الفصل الثاني :

 

أهل السنة وتحريف القرآن

 

القسم الأول :  تحريف القرآن غير الصريح

 

الأثر البالغ لعلوم القرآن في فهم نصوصه واستنباط أحكامه لا ينكره أحد من العلماء ، ولا يمكن إهمالها بحال من الأحوال لإدراك لمراد الله عز وجل من مجاميع الآيات كالناسخة والمنسوخة التي يتبدل فيها الحكم تبعا لتحديد الناسخ من المنسوخ ، ولا يتأتى هذا إلا بعد طرق أبواب أخرى من علوم القرآن كباب أسباب النـزول ذي الوجهة التاريخية .

وليس هذا موضوع البحث ، وإنما الكلام هنا عن الأثر الذي تضفيه العلوم القرآنية على نفس مفرداته وألفاظه دون التعدي إلى مداليلها وما يستفاد منها ، وبعبارة أخرى سنقصر النظر في هذه المطالب على خصوص ما تمليه علوم القرآن عند الفريقين من سلامة ألفاظه من التحريف بالزيادة أو النقص في مادتـها ، لتحصيل المقارنة الواضحة .

 

 

S المستفاد من نتيجة البحث في علوم القرآن :

 

ومع السير حثيثا في أزقة ما حُشر في علوم القرآن يتضح لنا من الجدير بنسبة تـحريف القرآن لمعتقده ، فالكلام كله دائر مدار المرتكزات في كل من مذهب آل البيت عليهم السلام ومذهب أهل السنة ، والمستفاد من هذه الأبحاث الاطلاع على التحريف بثوبه العام المتجسد بمباحث علوم القرآن التي بـها يقع القرآن بكامله وبجميع نصوصه تحت رحمة مطرقة وسندان ما زج في علوم القرآن ، فلو استفيد التحريف من تلك العلوم فإن كل آيات القرآن بلا استثناء تزحزح عن مقامها الراسخ ويسفّ بـها إلى حضيض عالم التبديل والتشكيك ، لأن علوم القرآن المبحوثة هنا لا تمس آية دون أخرى .

ولا يلزم من نسبة قولا ما لأي مذهب أن جميعهم قائلون به ، ونحن لا جرم نتنـزه عن أسلوب الوهابية هذا فلا نجحف بمن خالف القول السائد ، بل سننقل أقوال بعض المخالفين له ، نعَم النسبة تكون للعموم والمتعارف فيما بينهم أي النسبة للأغلب لا الكل ، وهذا نلتزم به مع السنة والشيعة على حد سواء .

وأوّل هذه المباحث ترتيبا هو الكلام في الأحرف السبعة ومن ثم جمع القرآن ومن بعده القراءات القرآنية وآخرها هو نسخ التلاوة .

 

المبحث الأول : 

 

الأحـــرف الســـبـعـة

 

 

موضوع الأحرف السبعة من المواضيع الشائكة ، ومن استرق السمع في ميدان الأخذ والرد فيها يستشعر ملالة الموضوع وطول نفس من خاض فيه ، لا لأن ماهيته غير محددة فقط ، بل لأن بعض من خاضوا فيه تكلموا بآرائهم الشخصية بعيدا عن الأدلة ومقتضى القواعد العلمية ، فراج سوق من لا يملك سوى التقول على الله عز وجل بغير علم والجزم بلا تحرّج !

ومن الواضحات التي لا تحتاج إلى إطالة أن علوم القرآن لها أثر بالغ في إثبات نزاهة القرآن الكريم وقداسته ، وأهمها مقامنا هذا لما سيثمر عنه من نتائج وآراء ، إذ هي طاعنة بقداسة القرآن الكريم في الصميم ، وباختصار فإن علوم القرآن التي نسبتها روايات بعض الفِرق ومشوا في ظلامها صارت حجر عثرة ووصمة عار في جبين القرآن .

 

أولا :  أهل السنة ومعنى الأحرف السبعة

  

 

S ما هي الأحرف السبعة ؟

 

هذا السؤال معضلٌ ومتشابك الأطراف لكثرة تضارب علمائهم في تحديد ماهية تلك الأحرف السبعة ، وبنظرة عابرة في كتب علوم القرآن نجد أن كتـّابـهم قبل أن يخوضوا في هذا المبحث يمهّدون بمقدمة مفادها أن هذا البحث مؤذٍ والخوض فيه ليس من السهولة بمكان ، ومعهم الحق في ذلك .

وعلى أي حال فإن هذه المباني من علوم القرآن وغيرها ليست من المباني العقلية التي يصح للعقل البت فيها منفردا عن النصوص الشرعية ، فهي تأسيس من الشريعة لذلك يلزم مراجعة رأي الشارع عز وجل في تحديد ماهيتها ، فالحكم الفصل في المسألة هي النصوص الشرعية وإلا نقف متحيرين .

وبما أن النصوص الشرعية تدور في فلك الآيات والأحاديث ، استقرأنا آيات القرآن فلم نجد أي دليل فيها يشير من قريب أو بعيد إلى المطلوب ، فتعين لنا الشق الآخر وهي الروايات .

