ، ولكن هذا رأي الأغلب كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى ، وهو ما قام عليه الدليل وغير هذا الرأي يحتاج إلى دليل لإثباته ومحض الإدعاء لا يقبل والمتيقن من الروايات هو هذا المعنى :

" أنزل القرآن على سبع لغات من لغات العرب المشهورة في كلمة واحدة تختلف فيها الألفاظ والمباني مع اتفاق المعاني أو تقاربـها و عدم اختلافها و تناقضها وذلك مثل : هلم ، وأقبل ، وإليّ ، ونحوي ، وقصدي ، وقربي ، فإن هذه ألفاظاً سبعة مختلفة يعبّر بـها عن معنى واحد وهو طلب الإقبال "[34]

لذا المعتمد المعول عليه هو هذا الوجه من معنى الأحرف السبعة بمقتضى الأدلة ، وبمقتضى كونه رأي جمهور علماء أهل السنة وأكابر سلفهم كما سيتضح .

 

وقد أنصف الأدلة الشرعية أكابر علمائهم من السلف إلى الخلف ، فأخذوا بما أملته عليهم الروايات من جواز القراءة بالمعنى ، قال ابن جرير الطبري في تفسيره تعليقا على عبارة ( كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بآية عذاب كقولك : هلم وتعال ) :

" فقد أوضح النص هذا الخبر : أن اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف في ألفاظ كقولك : ( هلم و تعال ) باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبة اختلف أحكام وبمثل الذي في ذلك صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف ".

وأخذ بسرد الأدلة إلى أن قال : " بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بـها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني كقول القائل : ( هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ) ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ بضروب المنطق وتتفق فيه المعاني وإن اختلفت بالبيان به الألسن كالذي روينا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنـزلة قولك ( هلم ، وتعال ، وأقبل ) وقوله ( ما ينظرون إلا زقية ) و ( إلا صيحة ) "[35].

 

وقال الطحاوي : " فوسع عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بـها ألفاظ نبيهم إلى قراءة بـها عليهم فوسع لهم في ذلك بما ذكرنا ، والدليل على ما وصفنا من ذلك أن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام وهما قرشيان ألسنتهما لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نزل به القرآن قد كان اختلفا فيما قرآ به سورة الفرقان حتى قرأها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "[36].

 

وقال القرطبي : " الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عُيَيْنه وعبد بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم : أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو ، أَقْبَل وتَعَال وهَلُمّ . قال الطحاوي : و أبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : أقرأ على حرف فقال ميكائيل : استزده ، فقال : أقرأ على حرفين . فقال ميكائيل : استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال : اقرأ فكلُّ شافٍ كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب ، أو آية عذاب بآية رحمة ، على نحو هلمَّ وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجِّل . وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ {لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا}(الحديد/13) : للذين آمنوا أمهلونا ، للذين آمنوا أخّرونا ، للذين آمنوا ارقبونا . وبـهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}(البقرة/20). : مرّو فيه ، سعَوْا فيه . وفي البخاري ومسلم قال الزهري : أما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام "[37].

 

وقال البيهقي :"  وأما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة غفور رحيم بدل عليم حكيم ، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي فإذا قرأ ذلك في غير موضعه ما لم يختم به آية عذاب بآية رحمة أو رحمة بعذاب فكأنه قرأ آية من سورة وآية من سورة أخرى فلا يأثم بقراءتـها كذلك "[38].

 

وقال السيوطي :  " وإلى هذا ذهب سفيان بن عُيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق ، ونسبه ابن عبد البـرّ لأكثر العلماء ، ويدُلّ له ما أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي بَكْرة : إن جبريل قال : يا محمد اقرأ القرآن على حرف . قال ميكائيل : استزده . حتى بلغ سبعة أحرف ، قال : كل شافٍ كافٍ ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب ، نحو قولك : تعالَ وأقبل وهلمّ واذْهب وأسرع وعجِّل ، وهذا اللفظ رواية أحمد ، وإسناده جيد .

وأخرج أحمد والطبراني أيضا عن ابن مسعود نحوه ، وعند أبي داود عن أُبيّ : قلت سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً ، ما لم تخلط آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، وعند أحمد من حديث أبي هريرة : أنزل القرآن على سبعة أحرف عليماً حكيماً غفوراً رحيماً . وعنده أيضا من حديث عمر : إن القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة  ، وأسانيدها جياد "[39] .

 

وقال في لغة القرآن الكريم :  " وهذا القول منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان بن عيينة و ابن وهب و ابن جرير الطبري و قد دافع عنه كثيرا في مقدمة تفسيره ، وقدّمه القرطبي و أيّده ابن عبد البر ونسبه إلى أكثر أهل العلم[40] ، ورجّحه الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه المعجزة الكبرى[41] ، والشيخ محمد أبو شهبة في كتابه المدخل لدراسة القرآن[42] و غيرهم ، واستدل هؤلاء بما أخرجه ابن جرير  فذكر الأدلة "[43].

 

               قال ابن حجر العسقلاني : " قال أبو شامة وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن هل هي مجموعة في المصحف بأيدي الناس اليوم يقصد مصحف عثمان- أو ليس فيه إلا حرف واحد منها مال ابن الباقلاني إلى الأول وصرح الطبري وجماعة بالثاني وهو المعتمد .

وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي الطاهر بن أبي السرح قال : سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين هل هي الأحرف السبعة قال : لا ، وإنما الأحرف السبعة مثل هلم وتعال وأقبل ، أي ذلك قلت أجزأك . قال : وقال لي ابن وهب مثله "[44]، وفي مبحث جمع القرآن سيأتي مزيد من كلمات علمائهم بإذنه تعالى .

 

 

          S علة تشريع الأحرف السبعة

 

g الأمة لا تطيق القرآن إلا على سبعة أحرف !

بعد الفراغ من بيان ماهية تلك الأحرف ، فنقول : ما هي علة نزول القرآن على سبعة أحرف  ؟ ، قال علماء أهل السنة طبقا لما أملته عليهم الروايات أن التسهيل والتيسير على الأمة هو سبب نزول القرآن على سبعة أحرف ، لأن القرآن نزل على أُناس هم أقرب إلى عصر الجاهلية ولا يوجد فيهم كثير من القراء ، ومن باب التخفيف عن هذه الأمة المرحومة وتـمييزها عن غيرها أنزل القرآن على سبعة أحرف حتى لا تضيق عليهم قراءة القرآن ، فلا يلـزمون بقراءة واحدة تعسر على بعضهم ، وهذه بعض النماذج من أقوالهم ذكرت في تاريخ القرآن :

 " قال الشمس بن الجزري : فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بـها والتهوين عليها شرفا لـها و توسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيه أفضل الخلق و حبيب الخلق حيث أتاه جبريل فقال " إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم : سل الله معافاته ومعونته إن أمتي لا تطيق ذلك ، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف ".

" والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتـهم مخـتلفة وألسنتهم شتّى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها ومن حرف إلى آخر بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لاسيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا كما أشار إليه صلى الله عليه (وآله) وسلم فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع وما عسى أن يتكلف المتكلف وتأبى الطباع . وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة في كتاب الـمشكل : فكان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم بأن يقرئ كل أمته بلغتهم وما جرت به عادتـهم "[45].

 

إذن المشهور بين علمائهم أن الأمة لا تطيق قراءة القرآن على حرف واحد وأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله عز وجل التخفيف عن هذه الأمة فخفف عنها بإنزال القرآن على سبعة أحرف وكلها شاف كاف . وسيأتي تتمة كلام هذا المقام في جمع القرآن بإذن المولى سبحانه .

 

 

S  الأحرف السبعة في الميزان ‍

 

اتضح بلا ريب ما لقبول أو رفض أصل الأحرف السبعة من انعكاس بالغ الأهمية في صيانة ألفاظ القرآن من أيدي المتلاعبين والمحرفين للكلم من بعد مواضعه ، فالمستفاد من الروايات -وهو ما ذهب إليه أساطين علمائهم من سلفهم إلى يومنا- هو إمكانية تبديل وتغيير ألفاظ القرآن بغيرها لأن الرخصة في ذلك جاءت من الله عز وجل الذي {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}(الأنبياء/23). فإن ثبتت الرخصة فلا يبقى مجال لأحد أن يمنع أو يدّعي عدم جواز ذلك .

أما إذا لم تثبت تلك الرخصة أو ثبت العكس فلعمر الحق ! للأحرف السبعة طامة من الطامات وزلزلة عظيمة لركن من أركان الإسلام ، ودعوة صريحة لجواز تبديل آيات القرآن وتبديلها على ما يحلو للقارئ ويراه ثم يقول هو من عند الله افتراءً عليه وعلى رسوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(هود/18).

 

 

g  أدلة بطلان مقولة الأحرف السبعة

 

نذكر هنا بعض  الأدلة التي تعارض نـزول القرآن على سبعة أحرف بمعنى الألفاظ المترادفة ، لنرى هل هناك مكان للأحرف السبعة في دين الله عز وجل أم لا ؟

 

1-                لا دليل يمكن التمسك به لإثبات هذا الأصل

 

قد مرّ ذكر الروايات وتبيّن لنا أنـها منقسمة إلى قسمين ، كل قسم لا يلتقي مع القسم الآخر ، والتعارض موجود تارة في عدد تلك الأحرف ، وهي على خمسة أقسام ، وبعد أن رجّحنا ما رجحه أهل السنة سبعناها إكراما لـهم ، ثم حصل التعارض من جديد في معنى هذه السبعة وانقسمت الروايات إلى قسمين : القسم الأول دلّ على إمكان تغيير ألفاظ القرآن بما يرادفها في المعنى ، أما القسم الثاني فدل على حصر مواضيع الآيات التي أنزل الله عليها القرآن بسبعة أنواع أي حاكية عن أقسام البيان وأنواع الخطاب ، وسايرناهم مرّة أخرى بترجيح إمكانية تغيير ألفاظ القرآن بما يرادفها ، ثم حصل التضارب من جديد في حكاية كيفية تشريع تلك الأحرف وعن نفس الصحابي ، فمرّة تحكي أن تشريع الأحرف تم في ذلك الموقف ، ومرة أخرى أن الأحرف قد أنزل عليها القرآن من قبل وأن الأمة تقرأ بتلك الأحرف تلقائيا ، ناهيك عن التضارب بين طيات الحادثة !

 وأهل التحقيق لا يتجاوزون هذا التضارب الذي يقف سدا دون قبول ما تتضمنه الروايات ، فكيف يعتمد على مثلها مما لم تسلم من التعارض والتدافع في أي من فقراتـها ولا يوجد فقرة إلا ويوجد ما يعارضها ؟!

فتلك الروايات لا يتسنى لذي دين الجزم بـها على الله عز وجل ، فلا دليل ينهض لإثبات ذاك المعنى من الأحرف السبعة بعد التساقط .

وقد توقف بعض علماء أهل السنة فيها وأشكلت مضامينها عليهم ، ثم بلغ استحسانات بعضهم في بيان معناها أربعين قولا ، وكل هذا دليلٌ على أن الأدلة قاصرة عن إفادة الغاية المرجوة منها ، ولا يظن إهمال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بيان هكذا أصل مع ذكر مصطلحه فقط أي ( سبعة أحرف ) حتى لا يفتح باب التلاعب بكتاب الله وناموس الرسالة الخاتمة للبشرية ، فأي دليل يبقى بعدُ يعتمد عليه ؟!

 

 

2-                المعارضة لصريح القرآن

 

هذا المعنى من الأحرف السبعة يعني جواز نسبة ألفاظ ليست في مصحفنا للقرآن بدعوى أن لها معنى واحد تمسكا بما ادُّعي أنه قول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :

" ( كل شافٍ كافٍ ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب ، نحو قولك : تعالَ وأقبل وهلمّ واذْهب وأسرع وعجِّل ) ، وهذا اللفظ رواية أحمد ، وإسناده جيد "[46].

وهذا الأصل المنحرف والمستند المائل يتعارض مع صريح الآيات التي تحظر على الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتصرف في ألفاظ الآيات الكريمة ويغيرها من تلقاء نفسه ، وتوجب عليه اتباع ما يوحى إليه بلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل ، وإلاّ لاستوجب العذاب الأليم جزاء للكذب على الله عز وجل والعياذ بالله- ونسبة ما ليس منه إليه ، قال تعالى :

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}(يونس/15-17).

فهذه الآية تناقض ذلك الأصل الذي يجوِّز افتراء الكذب على الله عز وجل فيدعي القارئ قرآنية كل ما يحلو له ، فيصبح ويقول إن هذه الآية قالها الله عز وجل هكذا  ، ويمسي ويقول قالها بشكل آخر وهكذا ، فيغير ألفاظ القرآن ويبدلها بدعوى أن هذا التبديل إنما هو من تلك الأحرف ، وكله كذب على الله وافتراء فإن قول فلان ليس هو قول الله ! ثم ما يدريه أن هذا هو قول الله عز وجل بعينه ؟!

ثم ما نفعل بمثل الآيات التي يستفاد منها عدم تغيير آيات الله وتبديل كلماته بغيرها كقوله تعالى :{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا}(الكهف/27). وغيرها مما يقارب مضمونـها [47].

 

 

3-             معارضة لسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

الأمر الأول : إن بعض الأقوال والأفعال التي صدرت منه صلى الله عليه وآله وسلم تقضي بفساد هذا الأصل وأن لا وجود له في شريعتنا وذلك لتعارضه معها .

 وعليه نستطيع الجزم ببطلان هذا المعنى للأحرف السبعة وفساد الروايات التي تحكي مضمونه ، فقد ذكرت كتب التفاسير[48] أن سبب نزول الآية المباركة {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ }(الأنعام/93) هو التنديد بكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آنذاك عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ابن خالة عثمان وأخيه من الرضاعة حينما خان الله ورسوله في كتابة الوحي ، حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يملي عليه ( عزيز حكيم ) فيقول سعد : ( أو عليم حكيم ؟ ). فيصوّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأي ابن سعد ويقرّه على أن هذه كلها صفات الله عز وجل ، ولكن يجب إبقاؤها كما أنزلها الله عز وجل وأن يلتزم بكتابة ما يسمعه فقط ، إذ كونـها من صفات الله عز وجل لا يعني جواز تغيير ألفاظ القرآن على مزاجك ! ، ولكنه لم يعبأ بما قيل له وأخذ يغير القرآن ويكتبه محرّفا ، ففي روضة الكافي عن أبي بصير رضوان الله تعالى عليه عن أحدهما عليهما السلام قال :

" سألته عن قول الله عز وجل : {وَمَنْ أَظْلَمُ ممَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} . قال : نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو من كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة هدر دمه وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أنزل الله عز وجل ( إن الله عزيز حكيم ) كتب ( إن الله عليم حكيم ) فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : دعها ! فإن الله عليم حكيم ! [49] وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين : إني لأقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل "[50].

 

وفي الدر المنثور :" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال كان ابن أبى سرح يكتب للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم الوحي أتى أهل مكة فقالوا يا ابن أبي سرح : كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن ؟  قال : كنت أكتب كيف شئت ، فانزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } "[51].

ورووا تلك الحادثة عن رجل آخر اسمه أبو برزة الأسلمي[52] :" قال لقريش : أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال : فاكتب . فكان إذا أملى عليه من القرآن ) وكان الله عليما حكيما ( ، كتب ( وكان الله حكيما عليما ) و إذا أملى عليه ( وكان الله غفورا رحيما ) ، كتب ( وكان الله رحيما غفورا ) . ثم يقول : يا رسول الله اقرأ عليك ما كُتب ! فيقول : نعم ، فإذا قرأ عليه ( وكان الله عليما حكيما ) أو ( رحيما غفور ) قال له النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما هكذا أمليت عليك !  وان الله لكذلك ! إنه لغفور رحيم و إنه لرحيم غفور !! فرجع إلى قريش فقال ليس آمره بشيء كنت آخذ به فينصرف "[53].

 

          وفي تاريخ اليعقوبي : " عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ، وكان يكتب لرسول الله فصار إلى مكة فقال : أنا أقول كما يقول محمد ، والله ما محمد نبي وقد كان يقول لي : اكتب (عزيز حكيم)، فأكتب ( لطيف خيبر ) ، ولو كان نبيا لعلم "[54].

 

وبعد أن ظهرت منه الخيانة طرده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلحق عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالمشركين ، وكان يقول لهم : إني كنت أصرف محمداً حيث أريد . فأنزل الله فيه الآية ، وأهدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمه ، فشفع له عثمان خلافا لرغبة الله ورسوله ![55].

وقال البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي : "  وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، ثم ارتد ورجع إلى مكة وقال لقريش : أنا آتى بمثل ما يأتي به محمد . وكان يملي عليه (الظالمين) فيكتب (الكافرين) . يملي عليه (سميع عليم) ، فيكتب (غفور رحيم) . وأشباه ذلك . فأنزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ }(الأنعام/93). فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بقتله ، فكلمه فيه عثمان بن عفان وقال : أخي من الرضاع وقد أسلم . فأمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بتركه ، وولاه عثمان مصر "[56] .

وذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين : " فأما عبد الله بن سعد ابن أبي سرح فإن الأخبار الصحيحة ناطقة بأنه كان كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وآله فظهرت خياناته في الكتابة فعزله رسول الله صلى الله عليه وآله فارتد عن الإسلام ولحق بأهل مكة "[57] .

قد يقال إن فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع ابن أبي سرح لا يدل على عدم جواز القراءة بالمعنى إذ الكتابة غير القراءة وما فعله ابن أبي سرح هو الكتابة لا القراءة ، ويرد عليه أن هذا الادعاء مدفوع بفعل الصحابة أنفسهم وذلك لورود عشرات الروايات التي تنص على أن الصحابة كانوا يكتبون التغيير والتبديل في مصاحفهم الخاصة وهم وجوه الصحابة على ما سيأتي بيانه كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وعائشة وحفصة وأبي بن كعب وغيرهم ، فاختصاص الحرمة بالكتابة مناقض لفعل الصحابة ، ثم إن الأصل هو القراءة لا الكتابة لأن السماح بالتلاعب في القراءة سيسمح بطبيعة الحال بالتلاعب في الكتابة لما سيأتي أن المصاحف لم تكن تتميز كلماتـها إلا بالقراءة وكانوا يكتبون المصاحف عن القراءة لأن القرآن نزل منجما لا ككتاب مسطور.

وعلى أي حال فهذه الحادثة تعد أدل دليل على إنكار الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لتبديل ألفاظ القرآن بغيرها ولو بمرادفاتـها نحو ( عليم حكيم )  بدلا عن ( عزيز حكيم ) وهو عين منطوق روايات الأحرف السبعة ، وعلى ذلك فسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كاشفة عن كذب هذه الرخصة المخزية للقرآن ولأهله ، وأنـها تعتبر خيانة لله ولرسوله ، نعوذ بالله من الخذلان .

 

وهناك نص يبين عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم بتغيير ترتيب الآيات والانتقال من آية في سورة إلى آية في سورة أخرى ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بطريقين أحدهما حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال : " مر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم على بلال وهو يقرأ من هذه السورة و من هذه السورة ، فقال : بأبي أنت يا رسول الله إني أردت أن أخالط الطيب بالطيب ، فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم : اقرأ السـورة على نـحوها ! "[58].

فكيف يظن به صلى الله عليه وآله وسلم يرضى بخلط القرآن بكلام البشر في حال عدم رضاه بخلط كلام الله ببعضه البعض !

 

          الأمر الثاني : وردت في مصنّفات أهل السنة الروائية عدد من الروايات التي تحكي حدوث اختلاف بين الصحابة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قراءتـهم لآيات القرآن ، فأخبروه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فاحمر وجهه وتربّد وحذّرهم مغبّة الاختلاف في القرآن لئلا يكونوا كالذين من قبلهم أضاعوا كتب الله باختلافهم فيها فهلكوا وأهلكوا .

 

وقد جاء هذا المعنى في عدّة مصادر منها مسند أحمد عن ابن مسعود قال : " تمارينا في سورة من القرآن فقلنا خمس وثلاثون آية ، ست وثلاثون آية قال : فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فوجدنا عليا رضي الله تعالى عنه يناجيه ، فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة . فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . فقال علي رضي الله تعالى عنه : إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم "[59].

وقد زاد الطبري في تفسيره : " فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم و قال : إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم . قال : ثم أسر إلى علي شيئا فقال لنا علي : إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما عُـلّمتم "[60].

وهذه الحادثة دالة على عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم وغضبه على من يتجاوز حدود ما علمه لهم ، حيث أوجب عليهم التزام قراءته بنص قوله ( اقرؤوا القرآن كما علمتم ) لأنه معلم القرآن ومتلقي الوحي ، ولم يؤثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم قراءة آيةٍ ما بأشكال متعددة متغايرة وإلا لأوصلته رسله لنا وصار حديث الأندية وهذا الأمر يناقض معنى الأحرف السبعة الذي يسمح للجميع بقراءة القرآن كيفما أراد بتبديل كلمات الآيات .

ناهيك أن الروايتين السابقتين سكتتا عن مقطع مهم جاء في رواية صحيحة السند وهي :

" حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن عن همام عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال : سمعت رجلا يقرأ {حم } الثلاثين يعنى الأحقاف ، فقرأ حرفا وقرأ رجلا آخر حرفا لم يقرأه صاحبه وقرأت أحرفا فلم يقرأها صاحبي ، فانطلقنا إلى النبي  صلى الله عليه (وآله) وسلم فأخبرناه ، فقال : لا تختلفوا فإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم . ثم قال : انظروا أقرأكم رجلا فخذوا بقراءته "[61].

وهذه الرواية تقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم بعدم الاختلاف وأن يقتدوا برجل أتقن قراءة القرآن وهذا الإقتداء يعني الاتحاد على قراءة واحدة ، وأن هلاك الأمة بالاختلاف والفرقة في قراءة القرآن ، فأين الأحرف السبعة من هذه الرواية ؟!

 

          الأمر الثالث : الدعاء لله عز وجل يصح بأي لغة وبأي شكل كان ، وإن ورد مأثورا كان الالتزام بألفاظه أتم وأكمل من تغييرها لمرادفاتـها لما لنظم الدعاء من أسرار لا نعلمها ، حتى ورد أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم علّم البراء بن عازب دعاءً كان فيه ( ونبيك الذي أرسلت ) ولكن البراء أبدل كلمة ( ونبيك ) إلى ( وبرسولك ) فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يغير ألفاظ الدعاء وأن يتقيد بما علمه .

وهذا ما ذكره ابن حزم في الإحكام وسيأتي الكلام عنه ، فإن كان للدعاء هذه الخصوصية ويلزم أن نتقيد بنصه فكيف يصح التبديل والتغيير في القرآن المعجز في نظمه ومضمونه حتى يكون عرضة لتلاعب القراء ؟

 

 

4-                موقف الصحابة العملي المناقض لهذا الأصل :

 

سمع الصحابة في عصر النـزول هذا القرآن غضا طريا من لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك حدث الاختلاف فيما بينهم في قراءة القرآن بتغيير بعض ألفاظه ، وكانت تحصل لذلك بعض المشادات ، ولم نر أحدا منهم يفض النـزاع بدعوى أن هذا الاختلاف والتباين بيننا في قراءة الآيات إنما هو من باب الأحرف السبعة !

ولا يخفى اعتبار هذا الوجه كسبب مقبول لتغاير قراءات السلف يُقطع به دابر الشحناء والتباغض ، ولذا لا يعقل إهمالهم لذكر سبب الاختلاف الأحرف السبعة- مع أهميته البالغة ، فهذا الإهمال منهم يدل على أن هذا المعنى المستفاد من روايات الأحرف السبعة قد تولد في عصر متأخر عن عصر الصحابة .

 

S الروايات الدالة على افتعال معنى الأحرف السبعة بعد زمن الصحابة :

 

1- اعتراض عمر على قراءة أبي بن كعب :

" أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور و ابن أبى شيبة و ابن المنذر و ابن الانبارى في المصاحف عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(الجمعة/9). فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت : أبى بن كعب . قال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ اقرأها ( فامضوا إلى ذكر الله ) "[62] ، هنا صرح عمر أن هذه الجملة ( فامضوا إلى ذكر الله ) قرآن منـزل ، فإن كان للأحرف السبعة وجود لما جاز لعمر أن ينهى أبي بن كعب عن قراءة الآية بالصورة التي نقرأ بـها اليوم .