وبعد الوقوف على نوع الدليل المعول عليه في إجابة السؤال المطروح عن ماهية الأحرف السبعة ، نقول إن النظر في مدلول روايات أهل السنة حول الأحرف السبعة ينادي بإبـهام وغموض ماهية الأحرف السبعة ، وهاك تفصيل الكلام .

 

 

S السبب في إبـهام ماهية الأحرف السبعة . 

 

كان سبب دخول الأحرف السبعة في حيز علوم القرآن وجود بعض الروايات في صحاح أهل السنة ، فمفهوم الأحرف السبعة استفاض نقله من طرقهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ادّعى تواتر رواياتـها أبو عبيد بن سلام في فضائل القرآن وردّ عليه الأستاذ الزرقاني في مناهله فقال:

" وكأن هذه الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب هي التي جعلت الإمام أبا عبيد بن سلاّم يقول بتواتر هذا الحديث ، لكنك خبير بأن من شروط التواتر توافرَ جمعٍ يُؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية ، وهذا الشرط إذا كان موفوراً هنا في طبقة الصحابة كما رأيت فليس بموفور لدينا في الطبقات المتأخرة "[1] .

وكان من الطبيعي حال ورود هذه الكثرة من الروايات أن يحدد بـها معنى الأحرف السبعة ، ولكن يا حسرة ! تلك الروايات غير متفقة في المعنى وتضاربـها على أشده سواء أكان في تحديد معناها أو في عدد الأحرف نفسها حتى أشكل المقصود منها على كثير من علمائهم وتاهوا في دوامة تلك الأحرف .

إذن فعلة الإبـهام هو قصور الأدلة ، ولنذكر هنا مناقشة معنى تلك الروايات ، والمناقشة ستكون على ثلاثة محاور :

 
المحور الأول :  اختلاف الروايات في عدد الأحرف

 

( حرفٌ واحد )

-         كنـز العمال : " أتاني جبريل فقال : اقرأ القرآن على حرفٍ واحد "[2] .

 

          ( ثلاثة أحرف )

-         المستدرك على الصحيحين : " عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : أنزل القرآن على ثلاثة أحرف "[3] .

-    كنـز العمال : " أنزل القرآن على ثلاثة أحرف فلا تختلفوا فيه، ولا تحاجوا فيه فإنه مبارك كله فاقرؤوه كالذي أقريتموه "[4] .

 

( أربعة أحرف )

-    كنـز العمال : " أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلالٌ وحرام ، لا يعذر أحد بالجهالة به ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب "[5].

 

( خمسة أحرف )

-    تفسير الطبري : " عن عبد الله بن مسعود قال : إن الله أنزل القرآن على خمسة أحرف : حلالٌ وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحل الحلال وحرّم الحرام واعمل بالمحكم وآمن بالمتشابه واعتبر بالأمثال "[6] .

 

( سبعة أحرف )

-    صحيح البخاري ومسلم : " عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أقرأنيها ، وكدت أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها ، فقال لي : أرسله . ثم قال له : أقرأ ، فقرأ . قال : هكذا أنزلت ، ثم قال لي : اقرأ . فقرأت ، فقال : هكذا أنزلت ، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر "[7].

 

-    مستدرك الحاكم : " عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف  "[8].

 

( عشرة أحرف )

- كنـز العمال : " أنزل القرآن على عشرة أحرف ، بشير ونذير وناسخ ومنسوخ وعظة ومثل وحكم ومتشابه وحلال وحرام "[9].

 

وهذا أول وجه من وجوه التضارب في الأدلة ، ولا قيمة لرأي دون رأي المشرع في التوقيفيات ، لذا لا يعترض بأن أهل السنة اتفقوا على أنـها سبعة أحرف فبعضها تدعي خلاف ذلك وهي صحيحة السند .

 

 

المحور الثاني : التضارب في معنى الحرف

 

اختلفت الروايات في المقصود من الحرف إلى معنيين :

 

المعنى الأول : نزول آيات القرآن على سبعة أشكال مترادفة في المعنى

ويدل على هذا المعنى الغريب كثيـرٌ من الروايات الصحيحة في مصنفات أهل السنة ، وهو الرأي المشهور بين علماء أهل السنة ، ولدينا مزيد : 

 

-    " عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب قال : قرأت آية وقرأ ابن مسعود قراءة خلافها فأتينا النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقلت : ألم تقرأني آية كذا وكذا ؟ قال ابن مسعود : ألم تقرأنيها كذا وكذا ؟ قال : بلى . قال : كلاكما محسن مجمل . قلت : ما كلانا أحسن ولا أجمل ! فضرب في صدري وقال : يا أُبي ! أقرئت القرآن ، فقيل لي : على حرف أم على حرفين ؟ فقال الملك الذي معي : على حرفين . فقلت على حرفين ؟ فقيل لي : على حريفين أم ثلاثة ؟ فقال لي الملك : الذي معي على ثلاثة . فقلت : ثلاثة ؟ حتى بلغ سبعة أحرف ، قال : ليس فيها إلا شاف كاف . قلت : غفور رحيم ، عليم حليم ، سميع عليم ، عزيز حكيم "[10].

 

-    " أتاني جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرف . فقلت : أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك . ثم أتاني ثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين . فقلت : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك . ثم جاءني الثالثة فقال لي : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف . فقلت أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك . فجاءني الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيـما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا "[11].

 

-    " عن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال أتاني جبرئيل وميكائيل عليهما السلام فقال جبريل عليه السلام اقرأ القرآن على حرف واحد فقال ميكائيل استزده فقال اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف ما لم تـختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة "[12].

ورواية أخرى عن أبي بكرة توضح مقصود السابقة : " قال-صلى الله عليه وآله وسلم- : كل شاف كاف ما لم تـختموا آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك تعال ، وأقبل ، وهلم ، واذهب ، وأسرع ، وأعجل "[13].

 

هذه الروايات تعطي للأحرف السبعة معنى صريحا لا يقبل التأويل ، وهو إمكان قراءة القرآن بألفاظ متعددة متغايرة على سبعة أنحاء وكلها من القرآن ، وقد ذهب لهذا الرأي جمهور علمائهم سلفا وخلفا وسيأتي ذكر بعض منهم بإذنه تعالى ، وعلى أي حال فرواياتـهم في هذا المعنى صريحة .

 

المعنى الثاني : الآيات القرآنية مدارها على سبعة مضامين 

ذكرت بعض روايات الأحرف السبعة عندهم أن آيات القرآن مفرزة إلى سبعة أقسام من المعاني والمضامين ، وكما ترى فإن هذا متضارب مع المعنى السابق ومباين له ، ولا بأس باستعراض شيء منها :

-    " عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجراً ، وآمراً ، وحلالاً ، وحراماً ، ومحكماً ، ومتشابـهاً ، وأمثالاً فأحلوا حلاله و حرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نـهيتم عنه واعتبروا بأمثاله وعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابـهه و قولوا أمنا به كل من عند ربنا "[14].

-    " عن عوف بن أبي قلابة قال بلغني أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال أنزل القرآن على سبعة أحرف : أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل "[15].

 

وقد مرت باقي الروايات التي تندرج تحت هذا القسم من معنى الأحرف السبعة وكان فيها بدلا عن سبعة أحرف خمسة وعشرة وأربعة أحرف أـأح، فلا نعيدها .

إذن تحصل إلى هنا أن الأحرف في روايات الطائفة الأولى تعني إمكانية تغيير ألفاظ الآيات لمعانيها المترادفة ، وأما روايات الطائفة الثانية فتفيد أن آيات القرآن مقسّمة إلى حرام وحلال إلخ ، والقسم الأول على ضوئه تتغير كلمات القرآن وتكون بحالة عائمة متغيّرة تبعا لمزاج القارئ بشرط أن لا يغير المعنى السياقي للآيات ، وأما القسم الثاني ففيه ثبوتٌ لألفاظ القرآن كما هو الآن ولكن آياته مفرزة لمعان متعددة ، وشتّان ما بينهما .

 

 

المحور الثالث : التضارب في مدلول الروايات المتفقة في المعنى

 

الروايات التي اعتمدها أهل السنة لبيان معنى الأحرف السبعة وهو إمكانية قراءة الآية بأكثر من شكل فيها من التضارب الشيء الكثير ، إذ لم يتفق الروايات في كيفية زيادة الأحرف حرفا بعد حرف حتى بلغت سبعة أحرف ، مما يجعل تلك الروايات عرضة لسهام الشك والترديد وهذا يحول دون قبولها على علاتـها[16].

 

 

S بيان التضارب فيما ذكرناه من الروايات :

بلحاظ ما ذكرناه سابقا من الروايات نجد أن رواية البيهقي تقول إن الاختلاف حدث أول الأمر بين أبي بن كعب وابن مسعود وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسَّن قراءتـهما معا ، وأن ملكا جاء إليه صلى الله عليه وآله وسلم وخيّره بين أن يقرأ القرآن على حرف أو على حرفين ، فكان الملك الآخر يرشده صلى الله عليه وآله وسلم ليختار الأكثر حتى بلغ سبعة أحرف .

وأما رواية مسند أحمد فيستفاد منها أن الملكين هما جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ، ولكن فيها أن جبرئيل لم يخيّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أمره بالقراءة على حرف مباشرةً وأن ميكائيل لم يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل وجّه أمره إلى جبرئيل نفسه حتى بلغ جبريل سبعة أحرف ، وهذا مخالف لما رواه البيهقي .