 

2      - تعريض سعد بن أبي وقاص بقراءة ابن المسيّب   : 

 " وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور و أبو داود في ناسخه و ابنه في المصاحف و النسائي وابن جرير وابن المنذر و ابن أبى حاتم و الحاكم وصححه عن سعد بن أبى وقاص أنه قرأ ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) فقيل له : إن سعيد بن المسيب يقرأ {نُنسِهَا}(البقرة/106). فقال سعد : إن القرآن لم ينـزل على المسيب ولا آل المسيب قال الله : {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى}(الأعلى/6). {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}(الكهف/24) "[63] ، فلو كان لهؤلاء عهد بمعنى الأحرف السبعة لما كان من الجائز أن ينهى سعد عما رخّص به الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

 

3      - امتراء نفر من التابعين في القراءة   :

" أخرج سعيد بن منصور والطبراني عن الأخنس قال : امترينا في قراءة هذا الحرف ( ويعلم ما يفعلون ) أو ( تفعلون ) فأتينا ابن مسعود فقال ( تفعلون )"[64] ، لو كان للأحرف السبعة مكان بينهم لكان من اللازم أن يقول ابن مسعود أن كل تلك الوجوه شافية كافية ما لم تختموا آية رحمة بعذاب أو العكس  !

 

4-  اعتراض عبد الله بن الزبير على قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

" وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر : ما بال صبيان يقرءون {نَخِرَةً}(النازعات/11).  إنما هي (  ناخرة  ) "[65]، فلو كان لمعنى الأحرف السبعة مقام لما رفض قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولجوز القراءتين !

 

          5- اعتراض ابن الزبير الآخر على قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  :

" وأخرج ابن أبى حاتم عن عروة بن الزبير أنه كان يعجب من الذين يقرؤون هذه الآية{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}(الحج/51). قال : ليس {مُعَاجِزِينَ} من كلام العرب إنما هي (معجزين) يعنى مثبطين "[66]، فإن كان للأحرف السبعة وجود ، كيف ينهي ابن الزبير عن القراءة المتواترة التي نقرأ اليوم بـها ويُلحّن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !

 

6- إنكار ابن سيرين على قراءة الحسن البصري  :

" وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سئل : كيف تقرأ هذه الآية {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23). أو ( فرغ عن قلوبـهم ) قال : {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23). قال : فان الحسن يقول برأيه أشياء أهاب أن أقولها "[67] ، فلا مجال للاعتراض إن كان للأحرف السبعة وجود .

 

وأما لو تغاضينا عن الأدلة المتوافر في تحديد معنى الأحرف السبعة وسايرنا بعض نفر من علمائهم بأن معنى الأحرف السبعة هي الوجوه المحتملة للفظ باختلاف القراءات[68] فإن هذا الوجه لا ينسجم وفعل الصحابة ، وذلك لعدم وجود أحد منهم برر موقفه وقراءته بدخولها ضمن الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن عندما انتقد في قراءته ، بل إن هذا الوجه يتعارض مع فعلهم أيضا لأن بعض تلك القراءات رفضت وضرب بـها عرض الجدار !

 

S       بعض الروايات الدالة عليه :

 

1-  " أخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك )رض( عن أبيه قال : سمع عمر )رض( رجلا يقرأ هذا الحرف ( ليسجنـنه عتّى حين ) فقال له عمر )رض( : من أقرأك هذا الحرف ؟ قال : ابن مسعود )رض( ، فقال عمر )رض( :{لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ}(يوسف/35). ، ثم كتب إلى ابن مسعود )رض( : سلام عليك أما بعد فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآنا عربيا مبينا و أنزله بلغة هذا الحي من قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرؤهم بلغة هذيل "[69].

وها قد اعترض عمر على قراءة ابن مسعود وهي على حرف مختلف عن حرفه ، فلو كان لتلك الأحرف أصل شرعي لمـا جاز لعمر الاعتراض على قراءة ابن أم عبد الغضّـة ، لأن ابن مسعود سيرد  عليه بجواز القراءة على سبعة أحرف ! فكيف يصح الاعتراض من عمر على ما جوّزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟[70]

 

2-   "  حدثنا أبو سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقول :{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}(التوبة/100). إلى آخر الآية فوقف عليه عمر فقال : انصرف فلما انصرف قال له عمر : من أقرأك هذه الآية ؟ قال : أقرأنيها أبي بن كعب . فقال : انطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فإذا هو متكئ على وسادة يرجل رأسه فسلم عليه فرد السلام فقال : يا أبا المنذر . قال : لبيك . قال : أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية ؟ قال صدق ، تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال عمر : أنت تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟! قال : نعم أنا تلقيّتها من رسول الله صلى الله عليه وآله .  ثلاث مرات كل ذلك يقوله ، وفي الثالثة وهو غضبان : نعم والله ، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا أبنه !! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول : الله أكبر الله أكبر !! "[71]

ومع كل هذا اللجاج المستمر بين أبي بن كعب وعمر ، لا تجد أحدا منهما يذكر فيه أحرفا سبعة أو ما شاكل ! فلم لم يدّع ابن الخطاب أو الصحابي الجليل أبي بن كعب أن الاختلاف كان نتيجة نزول القرآن على سبعة أحرف وينتهي هذا الجدال ؟!

وليس هذا هو المورد الوحيد الذي حاول عمر التلاعب بالآيات فتصدى له أبي بن كعب ، وكانت صرامة أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه حجر في طريق ابن الخطاب ، وهذا مورد آخر :

" عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ ( والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوهم بإحسان ) فرفع الأنصار ، ولم يلحق الواو في الذين ، فقال له زيد بن ثابت {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}(التوبة/100). فقال عمر : ( الذين اتبعوهم بإحسان ) . فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم . فقال عمر : ائتوني بأبي بن كعب . فسأله عن ذلك فقال أبي {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}، فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه ! فقال أبي : والله أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأنت تتبع الخبط . فقال عمر : فنعم إذن ، فنعم ، نتابع أبيا "[72].

وكذا روى ابن شبة  : " عن فهر ابن أسد قال : حدثنا ثابت أبو زيد عن عاصم الأحول عن أبي مجلز : أن أبيا قرأ {مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ}(المائدة/107). فقال عمر (رض) : كذبت (!) ، فقال أبي : بل أنت أكذب ، فقال له رجل : أتكذب أمير المؤمنين !؟ فقال : إنا أشد تعظيما لأمير المؤمنين منكم ، ولكني أكذبه في تصديق الله ولا أصدقه في تكذيب كتاب الله فقال عمر : صدق "[73] ، وفي هذه الرواية يقر عمر بكذبه على القرآن ولولا صرامة أبي بن كعب لانطلت هذه الكذبة ! 

 

بـهذه الأمثلة يتضح أن لو كان للأحرف السبعة وجود وأثر عملي في عصر السلف لما كان هناك مجال للاختلاف في هذه الموارد التي تتحمّلها مطاطية مفهوم الأحرف السبعة من جواز القراءة بالمعنى .

 

 

5-               تاريخ الكفار والمنافقين شاهد على بطلانها

 

لم ينقل لنا أحد من كتّاب التاريخ والسير أن المشركين والمرجفين -على مكائدهم وترصّدهم لكل شاردة وواردة لهدم الإسلام- قد شككوا في مصداقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وألبسوا على المسلمين أن نبيكم والعياذ بالله- يختلق الكلام ويخترعه من عند نفسه لأنه يقرأ المقطع الواحد بأشكال متعددة وفي كل يوم يقرؤه بشكل مختلف عما قرأه بالأمس ! فلو كان من عند الله عز وجل لالتزم بنصّه ولاتبع أمر مولاه الذي يوحي إليه لا أن ينساه فيغيره كل مرة !

وعدم نقل التاريخ شيئا من هذا القبيل يدل على أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان في غاية الحرص على التزام النص حتى لا يتسرّب الشك والريب إلى القرآن الكريم وهو الكتاب الخاتم الذي لا كتاب سماوي بعده ، وعلى أقل تقدير يجب أن يتواتر إلينا خبر هذه الأحرف السبعة ولو من جهة الكفار والمشركين والمنافقين على كثرتـهم بغية نقض الإسلام بأن قرآن المسلمين مخترع من مخيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله .

 

 

6-                واقع المسلمين يكذب روايات الأحرف السبعة

 

ذكرت روايات الأحرف السبعة أن علة تشريع تلك الأحرف كان لأجل رحمة الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنـها لا تطيق قراءة القرآن على حرف واحد ، ولكننا نجد أن الواقع قد كذّب ما تدعيه هذه الروايات لأن اختلاف الأمة في القراءة أصبح نقمة في زمن عثمان حتى كفّر الناس بعضهم بعضا[74] هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن الأمة اليوم كلها مجمعة على حرف واحد ومطيقة لذلك ، مع أنـها الآن أحوج ما تكون لتلك الأحرف بدخول كثير من غير العرب في الدين الإسلامي وطغيان اللهجات البعيدة عن فصيح العربية ، فمن نكذّب : الروايات أم الواقع ؟

 

 

7-                فكرة ذهاب تلك الأحرف تستبعدها الأحداث التاريخية

 

أين ذهبت تلك الأحرف ؟! قد يقال كما سيأتي بإذنه تعالى أن عثمان بن عفان هو الذي أمر بجمع القرآن الكريم بإلغاء الأحرف الستة الأخرى بزعمهم- وهي أضعاف هذا القرآن المتداول ، وهذا القول باطل ، فلو كان للأحرف السبعة وجودٌ في دنيا الإسلام وقام عثمان بإحراقها ، لما سكتت عنه الجماهير ، لما عُلم ببداهة التاريخ الإسلامي أن رموز الصحابة والتابعين اتفقوا على خلعه عن إمارتـهم لأسباب معروفة يقف عليها من ذاق أوليات تاريخ تلك الحقبة ، ولكان هذا العمل المفترض من عثمان من الطامات التي لا تغتفر وتستوجب قتله من الجماهير الغاضبة ، ولأُثـِر عنهم الاحتجاج بـهذا الأمر ، وواضح أن حذف أضعاف ما هو بين أيدينا من القرآن يعني الكفر الصريح والفاضح المستوجب للقتل ، وهذا لم يرد ولم يؤثر ، لذا لا وجود لتلك الأحرف لأن أهل السنة يدّعون أن سبب فقدان الأحرف الستة اليوم هو إحراقها بأمر من عثمان ، وهذا ما يستبعده التاريخ الإسلامي والوضع الذي كان يعيش فيه ابن عفان .

قال ابن حزم الأندلسي في الإحكام : "ولقد أنكر أهل التعسف على عثمان (رض) أقل من هذا مما لا نكره فيه أصلا ، فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة ، ومعاذ الله من ذلك ، وسواء عند كل ذي عقل إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى ولا فرق ، وتالله إن من أجاز هذا غافلا ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه لأنه تكذيب لله تعالى في قوله الصادق لنا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). وفي قوله الصادق {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(القيامة/17-19). فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذي أنزله الله تعالى عليه وجمعه . فمن أجاز خلاف ذلك فقد  أجاز خلاف الله تعالى وهذه ردّه صحيحة لا مرية فيها "[75].

 أقول : لم يجز أهل السنة ذلك فقط بل جزموا به واعتقدوه !

 

 

8-                أهل البيت عليهم السلام وموقفهم من هذه الأحرف :

 

إن أهل البيت عليهم السلام عِدل القرآن ، ولا أعلم بالقرآن من محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام ، فإن صحّ عنهم تكذيب نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف زهق باطل غيرهم ، وهذه الروايات عنهم صريحة في تكذيب من ادعى أن عِدلهمالقرآن- نزل على سبعة أحرف ، فقد روى ثقة الإسلام الكليني رضوان الله تعالى عليه في الكافي الشريف ما نصه :

1-      " عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال : كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد "[76].

2-      "  عن حماد بن عيسى عن جابر بن عبد الله قال : قيل لأبى عبد الله عليه السلام إن الناس يقولون :  إن القرآن على سبعة أحرف . فقال : كذبوا ، نزل حرف واحد من عند رب واحد إلى نبي واحد ".

3-      " باسناده المتصل عن أبى جعفر عليه السلام قال : قلت له قول الناس نزل القرآن على سبعة أحرف فقال : واحد من عند واحد " .

4-      " عن زرارة بن أعين قال : سأل سائل أبا عبد الله عليه السلام عن رواية الناس في القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال : كذبوا الناس في رواياتـهم ، بل هو حرف واحد من عند واحد نزل به الملائكة على واحد"[77].

 

فلا مجال بعد هذا كله لدعوى الأحرف السبعة ، ناهيك عن تصريح قرناء القرآن الكريم وأهله أن القرآن واحد نزل من عند الواحد على واحد ، فلا يترك قول أهل البيت عليهم السلام لقول غيرهم ، وأهل البيت أدرى بالذي فيه !

 

 

S الأثر العملي لمبدأ الأحرف السبعة :

 

على ما مرّ من معنى تلك الأحرف الذي دان به علماء أهل السنة بإمكاننا أن نقرأ الآيات المباركة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}(القلم/1-3).  بـهذا الشكل ( ن والقلم والذي يكتبون ما أنت بنعمة إلهك بمخبول ، وإن لك لثواباً غير مقطوع )  فلا مانع من تغيير اللفظ شرط أن تكون الألفاظ مترادفة ! ، فيا لله ! كيف يجوزون هذا التلاعب والتحريف لكتاب الله عز وجل ؟  وعلى أي من هذه الأشكال المتغايرة نعتمد في إثبات إعجاز القرآن ؟ وكيف تصمد كلمات المفسرين أمام هذه المعمعة من تغاير الألفاظ وهم الذين أجهدوا أنفسهم لمعرفة نكات مواقع الحروف ومواضع الكلمات والحكمة من استعمال خصوص هذا اللفظ من غيره ؟! ، وكيف قالوا أنه لو استعمل لفظ آخر لـهدمت بيع وصوامع من عقيدتنا ومبادئنا من الخلق إلى المعاد إلى ما شاء الله من النكات التفسيرية المحكمة ؟ ، والكثير الكثير من التساؤلات المحرجة !

وبعبارة موجزة إن مذهب أهل السنة في معنى الأحرف السبعة من تغيير الألفاظ وتبديلها بمرادفاتـها يعني وبكل صراحة أن تحريف القرآن والتلاعب به ليس بالأمر الخطير بل هو جائز شرعا بفتح الباب على مصراعيه لكل من استحسن لفظا أو أعجبه مقطعٌ من كلام البشر يوافق معنى آية ، فيتلاعب ويستحسن ويصبح القرآن مسرحا ومرتعا يقدّم فيه بين يدي الله ويُجتهد في كلمات الآيات بالتغيير والابتداع !

 

وليس كل علماء أهل السنة على هذا الرأي ، فهذا ابن حزم ينال من علماء السنة سلفا وخلفا ويكر عليهم تجهيلا وتفسيقا وتكفيرا أيضا ! ، قال :

" وأما من حدّث وأسند إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها لا يبدل حرفاً مكان آخر وإن كان معناهما واحداً ، ولا يقدّم حرفاً و لا يؤخر آخر ، وكذلك من قصد تلاوة آية أو تعلمها و تعليمها ولا فرق ، وبرهان ذلك  أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم علم البراء بن عازب دعاء فيه ( و نبيك الذي أرسلت ) ، فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال ( وبرسولك الذي أرسلت ) فقال النبي عليه السلام : لا ، ونبيك الذي أرسلت ، فأمره عليه السلام كما تسمع ألا يضع لفظة ( رسول ) في موضع لفظة ( نبي ) وذلك حق لا يجيل معنى وهو عليه السلام رسول و نبي ، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أو الفساق المبطلـين ، أن يقولوا : إنه عليه السلام كان يجيز أن توضع في القرآن مكان ( عَزيزٌ حكيم ٌ)  ( غفورٌ رحيمٌ ) أو ( سميعٌ عليمٌ ) وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا ، والله يقول مخبراً عن نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم : {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي}(يونس/15). ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى ، أم كيف يسوغ لأهل الجهل والعمى يقصد أبا حنيفة وأتباعه إباحة القراءة المفروضة في الصلاة بالأعجمية مع ما ذكرنا ومع إجماع الأمة على أن إنسانا لو قرأ أم القرآن فقدم آية على أخرى أو قال :  الشكر للصمد مولى الخلائق وقال هذا هو القرآن لكان كافرا بإجماع[78] ، ومع قوله تعالى {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}(النحل/103) ؟ ففرق الله تعالى بينهما وأخبر أن القرآن إنما هو باللفظ العربي لا بالعجمي ، وأمر بقراءة القرآن في الصلاة فمن قرأ بالأعجمية فلم يقرأ قرآنا بلا شك ".

وقال : " وبلا خلاف من أحد من الأمة أن القرآن معجزة وبيقين ندري أنه إذا ترجم بلغة أعجمية أو بألفاظ عربية غير ألفاظه ، فإن تلك الترجـمة غير معجزة ، وإذ هي غير معجزة فليست قرآناً ومن قال فيما ليس قرآنا إنه قرآن فقد فارق الإجماع وكذب الله تعالى ، وخرج عن الإسلام إلا أن يكون جاهلا ومن أجاز هذا وقامت عليه الحجة ، ولم يرجع فهو كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال ، لا نشك في ذلك أصلا "[79].

وشدد النكير في موضع آخر  :" فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئا أخبر رسول الله صلى الله عليه (وآله) أمته لا تطيق ذلك ، أن عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه ، ومن أجاز هذا فقد كذب رسول الله صلى الله عليه (وآله) فيقوله لله تعالى ( إن أمته لا تطيق ذلك ) ، ولم ينكر الله تعالى عليه ذلك ولا جبريل عليه السلام وقال هؤلاء الـمجرمون : إنـهم يطيقون ذلك ، وقد أطاقوه فيا لله ويا للمسلمين ! أليس هذا اعتراضا مجردا على الله عز وجل مع التكذيب لرسوله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ فهل الكفر إلا هذا ؟ نعوذ بالله العظيم أن يمر بأوهامنا فكيف أن نعتقده "[80].

 

 

ثانيا :  الشيعة الإمامية ومعنى الأحرف السبعة

 

S كلمات علماء الطائفة رضوان الله عليهم :      

 

قال شيخ الطائفة الطوسي رضوان الله تعالى عليه في التبيان :" واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم و رواياتـهم : أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد "[81].

 

          وقال أمين الإسلام الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان : " الظاهر من مذهب الامامية أنـهم أجمعوا على القراءة المتداولة وكرهوا تجريد قراءة مفردة والشائع في أخبارهم أن القرآن نزل بحرف واحد "[82] .

 

          وقال المولى الفيض الكاشاني رحمه الله في تفسير الصافي : " أقول : و التوفيق بين الروايات كلها أن يقال : إن القرآن سبعة أقسام من الآيات و سبعة بطون لكل آية و نزل على سبع لغات . وأما حمل الحديث على سبعة أوجه من القراءات ، ثم التكلّف في تقسيم وجوه القراءات على هذا العدد كما نقله في مجمع البيان عن بعضهم فلا وجه له ، مع أنه يكذبه ما رواه في الكافي باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن القرآن واحد نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة .

وبإسناده عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف . فقال : كذبوا أعداء الله و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد.

ومعنى هذا الحديث معنى سابقه ، و المقصود منهما واحد و هو : أن القراءة الصحيحة واحدة ، إلا أنه عليه السلام لما علم أنـهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات جميعاً مع اختلافها كذّبـهم . وعلى هذا فلا تنافي بين هذين الحديثين و شيء من أحاديث الأحرف أيضاً "[83].

 

          قال المحقق آغا رضا الهمداني رضوان الله تعالى عليه في مصباح الفقيه : " والحق انه لم يتحقق أن النبي صلى الله عليه وآله قرء شيئا من القرآن بكيفيات مختلفة بل ثبت خلافه فيما كان الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفا كما في ضم التاء من أنعمت ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما نطق به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنـزيل مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني " .

" ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن و إلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله بل قد يدعى تواتره ولكن أعداء الله حرفوها عن موضعها وفسروها بآرائهم مع أن في بعض رواياتـهم إشارة إلى أن المراد بالأحرف أقسامه ومقاصده[84] فانـهم على ما حكى عنهم رووا عنه صلى الله عليه وآله انه قال نزل القرآن على سبعة أحرف أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل ويؤيده ما روي من طرقنا عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال إن الله تبارك وتعالى انزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها كاف شاف وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص وربما يظهر من بعض أخبارنا أن الأحرف إشارة إلى بطون القرآن وتأويلاته مثل ما عن الصدوق في الخصال بإسناده عن حماد قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن الأحاديث تختلف منكم فقال إن القرآن نزل على سبعة أحرف و أدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه ثم قال و {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(ص/39)"[85].

 

          قال حجة الله البلاغي رحمه الله :" ولا تتشبث لذلك بما روي من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فإنه تشبث واه واهن . أما أولا فقد قال في الإتقان في المسألة الثانية من النوع السادس عشر : اختلف في معنى السبعة أحرف على أربعين قولا و ذكر منها عن ابن حيان خمسة و ثلاثين . وما ذاك إلا لوهن روايتها و اضطرابـها لفظا و معنى . وفي الإتقان فذكر باقي الأدلة "[86].

 

          قال العلامة السيد الطباطبائي رحمه الله في الميزان : " فالمتعيّن حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان ، وهي سبعة على وحدتـها في الدعوة إلى الله و إلى صراطه المستقيم ، و يمكن أن يستفاد من هذه الروايات حصر أصول المعارف الإلهية في الأمثال ، فإن بقية السبعة لا تلائمها إلا بنوع من العناية على ما لا يخفى "[87].

 

          قال السيد الخوئي رحمه الله في البيان : " إن جميع ما ذكر لها الأحرف السبعة- من معاني أجنبي عن مورد الروايات و على هذا فلا بد من طرح الروايات ، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن . والدليل على  ذلك :

أولا : إن هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن التي يمكن أن يُعبّر عنها بألفاظ سبعة متقاربة . و من الضروري أن أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك ، فكيف تتصور هذه الحروف السبعة التي نزل بـها القرآن ؟

ثانيا : إن المراد من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربـها في المعنى وشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة- فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبدية ، والحجة على جميع البشر ، ولا يشك عاقل في أن ذلك يقتضي هجر القرآن المنـزل و عدم الاعتناء بشأنه . وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ قارئ ( يس ، والذكر العظيم ، وإنك لمن الأنبياء ، على طريق سويّ ، إنزال الحميد الكريم ، لتخوّف قوماً ما خوّف أسلافهم فهم ساهون ) ، فلتقرّ عيون المجوّزين لذلك . سبحانك اللهم إنْ هذا إلا بـهتان عظيم . وقد قال الله تعالى : {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحَى إِلَيَّ }(يونس/15). وإذا لم يكن للنبي أن يبدّل القرآن من تلقاء نفسه ، فكيف يجوّز ذلك لغيره ؟ و إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّم البراء بن عازب دعاءً كان فيه : ( ونبيك الذي أرسلت ) فقرأ البراء ( ورسولك الذي أرسلت ) فأمره صلى الله عليه وآله وسلم لا يضع الرسول موضع النبي . فإذا كان هذا في الدعاء ، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ وإن كان المراد من الوجه المتقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الحروف السبعة و يشهد لهذا كثير من الروايات المتقدمة [88] فلا بد للقائل بـهذا أن يدلّ على هذه الحروف السبعة التي قرأ بـها  النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله سبحانه قد وعد بحفظ ما أنزله : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). ثالثا : " .

" وخلاصة الكلام : إن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف عن ردّه ، و هذه هي العمدة في رفض المتأخرين من علماء السنة لهذا القول . ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي جعفر محمد بن سعدان النحوي ، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول بأن هذه الروايات من المشكل و المتشابه ، وليس يدري ما هو مفادها مع أنك قد عرفت أن مفادها أمر ظاهر ، و لا يشك فيه الناظر إليها ، كما ذهب إليه و اختاره أكثر العلماء "[89].

         

قال في بحوث في تاريخ القرآن : " ولعمري أن هذه النظرية - نظرية القراءة بالمعنى كما قيل - كانت أخطر نظرية في الحياة الإسلامية ، لأنـها أسلمت النص القرآني إلى هوى كل شخص يثبته على ما يهواه . وواضح أن تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه بمرادفات لكلمات القرآن أو بما لا يخالفه يستلزم وقوع الريب في القرآن العزيز . وقد قال الله تعالى {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ }(يونس/15) ".