وأما رواية كنـز العمال ففيها أن جبرئيل كان بمفرده بدون ذكر لميكائيل ، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي طلب الرخصة بقراءة القرآن على أحرف متعددة للتوسعة على الأمة لأن الأمة لا تقدر على قراءته على حرف واحد ، وفيها أيضا أن جبريل كان ينطلق ويعود ثلاث مرّات ثم جاء في الرابعة فاستزاده دفعة واحدة من أربعة أحرف إلى سبعة .

ومن ثم نجده متناقضا مع ما رواه أحمد في بسنده عن أبي بن كعب : " فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : يا أبي ! أن ملكين أتياني فقال أحدهما : اقرأ على حرف . فقال الآخر : زدني . قال : اقرأ على حرفين . فقال الآخر : زده . فقلت : زدني . قال : اقرأ على ثلاثة . فقال الآخر : زده . فقلت : زدني . قال : اقرأ على أربعة أحرف . قال الآخر : زده . قال : اقرأ على خمسة أحرف . قال الآخر : زده . قلت : زدني . قال : اقرأ على ستة . قال الآخر : زده . قال : اقرأ على سبعة أحرف . فالقرآن أنزل على سبعة أحرف "[17] .

ففيها أن الزيادة كانت من جبريل بإشارة من ميكائيل وكانت الزيادة بالتدريج حرفاً إثر آخر من حرف واحد إلى أن أتم سبعة أحرف .

وفي رواية أخرى في كنـز العمال : " إن ربي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت إليه أن هوّن على أمتي ، فأرسل إليّ أن اقرأه على حرفين ، فرددت إليه أن هوّن على أمتي ، فأرسل إلي أن اقرأه على سبعة أحرف"[18] .

وهي تدل على أن الزيادة كانت بدعاء وطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا أن الملكين خيّراه أو أن الله عز وجل طلب منه ذلك !

وكل هذا التخبّط في النقل يتناقض بالجملة مع ما رواه الترمذي في سننه عن نفس أبي بن كعب الذي رويت عنه المتناقضات قال : "  لقي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جبرئيل فقال : يا جبرئيل ! إني بعثت إلى أمة أمييّن ، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط ، قال : يا محمد ! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف "[19].

والمستفاد منها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شكا لـجبريل حال أمّته بأن فيهم الشيخ الكبير والعجوز والغلام فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القرآن قد نزل مسبقا على سبعة أحرف ، وعلى هذا ، أين ذهبت زده ، فزادني ، فازددت ؟!

 

وبمضمون رواية الترمذي روى أحمد بن حنبل في مسنده عن حذيفة : " إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : لقيت جبريل عليه السلام عند أحجار المراء ، فقال : يا جبريل ! إني أرسلت إلى أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لا يقرأ كتابا قط . فقال : إن القرآن نزل على سبعة أحرف "[20] .

ثم تأتي رواية أخرى تنسف مضمون كل هاتيك الروايات فتصدمها من الأساس ، ورويت عن حذيفة نفسه ! حيث تسرد نفس الحادثة وهي لقاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل عند أحجار المراء وهي : " لقي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم جبريل عليه السلام وهو عند أحجار المراء فقال : أن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما عُـلّم ولا يرجع عنه . قال أبي ، وقال ابن مهدي : إن من أمتك الضعيف فمن قرأ على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه "[21] .

          وهذا الرواية تنهى عن عدول القارئ من أحد الحروف السبعة إلى غيره ، فأين التخيير والقول بأن : كلها شاف كاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ؟! 

 

وعلى ما مر يتضح وجه الخلل في المرويات وتعارضها فيما بينها الذي يحول دون الاعتماد عليها ، حتى أن أكابر علماء أهل السنة وأساطين علوم القرآن منهم توقّفوا في إجلاء المقصود منها فحكموا بإشكال معنى تلك الأحرف الذي حتم عليهم إحالة أمرها إلى الله علاّم الغيوب !

 

S كلماتهم في معنى الأحرف السبعة :

 

انقسم علماء أهل السنة في غمار معنى الأحرف -بحسب تتبعي القاصر- إلى قسمين ، ما بين متحير توقّف في معناها وبين متخبط مرتئي وهم الأكثر ، وكل من انتمى إلى القسم الأكثر أدلى بدلوه ، وراج بينهم الاستحسان والتقول بغير علم ، وكان الدليل المعتمد في ذلك كله هو المزاج والرأي !

 

 

g كلمات بعض المتخبّطين :

 

وصلت استمزاجات القوم في تفسير معنى الأحرف السبعة إلى أربعين قولا وذلك إلى زمان العلامة جلال الدين السيوطي ، والله العالم إلى إي عدد وصلت اليوم  :

" وفي نـهاية الأمر يأتي السيوطي (ت 911 ه‍ ) فيومئ إلى أن تفسيرات الحديث الأوجه السبعة   بلغت أربعين ولكنه لا يذكر منها سوى خمسة وثلاثين أكثرها متداخلة ومنها أشياء لا يفهم معناها على الحقيقة وأكثرها معارضة حديث عمر وهشام بن حكيم الذي في الصحيح "[22].

 

ولننقل هنا ما في الإتقان من وجوه الاختلاف والتضارب في معناها :

" قال ابن حبّان : اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة و ثلاثين قولاً ! فمنهم من قال :  هي زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال .الثاني : حلال وحرام وأمر ونـهي وزجر وخبر ما هو كائن بَعْدُ وأمثال . الثالث : وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج . الرابع : أمر ونـهي وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال . الخامس : محكم ومتشابه وناسخ و منسوخ وخصوص وعموم وقصص .السادس : أمر وزجر و ترغيب وترهيب وجدل و قصص ومثل . السابع : أمر ونـهي وحدّ وعلم وسرّ وظهر وبطن . الثامن : ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورُغم وتأديب وإنذار . التاسع : حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات . العاشر : أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص . الحادي عشر : حلال وحرام وأمثال وأنباء ومنصوص وقصص وإباحات . الثاني عشر : ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال . الثالث عشر : أمر ونـهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار . الرابع عشر : مقدّم ومؤخّر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال . الخامس عشر : مفسَّر ومجمل ومقضيّ ونَدْب وحتم وأمثال . السادس عشر : أمر حتم وأمر ندب ونـهي حتمْ ونـهي مرشد ووعد ووعيد وقصص . السابع عشر : أمر فرض ونـهي حتم وأمر ندب ونـهي مرشد  ووعد ووعيد وقصص . الثامن عشر : سبع جهات لا يتعدّاها الكلام : لفظ خاصّ أريد به الخاصّ ، ولفظ عام أريد به العام ، ولفظ عامّ أريد به الخاص ، و لفظ خاص أريد به العام ، و لفظ يستغْنى بتنـزيله عن تأويله ، ولفظ لا يعلَم فقهه إلاَّ العلماء ، و لفظ لا يعلم معناه إلاَّ الراسخون . التاسع عشر : إظهار الرُّبوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الأُلوهيّة والتعبّد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب . العشرون : سبع لغات ، منها خمس من هوازن واثنتان لسائر العرب . الحادي و العشرون : سبعة لغات متفرِّقة لجميع العرب ، كلّ حرفٍ منها لقبيلة مشهورة . الثاني و العشرون : سبع لغات ، أربع لعجُز هوازن : سعد بن بكر وجُشم بن بكر ونصْر بن معاوية ، ثلاث لقريش . الثالث و العشرون : سبع لغات : لغة قريش ولغة اليمن ولغةُ لجرْهم ولغة لقُضاعة ولغة لتميم ولغة لطيّئ . الرابع والعشرون : لغة الكعبيين : كعب بن عمرو وكعب بن لؤيّ ولهما سبع لغات . الخامس والعشرون : اللغات المختلفة لأحياء العرب في معنىً واحد ، مثل : هلمّ وهات وتعال وأقبل . السادس والعشرون : سبع قراءات لسبعة من الصحابة : أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ عليه السلام- وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب رضي الله عنهم . السابع و العشرون : همز وإمالة وفتح وكسر وتفخيم ومدّ وقصر . الثامن والعشرون : تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجُع ولغات مختلفة كلُّها في شيء واحد . التاسع والعشرون : كلمة واحدة تُعْرَب بسبعة أوجه ، حتى يكون المعنى واحداً ، وإن اختلف اللفظ فيه . الثلاثون : أُمّهات الهجاء : الألف والباء والجيم والدال والراء والسين والعين لأن عليها تدور جوامع كلام العرب .الحادي و الثلاثون : أنّها في أسماء الربّ مثل : الغفور الرحيم ، السميع البصير ، العليم الحكيم . الثاني والثلاثون : هي آية في صفات الذات ، وآية تفسيرُها في آية أُخرى ، وآية بيانـها في السنّة الصحيحة ، وآية في قصّة الأنبياء والرُّسل ، وآية في خلْق الأشياء ، وآية في وصف الجنّة ، وآية في وصف النار . الثالث والثلاثون : آية في وصف الصانع ، وآية في إثبات الوحدانيّة له ، وآية في إثبات صفاته ، وآية في إثبات رسله ، وآية في إثبات كتبه ، وآية في إثبات الإسلام ، وآية في نفي الكفر . الرابع و الثلاثون : سبع جهات من صفات الذات لله التي لا يقع عليها التكييف . الخامس و الثلاثون : الإيمان بالله ومباينة الشِّرك وإثبات الأوامر ومجانبة الزّواجر والثبات على الإيمان وتحريم ما حرّم الله وطاعة رسوله "[23].

 

 فقد أشكل حل معضلة هذا الحديث -الأحرف السبعة- على فطاحل علماء علوم القرآن عندهم ، فهذا ابن الجزري بعد جهد جهيد ولنحو نيف وثلاثين سنة يرجو أنه قد توصل لحل لغز وطلسم الأحرف السبعة ، وهو الإمام الرمز في علوم القرآن والمعتمد عليه في القراءات وإليك نص كلامه :

 " و لا زلت أستشكل هذا الحديث -الأحرف السبعة- و أفكر فيه وأمعن النظر من نحو نيف و ثلاثين سنة حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله تعالى ، وذلك إني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه "[24].    