" ولا يوافق الأئمة المعصومون على هذا التفسير الشائع لسبعة أحرف ، وقد سئل الإمام أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ) عما يقوله الناس من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فقال : كذبوا - إلى أن قال - ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد . وروى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إن القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة . ومن المعلوم أن الاختلاف المشار إليه في عصره ( عليه السلام ) هو الاختلاف في القراءات الموروثة عن ابن مسعود وأمثاله ، فالإمام إذا يكذب هذا النحو من الاختلاف . قال الفقيه الهمداني -بعد نقله حديث التكذيب هذا- : ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن ، وإلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل يدعي تواتره ".

" إذا ، فلابد من الرجوع إليهم والاعتماد عليهم في معرفة المراد من حديث سبعة أحرف ، فنجد أمامنا مما نقل عنهم ما يلي فذكر روايتين، ثم قال - فالذي يستفاد من هذين الحديثين هو أن المراد من الأحرف السبعة هو الوجوه التي ترجع إلى معاني كلام الله وتأويلاته ، وهذه المعاني سبعة إن كان المراد بالسبعة نفس معناها الأصلي ، وإن كان المقصود بالسبعة هنا الكناية عن الكثرة في الآحاد -كما يكنى بكلمة سبعين عن الكثرة في العشرات- فيكون المراد هو أن القرآن نزل على حروف كثيرة آحادها . وربما يستشهد لـهذا المعنى الثاني بما رواه في بحار الأنوار عن المعلى بن خنيس ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ، لكن لا تبلغه عقول الرجال ".

" ولكن ثـمة فرق بين تفسير هؤلاء وتفسير الأئمة ( عليهم السلام ) ، فإن الأئمة قالوا بأن المراد هو سبعة أوجه من المعاني ، وهؤلاء قالوا بسبعة أوجه للألفاظ المختلفة ، وإن اتفقوا على تفسير الحرف بالوجه . ويؤيد هذا الذي ذهبنا إليه تبعا لأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في تفسير الأحرف السبعة ما رواه ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره عن أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة قال : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : " انزل القرآن على سبعة أحرف " فالمراء فيه كفر ثلاث مرات فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه . حيث إن المستفاد من هذا الحديث هو أن السبعة أحرف هي في المعاني لا في الألفاظ . فتلخص : أن القرآن انزل على سبعة وجوه من المعاني والتأويلات ، لكن لا تبلغ العقول إلا الأقل منها ، ولابد من الرجوع إلى الراسخين في العلم في الأكثر . والظاهر أنه مأخوذ من الحرف وهو الطرف والجانب ، وكأن للألفاظ القرآنية جوانب وأطرافا ، أي معاني كلها محتملة احتمالا قريبا ، وهذا النحو من الاستعمال شائع في اللغة الفارسية ، فيقولون : إن كلامه ( دو پـهلو است ) أي أنه ذو معنيين محتملين احتمالا قريبا ، يساوي أحدهما الآخر في الظهور "[90].

 

تأمل في كلمات هؤلاء الأعلام عليهم أتم الرحمة والرضوان تراها متكاتفة يدا واحدة تذب عن القرآن الذي وجّهت له أخطر فكرة وهي دعوة لتحريفه تحت ستار الدين وقد تبناها أهل السنة ، فكان صيانة القرآن من التبديل والتغيير هو المحفز لهم لرفض مبنى الأحرف السبعة .

 أمرٌ كهذا صارخٌ وبكل وقاحة بأن القرآن الكريم يتبع أهواء القرّاء ولا يثبت على حال ، وأن كل من أراد الاستمزاج والتفنن بكتاب الله فإن الباب على مصراعيه مشرّع ! حتى لـيُظن أن القرآن لم ينـزل لتُتبع نصوصه ، بل ليتبع هو أمزجتنا ! ، فهكذا أصبح تحريف القرآن دينا بين طوائف المسلمين ، فلا تجد لدعوى تحريف القرآن هذه رادعا أو مستنكرا بين صفوفهم ! نعوذ بالله من الخذلان .

 

 

S التفسير مغرض !

 

لعل قائلا يستشكل وجود هذا الكم من روايات الأحرف السبعة في مصنفات القوم ولا يرى له وجها مقبولا من وضع أو كذب ، والحق أن الوجه المقبول لها موجود وبوجوه متعددة أيضا ، إذ من المحتمل قويا دخول زوائد حرفت معنى الأحرف السبعة في ضمن تلك الروايات ، وليس ذلك ببعيد بعد حصول التضارب في نقل الحادثة الواحدة وبملاحظة المعنى الذي حكته روايات أهل البيت عليهم السلام ، أما أصل مفهوم الأحرف السبعة فلا أحد ينكر وجوده في القرآن ، وإنما الكلام كله دائر حول المعنى الذي جعل من مفهومها دعوة مفتوحة لتحريف القرآن .

 

S علل تغيير معنى مفهوم الأحرف السبعة :

 

تغيير مفهوم الأحرف السبعة والمراد منها قد يستظهر سببه من جهات أرى أنـها لا تخرج عنها وهي :

 

1-  ابن مسعود وأهل الكوفة

من المحتمل أن ابن مسعود وأهل الكوفة قد حمّلوا هذا المعنى من جواز تغيير الألفاظ لمعانيها على روايات نزول القرآن على سبعة أحرف ، لأن ابن مسعود كان يقوم دائما بتغيير مفردات القرآن إلى معانيها المترادفة بدعوى أن المعنى واحد !

 

2- الأحرف السبعة وسيلة لتبرير اجتهادات الصحابة في نصوص القرآن .

قلنا إن للأحرف السبعة معنيين عند أهل السنة المعنى الأول أن القرآن نزل على سبعة أشكال من الألفاظ بشرط الموافقة في المعنى وهو المشهور ، والمعنى الثاني أن الأحرف السبعة هي وجوه اختلاف القراءات وهذا الاحتمال ينسجم مع الرأي الثاني .

وهذا الاحتمال يقربه ما يقوم به علماؤهم من استقراءٍ لوجوه القراء عند سلفهم الصالح ، ومن ثم تطبيق مفهوم الأحرف السبعة على تلك الوجوه حتى يمكن إيجاد لكل ما قرأ به الصحابة توجيها شرعيا فيحكم بأن كل ما فعلوه لم يتزحزح قيد أنملة عن مراد الله عز وجل ، وأن الجميع ملتزم بالضوابط الشرعية ويد التسديد الغيـبـي كانت وعلى طول الخط مرافقة لهم من أول قراءتـهم إلى آخرها كلهم أجمعين أكتعين ، ونحن لا نقبل هذا الأمر لما فيه من تكلف وكثير تحميل ، وهذا يحتاج إلى نحو من البسط .

 

المشكلة من أين ؟!

حسن الظن المطلق بالصحابة وبأفعالهم هو منهج أهل السنة فكان إيجاد التوجيه الشرعي لأفعالهم هو المقدم في تقييمها ، لذا لفعالهم مدارك شرعية يجب على أهل السنة تحصيلها ، فلا يُحتمل في نظر أهل السنة أن أحدا منهم ابتدع من عند نفسه شيئا خالف أمر الله به ، فالصحابي عندهم يعامل معاملة المعصوم وإن لم يعتقدوا بعصمته ، وكان لهذا المبنى الفاسد أثره الخطير في الفقه والعقيدة ، وقد انصبت جهود جبارة من علمائهم ولسنين متطاولة مشتغلة ومتفرغة لإيجاد تأويلات وتوجيهات أو قل تلميعات لما جاء به التاريخ من مصائب ورزايا لأناس عاديين غير معصومين ، ففي كل فاجعة اقترفها أحد من السلف تجد عُدّة التأويل والتخريج لهذه القاصمة جاهزة للعمل وعلى أهبة الاستعداد !

وبسبب هذا التخريج والتحسين تلغى في بعض الأحيان تعاليمٌ من الإسلام أو تخلق لها على أقل تقدير شواذ تنخدش عندها ، وتأمل على سبيل المثال إلى ما ركن إليه الوهابية في عدم جواز الخروج على الحاكم الجائر والأمير الفاجر المستهتر وجواز الصلاة خلفه وهو صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف السفاك السفاح ! فبما أن ابن عمر فعل شيئا لذا من المحتم ألا يكون مخطئا في فعله بل هو نابع من الدين !

ومن تلك الموارد التي عملت بـها عدة التأويل والتلميع عملها موردنا هذا ، حيث نجد بعض علمائهم يحاول بكل جهد وكثير معاناة أن يجعلوا من مفهوم الأحرف السبعة مظلة تستوعب كل ما استمزجه الصحابة في قراءة نصوص القرآن بالزيادة أو النقص أو التبديل ، فكانت تلك الأشكال والألوان في قراءات الصحابة والتابعين هي الحق الذي لا مرية فيه ، وعليه فالرأيُ الحصيف والقول السديد في تحديد ماهية الأحرف السبعة هو الرأي المعتمِد على إيجاد المخارج لجميع ما وصل إلينا من استمزاجات السلف وعبثهم في قراءة آيات القرآن ، بشرط أن لا تخرج أي من تلك الاجتهادات عن كونـها مصداقا لمفهوم الأحرف السبعة ، ومن ثم يقال لك : إن هذه الاختلافات والتغاير في قراءات القرآن إنما تمت تحت مباركة النصوص النبوية وعلى شريعة رب الصحابة ! فصار تكلفا ما بعده تكلف وتحميلا واضحا وتعسفا فاضحا  .

ولعل من طالع كتبهم في هذا المجال يجد أن أفضل التأويلات لبيان المقصود من المعنى غير المشهور للأحرف السبعة هو رأي ابن قتيبة حيث قال :

" إن المراد بالأحرف السبعة ، الأوجه التي يقع بـها التغاير : ( فأولها ) ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته ، مثل "ولا يُضارَّ كاتِبٌ " بفتح الراء وضمها.  ( وثانيها ) ما يتغيّر بالفعل مثل " بَعَّدَ و باعِدْ " بلفظ الطلب والماضي . ( وثالثها ) ما يتغير باللفظ مثل " نُنْشِرُها و نُنْشِزُها " بالراء المهملة والزاي المعجمة ".

أقول : وعلى هذه الأوجه التي ذكرها ابن قتيبة اعتمد أتباعه ، فجعلوا اختلاف القرّاء السبعة فيما بينهم من القراءات وكذا من قبلهم من السلف مستندا في الشريعة الإسلامية ووجها معتبرا إذ صار كل منها وجها من وجوه الأحرف السبعة !.

ثم تابع  ابن قتيبة قوله : " ( ورابعها ) ما يتغيّر بإبدال حرفٍ قريب المخرج مثل " طلحٍ منضود و طلعٍ منضود ". ( وخامسها ) ما يتغيّر بالتقديم والتأخير مثل " جاءت سكرة الموت بالحق . وجاءت سكرة الحق بالموت " . ( وسادسها ) ما يتغير بالزيادة والنقصان مثل "و ما خلق الذكر والأنثى" بنقص لفظ " ما خلق " . ( وسابعها ) ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى مثل " كالعهن المنفوش . وكالصوف المنفوش ".

أقول : وهذه الوجوه الأخيرة من أوضح مصاديق التحميل والتكلّف لتخريج ما شذ به الصحابة في قراءة القرآن ! ، فابن قتيبة[91]حصر اختلاف الصحابة وابتداعـهم في القرآن بـهذه الوجوه ، وفي الوجه الرابع يكشف القناع وتفيح رائحة التحميل لأن هذا الوجه ليس له إلا مصداق واحد فاخترعه ليؤول ما روي في كتبهم من أن الإمام علي عليه السلام أنكر نص هذه الآية من المصحف وقد أخرجها الطبري في تفسيره :

" قرأ رجل عند علي عليه السلام- : {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ}(الواقعة/29). فقال : ما شأن الطلح ؟! إنما هو طلع . ثم قرأ عليه السلام- : {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ}(ق/10).  أو قرأ {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ}(الشعراء/148). فقيل له : ألا نحوّلها ؟ فقال : إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوّل "[92] ، فكان اختراع هذا الوجه لتفادي هذه المزلقة اليتيمة الوحيدة !

 

والوجه الخامس من عجائب الأمور وأفضح من سابقه لأنه اختُرع حتى لا ينسب الهجر والهذيان لأبي بكر في أواخر أيامه على فراش الموت إذ قرأ الآية الكريمة بشكل آخر ، فبدل أن يقول {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ }(ق/19) قرأها غلطا ( وجاءت سكرة الحق بالموت )![93] ، قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن :

" قال أبو بكر الأنباري : -بسنده- عن مسروق قال : لما احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت : هذا كما قال الشاعر :    إذا حَشْرَجَتْ يوماً     وضاق بـها الصدر  فقال أبو بكر : ، هلاّ قلت كما قال الله : ( جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) وذكر الحديث "[94].

فكان السبيل الوحيد لتنـزيه ساحة أبي بكر من الهجر أن يـُخترع لما أخطأ فيه وجه معتبر ضمن فضفاضة الأحرف السبعة ، فيكون أبو بكر ممن لا يخطأ ولا يهجر في القول ، وبل كان يعرف ما يتفوه به حتى في حال موته ![95]

ونحمد الله أن هذا التكلف لم يقبله كل علمائهم ، فإن واحدا منهم وهو القرطبي رفضه على استحياء ، فقال إن هذا المورد يجري مجرى النسيان من أبي بكر ولكنه عاد فآثر تخفيف الوطء فردد ذلك بين نسيان أبي بكر وبين خطأ الرواة ! ، فقال :

" وقد زعم من طعن على القرآن فقال : أخالف المصحف كما خالف أبو بكر فقرأ : وجاءت سكرة الحق بالموت ، فاحتج عليه بأن أبا بكر رويت عنه روايتان : إحداهما موافقة للمصحف فعليها العمل ، والأخرى تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها ، أو الغلط من بعض من نقل الحديث "[96].

 

وكذلك الوجهان الأخيران يناديان بتبرير اجتهاد ابن مسعود وأبي الدرداء في قراءة القرآن فقد أشتهر أن ابن مسعود كان يقرأها بذلك الشكل بحذف قوله تعالى {وَمَا خَلَقَ }(الليل/3). وسار أبو الدرداء على دربه.

 

وهكذا كان معنى الأحرف السبعة قائما على استقراء أخطاء سلفهم الصالح ، وإيجاد المخارج والوجوه المقبولة لها ونسبة الكل إلى الشريعة الإسلامية ، ولذا كان مصدر التشريع ذو الأولية هو فعل الصحابة !

 

وتتجلّى للقارئ النبيه هذه النكتة بوضوح تام حينما يرى أن أصحاب عُدد التأويل لا يقبلون أي معنى للأحرف السبعة لا يتوافق مع اجتهادات الصحابة ! حتى ولو اقتضاه الدليل بحجة أنه يُخرج بعض قراءات سلفهم عن حيّز الأحرف السبعة ، وهي طامة كبرى عندهم ! ، وهذه بعض الأمثلة عليه :

قال السيوطي " وبعد هذا كلّه ، رُدّ هذا القول بأنّ عمر بن الخطاب و هشام بن حكيم ، كلاهما قريشي من لغة واحدة وقبيلة واحدة ، و قد اختلفت قراءتـهما ، و محال أن ينكر عليه عمرُ لغته ، فدلّ على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات "[97].

 

وكذلك قال الزرقاني في رد بعض التأويلات لمعنى الأحرف السبعة : " ثم إن الأوجه التي ذكرها واحدا واحدا ترجع كلها إلى نوع واحد من اختلاف اللهجات وكيفيات النطق وحدها ، فلا تشمل القراءات التي ترجع إلى اختلاف نفس الألفاظ بالإبدال أو التقديم والتأخير أو النقص والزيادة ونحو ذلك . وفي هذا القصور ما فيه "[98].

 

فيتضح أن تأويل وتخريج اجتهادات السلف كانت السبب الرئيس في بيان معنى الأحرف السبعة ، ويا ليت أحدهم يخبرنا ، كيف عرفوا أن كل فلتات سلفهم الصالح في نصوص القرآن واجتهاداتـهم في تغيير كلماته قد وصلت إليهم بتمامها حتى فسّروا عليها الأحرف السبعة وهي في نظرهم أمرٌ إلهي جاء به الوحي ؟!  أ يصبح الدين هكذا رخيصا ؟!

 " ودعوى أن البعض منهم كان استقراؤه تاماً دون غيره ينقصها الدليل فإنك قد لاحظت فيما نقلنا عنهم  أن كل واحد منهم قد ادّعى أنه تتبّع جميع أوجه الخلاف في اللغات أو القراءات على حد سواء ، ثم اختلفت النتائج التي توصّل إليها كل منهم عن الآخر . و لو كان الاستقراء تاماً على ما زعمه البعض ، لما اختلفت النتائج التي توصّلوا إليها من الناحية الجوهرية فضلاً عن الناحية الشكلية "[99].

 

وهل يصح أن يكون الاستقراء دليلا على كون كل نوع من الاختلاف حرفا قائما برأسه ؟ وقد اعترض به صاحب لغة القرآن الكريم فقال :

" ثم إنه على فرض صحة ما استدلّوا به لا يلزم أن تكون الأوجه السبعة هي الأحرف السبعة المقصودة في الحديث ، بمعنى أن كل وجه منها حرف ، لأن الاستقراء على فرض كونه تاماً إنما يدل على أن الحكم المشترك بين الجزئيات محكوم به على كلها فإذا تتبّعنا أوجه الاختلاف فوجدنا كل وجه منها لا يخرج عن السبعة حكمنا بأن كل أوجه الاختلاف لا تخرج عن السبعة ، هذا غاية ما يفيده الاستقراء ، فهو لا يفيد أن كل وجه منها يعتبر حرفاً من الأحرف المذكورة في الحديث فهذا الحكم إذن يحتاج إلى دليل سوى الاستقراء "[100].

ويؤيد هذا أن من انتهج منهج سلفهم الصالح وأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم- وصار يقرأ القرآن على حرف من الأحرف السبعة تلاحقه اللعنات ويرمى بالتكفير من كل حدب وصوب حتى يقام عليه الحد كما هو الحال لابن شنبوذ المقرئ وسيأتي الكلام عنه ، وقد أعطانا أبو بكر بن الأنباري خلاصة رأيهم فيمن يأخذ بمبدأ الأحرف السبعة من غير سلفهم الصالح ففي تفسير القرطبي :

" قال أبو بكر وفي قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). دلالة على كفر هذا الإنسان[101] لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان فإذا قرأ قارئ ( تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف ) فقد كذب على الله جل وعلا وقوله ما لم يقل وبدل كتابه وحرفه"[102].

وواضح أن هذا نفس معنى الأحرف السبعة عندهم ، ولكن هذه الامتيازات إنما نزلت من السماء للصحابة فقط ![103]

 

 

3-  تبرئة ساحة ابن أبي سرح الأموي المحرف لكتاب الله عز وجل !

 

وهناك احتمال ثالث وهو أن هذا المعنى للروايات وبعض الروايات غيرها المرخّصة لجواز تبديل الآيات بألفاظ متغايرة  إنما وجدت في دنيا المسلمين بوضع من صنّاع الأحاديث المستأجرين من قِبل البلاط الأموي ، وذلك في ضمن سلسلة الكذب والافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتلميع وتحسين صورة بني أميّة وأذنابـهم .

وهذا الوضع ليس بعزيز لرفع مخزاة الكذب والافتراء عن ساحة أخي الخليفة عثمان بن عفان لأمه وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح خاصة وهو العبد المطيع لعثمان ، الذي أمر عبد الرحمن بن عوف أن يبعد الخلافة عن أمير المؤمنين عليه السلام ويلصقها بعثمان وقد فعل ، فكل تلك الروايات المجوزة لتغيير ألفاظ القرآن بغيرها إنما جاءت لتبرر عمل عبد الله بن سعد ابن أبي سرح الذي كان مطابقا لأمر الله المستأثر به في الغيب ، وأن ما حصل له من الطرد والارتداد كان سببه سوء التقدير من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعدم علم بما سيؤول إليه الحال ، والعياذ بالله .</span>

ومما يقوي هذا الاحتمال إلصاق هذه التهمة بأبي برزة الأسلمي وهو أحد شيعة الإمام علي عليه السلام الذي يدل على أن أمر ابن أبي سرح كان مخزاة لهم .

 

          وهنا تم الكلام عن الأحرف السبعة ، وتبين أن أهل السنة لم يعتمدوا أي دليل ناهض لإدخال  هذا المعنى للأحرف السبعة في دين الله الذي يفتح المجال لتحريف القرآن بل إن الأدلة قائمة على بطلانه ، أما الشيعة الإمامية فرفضوا هذا المبدأ المخل بقداسة القرآن تبعا لأهل البيت عليهم السلام .

المبحث الثاني :

 

جـمــعُ الـــقـــرآن

 

 

       بعد الفراغ من مقولة الأحرف السبعة ، خلصنا إلى نتيجة وهي أن معنى الأحرف السبعة عندهم هو جواز قراءة الآية الواحدة على سبعة أوجه نحو : هلم وأقبل وتعال وقارب ، إلى آخر ما يوافق المعنى من ألفاظ بشرط ألا تخُتم آية رحمة بعذاب ولا آية عذاب برحمة ، وسبب هذه الرخصة التسهيل على هذه الأمة .

       وبحثنا هنا سنسرد فيه نظرة أهل السنة لكيفية جمع القرآن ، وهو على قسمين : الجمع الأول في زمن أبي بكر ، والآخر الجمع الذي وقع في زمن عثمان ، ونذكر في الأثناء بعض الاعتراضات ثم نعقب بنظرة الشيعة الإمامية لـجمع القرآن وما يتعلق به .

 

 

أولا : نظرة أهل السنة لجمع القرآن

 

g           الجمع الأول للقرآن :

 

S سببه :

       رحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه عز وجل وترك الأمة بقرآن مشتت مبعثر هنا وهناك بعضه كتب في رقاع ، وبعض كتب على حجارة بيضاء مسطّحة وهي اللخاف وقد كانت ملقاة في بيوت الصحابة ، وبعض آخر مدوّن على عظام أكتاف الإبل ، وجملة منه في صدور القرّاء وهكذا ، والنتيجة أنه صلى الله عليه وآله وسلم ترك الأمة الإسلامية بلا مصحف مجموع ولا كتاب مرتب يحوي القرآن ، وحيث كان بعض الصحابة يحفظونه وكان عدد كبير منهم قُتِلوا في حرب اليمامة ، فخيف ضياع كثير من القرآن مما حفظ هؤلاء الشهداء ، فـأُمـر بجمعه فجمع .

 

S الـهدف منه :

       جمع القرآن لتدارك الخطر المترتب على ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعله ، فالأمة بلا قرآن مجموع محفوظ في المصحف يخاف عليه من الضياع وقد يفقد منه شيء مع بعد العهد ومقتل القراء ، فكان من اللازم على الصحابة أن يتداركوا الخلل بجعله مرتبا في مكان واحد ومجموع على نحو ملزمة بدل أن يكون مبعثرا هنا وهناك مكتوبا على الحجارة وعلى عظام أكتاف الإبل . 

 

S كيفيتـه :

       وقف بعض الصحابة على باب المسجد يحثون كل من كان لديه آية من كتاب الله على أن يأتيهم بـها حتى تدمج في المصحف ، فلبى المسلمون النداء وأتى كلٌ بما حفظ وبما كتب على الرقاع والحجارة ، ولو شهد شاهدان على كون تلك الجمل آيات من القرآن أدمجت فيه ، وهكذا بطبيعة الحال تتزاحم الناس وتتكاثف وكل يدلو بآيته ، فمنهم من يأتي بآية من الأحزاب وآخر من أول البقرة وهذا من آخر سورة يونس وذاك من وسط النحل وهذا من الثلث الأخير من الزمر وهكذا ، ويشهد شاهدان وينتهي الأمر ، وقد يأتي رجل واحد فيشهد وتدمج الجملة في المصحف على أنـها قرآن منـزل لأن هذا الرجل أنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته منـزلة شهادة رجلين وهو خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه ، وقد جاء بعضهم بآية وشهد على أنـها من القرآن ولم تكتب فيه لأنه كان وحده فلم يثبتوها في المصحف وظل يردد ويكرر أن تلك الجملة من القرآن طيلة زمن خلافته !

       هذا ما تمليه علينا مصادر أهل السنة ، وقد جاءت به روايات منها رواية البخاري في صحيحه أن زيد بن ثابت الأنصاري قال :

       " أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع القرآن . قال أبو بكر:  قلت لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ فقال عمر : هو والله خير ! فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال  أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن  قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ فقال أبو بكر : هو والله خير ! فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال[104]حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}(التوبة/128) إلى آخرهما ، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر "[105].

 

       وفي الإتقان نقلا عن المصاحف لابن اشتة : " عن الليث بن سعد قال :  وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل ، وإن آخر سورة براءة لم يجدها إلا مع خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين فقال : اكتبوها فإن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل شهادته بشهادة رجلين  فكتب ، وان عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده "[106].

 

       وكذا جاء في كنـز العمال " عن هشام بن عروة قال : لما استحر القتل بالقراء فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب و لزيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من القرآن من كتاب الله فاكتباه "[107].

 

       " عن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما قتل أهل اليمامة أمر أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت فقال : اجلسا على باب المسجد فلا يأتينكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه ، وذلك لأنه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قد جمعوا القرآن "[108].

وهذه الجملة ( فلا يأتينكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه ) تدل بمفهومها أن بعض الآيات كانت تكتب من غير شاهدين وبعضها كانت تحتاج لشاهدين لأن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت لم يسمعا بـها بعد !

 

 

S        ملاحظتان

 

          الأول : مقتضى الجمع بين الأدلة أن الجمع الأول لم ينته في عصر أبي بكر لأن جمعهم هذا الذي ابتدأ في زمن أبي بكر إن كان المقصود منه جمعه في مصحف أو ملزمة يلم بـه شتات جميع ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهذا لم يفرغ منه في زمن أبي بكر بل استمر إلى زمن عمر ، ومات عمر ولم يتمه ، وقد جاءت روايات عند أهل السنة ظاهرة في ما ندعيه حتى أن ابن أبي داود السجستاني بوب في كتابه المصاحف باب بعنوان : جمع عمر ابن الخطاب القرآن في المصحف ، فقال بسنده عن الحسن :

       " أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل : كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة ، فقال : إنا لله ، وأمر بالقرآن فجمع وكان أول من جمعه في المصحف "[109].

       وكذا عن عبد الله بن فضالة قال :" لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرا من أصحابه وقال : إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر فإن القرآن نزل على رجل من مضر "[110].

       وعن يحيى بن عبد الله بن حاطب قال :" أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح ، والعسب وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان ، فقتل وهو يجمع ذلك إليه ، فقام عثمان فقال : من كان عنده من كتاب الله شيئا فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان "[111].

 

       وهذا يعني أن جمع أبي بكر لم ينتج مصحفا أو ملزمة بأوراق مرتّبة كما أُدّعي وإنما هو شتات مبعثر قد جمع في مكان واحد عند أبي بكر ، وما يؤكد أن ابن الخطاب لم يجمع القرآن في حياته ولم يتم ما ابتدئ به في زمن أبي بكر بجعله في ملزمة أو مصحف مرتب رواية ابن سعد في طبقاته عن ابن سيرين قال : " مات أبو بكر ولم يجمع القرآن "[112] ، وكذلك عنه في طبقاته قال : " قتل عمر ولم يجمع القرآن "[113].

       وينص ابن شبة في تاريخ المدينة على أن أبا بكر وعمر بن الخطاب لم يجمعا المصحف بل جمع أول مرة في زمن عثمان :

       "  عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة قال : إن أول من جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمان ابن عفان ، ثم وضعه في المسجد فأمر به يقرأ كل غداة "[114].

       وما يؤكد هذا الرأي أكثر فأكثر هو بقاء تلك الصحف عند أبي بكر وانتقالها إلى عمر ومن ثم إلى حفصة كما في رواية البخاري ، فهذا المصحف لم ير النور ولم يطلع عليه أحد من المسلمين إلى يومنا هذا ، وهذا ليس له وجه مقبول سوى أنه لم يفرغ زيد من جمعه لو قلنا أنه مصحف قد جمع للناس ، وبما قرّبناه يتضح تسرع البعض في رد الروايات التي تحكي جمع القرآن في زمن تأمر عمر على الناس بدعوى أن ذلك قد فرغ منه في زمن أبي بكر .

 

       الثاني : طريقة الـجمع هذه يحتمل فيها فقدان شيء من القرآن ، لأسباب :

 

       منها : احتمال أن بعض الآيات لم يتوفر لها شاهدان أو لم يلتفت لها أصلا ، وهذا الاحتمال وارد وفي محله لأن هذا هو المعتاد في مثل هذا النوع من الجمع العشوائي للآيات ، خاصة أن عمر بن الخطاب جاء شاهدا على جملة ادعى قرآنيتها فرفض زيد بن ثابت دمجها في المصحف لأن ابن الخطاب كان وحده ولم يشهد معه رجلٌ آخر !، وكذا جاءت حفصة بنت عمر تدعي قرآنية مقطع ولكن أباها  رفض دعواها لأنـها امرأة وليس لديها بينة على ذلك ، وكذلك الحال بالنسبة لابن مسعود الذي جاء بمقطع أراد دمجه في القرآن فرُفض طلبه ، مع العلم أن ابن مسعود هذا هو رأس الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة أن يستقرئوهم القرآن !

       فقد أخرج ابن الأنباري في المصاحف : " من طريق سليمان بن أرقم عن الحسن وابن سيرين وابن شهاب الزهري وكان الزهري أشبعهم حديثا قالوا : لما أسرع القتل في قراء القرآن يوم اليمامة قتل معهم يومئذ أربعمائة رجل لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب فقال له : إن هذا القرآن هو الجامع لديننا فإن ذهب القرآن ذهب ديننا وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب ، فقال له : انتظر حتى نسأل أبا بكر ، فمضيا إلى أبى بكر فأخبراه بذلك ، فقال : لا تعجل حتى أشاور المسلمين ثم قام خطيبا في الناس فأخبرهم بذلك ، فقالوا : أصبت فجمعوا القرآن وأمر أبو بكر مناديا فنادى في الناس من كان عنده من القرآن شيء فليجئ به ، قالت حفصة : إذا انتهيتم إلى هذه الآية فاخبروني {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}(البقرة/238). فلما بلغوا إليها قالت : اكتبوا ( والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ) ، فقال لها عمر : ألك بـهذا بينة ؟ قالت : لا ، قال : فوالله لا ندخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بينة ، وقال عبد الله بن مسعود : اكتبوا ( والعصر إن الإنسان ليخسر وانه فيه إلى آخر الدهر ) فقال عمر : نحوا عنا هذه الأعرابية "[115].

       وهذه الرواية يؤيدها كثير من الروايات التي تحكي إصرار حفصة بنت عمر على زيادة هذا المقطع في الآية وقد أيد أبي بن كعب قولها ، حتى أنـها أمرت كاتب مصحفها بذلك وبقي مصحفها بـهذه الزيادة إلى أن ماتت وهو فعل عائشة أيضا وكذا روي عن أم سلمة رحمها الله[116]، فلا أدري على جمعهم المزعوم كيف يوثق باشتمال المصحف على كل آيات القرآن ؟ وهل توفر لكل آية شاهدان ليشهدا على كل قرآنيتها ؟!

 

       ومنها : سقوط آيات عن ذلك الجمع فلم تدمج فيه حتى وجدت بعد ثلاث عشرة سنة تقريبا ! ، لأن جمع القرآن في زمن أبي بكر كان بعد واقعة اليمامة وكانت في السنة الحادية عشرة بعد الهجرة وكان الجمع الثاني للقرآن في سنة خمس وعشرين للهجرة زمن تأمر ابن عفان على الناس ، وهذا ما ذكره ابن أبي داود :

       " خطب عثمان بدء قيامه بجمع القرآن- فقال : إنما قبض نبيّكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في القرآن عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم- لمّا أتاني به "[117]، فالفترة الفاصلة بين الجمعين مع مراعاة ما بين بدء الجمع وانتهائه في زمن أبي بكر- تقرب إلى ثلاث عشرة سنة [118].

 

ومنها : أن آيات القرآن جمعت ودمجت في هذا المصحف بشهادة رجلين ، أي بخبر الآحاد ، فلا تواتر !

 

 ولا بأس بالتنبيه هنا على نقطتين وهما :

الأولى : قرر كثير من علماء أهل السنة أن المصحف الذي جمع في زمن أبي بكر كان أكبر حجما من حجم مصحفنا بستة أضعاف ، وذلك لاشتماله على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم وهذا قد نص عليه عدّة ممن تطرق لذكر الفروق بين الجمعين الأول في زمن أبي بكر والثاني في زمن عثمان ، قال في الإتقان :

       " وقال القاضي الباقلاني في الانتصار لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت مع تنـزيل ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد ، وذكر كلام المحاسبي مثله ومن قبل القاضي ذكر كلام ابن تين وغيره وكلهم سواء في المعنى "[119].

 

           قال في تاريخ القرآن  : " وجاء في إرشاد القراء والكاتبين : أن زيدا كتب القرآن كله بجميع أجزائه وأوجهه المعبر عنها بالأحرف السبعة الواردة في حديث : " هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه " ، وكان أولا أتاه جبريل فقال له إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد ثم راجعه إلى السابعة فقال :  إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه أصابوا .

       فأبو بكر رضي الله عنه هو أول من جمع القرآن الكريم بالأحرف السبعة التي نزل بـها واليه تنسب الصحف البكرية وكان ذلك بعد وقعة اليمامة التي كان انتهاؤها سنة اثنتي عشرة للهجرة ، فجمعه للقرآن كان في سنة واحدة تقريبا ولولا همة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله لما تم في مدة سنة واحدة كتابة المصحف بالأحرف السبعة كلها وجمعه من الأحجار والعظام والجلود ونحوها "[120].

       قال : "  إنـهم في هذه المرة جمعوه بالأحرف السبعة كلها وهذا يستلزم أن يكون حجم مصحف أبي بكر أضعاف حجم مصحف عثمان لأن هذا جمعه على حرف واحد من الأحرف السبعة "[121] .

       وستأتي بقية أقوالهم في كيفية الجمع الثاني للمصحف وما حذفه عثمان من أحرف القرآن الستة .

 

        الثانية : أن هذا المجموع بقي عند أبي بكر ومن ثم عند عمر وبعده عند حفصة ، وطيلة ثلاث عشرة سنة لم يستفد منه المسلمون شيئا بصريح رواية البخاري .

       قال في المصحف المرتّل :" واللافت أن المحافظة على هذه الصحف كانت بالغة ، فقد كانت عند أبي بكر لم تفارقه في حياته ، ثم عند عمر أيامه ثم كانت عند حفصة لا تُمكّن منها كما أوضحنا "[122].

 

 

 

g الجمع الثاني للقرآن  :

 

        والجمع الثاني كان لتوحيد المسلمين على مصحف واحد يتم جمعه ويسمى بالمصحف الإمام يلتزم به الجميع ولا يتجاوزون خطه ورسمه ، وتلغى المصاحف الأخرى ، وهذا حدث في زمن عثمان .

 

S        سببه :

       رحمة الله صارت نقمة !

       زعموا أنه بعد جمع القرآن على سبعة أحرف بقيت تلك الصحف عند أبي بكر وبعدها عند عمر طيلة فترة تأمرهما على الناس ، وبقي الناس على ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجود الأحرف السبعة في دنيا المسلمين يقرؤون بـها ، إذ نزل القرآنبزعمهم- على سبعة أحرف رحمة لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبمضي الوقت وبُعد العهد عن زمن النـزول اختلف الناس وتضاربوا فبدل أن تكون الأحرف السبعة رحمة لهم أصبحت وبالا ونقمة عليهم ! ،  فصار التكفير على قدم وساق بين القرّاء وصبيانـهم ، ووصل الوباء للجنود في أقاصي الثغور وعلى حدود الدولة الإسلامية ! ، وهكذا تفاقمت المشكلة أكثر فأكثر بدعوى أن الناس لم تكن تعلم أن الأحرف السبعة رحمة ! لذلك لم يختلف الصحابة[123] بعد علمهم أن كلا من تلك الأحرف شاف وكاف وإنما لم يلتفت الناس لذلك !

       قال ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن أبي قلابة : " لـما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل و المعلم يعلم قراءة الرجل فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، قال أيوب : فلا أحسبه إلا قال :  حتى كفّر بعضهم بقراءة بعض "[124].

 

       وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : " وفي رواية عمارة بن غزية أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال : يا أمير المؤمنين أدرك الناس ! قال : وما ذاك ؟ قال : غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبي ابن كعب فيأتون بـما لم يسمع أهل العراق و إذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بـما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا ".

       وقال أيضا " ومن طريق محمد بن سيرين قال : كان الرجل يقول لصاحبه : كفرت بـما تقول . فرفع ذلك إلى عثمان فتعاظم في نفسه ، وفنده ابن أبى داود أيضا من رواية بكير بن الأشج أن ناسا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال : ألا إني أكفر بـهذه ففشا ذلك في الناس "[125] .

 

       فاستجاب عثمان لهذا الأمر الخطير وقام في الناس قائلا :" أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون : قراءة أبيّ وقراءة عبد الله ، يقول الرجل للرجل : والله ما يقيم قراءتكالخ "[126] ، وحينما استفحل الأمر وتفاقم عبّأ حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه نفسه وانتدبـها ليحث ابن عفان ويوقظه لخطورة هذه الظاهرة .

 

S        الـهدف منه :

       بعد أن صحا عثمان للخطر الداهم قرر أن يحذف الأحرف السبعة التي أنزلها الله عز وجل على  الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كقرآن بزعمهم- ويُبقي حرفا واحدا حتى يتخلص من رحمة الله التي انقلبت نقمة ! وهذا الحرف الواحد هو القرآن الذي بين أيدينا .

 

S        كيفيـته :

       أمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا ما جمع في زمن أبي بكر ليكتبوا مصحفا تتوحد عليه الأمة الإسلامية ويكون القرآن الرسمي ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانـهم . ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف أرجع عثمان جمع أبي بكر إلى حفصة ثم بعث إلى الأقطار بنسخ من هذه المصاحف المنسوخة لتتوحد الناس عليها ، وكإجراء وقائي أمر عثمان بجمع المصاحف المحتوية على كل القرآن بأحرفه السبعة ليحرقها أمام الملأ ويتخلص من آيات قرآنية تقدر بستة أضعاف قرآننا الفعلي والتي كانت موجودة في المصحف الذي جمع في زمن أبي بكر ، وكان من الصحابة من رفض تسليم مصحفه حتى لا تضيع تلك الآيات ، وراح يطعن في نزاهة الجمع والجامعين ، وأنكر حرق المصاحف وحذف قرآن كثير أنزله الله عز وجل .

 

 

S  اعتراف علماء أهل السنة بإحراق عثمان لستة أضعاف القرآن :

 

       قال ابن جرير الطبري ، قريب العهد من تلك الوقائع :" والآثار الدالة على أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه جمع المسلمين نظرا منه لهم[127]، وإشفاقا منه عليهم ، ورأفة منه بـهم ، حذار الردة من بعضهم بعد الإسلام والدخول في الكفر بعد الإيمان إذ ظهر من بعضهم بحضرته وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم النهي عن التكذيب بشيء منها وإخباره إياهم أن المراء فيها كفر،  فحملهم رحمة الله عليه إذ رأى ذلك المراء بينهم في عصره وبحداثة عهدهم بنـزول القرآن وفراق رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بما آمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرف واحد ، وجمعهم على مصحف مخالفا المصحف الذي جمعهم عليه أن يحرقه ، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها ، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بـها لندورها وعفوّ آثارها وتتابع المسلمين على رفض القراءة بـها من غير جحود منها بصحتها وصحة شيء منها ، ولكن نظراً منها لأنفسها ولسائر أهل الدنيا فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح (!) دون ما عداها من الأحرف الستة الباقية "[128].

 

       قال مكي بن أبي طالب القيسي : " إن هذه القراءات كلّها التي يقرأ بـها الناس اليوم وصحّت روايتها عن الأئمة إما هو جزء من الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن ووافق اللفظ بـها خط المصحف -إلى قوله- وإذا كان المصحف بلا اختلاف كتب على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن على لغة واحدة ، والقراءة التي يقرأ بـها لا يخرج شيء منها عن خط المصحف ، فليست هي إذاً هي السبعة الأحرف التي نزل بـها القرآن كلها . ولو كانت هي السبعة كلها وهي موافقة للمصحف لكان المصحف قد كتب على سبع قراءاتٍ ، ولكان عثمان رضي الله عنه قد أبقى الاختلاف الذي كرِهَه، وإنما جمع الناس على المصحف ليزول الاختلاف "[129].

 

       قال ابن القيم الجوزية : " ومن ذلك جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة ، التي أطلق لهم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم القراءة بـها لما كان ذلك مصلحة [130]، فلما خاف الصحابة رضي الله عنهم على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف ، فعلوا ذلك ومنعوا الناس من القراءة بغيره "[131].

 

       قال الكردي الخطاط في تاريخ القرآن : " فخلاصة ما تقدم أن أبا بكر أول من جمع القرآن بإشارة عمر رضى الله عنهما وكان جمعه بالأحرف السبعة كلها التي نزل بـها القرآن ، وسببه الخوف من ضياعه بقتل القراء في الغزوات ، ثم في خلافة عثمان كثر اختلاف الناس في قراءة القرآن فخشي رضى الله عنه عاقبة هذا الأمر الخطير وقام بجمع القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة وهو حرف قريش وترك الأحرف الستة الباقية حرصا منه على جمع المسلمين على مصحف واحد وقراءة واحدة ، وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف لمصحفه الذي جمعه أن يحرقه فأطاعوه واستصوبوا رأيه ، فالمصحف العثماني لم يجمع إلا بحرف واحد من الأحرف السبعة وان القراءات المعروفة الآن جميعها في حدود ذلك الحرف الواحد فقط و أما الأحرف الستة فقد اندرست بتاتا من الأمة "[132] .

       قال في موضع آخر "  أما عثمان رضي الله عنه فانه لم يجمع القرآن إلا بعد أن رأى اختلاف الناس في قراءته حتى أن بعضهم كان يقول :  إن قراءتي خير من قراءتك، وكان جمعه له بحرف واحد وهو لغة قريش وترك الأحرف الستة الباقية ، فكان من الواجب حمل الناس على اتباع مصحفه وعلى قراءته بحرف واحد فقط قبل أن يختلفوا فيه اختلاف اليهود والنصارى "[133].

 

       قال أحد الوهابية حينما فرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان :" إن جمع أبي بكر (رض) على الأحرف السبعة ، أما جمعه في عهد عثمان فقد كان على حرف واحد "[134].

 

       وللأسف فقد بينت روايات أهل السنة هذا الجمع المصيري الذي استقر عليه الإسلام بما لا يختلف كثيرا عن جمع أبي بكر من التساهل وعدم فيه ، وتتضارب الروايات في تحديد الشخصيات التي قامت بـهذا العمل وما هي وظيفة كل واحد منهم وكان أبي بن كعب هو القيم على هذا الجمع يصحح ما أخطأوا فيه ، وحذفت الأحرف الستة الباقية من المصحف الذي كتب في زمن أبي بكر وأبقي على حرف واحد منها فقط .

       جاء في البخاري : " عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان : قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فرج أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ،  فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى  فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بـها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانـهم . ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .

 قال ابن شهاب وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقرأ بـها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}(الأحزاب/23) فألحقناها في سورتـها في المصحف "[135].

 

       وكما نرى فقد اتضح للمسلمين في وقت متأخر أن جمع زيد بن ثابت في زمن أبي بكر لم يكن تاما ! فقد أنقص ذلك الجمع آية من القرآن لم تكتب فيه ، وبقي كذلك ناقصا مدة ثلاث عشرة سنة في غفلة من جميع الصحابة ! ، فلم يجد زيد بن ثابت ذلك النقص إلا مع خزيمة بن ثابت من بين الصحابة وهو من وجد معه آخر سورة التوبة في جمع أبي بكر ! والآن قد وجد معه آية من سورة الأحزاب ! ، فاقتصر زيد على شهادة خزيمة لأن شهادته كانت تعدل شهادة رجلين ، فدمجها في المصحف ، وتمت العملية بنجاح تام !

 

 

       هل كان المصحف العثماني مجرد نسخة عن مصحف أبي بكر ؟

 

       الذي يفهم من رواية البخاري هو أنـهم نسخوا المصحف العثماني من جمع أبي بكر ، وهذا لا يمكن قبوله بـهذه البساطة لأمور :

 

1-    قالوا إن جمع أبي بكر كان يشتمل على الأحرف السبعة ومصحف عثمان ينقص عنه بستة أضعاف ، فكيف يصح القول أن المصحف العثماني كان مجرد نسخة عن جمع أبي بكر ؟!

2-   توجد روايات تحكي وقوع النـزاع بين الجامعين في بعض الآيات التي كتبت في صحف أبي بكر فكانوا يتركون الآيات التي وقع فيها النـزاع ليأتي من سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكتبوها على ما سمعه ! فكيف يكون المصحف العثماني مجرد نسخة ؟!

       قال في الإتقان : " أخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال : لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بـها ، وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخروه "[136].

       وكذا  " أخرج ابن أشته من طريق أيوب عن أبي قلابة قال : حدثني رجل من بني عامر يقال له أنس بن مالك ، قال : اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال عندي تكذبون به وتلحنون فيه ؟! فمن نأى عني كان أشد تكذيبا وأكثر لـحنا ، يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما . فاجتمعوا فكتبوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارؤوا في آية ، قالوا : هذه أقرأها رسول الله فلانا . فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة ، فقال له : كيف أقرأك رسول الله آية كذا وكذا فيقول كذا وكذا فيكتبونـها وقد تركوا لذلك مكانا "[137].

 

3-   نفس رواية البخاري تحكي طعن عثمان بمصحف أبي بكر الذي وصل عن حفصة وعدم رضاه بما فيه ، فكيف يكون مصحف عثمان نسخة عن جمع أبي بكر ؟!

       فقد علمنا سابقا أن زيد بن ثابت هو الذي قام بجمع مصحف أبي بكر فلو كان المصحف العثماني نسخة عما في مصحف أبي بكر لكان زيد هو المرجع في تحديد المكتوب في مصحف أبي بكر لا أن يقول عثمان للرهط القرشيين الثلاثة :" إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانـهم ".

       وزيد لم يكن قرشيا بل مدنيا ، فقول عثمان هو في الحقيقة إلغاء لمرجعية مصحف أبي بكر الذي كتبه زيد بخط يده حال النـزاع ، فصارت الأولوية لرجال قريش على مصحف أبي بكر[138] ، فكيف يكون المصحف العثماني نسخة عن مصحف أبي بكر ؟!

       وعلى هذا يتأكد ما بيناه سابقا من أن جمع أبي بكر لم يكن بـهذه الدقة التي يمكن بـها اتفاق الصحابة على ما كتبه زيد بن ثابت ورضاهم به ، وقلنا سابقا أنه لم يكمل .

 

 

S   اعتراضات :

 

1-         القرآن يثبت بـخبر الواحد !

 

       قد مرّ بين ملاحظات الجمع الأول أن زيد بن ثابت كان يثبت آيات القرآن بخبر الواحد ، يأتيه شاهدان فيشهدان على أن هذه الجملة قرآن منـزل فيقوم زيد بإثباتـها في المصحف ، حتى أنه كان يثبته بشهادة رجل واحد تعدل شهادته شهادة رجلين ، وهو خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، فقد أثبت زيد بشهادته في أول جمع آية {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(التوبة/128) ، وفي الجمع الثاني أتى خزيمة بآية من سورة الأحزاب {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}(الأحزاب/23) فدمجها أيضا .

        كما جاء في صحيح البخاري عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت قال : " نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آيةً من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقرأ بـها فلم أجدها إلاّ مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم شهادته شهادة رجلين وهو قوله {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} "[139]، فعليه كيف يقولون أن القرآن ثبتت آياته بالتواتر ؟!

 

       وحاول القرطبي في تفسيره أن يبعد شبهة الشيعةبزعمه- من أن آيات القرآن ثبتت بخبر الواحد فافترى المؤدب بقوله : " وقد طعن الرافضة قبحهم الله تعالى في القرآن ، وقالوا : إن الواحد يكفي في نقل الآية والحرف كما فعلتم ، فإنكم أثبتم بقول رجل واحد وهو خزيمة بن ثابت وحده آخر سورة براءة وقوله{مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} فالجواب : أن خزيمة رضي الله عنه لـما جاء بـهما تذكرهما كثير من الصحابة وقد كان زيد يعرفهما ولذلك قال : ففقدت آيتين من آخر سورة التوبة ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئا أو لا ، فالآية إنما ثبتت بالإجماع لا بخزيمة وحده ،  جواب ثان : إنما ثبتت بشهادة خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فيه قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بـخلاف آية الأحزاب فإن تلك بشهادة زيد وأبي خزيمة لسماعهما إياّها من النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم "[140].