فإذا كان هذا حال ابن الجزري فما ظنك بعياله ؟ ، وهنا سؤال يطرح نفسه ، على أي من تلك الآراء نحكّم القرآن ؟ بل على أي منها نلجمه ؟

 

 

g كلمات بعض من تحرّز الدخول في المزلـقة

 

قلنا أن بعض علماء أهل السنة توقّف في المسألة ولم يتقوّل بما لا يعلموقليل ما هم فصار بين إبـهام المعنى وصحة تلك الروايات فآثر عدم البتّ في معناها وتجنب اقتحام غمار الرأي والاستهواء ، فهذا ابن حبان مع كل ما سبق من التخبّط الذي ذكره السيوطي- يقول أن تلك الأقوال من المشكل التفريق بينها فجميعها وجوه محتملة ، يل يحتمل غيرها أيضا ! :

" قال ابن حبّان : فهذه خمسة وثلاثون قولاً لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعةِ أحرف ، وهي أقاويل يشبه بعضُها بعضاً ، وكلها محتملة ، وتحتمل غيرها ."[25] ، فزاد في الطنبور نغمة !

 

وذهب العلامة المرسي إلى أن هذه الوجوه لا يعرف معنى بعضها وأنـها تتداخل فيما بينها ، فلا يعلم لماذا جُزم بـها على الله عز وجل بلا بيّنة ولا دليل ؟

" وقال المرسي : هذه الوجوه أكثرها متداخلة ، ولا أدْرِي مستندها ، ولا عـمّن نُقِـلت ، ولا أدري لم خصّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ، مع أن كلها موجودة في القرآن ، فلا أدري معنى التخصيص ، وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة ، وأكثرها يُعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح "[26].

 

وكذلك ذهب أبو بكر بن عربي :" ومنشأ الخطأ فيها إرادة التعيين على سبيل القطع والجزم مع أنّه لم يأتِ في معناها نصٌ ولا أثر واختلف الناس في تعيينها "[27].

 

وقال القرطبي : " وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن حِبّان السُبْتي  "[28].

 

وتبعهم الكردي الخطاط : " ونـحن نرى أنه لا يبعد أن يكون هذا الحديث متشابـها يفوّض معناه إلى الله تعالى كما ذهب إليه بعض العلماء وذلك لأمرين : الأول : كثرة اختلاف العلماء في معناه حتى بلغ نحوا من أربعين قولا . الثاني : ورود أحاديث كثيرة في هذا المعنى بعبارات مختلفة"[29].

 

والعلامة السيوطي الذي نقل كل تلك الوجوه والآراء توصل إلى أن الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه :

" إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف . والمراد به أكثر من ثلاثين قولا حكيتها في الاتفاق والمختار عندي أنه من المتشابه الذي لا يدري تأويله "[30].

 

وموقف هؤلاء من الأحرف السبعة أسلم مما أقحم به علماء السلف[31] أنفسهم وكذا أغلب المعاصرين بتجويز إبدال آيات الله بغير كلماتـها تعويلا على الظن ، ونسبوا للدين تغيير كلمات القرآن رأسا على عقب بلا دليل واضح تركن إليه النفس .

 

 

S سيـرا مع الجمهور :

 

ومع غض الطرف عن تـهافت الأدلة وسيرا مع رأي جمهرة علمائهم ، نسلم بما اتفق عليه البخاري ومسلم من كون معناها هو جواز تبديل الكلمات بمترادفاتـها وتحسين قراءة الجميع بدعوى أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف .

وحتى لو قصرنا النظر على الأدلة فإن رواياتـهم دالة على هذا المعنى ، فهنالك روايات مجملة وأخرى مبيّنة ، والقسم المجمل منها لم تُبين لنا تفاصيل اختلاف الصحابة في القراءات لنتمكن من الوقوف على ما جوّز قراءته الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وعليه فهذه الروايات لا تساعد على تعيين معنى الأحرف السبعة فإن غاية ما يستفاد منها وجود اختلاف وإنكار بين الصحابة لقراءة بعضهم البعض ولا تبين ماهية هذا الاختلاف بتوضيح موارده أو كيفيته ، والقسم المبيّن تنص رواياته على ماهية الأحرف السبعة ، لأنـها بيّنت ما جوّزه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من تغيير قراءة ألفاظ القرآن إلى ألفاظ أخرى بشرط الموافقة فيما بينها في المعنى والمضمون .

ومقتضى قاعدة حمل الروايات المـجملة مثل ( أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ) على المبينّة والشارحة لكيفية هذه الرخصة نحو ما رووا ( احتى بلغ سبعة أحرف قال : ليس فيها إلا شاف كاف ، قلت غفور رحيم ، عليم حليم ، سميع عليم ، عزيز حكيم )[32].