 

أقول : يرد على جوابه الأول ما يلي :

 

1-       أن قوله ( تذكرهما كثير من الصحابة ) ادعاء محض .

 

2-   وقول زيد بن ثابت (ففقدت آيتين) إن صح لا يثبت سبق علمه بنصها ، فما المانع أن يعلم بوجود آية صفتها كذا وكذا ولكنه لا يضبط نصها ولا كلماتـها ؟ كمن يقول إننا كنا نقرأ آية تسمى آية الدين وتتكلم عن الدين والشهود وكذا وكذا ولكنه يجهل نصها ، وهذا محتمل جدا ، وكلامنا إنما هو في تواتر القرآن بما هو تواتر تفصيلي أي ضبط النص حرفا بحرف ، وهذا لا يدل عليه كلام زيد السابق .

       وظاهر الكلام أن زيدا كان جاهلا بتلك الآيتين حين الجمع وعلم بـهما عندما جاءه بـهما خزيمة رضوان الله تعالى عليه ، وعلى أي حال فمجرد حكاية زيد للحادثة لا يعني أنه كان يعلم بنصهما في وقت الجمع على الإجمال فضلا عن التفصيل ، فاستدلال القرطبي بـهذا المقطع لا يصح .

 

3-   قوله ( فالآية إنما ثبتت بالإجماع ) ، لا ندرى من أين أتى لنا بـهذه النتيجة ، لأنـها أكبر من المقدمات ! فما ادعاه أولا أن كثيرا من الصحابة تذكروهما ، فما دخل الإجماع ؟![141].

 

أما جوابه الثاني فيرد عليه :

 

1-   منذ متى كان كل ما ينسب للقرآن وكان موافقا لصفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحق أن يكون قرآنا ويدمج في المصحف ؟! إن هذا لشيء عُجاب !

       وقد اعترض الباقلاني على هذه التفاهة فقال : " ومن الناس من قال إنما أجاز عمر شهادته وحده لأن الآيتين اللتين في آخر سورة براءة هما ثناء على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وهذا باطل لأنه يجب أن يجيز شهادة واحد في كل موضعٍ هذه صفته بل أولى منه المواضع التي فيها صفة الله تعالى "[142].

 

2-   لنسائل القرطبي عن معنى قوله ( فإن تلك بشهادة زيد وأبي خزيمة ) ، فهل هذا يدفع إشكال الرافضة بزعمه ؟‍‍‍ كيف ؟! وخبر الواحد ليس هو خبر الواحد في مقابل الاثنين !

       وهذا نترك تبعته على ابن حجر العسقلاني حيث قال في مقام الرد على الداودي الذي ذهب إلى عين ما ذهب له القرطبي فقال : " وكأنّه ظن أن قولهم لا يثبت القرآن بخبـر الواحد أي الشخص الواحد و ليس كما ظن ، بل المراد بخبر الواحد خلاف الخبر المتواتر، ولو بلغت رواة الخبر عدداً كثيراً وفقد شيئاً من شروط المتواتر لم يخرج عن كونه خبر الواحد "[143] .

 

3-   إن الروايات الواردة في المقام تؤكد على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اعتبر شهادة خزيمة بن ثابت بمنـزلة شهادة رجلين ، وهذا يوحي أن إثبات الآية عن طريق خزيمة بن ثابت إنما تم باعتبار أنّه ( ذو الشهادتين ) لا غير ، وإلاّ فما الداعي لتأكيد زيد بن ثابت على أن شهادة خزيمة تعدل شهادتين ؟! وهل هو إلا لتبرير دمجه للآية بشهادة خزيمة وحده ؟!

       وهذا كما يقول علماء الأصول من باب أن تعليق الحكم على الوصف مشعرٌ بالعلية ، وهو مضمون رواية البخاري السابقة :" فلم أجدها إلاّ مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم شهادته شهادة رجلين " .

 

4-   طريقة طرح القرطبي للدليلين توحي أنـهما اجتهاد بعيد عن الحس والواقع لأنه يردد الجوابين ، فإما أن يكون جوابه هذا أو ذلك ، فهو تارة يقول إن آخر سورة براءة ثبتت بالإجماع وبتذكر الصحابة لها ، وتارة أخرى يقول إنـها ثبتت لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي ! ولا ندري أهذا هو الجواب أم ذاك ؟! واستحسانه ظاهر .

 

 

S بدأت عُـدّة التأويل بالعمل !

        ولكي يتخلصوا من هذه المشكلة أعملوا آراءهم فادّعى البعض منهم أنّ زيد بن ثابت لم يكن يكتب القرآن بشهادة رجلين ، وإنما عنى بالشاهدين الحفظ والكتابة ، وهذا ما ذكره ابن حجر في فتحه : " قوله ( لم أجدها مع أحد غيره ) أي مكتوبة لما تقدّم من أنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة "[144].

       

        والذي عناه ابن حجر في قوله ( لما تقدم ) هو ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : قام عمر فقال : " من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم شيئا من القرآن فليأت به ، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب ،  قال : وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان "، ومثله قال أبو شامة .

        قال في مباحث في علوم القرآن : " وواضح أن تفسير ابن حجر يلاحظ فيه الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة ، كالشاهد الواحد على الحفظ . وتفسير الجمهور يقوم على ضرورة شاهدين عدلين على الكتابة ، وشاهدين عدلين على الحفظ فلا يكتفى بشاهد واحد على كل من الأمرين "[145].

        وكان السخاوي أكثر احتياطا من ابن حجر وأبي شامة فادعى أن دمج تلك الآيات في المصحف إنما كان بالشهيدين ليشهدا على ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أن يكتفي بشاهدين !

قال السيوطي في الإتقان : " قال ابن حجر : وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب . وقال السخاوي في جمال القراء : المراد أنـهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله أو المراد أنـهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بـها القرآن . قال أبو شامة : وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي لا من مجرد الحفظ . قال : ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة "[146].

 

        ويرد على ما يدعونه من أن جمعة المصحف اشترطوا في إلحاق الآيات بالمصحف خصوص ما كان مكتوبا بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد شهد عليه شاهدان ، أمور :

1-   لا يصح بحسب مبانيهم الإعراض عما أخرجه البخاري من أن زيدا كان قد جمع القرآن من ثلاثة مصادر هي العسب واللخاف وصدور الرجال ، والاقتصار على مقطوعة ابن أبي داود[147]مع أنـها لا تتعارض مع رواية البخاري ، لأن رواية ابن أبي داود لم تذكر صدور الرجال ! ورواية البخاري ذكرتـها ، فلماذا  أهملت زيادة صحيح البخاري ؟!

 

       لذا حاول ابن حجر أن يحتمل لمقطع البخاري " فتتبّعت القرآن أجمعه من العُسب واللخاف وصدور الرجال " ما ينسجم مع استمزاجه فشكك في ظهور المقطع السابق في أن صدور الرجال كانت مصدرا ثالثا للجمع بعد تسليمه بمعناه فقال :

       " قوله : (وصدور الرجال) أي حيث لا أجد ذلك مكتوبا ، أو الواو بـمعنى مع ، أي أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدر " ، وكما ترى ادعى ابن حجر أن الواو في المقطع الأخير واو المعيّة وليست واو العطف ! ، وهذا ليٌّ لعنق الواو ! إذ كيف تكون واو ( العسب و اللخاف ) للعطف وتخصص واو ( اللخاف و صدور الرجال ) بالمعية ؟! هذا تحكّم ! ، والظاهر كونـها للعطف .

        قال السرخسي في أصوله في باب بيان معاني الحروف المستعملة في الفقه  :" فأولى ما يبدأ به من ذلك حروف العطف ، الأصل فيه الواو فلا خلاف أنه للعطف ، ولكن عندنا هو للعطف مطلقا ، فيكون موجبه الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر من غير أن يقتضي مقارنة أو ترتيبا وهو قول أكثر أهل اللغة "[148].

 

2-   لو كان شرط وجود المدوّن مأخوذا بعين الاعتبار في عملية الجمع لكان سكوت الروايات عنه وعدم ذكرها له من الغرائب ، مع ما فيه من زيادة تثبّتٍ وحرص شديد على حفظ كتاب الله ، ولوجدنا رواياتـهم تترى من كل حدب وصوب لا تفتأ تنقل لنا تثبّت سلفهم الصالح وحرصه وتحفظه على كتاب الله و و و الخ ، فيطيلون بنقل كيفية مجيء كل منهم بورقه عند زيد .

 

3-   إن سيرة الجامعين تخالف هذا القول كموافقة عمر بن الخطاب لدعوى أبي بن كعب أن الآية كانت بشكل آخر ، ولم يقل له أين ورقك وما كتبته في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وقد مرّت روايته .

 

       وهذا القاضي أبو بكر الباقلاني يخبر عن روايات تدعي أن طلب زيد بن ثابت للشاهدين إنما لأجل إثبات ما لا يقرؤه وما لا يحفظه ، وهذا نص كلامه في نكت الانتصار : " وقد روي في إثبات شهادة شاهدين على القرآن روايات منها أن القاسم بن محمد قال : قال أبو بكر رضي الله عنه لزيد بن ثابت : أقعد فمن أتاك من القرآن بما لا تحفظه ولا تقرأه شاهدين فاقبله ، وهذا ما يدل على ما نقلناه في توجيه طلب شاهدين "[149].

 

       وأخيرا فإن تسابق القوم لإثبات أن الجمع كان بشاهدين أو بشاهد واحد سواء مع المكتوب أو بدونه لا يجدي نفعا ! لأن أصل ادعاء تواتر نصوص القرآن كان لأجل إفادة القطع بأن كل ما في المصحف الشريف قرآنٌ لا مرية فيه ، وهنا لنسلم بأحوط فرضية عندهم وهي شهادة شاهدين على قرآنية المدون على الحجر أو على رقعة أو جلد عنـز ، فهل هذا يورث القطع واليقين بذلك ؟! حتما لا ، لأن اشتباه اثنين في تشخيص القرآن من غيره أمرٌ محتمل جدا ، خاصة وأن الصحابة كتبوا في مصاحفهم الشيء الكثير مما ليس بقرآن بدعوى أنه قرآن منـزل وسيأتي الكلام عنه ، بل يدعي علماء أهل السنة أن كثيرا من الصحابة بقوا يقرؤون منسوخ التلاوة -بزعمهم- إلى ما بعد زمن عثمان بن عفان حتى أن مصحف حفصة وعائشة بقيت فيه زيادات إلى سنوات طوال بعد موتـهما ، فوجود الصحيفة أو الحجر المكتوب عليه يقصر عن الغاية المراد تحصيلها وهي القطع واليقين بعملية الجمع .

 

       وعليه مازال إشكال كونـهم أثبتوا الآيات القرآنية بأخبار الآحاد قائما على أصوله لم ينقض ، فكيف يعتمدون هذا النحو من الجمع الذي جاءت به روايات البخاري ومع ذلك لا يلتزمون بأن آيات القرآن ثبتت آحادا ولا أقل آيات خزيمة بن ثابت ؟![150]

 

 

رواية صحيح البخاري من تآليف الزنادقة عند ابن حزم !

 

       ولا مخرج لهم إلا أن يسلكوا مسلك إمامهم ابن حزم الأندلسي المؤيد لمسلك الشيعة حيث رفض هذه الروايات التي تلزمهم عدم الوثوق بالقرآن ، قال ابن حزم :" وذكروا حديثا عن زيد بن ثابت أنه قال : ( افتقدت آية من سورة براءة هي {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(التوبة/128). فلم أجدها إلا عند رجل واحد . وذكروا في ذلك تكاذيب وخرافات أنـهم كانوا لا يثبتون الآية إلا حتى يشهد عليها رجلان ! وهذا كله كذب بحت من توليد الزنادقة "[151].

       ولا نقول إن قصة جمع زيد لمصحف ما في زمن أبي بكر غير صحيحة وإنما لا يصح القول أن مصحف المسلمين نشأ من خصوص هذا الجمع لأن المصحف جمع أول مرة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيأتي الكلام بإذنه تعالى .

 

 

2-              كيف يوثق بجمع سقط منه قرآن مدة ثلاث عشرة سنة  !

 

       قد مرّ من بين الاعتراضات على الجمع الأول سقوط آيات منه ، وفي هذا الجمع تمكن زيد من العثور عليها فألحقها في المصحف وهذا نص البخاري :

" نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آيةً من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقرأ بـها فلم أجدها إلاّ مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم شهادته شهادة رجلين وهو قوله {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}(الأحزاب/23) "[152].

       وعليه مَن يضمن لنا عدم خفاء آيات أخرى على زيد لم يقف عليها ؟ ففقدان آية طويلة نسبيا لمدة تربو على الثلاث عشرة سنة ليس بالأمر الهيّن ، ولا أدري كيف تلقى رواية البخاري القبول مع ما تنسبه من جهل لأبي بكر وعمر ولزيد مع بقاء هذه الصحف المجموعة عند أبي بكر وعمر مدة تأمرهما على الناس ؟! فإما أنـهما لم يقرآ ما جمعاه ! أو قرآه ولكنهما جهلا موضع النقص !

    وليتهم تخلوا عما خطه البخاري ولو في هذا المقطع بالذات صيانة لماء وجه جمعهم المزعوم ، وقد أنصف القاضي الباقلاني حيث آثر ما ذكرناه فذهب إلى كذب هذه الرواية أو على الأقل اضطراب متنها حينما أُشكل عليه بـهذا الإشكال :

       " هذا على أنه روي أن زيدا إنما قال حين أمره عثمان أن يكتب المصحف ، فدل على أن تلك الآي لم تكن في مصحف أبي بكر ولا في مصحف عمر بن الخطاب الذي هو أصل لمصحف عثمان ، وهذه الرواية ليست من روايات الشيعة وإنـما هي من رواية أصحاب الحديث وموالي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، يقال لـهم : ليس في هذا حجة لأنّـا قد أبـنّا فيما سلف نقل القرآن وحفظه ، و هذه رواية واحد ، وكثير من الناس يذهبون إلى أنـها -رواية البخاري- موضوعة ، وآخرون يقولون هي مضطربة اضطراب لا يجب معه العمل بـها ، ومما هو عندنا بعد أن يصح فيها القولان ، فأما اضطرابـها فلأن رواية جاءت بأن ذلك كان في أيام أبي بكر ، و أخرى بأنه كان في أيام عثمان ، والحديث إذا اختلف يجب ردّه فكيف إلى هذا الزمان الطويل ؟وكذلك منهم من روي فيه إسقاط الآيات الثلاثة ومنهم من لم يروه ، ولأن ألفاظه اختلفت اختلافاً شديداً يطول الكتاب بنقضها،والحديث إذا اختلفت ألفاظه الاختلاف البين وجب ردّه والقضاء بقلة ضبط ناقليه ، وأقل أحواله أننا لا ندري كيف قيل ، وأيضا فمن المحال أن يكون نسيان تلك الآية  على سائر الصحابة و لا يوجد حفظها إلا عند اثنين منهم ، والروايات تواترت عن أبي بن كعب أنه قال :  إن آخر عهد القرآن بالسماء هاتان الآيتان وتلا {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ}(التوبة/128) ، ولا خلاف في ذلك ولا اضطراب ، وهذا معارض لما رُوي عن زيد "[153].

 

 

S إمامهم الآلوسي يهون أمر ضياع الآيات !

       ولعل بعضهم أحس بضيق الخناق بقبول رواية البخاري فحاول تقليل خطرها على القرآن ، فاسمع ما قاله مفسرهم الشهير الآلوسي في روح المعاني تعليقا على رواية البخاري :

       " فإنه بظاهرها يستدعي أن في المصاحف العثمانية زيادة لم تكن في هاتيك الصحف ، والأمر في ذلك هيّن إذ مثل هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بـها ولعلها تشبه مسألة التضاريس ، ولو كان هناك غيرها لذكر وليس فليس ، ولا تقدح أيضا في الجمع السابق إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة ، وكثيراً ما تعتري السارحين[154] في رياض قدس كلام رب العالمين فيذكرهم سبحانه بما غفلوا فيتداركون ما أغفلوا . و زيد هذا كان في الجامعين ولعله الفرد المعوّل عليه في البين لكن عراه في أولهما ما عراه ، وفي ثانيهما ذكّره من تكفل بحفظ الذكر فتدارك ما نساه "[155].

     هكذا وبكل بساطة يعتبر إمامهم الآلوسي سقوط آيات من القرآن أمرا هيّنا بقوله :" والأمر في ذلك هيّن إذ مثل هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بـها ولعلها تشبه مسألة التضاريس" ، وتجاهل مفسّرهم الشهير أن أي نقص أو زيادة في القرآن يترتب عليه أمور عظيمة من تبدل أحكام وحدود ومعارف إلهية وغيرها ، إذ الحكم الشرعي قد يختلف وينقلب رأسا على عقب بوضع حرفٍ مكان حرف أو بتغير علامة الإعراب .

       وأمثلة ذلك ليست نادرة ، وهذا الاختلاف بوجوب غسل الرجلين في الوضوء قائم على قدم وساق بين من يقول بالغسل لفتح اللام في { وَأَرْجُلَكُمْ } عطفا على الوجه واليدين ، ووجوب المسح للقول بكسرها عطفا على الرأس الممسوح في قوله تعالى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}(المائدة/6) فقد قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بالنصب وقرأ الباقون بالخفض[156].

       واختلف القراء السبعة في قراءة {أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ}(النساء/43)، فقرأ الكسائي وحمزة ( أو لمستم ) والباقون على ما هو في المصحف الآن فأدى ذلك إلى اختلاف الحكم في أن الوضوء ينتقض بمجرد لمس النساء أو بالجماع .

       وكذلك اختلافهم في قراءة {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}(البقرة/222) فبعضهم قرأ بالتشديد وهما الكسائي وحمزة والباقي بالتخفيف ، فأثر هذا على جواز وطء التي طهرت من حيض قبل الاغتسال أو بعده .

       ثم لو سلّمنا بأن الأمر هيّن باعتبار أن الآيات قد رجعت في الجمع الثاني فليس هذا محل الكلام ! بل مقصدنا هو حصول الوثوق بكمال المصحف وتمامه بتلك الطريقة من الجمع بعد أن ثبت حصول النقص في كتاب الله عز وجل من باب الغفلة ! وقد صرح بذلك الآلوسي في قوله " إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة " .

       أما قوله إن الله قد تكفل بحفظ كتابه فهذا صحيح عندي وعند من جزم بصيانة القرآن من التحريف ، ولكن قد مرّ أن بعض المسلمين لا يرى أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتابه كبعض علماء الشيعة الإمامية وبعض من أكابر الصحابة كعمر وابنه وابنته وابن مسعود وابن عباس وعائشة وبعض أساطين علماء أهل السنة وسيأتي الكلام عنهم ، ولهذا فالاستدلال بأن الله قد تكفل بحفظه هو أول الكلام عند هؤلاء ، ونحن لا نريد أن نقنع هؤلاء الثلة فقط بصيانة القرآن ، بل نريد إقناع العالم كله وكل الديانات والملاحدة بأن كتابنا تام كامل .

 

 

3-        عملية الجمع وشخص زيد مطعون فيهما !

 

       موقف الصحابي عبد الله بن مسعود من عملية جمع القرآن في زمن عثمان وإنكاره لها ولحرق المصاحف معروف ومشهور ، فقد أمر أهل الكوفة ألا يسلموا مصاحفهم لجلاوزة عثمان وأن يغلوا المصاحف ، وقد طعن بشخص الصحابي زيد بن ثابت بأنه شاب حدث لا يعتمد عليه في هذا العمل الخطير .

       واستنكار ابن مسعود لعمل عثمان لا يمكن الإغماض عنه والاستهانة به ، فرواباتـهم المتتابعة في مدحه والتي تنص على مرجعيته في ما يختص بالقرآن من أصح الروايات ، فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " وقال : استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل "[157].

        وكذا رووا :" من أراد أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " ، وهكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " رضيت لأمتي ما رضى لها ابن أم عبد ، وكرهت لأمتي ما كره لها ابن أم عبد "[158].

       وكذا جاء في صحيح الجامع الصغير للألباني : " اهتدوا بـهدي عمار ، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه "[159].

       وبحسب رواياتـهم هذه يجب علينا قبول كل ما حدثنا به ابن مسعود لا سيما في أمر القرآن الذي تفرد به ، فهل قبل ابن مسعود بما فعله عثمان بالقرآن أم لا ؟ وما موقف ابن مسعود من زيدٍ هذا  ؟

 

S  الروايات :

       أخرج الحاكم في المستدرك :" قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد قرأت من فيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة وزيد بن ثابت يلعب مع الصبيان "[160] ، قال الحاكم : " ولهذه الزيادة شاهد :حدثني إسماعيل بن سالم بن أبي سعيد الأسدي قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت ".

 

       وقال ابن أبي شبة في تاريخ الـمـدينـة : " حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك عن ابن إسحاق عن أبي الأسود- أو غيره -قال : قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال : مالي ولزيد ، ولقراءة زيد ؟! لقد أخذت من فيّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة و إن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان "[161].

 

       وقال الباقلاني في نكت الانتصار لنقل القرآن :" قال ابن شهاب فأخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عيينة عن عبد الله بن مسعود أنه قال :- يا معشر المسلمين أُعزل عن كتابة المصحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت . وقال : يا أهل العراق ، ويا أهل الكوفة أكتبوا المصاحف التي عندكم وغلّوها ، فإن الله تعالى يقول {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(آل عمران/161) ، فالقوا الله بالمصاحف "[162].

      

       وقد اعترف ابن حجر العسقلاني باستنكار ابن مسعود : " وقد شق على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه قال ابن شهاب : فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال : يا معشر المسلمين أُعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل  والله لقد أسلمت وإنه في لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت .

            وأخرج ابن داود من طريق خمير بن مالك : سمعت ابن مسعود يقول لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة و إن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان "[163].

 

       وذكر ابن أبي داود فصلا في كتابه المصاحف بعنوان ( كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ) أي ما فعله عثمان من الجمع على قراءة واحدة وحرق بقية المصاحف ، وذكر عشرين رواية وبعضها بثلاثة طرق ، منها :

       " عن أبي الشعثاء المحاربي ، قال : قال حذيفة : يقول أهل الكوفة قراءة عبد الله ، ويقول أهل البصرة قراءة أبي موسى ، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لأمرته أن يغرقها ، قال : فقال عبد الله : أما والله لئن فعلت ليغرقنك الله في غير ماء . قال شاذان : في سقرها "[164].

 

           وأخرج أيضا " عن عبد الله قال : لما أمر بالمصاحف تغيّـر[165] ، ساء ذلك عبد الله بن مسعود ، قال : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغلل فإنه من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة . ثم قال عبد الله : لقد قرأت القرآن من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة و زيد بن ثابت صبي ، أ فأترك ما أخذت من فيّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟! "[166].

       ويتضح مما ذكرناه شهرة إنكار ابن مسعود لجمع عثمان واحراقه المصاحف ، والروايات صريحة في القدح في شخص زيد وأنه ليس بكفء لمثل هذا العمل .

 

        وقد استدل ابن الأثير على حداثة سن زيد من طعن ابن مسعود فيه :" وقد صح عن ابن مسعود أنه قال لما كتب زيد المصحف : لقد أسلمت و إنه في صلب رجل كافر . وهذا أيضا يدل على حداثة سنه عند وفاة النبي صلى الله عليه و سلم "[167].

       ولم يتحمل بعضهم ما نسبه ابن مسعود لزيد فقال أبو بكر الأنباري : " وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك ، فشيء نتجه الغضب ولا يعمل به ولا يؤاخذ به ، ولا يشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم ، فالشايع الذائع المتسالم عند أهل الرواية والنقل : أن عبد الله بن مسعود تعلّم بقيّة القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . وقد قال بعض الأئمة : مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن "[168] ، هذا قول إمام ؟! ولا عجب ممن يقع في مثل هذه المآزق أن يتشبث بأي قشة ! لك الله يا ابن أم عبد !

 

 

S زيد بن ثابت في الميزان

 

       والإنصاف إن اعتراض ابن مسعود له وجه مقبول لأن أوصاف زيد بن ثابت ليست بتلك التي  تـهيئه لتحمل هذا العمل الخطير ، وهذه روايات أهل السنة تعطينا صورة كالحة عنه حيث تنص على قلة تثبت زيد في أحكام الله عز وجل ، وعدم مبالاته بـها ، فينتابه الضحك عندما يعلم بافترائه على الله عز وجل ، وكان يخالف أمر الله في أحكام الميراث ويجتهد فيها برأيه !