فالعمدة في الجواز عدم تغيير المعنى والسياق العام للآية ولا مانع من تبديل الألفاظ بما يحلو للقارئ بشرط أن تكون مرادفة لمعنى اللفظ المبدّل ، وبذلك نحافظ على السياق العام للآية فلا نختم آية رحمة بعذاب ولا آية عذاب برحمة  نحو : " قال كل شاف كاف ما لم تختموا آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك تعال ، وأقبل ، و هلم ، واذهب ، و أسرع ، واعجل "[33].

وقد يعترض بأن هذا أحد الوجوه التي ذكرها علماء أهل السنة للأحرف السبعة ، لا كلها ؟   فنقول : نعم ، ولكن هذا رأي الأغلب كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى ، وهو ما قام عليه الدليل وغير هذا الرأي يحتاج إلى دليل لإثباته ومحض الإدعاء لا يقبل والمتيقن من الروايات هو هذا المعنى :

" أنزل القرآن على سبع لغات من لغات العرب المشهورة في كلمة واحدة تختلف فيها الألفاظ والمباني مع اتفاق المعاني أو تقاربـها و عدم اختلافها و تناقضها وذلك مثل : هلم ، وأقبل ، وإليّ ، ونحوي ، وقصدي ، وقربي ، فإن هذه ألفاظاً سبعة مختلفة يعبّر بـها عن معنى واحد وهو طلب الإقبال "[34]

لذا المعتمد المعول عليه هو هذا الوجه من معنى الأحرف السبعة بمقتضى الأدلة ، وبمقتضى كونه رأي جمهور علماء أهل السنة وأكابر سلفهم كما سيتضح .

 

وقد أنصف الأدلة الشرعية أكابر علمائهم من السلف إلى الخلف ، فأخذوا بما أملته عليهم الروايات من جواز القراءة بالمعنى ، قال ابن جرير الطبري في تفسيره تعليقا على عبارة ( كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بآية عذاب كقولك : هلم وتعال ) :

" فقد أوضح النص هذا الخبر : أن اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف في ألفاظ كقولك : ( هلم و تعال ) باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبة اختلف أحكام وبمثل الذي في ذلك صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف ".

وأخذ بسرد الأدلة إلى أن قال : " بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بـها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني كقول القائل : ( هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ) ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ بضروب المنطق وتتفق فيه المعاني وإن اختلفت بالبيان به الألسن كالذي روينا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنـزلة قولك ( هلم ، وتعال ، وأقبل ) وقوله ( ما ينظرون إلا زقية ) و ( إلا صيحة ) "[35].

 

وقال الطحاوي : " فوسع عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بـها ألفاظ نبيهم إلى قراءة بـها عليهم فوسع لهم في ذلك بما ذكرنا ، والدليل على ما وصفنا من ذلك أن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام وهما قرشيان ألسنتهما لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نزل به القرآن قد كان اختلفا فيما قرآ به سورة الفرقان حتى قرأها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "[36].

 

وقال القرطبي : " الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عُيَيْنه وعبد بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم : أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو ، أَقْبَل وتَعَال وهَلُمّ . قال الطحاوي : و أبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : أقرأ على حرف فقال ميكائيل : استزده ، فقال : أقرأ على حرفين . فقال ميكائيل : استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال : اقرأ فكلُّ شافٍ كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب ، أو آية عذاب بآية رحمة ، على نحو هلمَّ وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجِّل . وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ {لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا}(الحديد/13) : للذين آمنوا أمهلونا ، للذين آمنوا أخّرونا ، للذين آمنوا ارقبونا . وبـهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}(البقرة/20). : مرّو فيه ، سعَوْا فيه . وفي البخاري ومسلم قال الزهري : أما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام "[37].

 

وقال البيهقي :"  وأما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة غفور رحيم بدل عليم حكيم ، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي فإذا قرأ ذلك في غير موضعه ما لم يختم به آية عذاب بآية رحمة أو رحمة بعذاب فكأنه قرأ آية من سورة وآية من سورة أخرى فلا يأثم بقراءتـها كذلك "[38].

 

وقال السيوطي :  " وإلى هذا ذهب سفيان بن عُيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق ، ونسبه ابن عبد البـرّ لأكثر العلماء ، ويدُلّ له ما أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي بَكْرة : إن جبريل قال : يا محمد اقرأ القرآن على حرف . قال ميكائيل : استزده . حتى بلغ سبعة أحرف ، قال : كل شافٍ كافٍ ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب ، نحو قولك : تعالَ وأقبل وهلمّ واذْهب وأسرع وعجِّل ، وهذا اللفظ رواية أحمد ، وإسناده جيد .

وأخرج أحمد والطبراني أيضا عن ابن مسعود نحوه ، وعند أبي داود عن أُبيّ : قلت سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً ، ما لم تخلط آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، وعند أحمد من حديث أبي هريرة : أنزل القرآن على سبعة أحرف عليماً حكيماً غفوراً رحيماً . وعنده أيضا من حديث عمر : إن القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة  ، وأسانيدها جياد "[39] .