       فقد أخرج الدارمي : " عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه أفتى في ابنة أو أخت ، فأعطاها النصف وجعل ما بقي في بيت المال "[169].

       وقال الترمذي " واختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فورث بعضهم الخال والخالة والعمة ، وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام ، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال "[170].

       والنص الآتي اعتراف من زيد بتقوله على الله عز وجل واتـهام من يكتب عنه تقوله بالغدر ! ، فعن الطبقات الكبرى : " عن الشعبي : أن مروان دعا زيد بن ثابت ، وأجلس له قوما خلف ستر ، فأخذ يسأله و هم يكتبون ففطن زيد ، فقال : يا مـروان ! أ غـدراً إنـما أقول برأيي ! "[171].

      

       ورواياتـهم صريحة في أنه كان يفتي بلا تثبت : "حدثنا أيوب عن عكرمة : أن ناسا من أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة حاضت بعدما أفاضت. فقال : تـنفـر .  فقالوا : ما نبالي أفتيتنا أم لا وزيد بن ثابت يقول : لا تـنفـر . فقال ابن عباس : إني لأقول ما أعلم ولا  أبالي أخذتم به أو لم تأخذوا به ، ولكن إذا قدمتم المدينة فسلوا أم سليم وغيرها . فأخبرتـهم أن عائشة قالت لصفية : أفي الخيبة أنت ، إنك لحابستنا ! فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما ذلك ! فقالت عائشة : صفية حاضت . قال : قيل إنـها قد أفاضت. قال : فلا إذن . قال : فرجعوا إلى ابن عباس فقالوا : وجدنا الحديث على ما حدثتنا "[172].

       وكذا : " عن عكرمة قال سأل أهل المدينة بن عباس عن امرأة طافت بالبيت يوم النحر ثم حاضت فقال: تنفر . فقالوا :لا نأخذ بقولك وهذا زيد بن ثابت يخالفك . قال : إذا أتيتم المدينة فسلوا . فلما قدموا المدينة سألوا فأخبروهم بصفية وكان فيمن سألوا أم سليم فأخبرتـهم بصفية "[173] .

 

       بل كان يعترض على ابن عباس في قوله السابق وعندما يعلم زيد بخطئه ينتابه الضحك ! : " عن طاوس قال :كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت : أنت تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ؟ قال : نعم . قال : فلا تفت بذلك . فقال ابن عباس : أما لي، فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟  قال : فرجع إليه زيد بن ثابت يضحك ويقول : ما أراك إلا قد صدقت ! "[174].

 

       وفي رواياتـهم أيضا أن ابن الخطاب عندما بلغته فتوى عن زيد في مسألة ، قال له عمر : " يا عدو نفسه ! أنت تضل الناس بغير علم ! "[175].

 

       وكان زيد لا يساوي بين المتخاصمين في المعاملة فيكيل بالمكيالين ويتودد للأمراء دون الناس حال التنازع ، والأدهى طلبه من خصم الخليفة إعفاء الخليفة من اليمين !! وهذه كلها خصال نافية للعدالة :

       " حدثنا الشعبي قال : كان بين عمر بن الخطاب وبين أبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما تداري في شيء ، وادعى أبي على عمر رضي الله تعالى عنهما ، فأنكر ذلك فجعلا بينهما زيد بن ثابت ، فأتياه في منـزله فلما دخلا عليه قال له عمر رضي الله تعالى عنه : أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم . فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال : ههنا يا أمير المؤمنين . فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : لقد جُرت في الفتيا ، ولكن أجلس مع خصمي . فجلسا بين يديه فادعى أبي وأنكر عمر رضي الله تعالى عنهما فقال زيد لأبي : أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره . فحلف عمر رضي الله تعالى عنه ثم أقسم لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل عمن عرض المسلمين عنده سواء "[176].

       " أنبأ شعبة عن سيار قال سمعت الشعبي قال : كان بين عمر وأبي رضي الله تعالى عنهما خصومة فقال عمر : اجعل بيني وبينك رجلا قال : فجعلا بينهما زيد بن ثابت قال : فأتوه قال فقال عمر رضي الله تعالى عنه : أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم. قال : فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه . قال: فقال : هذا أول جور جرت في حكمك ، أجلسني وخصمي مجلسا قال فقصا عليه القصة . قال: فقال زيد لأبي : اليمين على أمير المؤمنين ، فإن شئت أعفيته. قال: فأقسم عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك ، ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة "[177] .

       وقد زاد في الطنبور نغمة عندما اتضح أنه لا يهتم بشرائط القضاء حال كونه مخاصما ولا يمتثل لما يؤمره القاضي به ! : " عن داود بن الحصين أنه سمع أبا غطفان بن طريق المزيد قال: اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع إلى مروان بن الحكم في دار ، فقضى باليمين على زيد بن ثابت على المنبر فقال زيد : احلف له مكاني . قال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق . فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ، ويأبى أن يحلف على المنبر ، فجعل مروان يعجب من ذلك "[178].

 

       وهذا نوع آخر من أحكام زيد بن ثابت : " عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت كانت له جارية فارسية وكان يعزل عنها فجاءت بولد ، فأعتق الولد وجلدها الحد (!) ، وقال : إنما كنت استطبت نفسك ، ولا أريدك . وفي رواية قال : ممن حمّلت ؟ قالت : منك ! ، فقال : كذبت ، وما وصل إليك مني ما يكون منه الحمل وما أطؤك إلا أني استطبت نفسك "[179].

 

       فمثل زيد بن ثابت هذا لا يكاد يصلح لهذه المهمة الخطرة المصيرية ، فها هو يجعل رأيه واستحسانه طريقا لمصادرة ميراث الورثة الشرعيين ويضعه في بيت المال ! ، ويجيب مروان على مسائله برأيه ، ويفتي بغير علم وبعد أن يتضح له الأمر يضحك ويهش ويبش بدلا من الندم ، ويحيف في حكمه ويتودد للأمراء حال التقاضي ، ولا يلتزم بشرائط القضاء ، فمثل هذا الشخص لا يمكن أن يُطمأن لـجمعه ، فكيف وهو حدث السن !

 

       والأخطر من ذلك كله أنه عبد مطيع لما يمليه الحاكم ، يداهن ويجامل على حساب حفظ القرآن من التحريف ! ، فقد أخرج أبو عبيد وسعيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري : " أن عمر بن الخطاب قرأ {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}(التوبة/100), فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في {الَّذِينَ} فقال له زيد بن ثابت : {والَّذِينَ} فقال عمر : {الَّذِينَ} فقال زيد : أمير المؤمنين أعـلـم . فقال عمر رضي الله عنه : ائتوني بأبي بن كعب فاتاه فسأله عن ذلك ، فقال أبي : {والَّذِينَ} فقال عمر رضي الله عنه : فنعم إذن فتابع أبيا "[180].

       فلو كان عمر يرى مصداقية ووثاقة لكلام زيد لما انصرف عنه إلى أبي بن كعب وطلب رأيه ، وبعد هذا كله كيف يوثق بجمع زيدٍ هذا وكيف يضرب باعتراض ابن مسعود على شخص زيد عرض الجدار ؟!

 

 

4-        التهاون في توقيفية السور والآيات !!

 

       وهنا أمر عجيب ! تحكي رواياتـهم حال جامعي القرآن وما كانوا عليه من التهاون في إثبات نصوصه ، فكانوا يثبتون ما أرادوا من الآيات لما أرادوا من السور ! وعلى استعداد لاختراع سور جديدة وجعلها من القرآن بتقطيع بعض الآيات منه ، وهو أمرٌ جائز في نظرهم ولم يكن بذاك العزيز بل كان على وشك التنجيز حال جمعهم للقرآن !

 

g التهاون في توقيفية السور :

أخرج الحاكم وأبو داود والنسائي وابن حِبّان وأحمد والترمذي : " عن ابن عباس ، قال : قلت لعثمان بن عفّان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المِـئـين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر{بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ}ووضعتموها في السبع الطُّـواَل ، ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان :  كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنـزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول :  ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا . وإذا نزلت عليه الآية فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا . وكانت الأنفال من أوائل ما نزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها فظننت أنـها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ولم يُبـيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} فوضعتها في السّبع الطّوال "[181].

          قال العسقلاني تعليقا على الرواية السابقة : " ولما لم يفصح النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادا منه رضي الله تعالى عنه ، ونقل صاحب الإقناع أن البسملة لبراءة ثابتة في مصحف ابن مسعود "[182].

       وهذه الرواية تدل على أن خليفة المسلمين والصحابة ليسوا على علم بحال سورة التوبة ، هل هي سورة لوحدها أم تكملة لسورة الأنفال ! ، والأدهى أن ابن عفان لا ينسب هذا لجهله ولجهل من حوله وإنما يدّعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهمل أمر هذا القرآن فلم بين لـهم هل هي سورة بحد ذاتـها أم لا ؟!

 

و ليس في هذا القسم مشكلة سوى :

1-              جهل جامعي المصحف بسور القرآن .

2-              إن عثمان يجعل اجتهاده سبيلا لتقسيم سور القرآن بحذف البسملة ، لا أن أصل السورة لا بسملة فيها !

3-              إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهمل أمر القرآن حتى لم يستطع كبار الصحابة وكتّاب الوحي التمييز بين السور ! 

                   حتى قال القرطبي في تفسيره : " وقول رابع قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة . وقال بعضهم : هما سورتان . فتركت بينهما فرجة لقول من قال أنـهما سورتان ، وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة ، فرضي الفريقان معا وثبتت حجتاهما في المصحف "[183].

 

g التهاون في توقيفية الآيات

 

الجمع زمن عمر :

          وأخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل و ابن أبي داود عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير قال : " أتى الحرث بن خزيمة بـهاتين الآيتين من آخر براءة {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ }(التوبة/128) إلى عمر بن الخطاب فقال : من معك على هذا ؟ قال : لا أدري والله ، وإنيّ أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ووعيتها وحفظتها . فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدةٍ فانظروا سورةً من القرآن فضعوها فيها فوضعتها في آخر براءة "[184].

 

       وهذه الرواية واضحة في أن المتصدّي لجمع القرآن كان على درجة كبيرة من الجرأة وحرية التصرف في توزيع آيات القرآن ! وكأنه يرى أن تقسيم آي القرآن خاضع لاجتهاد ورأي الخليفة فقوله " لو كانت ثلاث آيات لجعلها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فألحقوها في آخرها "  واضحٌ فيه ، ويستفاد منها أن هاتين الآيتين ليستا في محلهما الصحيح من القرآن بل أقحمتا في مكان وقع اختيارهم عليه ، وهو آخر براءة .

 

S الجمع زمن عثمان :

 

ومما أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف : " فقام عثمان فقال : من كان عنده من كتاب الله شيئا فليأتنا به .وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما . قالوا : ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}(التوبة/128) إلى آخر السورة ، فقال عثمان : وأنا أشهد أنـهما من عند الله ، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : اختتم بـهما آخر ما نزل من القرآن ، فختمت بـهما براءة  "[185].

       وهذه تنص على أن دمج الآيات المتفرّقة في السور لم يكن توقيفيّـاً ، فقول ابن عفان : ( فأين ترى أن نـجعلهما ؟ ) واضح في عدم معرفته بمكان الآيتين من القرآن وكذا حال المجيب بقرينة جوابه الذي لم يحدد فيه اسم السورة وإنما قال : ( آخر ما نزل من القرآن ! ). أي سواء كانت براءة أم غيرها ! ، ويقرّبه نقل العسقلاني للرواية بـهذا الشكل :

       "وقد وقع عند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني رأيت تركتم آيتين فلم تكتبوهما ! قالوا : وما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر السورة فقال عثمان : وأنا أشهد فكيف ترى أن تجعلهما قال اختم بـهما آخر ما نزل من القرآن "[186] ، أي بدون تحديد اسم السورة المختومة بالآيتين ! والعجيب أنـهم يرون أن آخر ما نزل من السور هي سورة التوبة مع أنـها سورة المائدة !!

 

S زيد بن ثابت ينسب العبقرية لنفسه !

       وكما ينطبق الأمر على ابن الخطاب وابن عفان كذلك ينطبق على ابن ثابت ، فقد رووا أنه قال نفس تلك الكلمة ( ولو تمّت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة ).

عن الطبري  قال زيد :" ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ }(التوبة/128) إلى آخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضا فأثبتها في آخر براءة ، ولو تمّت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة "[187].

       وهو ما فهمه إمامهم الباقلاني حيث قال : " لأن زيد قال : اعترضت المهاجرين والأنصار فلم أجدها ، وهو لا يقول ذلك إلا بعد أن يبالغ في الطلب ، فكره أن يجعلهما سورة على حالـها لـما لم يـجد في القرآن سورة أقل من ثلاث آياتٍ ، فرأى إلـحاقها ببـراءة أولى "[188]. 

       وهذا حال زيد وعدم تحرّجه عن إعمال استحساناته ورأيه في تقسيم آيات القرآن ، بل لو زاد ما وجده عن آيتين لكانت الآيات سورة مستقلّة ! ، ونخلص إلى أن عدم علمهم بمكان تلك الآيات كان سببا لوضعهما في آخر براءة !

 

S النتيجة :

       مع كل هذا وتصريح علمائهم به ، ما الذي يضمن لنا أن بعض السور القصار لم تدخل في غيرها من سور القرآن ؟ أو أن بعض الطوال لم تتفرّق في غيرها من السور إذا كان الجامع يقسّم الآيات على حسب مزاجه ؟ بل ما الذي يمنع من حصول التـهاون في جمع القرآن إذا كانت روح التهاون موجودة في نفوس من تصدوا لجمعه وقد أثرت في جعل آيتين في سورة براءة للمزاج والرأي ؟!

 

5-                      في المصحف المجموع لحنٌ !!

 

قال الراغب الأصفهاني : " لحن : اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه إما بإزالة الإعراب أو التصحيف " ، وقال الطريحي في الصحاح : "  اللحن : الـخطأ في الإعراب "[189] .

        

       من المؤسف أن الخطأ واللحن ادعي في الجمع الثاني للقرآن أي الجمع الذي استمر عليه القرآن إلى يومنا الحالي ولو ادعي هذا اللحن في جمع أبي بكر لهان الأمر ، والأدهى أن عثمان وهو من أمر بالجمع يدعي أن هنالك أخطاء وقعت في رسم المصحف المجموع وأن الأيام كفيلة بتصحيحه ، بدل أن يقوم بالدفاع عن جمعه ! وقد ذكر ابن أبي داود في كتابه المصاحف فصلا كاملا عن اللحن في القرآن .

S    " عن عكرمة قال : لما أُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن فقال : لو كان المملي من هذيل و الكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا "[190] .

S     "  عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال : لما فرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنـتها " أخرجه أبو داود بطريقين .

       وسيأتي الكلام عنه مفصلا في مبحث آخر ، مع ذكر لبقية الروايات ولبقية أفراد فرقة التلحين !

 

 

6-         إحراق عثمان للمصاحف أضاع ستة أمثال القرآن  

 

       ذكرنا سابقا ما تبناه علماؤهم سلفا وخلفا من أن الأحرف السبعة تعني نزول القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ، فتستطيع قراءته بأشكال متعددة وكلها نزلت من السماء تبعا لرواياتـهم الصحيحة الصريحة فيه ، فحذفت تلك الأحرف والأوجه السبعة من المصحف بأمر من عثمان وأحرقها عيانا ، وقد مرت بعض كلمات علمائهم في ذلك .

       وشذ بعض علمائهم فصاروا إلى التأويل ، وتأويلهم هذا خروج عما أملته الأدلة الصريحة كما بيناه فيما سبق ، وسبب هذا التأويل أو قل الهروب هو ما تضمنته تلك الروايات من دعوة لتحريف القرآن هذا من جهة ، ومن جهة أخرى عدم إمكانية تبني مسلك الشيعة الطارح لتلك الروايات رأسا ، لذا قالوا آمنا به كل من عند ربنا ، فما كان لهم من منفذ بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت سوى التأويل ، فقالوا إن الأحرف السبعة كلها موجودة في القرآن ومصحفنا مشتمل عليها ولم يحذف منه شيء ، وقد مر الكلام عن هذا كله فلا نعيد .

 

 

S التحريف ثابتٌ على كلتا النظرتين بلا فرق

 

Z  في رأي جمهور السلف :

         لا أرى أحدا له مسكة من عقل يدعي أن ما فعله ابن عفان ليس حذفا وتحريفا لقرآن منـزل ، كيف لا ؟! وقد أحرق الأحرف الستة الباقية التي نزل عليـها القرآن والتي دونت من قبل في مصحف أبي بكر ، ففقدت بتحريق عثمان ستة أضعاف ما هو موجود اليوم في مصحفنا !

       وقد يعتذر لعثمان بأنه أحرق ما قد أذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقراءته من باب التوسعة والرخصة ، وها قد انقلبت الرخصة إلى نقمة فيكفي بقاء حرف واحد منها نرفع فيه النقمة .

 

       وهذا غير مقبول لأسباب :

1-   الكلام فيه مغالطة لأن جواز الترك شيءٌ وجواز الحذف والإعدام شيءٌ آخر ، والكل يعلم أن المرخص بتركه لا يعني المرخص بحذفه وإلغائه من الدين ، فكتاب الله شأنه بيده عز وجل والتغيير فيه راجع له وحده ، ولا يصح تحريف كتاب الله اعتمادا على الظنون !

       ولو أمكن حذف الشيء لأنه من باب التخيير لقمنا بحذف الكفارات المخيرة كما في كفارة إفطار العمد في شهر رمضان ، واقتصرنا على واحدة بدعوى أن الجميع رخصة ولا ملزم لأحد منها ، مع أن من يفعل هذا يرمى بتحريف أحكام الله عز وجل .

 

2-   صريح القرآن لا يـجوّز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغيير شيء من شؤون التشريع من نفسه مستقلا عن الله عز وجل ، ولا أن يبدل حرفا واحدا من القرآن ، فكيف يصح هذا لغيره فيحذف ستة أمثال القرآن ؟!

       قال تعالى {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}(يونس/15) ، وقال تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}(الحاقة/44-47) ، وقوله تعالى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ }(الأنعام/50) ، فهذه الآيات المباركة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس له الحق بتغير أي كلمة أو حرف من كتاب الله عز وجل ، بل لا يصح له أن يسبق الوحي بسرد ما وقف على علمه مسبقا صلى الله عليه وآله وسلم ويدل عليه قوله تعال {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه/114) ، فإن كان الاستعجال في تبليغ ما علمه الله عز وجل له صلى الله عليه وآله وسلم أمرا غير مقبول ، فكيف يقوم أحد الناس من بعده صلى الله عليه وآله وسلم يحذف أضعاف القرآن منه من غير إذن من الله عز وجل ويقال هذا مراد الله عز وجل ؟! من أين لهم إثبات هذا ؟!

3-   قولهم إن الأحرف السبعة أصبحت نقمة ، يناقض ما نصت عليه رواياتـهم من أن هذه الوجوه المتعددة أنزلها الله رحمة لا نقمة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(النور/19) ، فمن الذي نعتمد تشخيصه فلان وفلان من الصحابة أم الله عز وجل ؟! فلعل الله عز وجل جعل الأحرف المحذوفة حتى تبينّ لنا منها كثيرا من مبهمات القرآن ومعضلاته وتشرح معانيه شرحا لا يختلف فيه أحد .

4-   سلمنا ، ولكن من قال أن إحراق وتخريق الأحرف السبعة هو الحل الذي يريده الله عز وجل ؟! فلماذا لا يمنع من قراءتـها مع الاحتفاظ بنصها في مكان آخر غير المصحف ؟

5-       سلمنا ، ولكن بأي دليل اقتصر على هذا الحرف بالذات من الألفاظ المتفقة في المعنى ؟!

 

       لذا أجهد أهل السنة أنفسهم لإيجاد ما يمكنهم إقناع الناس به بأن ما حذفه عثمان وأنقصه كان رضا لله عز وجل ، فكان نتيجة جهدهم هو أن التحريق والتخريق لستة أمثال القرآن كان بمرأى ومسمع من كل الصحابة وما غيروا عليه ورضا الصحابة رضا لرب الصحابة . وهذا الكلام غير مقبول البتة ، لأمور :

 

1-    من قال أن رضا الصحابة رضا لرب الصحابة ؟! فإن قيل بمقتضى حديث لا تجتمع أمتي على ضلالة ، فيقال أن الأمة في زمن عثمان ليست هي الصحابة فقط بل الأمة من غيرهم أكثر ، فمن الذي أحرز رضاهم ؟!

 

2-   سلمنا ، ولكن من يضمن لنا أن كل الصحابة رضي بفعل عثمان حتى يثبت الإجماع ؟! فإن عدم الإنكار جهرا لا يدل على الموافقة ، فكم من مرة غيّر الأمراء أحكام الله عز وجل فلا تجد أحدا ينكر عليهم .

 

3-   سلمنا ، ولكن الإجماع لم يتحقق بمخالفة عبد الله بن مسعود ومن معه من أهل الكوفة حيث عارضوا تحريق عثمان للمصاحف وإلغائه أضعاف القرآن ، فقد كان يأمرهم ابن مسعود ليغلّوا المصاحف ولا يعطوها لجلاوزة عثمان فيحرقها ، وليلقوا الله بـها يوم القيامة ، ناهيك عن أن رواياتـهم تنص أن ابن مسعود هو مرجع الصحابة في القرآن بتعيين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 

4-   سلمنا ، لكن من قال إن إجماع الصحابة يصحح حذف قرآن أنزله الله عز وجل ؟! وإلا فما معنى أمره صلى الله عليه وآله سلم لهم بالتمسك بكتاب الله عز وجل ؟! فكان الأجدر أمره للقرآن بأن يتمسك بالصحابة !!!

 

5-   إن كان إجماع الصحابة كاشف عن حكم الله في كتابه ، فما بال الصحابة والتابعين خالفوا حكم الله عز وجل فعادوا بعد احراق المصاحف وإلغاء الأحرف الستة فقرؤوا بالشواذ وكتبوها في مصاحفهم ؟! كان هذا فعل عائشة وحفصة حتى بقي مصحف الأخيرة فيه زيادات شاذة إلى زمن متأخر وكذا فعل ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم ، كما سيأتي بإذنه تعالى .

 

       وهكذا يتضح أن ما ذكروه من التخريج مناقش مبنى وبناءً ولا يمكن التعويل عليه لإثبات جواز إحراق القرآن وإلغاء أضعافه ، وبنظرتـهم تلك نعلم أن عثمان بن عفان كان أكبر محرف للقرآن في تاريخ البشرية .

 

Z في نظرة الـمؤوليـن  :

       المعنى الآخر غير المشهور- يفيد أن الأحرف السبعة موجودة بين طيات مصحفنا اليوم ، وهذا المعنى يخرج عثمان بن عفان عن دائرة التحريف ، ولكن من جهة أخرى يثبت التحريف لكثير من أكابر الصحابة ، فقد نصت رواياتـهم الصحيحة على أن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وعمر بن الخطاب وأبا موسى الأشعري وعائشة وحفصة وابن الزبير وأم سلمة وغيرهم كانت لهم مصاحف تختلف نصا عما هو موجود في مصحفنا اليوم ، وكانوا يقرؤون بالزيادة والنقص والتبديل والتغيير على أنه قرآن منـزل من عند الله عز وجل ! كما سيأتي بإذنه تعالى ، لذا قال السيد ابن طاووس رضوان الله عليه في رده على أبي علي الجبائي  :

       " كلّما ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أن القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجه إلى سيّدك عثمان لأن المسلمين أطبقوا على أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرّف وأحرق ما عداه من المصاحف ، فلولا اعتراف عثمان بأنه وقع تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف يحرق وكانت تكون متساوية "[191].

 

       وحتى أصحاب هذا الرأي المؤول لم يسلموا من الخدش فيه من قبل الجمهور ! ، قال في كتاب دراسات حول القرآن : "وإذا كان عثمان قد كتب مصحفه على الأحرف السبعة فلا يكون في ذلك قضاء على الفتنة ولظل الناس على اختلافهم إلى يومنا هذا وليس كذلك "[192].

       والتضارب هذا متوقع لأن الحل الوحيد هو رفض روايات الأحرف السبعة المتضاربة المعارضة وما تمليه من جواز التلاعب بكتاب الله عز وجل ، وقد مر الكلام .

 

       وعلى أي حال فإن حرق المصاحف وإلغاء بعض نصوصها يقتضي أحد أمرين : إما كون تلك النصوص قرآنا فيكون عثمان قد أسقط الكثير من القرآن وهو ستة أضعاف ما عندنا ، وإما أن لا تكون قرآنا فيثبت التحريف لسلفهم الصالح الذي قال بقرآنية ما ليس منه .

ثانيا : الشيعة الإمامية وجمع القرآن

 

الشيعة لم يقبلوا ما ذهب له أهل السنة من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحل إلى ربه عز وجل وترك القرآن مفرقا في نتاتيفٍ من خوص النخيل وقطع من الحجارة وعظام أكتاف الإبل ، وهذا عندهم أقرب للخيال من الواقع ، وكذا الحال بالنسبة لجمعه على يد بعض الصحابة بتلك الطريقة الساذجة ، فلا واقع لتلك القصة الشيقة باعتبارها جمع القرآن الأول[193]، نعم لها واقع آخر لكثرة رواياتـهم التي يلزمنا التسليم بخطوطها العريضة وسيأتي ذكر الهدف من ذلك الجمع ، ولكن لا مجال للقول بانبثاق قرآن المسلمين شرقا وغربا من ذلك الجمع وعدم وجود كيان جمعي للقرآن ومصحف مدون قبل ذلك العمل الخطير الذي نسب إلى زيد . 

 

S الـشيعـة وأول من جمع للقرآن :

           إن أول من أمر بجمع القرآن وأتقن رصف آياته وأثبتها في مواضعها المرادة لله عز وجل هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتم السور بترتيب آياتـها بدرايته وحفظه، وأشرف عليها ممليا ومستكتبا ، آمرا الناس بكتابته والقيام بحفظه والاشتغال بنسخه ، وما أرجأ آيةً نزلت ولا كلمة إلى زمن آت لتكتب ، ولا لمقام آخر لتدون ، وما اعتمد على أمته في هذا الدور الخطير الذي يحتاج إلى تسديد مباشر من الوحي .

          وكيف يظن الشيعة به -صلى الله عليه وآله وسلم- يتركها هكذا عشواء في ظلماء يُتخبط بـها هذا وهذاك من هنا وهناك ؟! حتى يصير القرآن دُولة لأمزجتهم وميدانا لآرائهم يتمزق كل ممزق أو يضيع بموت حفظته ، وهو كتاب آخر الرسالات وانقطاع وحي السماء !

أم كيف يتركه مبعثرا بين أيديهم لتدخل سخلة فتأكل آية منه أو آيتين كما تزعم عائشة ؟! وكيف يظن الشيعة به صلى الله عليه وآله وسلم- ينام قرير العين والقرآن لم يعرف أوله من آخره بعدُ ممزق الأشلاء بين الحجارة وخوص النخل !؟  معاذ الله .

والحق أنه ما كان ينتهي صلى الله عليه وآله وسلم من تلقي الوحي إلا ويأمر الكتبة ليدونوا ما سيمليه عليهم ، ثم يأمرهم ليعيدوا عليه صلى الله عليه وآله وسلم فما زاغ أقامه وما نقص أكمله ، وهكذا كلما نزل قرآن من السماء ازداد حجم المصاحف عند الصحابة التي كانت تضاف لها الآيات المكتوبة في الرقاع وترتب في المصاحف بحسب النـزول وبما يأمر به صلى الله عليه وآله وسلم ، واستمر العمل على هذا المنوال إلى أواخر أيام حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، وحينما انقطع وحي السماء كان المصحف قد كمل تلقائيا للعمل الدؤوب والمتواصل لجمع آياته النازلة في الحال ورتيبها بعد نقلها من الرقاع إلى المصحف ، وقد كان بعضهم يفتخر بختمه القرآن وجمعه في مصحفه بإملاء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يأتي له شبه ولا تشوبه خلجة وكفى بالله شهيدا وبرسوله جامعا ورقيبا [194].

 

 

S  القول بأن أول جمع للقرآن كان في زمن أبي بكر لا يصح

 

           هناك بعض أسباب تقف دون قبول الروايات التي تدل على أن القرآن جمع أول مرة في زمن أبي بكر ، منها :

 

1       تضارب الروايات التي تحكي جمعهم الأول

 

           ذكر السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه في كتابه البيان بعض الروايات المتعرضة في حكاية ذلك الجمع وسنذكر هنا خلاصة ما توصل إليه رضوان الله تعالى عليه ومن أراد التفصيل فليراجع :

           " وقد خلص إلى تناقضها في تعيين العهد الذي جمع فيه القرآن متردداً بين عهود أبي بكر ، عمر ، عثمان[195] ، ومن هو المتصدي لذلك ؟ هل هو أبو بكر ، أو عمر ، أو زيد بن ثابت ؟ وهل بقي من الآيات ما لم يدون إلى زمن عثمان ؟ ومن الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن ؟ ومتى ألحقت بعض الآيات في القرآن ، وبماذا ثبت ذلك ، وهل يكفي ذلك لتواتر القرآن "[196].

 

2       اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بجمع القرآن

                                                                                                               بالرجوع لروايات التي تعرض جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقف على مبلغ اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم وحثه الشديد للصحابة ليتكالبوا على تدوين القرآن وترتيبه وتنسيق آياته ، فهاك نبذة منها :

S " حدثني سعيد بن سليمان أخبره عن أبيه سليمان بن زيد عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدا مثل الجمان ثم سري عنه ، فكنت أدخل عليه بقطعة القتب أو كسرة فأكتب وهو يملي علي ، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآن ، حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا فإذا فرغت ، قال : اقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ، ثم أخرج به إلى الناس "[197].

S  " عن جده زيد بن ثابت قال : كنت أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وكان يشتد نفسه ويعرق عرقا شديدا مثل الجمان ثم يسري عنه فأكتب وهو يملي علي ، فما أفرغ حتى يثقل ، فإذا فرغت قال : اقرأ فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه "[198].

S "  فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنـزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا "[199].

أقول : هذه واضحة في ترتيبه للسور والآيات وتنسيقها في أماكنها المخصوصة وبطبيعة الحال فإن الأمر بجعل آية كذا في مكان معين يعني المحافظة على مكانـها بين الرقاع وتنسيقها بأن لا يسبق المتأخر المتقدم ولا العكس وهذا هو الجمع المقصود ، لا أن يجعل بعضه في رقاع وبعض في حجارة وبعض آخر في أكتاف وبعضها في صدور الرجال مبعثرة كل واحدة منها في مكان مغاير للأخرى .

 

S " عن خارجة بن زيد أن نفرا دخلوا على أبيه زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقالوا : حدثنا عن بعض أخلاق النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقال : كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي "[200].

 

S " حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال : لما نزلت{ لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ }(النساء/95). قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ادعوا فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف فقال اكتب الخ "[201].

           وهذا فعله صلى الله عليه وآله وسلم واضح في الحرص على جمع القرآن وتدوينه وسيأتي أن الصحابة كانوا يؤلفون القرآن من الرقاع ، ولا ريب أن كتابته مبعثرا في عظام وحجارة يناقض بعض هذه الروايات وتركه بتلك الصورة ينافي هذا الاهتمام والحرص .

 

3       كانوا يعملون على جمع القرآن في عصر النبوة

 

S " عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : طوبى للشام ! فقلنا : لأي شيء ذاك ؟ فقال : لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم "[202]

        هذه الرواية صريحة في أن الصحابة كانوا يؤلفون القرآن في زمن رسول الله من الرقاع التي دون عليها القرآن بإملائه صلى الله عليه وآله وسلم ، فالرقاع كانت المحطة الأولى من التدوين أو قل كانت الرقاع مسودّة يكتب فيها ما يملى عليهم ومن ثم ينقلون ما فيها مرتبا إلى المصحف المؤلف .

        قال الحاكم النيسابوري تعليقا على هذه الرواية : " عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم نؤلف القرآن من الرقاع . وفيه الدليل الواضح أن القرآن إنما جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم "[203].

 

        وهذا الاهتمام بتدوين وتأليف القرآن من الرقاع مع كون البعض قد ختم القرآن كله في عهده صلى الله عليه وآله وسلم سينتج لنا بطبيعة الحال مصحفا مجموعا كاملا عند توقف نزول القرآن ، وهاك بعض الروايات في أن الصحابة قد ختموا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

 

S " وأخرج ابن النجار في تاريخه عن رزين بن حصين رضي الله عنه قال : قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبى طالب رضي الله عنه فلما بلغت الحواميم قال لي : قد بلغت عرائس القرآن ، فلما بلغت اثنتين وعشرين آية من {حم عسق}(الشورى/1-2). بكى ثم قال : اللهم إني أسألك إخبات المخبتين ، وإخلاص الموقنين ، ومرافقة الأبرار ، واستحقاق حقائق الإيمان ، والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ، ورجوت رحمتك والفوز بالجنة والنجاة من النار ، ثم قال : يا رزين ! إذا ختمت فادع بـهذه فإن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أمرني أن أدعو بـهن عند ختم القرآن "[204].

S "عن عباد أبي الأخضر عن خباب عن نبي الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أنه لم يأت فراشه قط إلا قرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}(الكافرون/1) حتى يـختم "[205].

S " عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال له : اقرأ القرآن في أربعين"[206].

S       " عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال : يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث ؟ قال : نعم ، قال وكان يقرؤه حتى توفي "[207].

S   "  وعن عثمان بن عمرو بن أوس عن أبيه قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في وفد ثقيف فكان يخرج إلينا فيحدثنا ، فأبطأ علينا ذات ليلة ، فقلنا يا رسول الله لقد أبطأت علينا . فقال : إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أقطعه حتى أفرغ منه ، فلما أصبحنا سألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : كيف تحزبون القرآن ؟ فقالوا : ثلاث ، وخمس ، وسبع ، وتسع ، وإحدى عشرة ، وما بين {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ }(ق/1). إلى آخر المفصل حزب "[208].

        وهذه الرواية واضحة في أن الصحابة كانوا قد جمعوا القرآن في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلا فهل لتحزيب القرآن وتقسيمه إلى مفصل وغيره معنى سوى أنه كان مرتبا ومنسق السور بضمها بعضها إلى بعض ؟!

S   "وعن قيس بن صعصعة أنه قال : يا رسول الله ، في كم أقرأ القرآن ؟ قال : في خمس عشرة . قال : إني أجدني أقوى من ذلك . قال : في جمعة . قال : إني أجدني أقوى من ذلك . قال : فمكث كذلك يقرؤه زمانا حتى كبر وكان يعصب على عينيه ثم رجع فكان يقرؤه في خمس عشرة ، فقال : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الأولى "[209].

 

S   "  عن عبد الله بن عمرو قال قلت : يا رسول الله في كم أقرأ القرآن ؟ قال : اختمه في شهر . قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : اختمه في عشرين ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : اختمه في خمسة عشر . قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : اختمه في عشر ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : اختمه في خمس . قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ! قال : فما رخص لي"[210].

 

S   " عند عبد الله بن عمرو قال : جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : إني أخشى أن يطول عليك زمان أن تمل "[211].

 

 

S   " سمعت عكرمة بن سليمان يقول : قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت الضحى قال لي : كبر عند خاتمة كل سورة حتى نختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت الضحى قال لي : كبر حتى تختم . وأخبرني عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك ، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك ، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك ، وأخبره أُبـي أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أمره بذلك "[212].

           وهذه تدل على أن الضحى كانت في أواخر سور القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هي عندنا الآن .

 

S   "عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : من صلى صلاة فريضة فله دعوة مستجابة ، ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة "[213].

S    " قرأ ابن عباس على أبي ، فلما ختم ابن عباس قال : استفتح بالحمد ، وخمس آيات من البقرة ، هكذا قال لي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم حين ختمت عليه "[214].

 

g  أقوال علماء أهل السنة في ختم القرآن في عصر النبوة  

 

           قال ابن حزم :" مسألة : ويستجب أن يختم القرآن كله مرة في كل شهر ، فان ختمه في أقل فحسن . ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام ، فان فعل ففي ثلاثة أيام لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك . ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة . برهان ذلك ما حدثناه بسنده - عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : ( اقرأ القرآن في شهر  ، قلت إني أجد قوة ، قال : فاقرأه في عشرين ليلة ، قلت اني أجد قوة ، قال فاقرأه في سبع ، لا تزد على ذلك ."  وبسنده "عن عبد الله بن عمرو بن العاصي :  أنه قال لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : في كم أقرأ . القرآن ؟ قال : في شهر ) ثم ذكر الحديث ، وفيه أنه عليه السلام قال له : ( أقرأه في سبع ، قال : إني أقوى من ذلك ، قال عليه السلام : لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث "[215].

 

           قال ابن كثير :  " ثم روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يحيى أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي هريرة عن أبي سلمة قال : واحسبني سمعت أنا من أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال : قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : اقرأ القرآن في شهر . قالت : إني أجد قوة ، قال : فاقرأه في سبع و لا تزد على ذلك " .

           " فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع ، وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد بسنده-عن قيس بن صعصعة أنه قال للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : يا رسول الله في كم أقرأ القرآن ؟ قال : في كل خمس عشرة . قال : إني أجدني أقوى من ذلك قال : ففي كل جمعة إلى قوله- ولكن دلت أحاديث أخر على جواز قراءته فيما دون ذلك ، كما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده- عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال : يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث ؟ قال : نعم قال فكان يقرأه حتى توفي ، وهذا إسناد جيد قوي حسن "[216].

 

           قال الشيخ البـناّ : "عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بابن له فقال : يا رسول الله أن أبني هذا يقرأ المصحف بالنهار و يبت بالليل فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما تنقم أن أبنك يظل ذاكرا و يبيت سالما ".

           وقال في شرحه : " أن معنى ( يقرأ المصحف بالنهار ) ظاهره أنه كان يختم القرآن في يوم وينام بالليل فأنكر عليه والده فعله وشكاه إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لأنه لم يفعل إلا ما يوجب الثناء عليه ، وفيه جواز ختم القرآن في اليوم لمن لم يخل بالقراءة والله أعلم "[217] ، وكذا قال الكثير ممن شرحوا تلك الروايات من علمائهم .

 

4       بعض الصحابة أتـموا جمع القرآن في عصر النبوة

 

S "عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أربعة كلهم من الأنصار ، أبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت ، قلت لأنس : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي "[218].

 

S "عن أنس بن مالك قال : مات النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ، أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال : ونحن ورثناه "[219].

           أقول : قوله ( نحن ورثناه ) يدل بوضوح على أن الجمع الذي قصده أنس هو الجمع التقليدي في الصحف وعلى ظهر الرقاع ، لا كما حسبه البعض من أن الحفظ هنا بمعنى الجمع في الصدور ، فكيف يصح توريث ما هو محفوظ في الصدور ؟!

 

5- المصحف موجود في عصر النبوة

 

        الروايات الآتية تتعارض مع قولهم إن أول جمع للمصحف كان في زمن أبي بكر إذ فيها أن لفظ المصحف كان متداولا في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا معناه وجود كيان جمعي للقرآن منسق ومرتب الصفحات وهذا هو الجمع المختلف عليه سواء أكان الجمع بتمام الآيات أو ببعضها ، فإن تحقق هيئة المصحف المنسق الورق والمرتب السور هو حقيقة الجمع كما قلنا ، وهذه الروايات تدل عليه :

S  " عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : قراءة الرجل القرآن في غير الـمصحف ألف درجة وقراءته في المصحف يضاعف على ذلك إلى ألفي درجة "[220].

S   " عن سلمة وهو ابن الأكوع أنه كان يتحرى موضع مكان الـمصحف يسبح فيه ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يتحرى ذلك المكان ، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر شاة "[221] ،  ولا ريب في أنه كان يتحراه لكونه مكانا للمصحف .

 

S  " عن عبد الله بن عمرو أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بابن له فقال : يا رسول الله إن ابني هذا يقرأ المـصحف بالنهار ويبيت بالليل ! فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما تنقم أن أبنك يضل ذاكرا و يبيت سالما "[222].

S " عن نافع عن ابن عمر قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ينهى أن يسافر بالمـصحـف إلى أرض العدو "[223]. 

          

           بعض علماء أهل السنة ذهب إلى أن المقصود هنا هو المصحف المدون بكامله لا ببعضه واستدل عليه ، قال الإمام أبو المحاسن الحنفي :

           " عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم نـهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ، وهو من كلام النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لا من كلام الراوي فإنه روي فأني أخاف أن يناله العدو . وقد اختلف أهل العلم في السفر به إلى أرض العدو ، فأبو حنيفة وصاحباه ذهبوا إلى إباحته ، وبعضهم إلى كراهته منهم مالك ، وعن محمد : إن كان مأمونا عليه من العدو فلا بأس وإن كان مخوفا عليه فلا ينبغي أن يسافر به إليهم ، وهذا أحسن الأقوال وعليه يحمل القول الأول منهم ، وما روي عن ابن عباس أنه قال : أخبرني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيّ : أن هرقل دعا لهم بكتاب رسول الله صلى الله عيه وسلم فقرأه فإذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عيك إثم الأريسيين {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}(آل عمران/64) ، ليس بمعارض لنهيه صلى الله عيه وسلم من المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ، لأن محمل النهي السفر بجملة القرآن وما في كتابه صلى الله عيه وسلم إنما هو بعضه ، فالجمع بينهما بإباحة السفر بالأجزاء التي فيها من القرآن بعضه وبالكراهة في السفر بكليته إليهم عند خوفهم عليه "[224]، فيكون معنى الحديث نـهي الصحابة عن السفر بالمصحف كاملا إلى أرض العدو .

 

S "  عن أبي أمامة الباهلي قال : لما كان في حجة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو يومئذ مردف الفضل بن العباس على جمل آدم فقال : يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم وقد كان أنزل الله عز وجل : {يَا  أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}(المائدة/101). قال : فكنا نذكرها كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيّه صلى الله عليه (وآله) وسلم ، قال فأتينا أعرابيا فرشوناه برداء قال فاعتم به حتى رأيت حاشية البرد خارجة من حاجبه الأيمن ، قال : ثم قلنا له : سل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، قال فقال له : يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا الـمصاحف ، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا ؟! قال : فرفع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم رأسه وقد علت وجهه حمرة الغضب ، قال  فقال : أي ثكلتك أمك ، وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقوا بحرف مما جاءتـهم به أنبياؤهم ، ألا وإن ذهاب العلم أن يذهب حملته ، ثلاث مرار "[225].

 

S   " عن أبي محرز أن عثمان بن أبي العاص وفد إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مع ناس من ثقيف فدخلوا على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقالوا له : حفظ علينا متاعنا أو ركابنا . فقال : على أنكم إذا خرجتم انتظرتموني حتى أخرج من عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . قال : فدخلت على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فسألته مصحفا كان عنده فـأعطانيه واستعملني عليهم وجعلني إمامهم وأنا أصغرهم "[226].

S    " عن عمر بن عبد العزيز عن أبي الوازع ذريح بن الوازع عن أبيه وكانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : " النظر إلى الـمصحف عبادة "[227].

S    " حدثنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن علي بن الحسين-عليهم السلام- عن ابن عباس قال : كانت المصاحف لا تباع ، كان الرجل يأتي بورقه عند النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ، ثم يقوم آخر فيكتب ، حتى يفرغ من الـمصحف "[228].

           أقول :  الرواية دالة على وجود ورق للكتابة فلا حاجة إذن لجريد النخل والأحجار الرقيقة والعظام وما شاكل من الأمور الغريبة حتى يكتب عليها ، والغريب أنـهم يقولون أن المصحف المجموع في عهد أبي بكر كان كهيئة الملزمة مربوطا بخيط يجمع ورقه ، فأين كان ذلك الورق في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى احتاجوا إلى العظام والحجارة ؟! وكيف ، ومتى حدثت هذه النقلة النوعية في عالم الكتابة والتدوين ؟!

 

S              " عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لا تـمس الـمصحف وأنت غير طاهر "[229].

S              " عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم "[230].

S      " عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : الغرباء في الدنيا أربعة : قرآن في جوف ظالم ، و مسجد نادي قوم لا صلى فيه ، ومصحف في بيت لا يقرأ فيه ، ورجل صالح مع قوم سوء "[231].

S      " عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : " أعطوا أعينكم حظها من العبادة النظر في الـمصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه "[232]

S              " عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : من أدام النظر في الـمصحف متع ببصره ما دام في الدنيا "[233]

S              "عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : من سره إن يحب الله ورسوله فليقرا في الـمصحف "[234]

S       " عن معاذ قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم :  أطيعونى ما دمت بين أظهركم فإذا ذهبت فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه فانه سيأتى زمان يسرى على القرآن في ليلة فيسلخ من القلوب والـمصاحف "[235]

S       "عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لا تغرنكم هذه الـمصاحف المعلقة إن الله تعالى لا يعذب قلبا وعى القرآن "[236].

 

        والآن ، كيف تنسجم هذه الروايات مع ما ذهبوا إليه من بعثرة القرآن في أكتاف الإبل وعلى الحجارة وصدور الرجال ؟  وما جيلتنا لمن يلقي ضلال الشك والريبة على كتاب الله فقط لإثبات فضيلة لفلان وفلانة ؟ والأغرب هو ادعاؤهم أن أول من أطلق لفظ ( مصحف ) على القرآن الكريم هم الصحابة بعد أن فرغوا من جمع القرآن في عهد أبي بكر !

 

g  أقوال علماء أهل السنة في أن القرآن جمع في عصر النبوة

       

        قال ابن حزم الأندلسي : " وقول رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إذ نـهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يناله العدو . وقوله تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ }(البينة/1-3).  وكتاب الله تعالى هو القرآن بإجماع الأمة ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم المصحف قرآناً ، والقرآن كلام الله تعالى بإجماع الأمة ، فالمصحف كلام الله تعالى حقيقة لا مجازاً ويسمى المستقر في الصدور قرآنا ونقول إنه كلام الله تعالى ، برهانا على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إذ أمر بتعاهد القرآن وقال عليه السلام : إنه أشد تفصياًّ من صدور الرجال من النعم من عقلها "[237].

        وقال في الإحكام : " فلم يمت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا والقرآن مجموع كما هو مرتب لا مزيد فيه ولا نقص ولا تبديل ، والقراءات كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم باقية كلها كما كانت لم يسقط منها شيء ولا يحل حظر شيء منها قل أو كثر "[238].

        وقال : " وهذه الآية[239] تبين ضرورة أن جمع القرآن كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره حتى جمع كما هو فإنه من فعل الله عز وجل وتوليه جمعه أوحى به إلى نبيه عليه السلام وبينه عليه السلام للناس فلا يسع أحدا تقديم مؤخر من ذلك ولا تأخير مقدم أصلا "[240].

          وأطنب في موضع آخر قوله :" ويبين كذب هذه الأخبار ما رويناه بالأسانيد الصحيحة أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم كان لا يعرف فصل سورة حتى تنـزل {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ، وأنه صلى الله عليه (وآله) وسلم كانت تنـزل عليه الآية فيرتبها في مكانـها ولذلك تجد آية الكلالة وهي آخر آية نزلت وهي في سورة النساء في أول المصحف وابتداء سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }(العلق/1). في آخر المصحف وهما أول ما نزل ، فصح بـهذا أن رتبة الآي ورتبة السور مأخوذة عن الله عز وجل إلى جبريل ثم إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لا كما يظنه أهل الجهل أنه ألف بعد موت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ولو كان ذلك ما كان القرآن منقولا نقل الكافة ولا خلاف بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أنه منقول عن محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم نقل التواتر ، ويبين هذا أيضا ما صح أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يعرض القرآن كل ليلة في رمضان على جبريل ، فصح بـهذا أنه كان مؤلفا كما هو عهد الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وقوله صلى الله عليه (وآله) وسلم تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي[241] ، والأحاديث الصحاح أنه صلى الله عليه (وآله) وسلم قرأ المص والطور والمراسلات في صلاة المغرب وأن معاذا قرأ في حياته صلى الله عليه (وآله) وسلم البقرة في صلاة العتمة وأنه صلى الله عليه (وآله) وسلم خطب ب‍ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ }(ق/1). وذكر صلى الله عليه (وآله) وسلم خواتم آل عمران وسورة النساء وأمره صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يؤخذ القرآن من أربعة من أبي وعبد الله بن مسعود وزيد ومعاذ . وقول عبد الله بن عمرو بن العاص للنبي عليه السلام في قراءة القرآن كل ليلة وأمره صلى الله عليه (وآله) وسلم أن لا يقرأ في أقل من ثلاث ، والذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم جماعة ذلك منهم أبو زيد وزيد وأبي ومعاذ وسعيد بن عبيد وأبو الدرداء ، وأمر صلى الله عليه (وآله) وسلم عبد الله بن عمرو بقراءة القرآن في أيام لا تكون أقل من ثلاث ، فكيف يقرأ ويجمع وهو غير مؤلف ؟! هذا محال لا يمكن البتة ، وهذه كلها أحاديث صحاح الأسانيد لا مطعن فيها ، وبـهذا يلوح كذب الأخبار المفتعلة بخلافها لأن تلك لا تصح من طريق النقل أصلا فبطل ظنهم أن أحدا جمع القرآن وألفه دون النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ومما يبين بطلان هذا القول ببرهان واضح أن في بعض المصاحف التي وجه بـها عثمان رضي الله عنه إلى الآفاق واوات زائدة على سائرها وفي بعض المصاحف {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(الحج/64). في سورة الحديد وفي بعضها بنقصان ] هو [ وأيضا فمن المحال أن يكون عثمان رضي الله عنه أقرأ الخلفاء وأقدمهم صحبة وكان يحفظ القرآن كله ظاهرا ، ويقوم به في ركعة (!) ، يترك قراءته التي أخذها من فم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ويرجع إلى قراءة زيد وهو صبي من صبيانه ، وهذا ما لا يظنه إلا جاهل غبي ، ومنها أن عاصما روى عن زر وقرأ عليه لم يقرأ على زيد ولا على من قرأ على زيد شيئا إلا أنه قد صح عنه أنه عرض على زيد فلم يخالف ابن مسعود ، وهذا ابن عامر قارئ أهل الشام لم يقرأ على زيد شيئا ولا على من قرأ على زيد وإنما قرأ على أبي الدرداء ومن طريق عثمان رضي الله عنهما ، وكذلك حمزة لم يأخذ من طريق زيد شيئا ، وقد غلط قوم فسموا الأخذ بما قاله رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وبما اتفق عليه علماء الأمة تقليدا وهذا هو فعل أهل السفسطة والطالبين لتلبيس العلوم وإفسادها وإبطال الحقائق وإيقاع الحيرة "[242].

       

        قال الإمام أبو عبد الله المحاسبي في كتاب فهم السنن :" وفي قول زيد بن ثابت ( فجمعته من الرقاع والأكتاف و صدور الرجال ) ما أوهم بعض الناس أن أحداً لم يجمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم وأنّ من قال : أنه جمع القرآن أبي بن كعب و زيد ليس بمحفوظ ، وليس الأمر على ما أوْهَمَ ، دائما يطلب القرآن متفرقاً ليعارض بالمجتمع عند مَنْ بقي ممّن جمع القرآن في علم ما جمع فلا يغيب عن جمع القرآن أحدٌ عنده منه شيء ولا يرتاب أحدٌ فيما يودَع المصحف ولا يشكوا في أنه جُمع عن ملأٍ منهم "[243].

        " وأما أبّي بن كعب و عبد الله بن مسعود ومُعاذ بن جبل فبغير شكٍ جمعوا القرآن والدلائل عليه متظاهرة ، قال : ولهذا المعنى لم يجمعوا السنن في كتاب إذ لم يمكن ضبطها كما ضبط القرآن . قال : ومن الدليل على أن تلك المصاحف التي كتب منها القرآن كانت عند الصديق لتكون إماما و لم تفارق الصديق في حياته ولا عمر أيامه ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها "[244].

       

        وقال الآمدي  : " إن المصاحف المشهورة في زمن الصحابة كانت مقروءة عليهصلى الله عليه وآله وسلم- ومعروضة "[245].

 

        قال في مدخل إلى القرآن الكريم :" إن النص المنـزل لم يقتصر على كونه قرآناً أو مجموعة من الآيات تتلى أو تقرأ ، وتحفظ في الصدور ، وإنما كان أيضا كتابا مدونا بأعداد ، فهاتان الصورتان تتضافران وتصحح كل منهما الأخرى ، ولهذا كان الرسول كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي "[246].

       

        وقال في إعجاز القرآن : " وللنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم صحابة كانوا يكتبون القرآن إذا أنزل ، إما بأمره أو من عند أنفسهم تاما وناقصا ، وأما الذين جمعوا القرآن بتمامه بالاتفاق فهم خمسة ، فذكرهم "[247].

 

        وقال في تاريخ القرآن :  " وأمـا عدم نسخ كبار الصحابة مصاحف على نمط ما جمعه أبو بكر ، فلم يكن هناك ما يدعو لذلك لعدم اختلاف ما جمعه أبو بكر بما عند الناس ، وإن بعضهم كتبوا مصاحفهم على عهد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وتلقوه منه سماعا ، فكان جمع أبي بكر بمثابة سجلّ للقرآن يرجع إليه إذا حدث أمر كما وقع لعثمان حين جـمْـعه القرآن فإنه رجع إلى الصحف البكرية و كانت عند حفصة بنت عمر "[248].

 

        وقال في القرآن والملحدون : "  غير أن من الحق أن نقول أيضا : إن ما جاء في المجموعة الثالثة[249] إجمالا أكثر وثاقة من جهة وأنـها مع الأقوال المؤيدة لـها الصادرة عن كثير من علماء المسلمين وأئمتهم أكثر اتساقا مع طبائع الأمور و الظروف من جهة أخرى . فالقرآن أعظم مظاهر النبوة ، ومعجزتـها الخالدة ، وكان مدار الاحتجاج والدعوة مع العرب والكتابيين الذين كانت لهم كتبهم المتداولة في أيديهم المكتوبة على قراطيس وورق ومواد ليّنة تنشر وتطوى بسهولة، وقد تكرر في القرآن كثيرا الإشارة إلى كتب الكتابيين من جهة و ذكر ( الكتاب ) في القرآن بمعنى ( القرآن ) من جهة أخرى . فلا يعقل في حال أن يهمل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم تدوين ما كان ينـزل عليه من الوحي القرآني ، وأن لا تكون عنايته بذلك فائقة ، وأن لا يحرص على تدوينه في وسائل ليّنة تطوى وتنشر كالصحف والقراطيس وورق الحرير ، ثم على حفظ مدوناته حرصا شديدا مرتبة منسقة . بل و المعقول أن يكون ذلك من أمهات مشاغله المستمرة "

        " وما روي من أن القرآن كان يكتب على الوسائل البدائية الثقيلة الحجم والصعبة الحفظ ، والنقل كأضلاع النخيل ، وقطع الخشب و الحجارة ، وأكتاف العظام لا يصح أن يقبل على علاته بناء على ما تقدم بأن كان ورد في حديث يعد من الصحاح ، وكل ما يحتمل أن يكون أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إذ يستدعي أحد كتابه لإملاء ما يكون نـزل عليه من وحي على فور نزوله ، وهو ما كان يفعله دائما على ما تفيده الأحاديث والقرائن القرآنية أن لا يكون متيسرا إلا شيء من هذه الوسائل البدائية ، فيكتب الكاتب عليها ما يمليه النبي صلى الله عليه مؤقتا ريثما ينقل إلى مكانه من سجلات القرآن مـما عبر عنه زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله في قوله في حديث مأثور له ( كنا نؤلف القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من الرقاع ) ".

        " ولقد كان في مكة والمدينة جاليات نصرانية ويهودية تتداول كتبا مكتوبة على قراطيس تطوى وتنشر كما قلنا قبل . ولقد كانت مكة والمدينة مدينة تجارية متصلة بالبلاد المجاورة المتحضرة التي يكثر فيها وسائل الكتابة اللينة مما لا يعقل إلا أن يكون أهل هذه البيئة قد اقتبسوا ذلك . ولقد احتوى القرآن أوامر بتدوين المعاملات التجارية النقدية وغير النقدية صغيرة كانت أم كبيرة ، ولقد تعددت الآيات القرآنية التي تذكر ( الصحف ) في صدر القرآن والكتب الأخرى ، ولم يقل أحد أنـها كانت تعني تلك الوسائل البدائية ، بل إن المفهوم القرآني هو في جانب كونـها وسائل تطوى وتنشر "[250].

 

        وفي تفسير القرآن الحكيم : " كان كلٌّ يكتب ما تيسر له كتابته وكان منهم بعض قليل كتبوا القرآن كله ، والإجماع على : علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وقبل وفاة الرسول عرض زيد القرآن عرضة على رسول الله صلوات الله عليه ، ففي عهده صلوات الله عليه كان القرآن مرتب السور والآيات ولكنه غير مجموع في كتاب واحد "[251].

        أقول : إن قصد أن القرآن بتمامه لم يكن مجموعا لأنه نزل منجما ثم تم جمعه في أواخر حياته فهذا صحيح ، وأما لو قصد أن كل سورة كانت على حدة من غير أن تجمع كلها فتصبح مصحفا فهذا لا يتوافق مع ما مر ، وكيف يكون مرتب السور مع كونه غير مجموع في كتاب واحد ؟ أم أن كل سورة كانت تدون وتوضع فوق الأخرى وضعا بلا شد وربط ثم جاء أبو بكر فأمر بشدها بخيط ؟! 

 

        وفي موجز البيان : " والمصاحف التي عرضت على النبي (ص) في حياته وقرأت عليه ثلاث : مصحف عبد الله بن مسعود ، ومصحف أبي بن كعب ، ومصحف زيد بن ثابت وهو آخرها عرضا على النبي صلوات الله وسلامه عليه[252] ، وإذ كانت في سنة وفاته وبقراءته كان يقرأ عليه الصلاة والسلام ، ولذلك أختاره المسلمون و جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة قال : -وذكر الحديث- . قول أنس : أنه لم يجمع القرآن غير أربعة . يحتمل أنه لم يجمع القرآن وأخذه تلقائيا من رسول الله (ص) غير أولئك الأربعة لأنه قد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان بن عفان (رض) وتميم الداري ، وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص . وإنما كان رسول الله (ص) يأمر بكتابة ما ينـزل عليه من القرآن الكريم وجمعه لتبليغ الوحي على الوجه الأكمل ، لأن الاعتماد على حفظ الصحابة غير كاف لأنـهم عرضة للنسيان و الموت فلو اعتمد على حفظهم وحده نخشى ضياع شيء منه بالنسيان أو الموت ، و أما الكتابة فباقية لا يتطرق إليها شيء من ذلك وليعاضد المكتوب المحفوظ . وقال الذهبي : عثمان أحد من جمع القرآن على عهد الرسول قرأ عليه المغيرة بن أبي شهاب المخزومي "[253].

       

        وفي التبيان في علوم القرآن : "وجمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر لا يعني أن الصحابة (رض) لم يكن لديهم مصاحف كتبوا فيها القرآن من قبل ، فإن ذلك لا ينافي أن يكون لبعض الصحابة مصحف خاص "[254].

 

     وفي مباحث في علوم القرآن : " وكان جبريل يعارض رسول الله بالقرآن في ليالي رمضان ويعارض الصحابة رسولهم حفظاً وكتابة ولم تكن هذه الكتابة مجتمعة في مصحف عام بل عند هذا ما ليس عند ذاك من الآيات والسور . وقد نقل العلماء أن نفراً منهم : علي بن أبي طالب ، معاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت و عبد الله بن مسعود قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا أن زيد بن ثابت كان (رض) متأخرا على الجميع "[255].

        " فكان أبو بكر بـهذا أول من جمع القرآن في مصحف وإن وجدت مصاحف فرديّة عند بعض الصحابة كمصحف علي "[256].

 

        ونذكر هنا كلام أحد علماء الإباضية لما فيه من فائدة مع إطنابه في الدفاع عن جمع القرآن فقال في منهج الطالبيـن : " فإني لأعجب ممن يقبل من المسلمين قول من زعم أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ترك القرآن الذي هو حجّته على أمته والذي تقوم به دعوته والفرائض التي جاء بـها من عند الله و لم يجمعه ، ولم يضمّـه ، ولم يخطـه ، ولم يحصـه ، ولم يُحكم الأمر في قراءته و ما يجوز من الاختلاف فيها ، وما لا يجوز في إعرابه و مقداره ، وتأليف سوره  ، وهذا لا يتوهم على رجل من عامة المسلمين فكيف برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ".

        " فلو لم يكن القرآن مجموعا مكتوبا في عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فأي شيء كان يكتب هؤلاء ؟ وكيف يجوز على القوم الذين ذكرنا أحوالهم أن يتركوا جمع القرآن والوقوف على تأليفه ومقدمه ومؤخره ، وهو إنما أنزل عليهم وفيهم على ما تقدم من شرح ".

        " ومـما يدلّنا على حفظهم لـما استحفظوا له وفهمهم لمـا استنكفوا إياه أنـهم كانوا علماء لنظم السور وتأليف الآي لا يحرفون الكتابة ولا يقصرون في التأدية ، وإنما أول ما أنزل من القرآن بمكة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }(العلق/1). وأول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة وآخر ما نـزل سورة براءة ، فلو كانوا إنما ألفوا السورة على تقدير رأيهم لقدموا في المصحف المقدم و أخروا المؤخر ففي تقدمهم سورة البقرة وتأخيرهم سورة براءة - دليل على أنـهم اتبعوا ولم يبتدعوا وحكموا ولم يتخرّصوا ".

        " ولقد قال أبو ذر رضي الله عنه : لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وما يقلب طائر جناحه في السماء إلا وعندنا منه علم فكيف نجهل تأويل السور ومواضع الآي - أمة قد شهدت أول ذلك وآخره ؟ ".

        "وقد روى أصحاب الحديث : أن القرآن كان مفرقا حتى جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وروى آخرون أن الذي جمعه : عثمان بن عفان وأنـهم أخذوا آية من هاهنا وآية من هاهنا وأن الرجل كان يخبر بالآية ويسأل عنها الشهود ثم تكتب وأن زيد بن ثابت لمـا أمره عثمان بن عفان أن يكتب في المصحف  - فقد آيتين حتى وجدها عند رجلين من الأنصار وأن زيدا و غيره من الصحابة تولوا تأليف السور والآيات - وهذه الأخبار مطعون عليها ، ويقال أن الزنادقة دلّسوا وأضافوا الزيادات والأحاديث في أحاديث الأئمة . بل إن الدلالة قد قامت من طريق العقل لأن السور كانت معروفة متولفة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن القرآن كان قد فرغ من جمعه ".

        " وقال الشعبي : لم يجمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا ستة كلهم من الأنصار ، فلو لم يكن القرآن مجموعا مؤلفا على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فكيف كان يجمعه هؤلاء الستة ويحفظونه ؟ "[257].

 

        وإلى هنا نقول إن المصحف كان مجموعا في آخر زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والشيعة الإمامية لم ينفردوا في إزاحة هذه المنقصة عن مقام النبوة ، فإن من وافق الشيعة من أهل السنة في ذلك قليل ، لكن العبرة بالكيف لا بالكم ، ونختم بما ذكره النديم في الفهرست لما فيه من لـمٍّ للشتات :" الجّماع للقرآن على عهد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، سعد بن عبيد بن النعمان بن عمرو بن زيد رضي الله عنه ، أبو الدرداء عويمر بن زيد رضي الله عنه ، معاذ بن جبل بن أوس رضي الله عنه ، أبو زيد بن ثابت بن زيد بن النعمان ، أبي بن كعب بن قيس بن ملك بن امرئ القيس ، عبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت بن الضحاك "[258].

 

S أول من جمع القرآن بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم :

       

        أول من جمع القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد العرب طرًّا ، الإمام علي عليه السلام ، وهذا من الشهرة بمكان لا ينكره إلا مكابر، وقد وردت نصوصه في كتب الفريقين .

        قال ابن سعد في الطبقات : "عن أيوب وابن عون عن محمد قال : نبئت أن عليا أبطأ عن بيعة أبي بكر ، فلقيه أبو بكر ، فقال : أكرهت إمارتي ؟ فقال : لا ، ولكنني آليت بيمين أن لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن . قال : فزعموا أنه كتبه على تنـزيله . قال محمد : فلو أصيب ذلك الكتاب كان فيه علم . قال ابن عون : فسألت عكرمة عن ذلك الكتاب فلم يعرفه "[259].

        وأخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف : " عن  الأشعث عن محمد بن سيرين قال : لما توفي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أقسم عليٌّ أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل ، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام ، أ كرهت إمارتي يا أبا الحسن ؟ : قال : لا ، والله ، إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعه فبايعه ثم رجع "[260].

        وفي التسهيل لعلوم التنـزيل :" كان القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفرقا في الصحف و في صدور الرجال فلما توفي حمعه علي بن أبي طالب على ترتيب نزوله . ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير ولكنّه لم يوجد "[261].

        وحيث أنـها منقبة لعلي عليه السلام فقد انبرى ابن حجر العسقلاني في فتح الباري للتصدي لها بليّ عنق الروايات حيث قال : " وأخرج ابن أبي داود من طريق ابن سيرين قال : قال علي لما مات رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة الجمعة حتى أجمع القرآن فجمعته. قال ابن حجر : هذا أثـرٌ ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحّته فمراده بـجمعه حفظه في صدره وما تقدم من رواية عبد خير عنه أصح فهو المعتمد "[262].

        قصد ابن حجر أن جمع أمير المؤمنين عليه السلام للقرآن كان بمعنى حفظه في الصدر ! ولازم هذا أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن يحفظ القرآن إلى ما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !! ، وتعقبه العلامة السيوطي في إتقانه :" قلت قد ورد من طريق آخر أخرجه ابن الضريس في فضائله حدثنا هودة بن خليفة حدثنا عون عن محمد بن سيرين عن عكرمة قال : لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب عليه السلام- في بيته فقيل لأبي بكر : قد كره بيعتك فأرسل إليه . فقال أكرهت بيعتي ، قال : لا والله ، قال : ما أقعدك عني ؟ قال : رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه ، قال له أبو بكر : فإنك نعم ما رأيت . قال محمد فقلت لعكرمة : ألفوه كما أنزل  الأول فالأول ، قال: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا . ( أخرجه ) ابن اشتة في المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين و فيه : أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ . وأن ابن سيرين قال : تطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه "[263].

         وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد : " قال ابن سيرين : وبلغني أنه كتبه على تنـزيله ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير . قال أبو عمر أجمع أهل العلم بالحديث أن ابن سيرين أصح التابعين مراسل وأنه كان لا يروي ولا يأخذ إلا عن ثقة وأن مراسيله صحاح كلها ليس كالحسن وعطاء في ذلك والله أعلم "[264].

        وأخيرا نذكر ما قاله صاحب الفهرست : " عن عبد خير عن علي عليه السلام أنه رأى من الناس طيرة عند وفات النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فأقسم أنه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن ، فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن من قلبه [265]. وكان المصحف عند أهل جعفر "[266].

 

S بماذا تميز مصحف أمير المؤمنين عليه السلام ؟

         مرت بعض روابات أهل السنة التي تنص على أن مصحف أمير المؤمنين عليه السلام يتميز بترتبه بحسب النـزول فأوله سورة الفلق وهكذا إلى آخر القرآن وعليه يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ ، ولكن اليعقوبي في تاريخه ذكر أن السور كانت مجزأة على سبعة أجزاء على نحو مغاير لترتيب النـزول :

        " وروى بعضهم أن علي بن أبي طالب كان جمعه لما قبض رسول الله وأتى به يحمله على جمل ، فقال : هذا القرآن قد جمعته ، وكان قد جزّأة سبعة أجزاء "[267]، ثم ذكر كل جزء بسوره المندرجة تحته فالأول في مقدمته سورة البقرة ، والجزء الثاني آل عمران والثالث النساء والرابع المائدة والخامس الأنعام والسادس الأعراف والسابع الأنفال ، والأخذ بالروايات المتظافرة أولى .

 

         ولعل أهم ما دفع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لكتابة المصحف مع وجود مصاحف كثيرة في دنيا المسلمين آنذاك ، هو أنه عليه السلام كتب فيه التنـزيل والتفسير الذي أُنزل مرادفا للآيات ، فكان قرآنا جامعا لكل ما أنزل من السماء قرآنا أي النصوص القرآنية والتفسير المنـزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أملاه صلى الله عليه وآله وسلم وخطه الإمام عليه السلام بيده الشريفة .

        وقد ذكر قريب منه بعض علماء أهل السنة :" وما نسب إلى الإمام علي من قرآن فهو تفسير معنى ما جاء بأسلوبه ونسج كلامه "[268] ، والمقطع الأخير (بأسلوبه ونسج كلامه) بعيد عن الأدلة .

 

S المشكلة هو التنـزيل !

        بعد أن فرغ عليه السلام من كتابته ، جاءهم بالمصحف مشتملا على كل ما أُنزل من السماء أي القرآن وتفسيره المنـزل المسمى بالتنـزيل ، وناولهم إياه حينما كانوا ملتفين في المسجد حتى نظر فيه ابن الخطاب فلم يرق له وجود فضائح الكفار والمنافقين من صناديد قريش وكبرائها مع ذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم[269] في هامش السور والآيات التي نكلت بـهم كسورة براءة التي سموها الفاضحة أو المزلزلة التي لم تترك أحدا منهم إلا ونالت منه ، وسورة البينة التي جاء في الأثر أن الله جعل في تنـزيلها أسماء سبعين رجلا من قريش وأن الإمام الرضا عليه السلام بعث بمصحفه للبزنطي ففتحه فوجد فيه تلك الأسماء كما مر الكلام عنه ، فحينما وقع النظر على التنـزيل المردف بالقرآن تمعرت الوجوه وطرت حسائك الصدور وما كان إلا أن نبذوه وردوه ، فانصرف الإمام علي عليه السلام بمصحفه الجامع وقال لن تروه بعد يومكم هذا أبدا ، واسترجع عليه السلام بقوله {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}(آل عمران/187).

 

        كلمات الأعلام في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام :

 

        قال الشيخ الصدوق في اعتقاداته :" ومثل هذا كثير ، وكلّه وحي وليس بقرآن . ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه ، كما كان أمير المؤمنين جمعه فلما جاء به قال : هذا كتاب ربكم كما أُنزل على نبيّكم لم يزد فيه حرف و لا ينقص منه حرف ، فقالوا : لا حاجة لنا فيه ، عندنا مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}(آل عمران/187)"[270].

 

        وقال الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه في أوائل المقالات : " ولكنّ حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين عليه السّلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنـزيله ، وذلك كان ثابتاً منـزلاً ، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز "[271].

 

        وقال ابن شهر آشوب رضوان الله تعالى عليه : " وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام أنه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلا للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه ، فانقطع عنهم مدة إلى أن جمعه ثم خرج إليهم به في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع البته قالوا : لأمر ما جاء به أبو الحسن ، فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم ، ثم قال : إن رسول الله قال : إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وهذا الكتاب وأنا العترة ، فقام إليه الثاني فقال له : إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله فلا حاجة لنا فيكما ، فحمل عليه السلام الكتاب وعاد بعد أن الزمهم الحجة .  وفي خبر طويل عن الصادق (ع) أنه حمله وولى راجعا نحو حجرته وهو يقول {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}(آل عمران/187)"[272].

 

          وقال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه في البيان : " إن وجود مصحف لأمير المؤمنين عليه السلام يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه ، وتسالم العلماء الأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته ، كما أن اشتمال قرآن عليه السلام على زيادات ليست في القرآن الموجود ، وإن كان صحيحا إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن ، وقد أسقطت منه بالتحريف ، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرا بعنوان التأويل ، وما يؤول إليه الكلام ، أو بعنوان التنزيل من الله شرحا للمراد ، وإن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل والتنـزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآنا ، وإطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ ، حملا له على خلاف ظاهره ، إلا أن هذين الإطلاقين من الاصطلاحات المحدثة ، وليس لهما في اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان اللفظان (التنزيل والتأويل) متى وراد في الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ".

        " وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من الله وحيا يلزم أن يكون من القرآن ، فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أن مصحف علي عليه السلام كان مشتملا على زيادات تنـزيلا أو تأويلا . ولا دلالة في شئ من هذه الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن . وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنينعليه السلامفإن ذكر أسمائهم لا بد وأن يكون بعنوان التفسير . ويدل على ذلك ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم سقوط شيء من القرآن ، أضف إلى ذلك أن سيرة النبي صلى الله عليه وآله- مع المنافقين تأبى ذلك فإن دأبه تأليف قلوبـهم ، والإسرار بما