 

وقال في لغة القرآن الكريم :  " وهذا القول منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان بن عيينة و ابن وهب و ابن جرير الطبري و قد دافع عنه كثيرا في مقدمة تفسيره ، وقدّمه القرطبي و أيّده ابن عبد البر ونسبه إلى أكثر أهل العلم[40] ، ورجّحه الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه المعجزة الكبرى[41] ، والشيخ محمد أبو شهبة في كتابه المدخل لدراسة القرآن[42] و غيرهم ، واستدل هؤلاء بما أخرجه ابن جرير  فذكر الأدلة "[43].

 

               قال ابن حجر العسقلاني : " قال أبو شامة وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن هل هي مجموعة في المصحف بأيدي الناس اليوم يقصد مصحف عثمان- أو ليس فيه إلا حرف واحد منها مال ابن الباقلاني إلى الأول وصرح الطبري وجماعة بالثاني وهو المعتمد .

وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي الطاهر بن أبي السرح قال : سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين هل هي الأحرف السبعة قال : لا ، وإنما الأحرف السبعة مثل هلم وتعال وأقبل ، أي ذلك قلت أجزأك . قال : وقال لي ابن وهب مثله "[44]، وفي مبحث جمع القرآن سيأتي مزيد من كلمات علمائهم بإذنه تعالى .

 

 

          S علة تشريع الأحرف السبعة

 

g الأمة لا تطيق القرآن إلا على سبعة أحرف !

بعد الفراغ من بيان ماهية تلك الأحرف ، فنقول : ما هي علة نزول القرآن على سبعة أحرف  ؟ ، قال علماء أهل السنة طبقا لما أملته عليهم الروايات أن التسهيل والتيسير على الأمة هو سبب نزول القرآن على سبعة أحرف ، لأن القرآن نزل على أُناس هم أقرب إلى عصر الجاهلية ولا يوجد فيهم كثير من القراء ، ومن باب التخفيف عن هذه الأمة المرحومة وتـمييزها عن غيرها أنزل القرآن على سبعة أحرف حتى لا تضيق عليهم قراءة القرآن ، فلا يلـزمون بقراءة واحدة تعسر على بعضهم ، وهذه بعض النماذج من أقوالهم ذكرت في تاريخ القرآن :

 " قال الشمس بن الجزري : فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بـها والتهوين عليها شرفا لـها و توسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيه أفضل الخلق و حبيب الخلق حيث أتاه جبريل فقال " إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم : سل الله معافاته ومعونته إن أمتي لا تطيق ذلك ، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف ".

" والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتـهم مخـتلفة وألسنتهم شتّى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها ومن حرف إلى آخر بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لاسيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا كما أشار إليه صلى الله عليه (وآله) وسلم فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع وما عسى أن يتكلف المتكلف وتأبى الطباع . وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة في كتاب الـمشكل : فكان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم بأن يقرئ كل أمته بلغتهم وما جرت به عادتـهم "[45].

 

إذن المشهور بين علمائهم أن الأمة لا تطيق قراءة القرآن على حرف واحد وأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله عز وجل التخفيف عن هذه الأمة فخفف عنها بإنزال القرآن على سبعة أحرف وكلها شاف كاف . وسيأتي تتمة كلام هذا المقام في جمع القرآن بإذن المولى سبحانه .

 

 

S  الأحرف السبعة في الميزان ‍

 

اتضح بلا ريب ما لقبول أو رفض أصل الأحرف السبعة من انعكاس بالغ الأهمية في صيانة ألفاظ القرآن من أيدي المتلاعبين والمحرفين للكلم من بعد مواضعه ، فالمستفاد من الروايات -وهو ما ذهب إليه أساطين علمائهم من سلفهم إلى يومنا- هو إمكانية تبديل وتغيير ألفاظ القرآن بغيرها لأن الرخصة في ذلك جاءت من الله عز وجل الذي {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}(الأنبياء/23). فإن ثبتت الرخصة فلا يبقى مجال لأحد أن يمنع أو يدّعي عدم جواز ذلك .

أما إذا لم تثبت تلك الرخصة أو ثبت العكس فلعمر الحق ! للأحرف السبعة طامة من الطامات وزلزلة عظيمة لركن من أركان الإسلام ، ودعوة صريحة لجواز تبديل آيات القرآن وتبديلها على ما يحلو للقارئ ويراه ثم يقول هو من عند الله افتراءً عليه وعلى رسوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(هود/18).

 

 

g  أدلة بطلان مقولة الأحرف السبعة

 

نذكر هنا بعض  الأدلة التي تعارض نـزول القرآن على سبعة أحرف بمعنى الألفاظ المترادفة ، لنرى هل هناك مكان للأحرف السبعة في دين الله عز وجل أم لا ؟

 

1-                لا دليل يمكن التمسك به لإثبات هذا الأصل

 

قد مرّ ذكر الروايات وتبيّن لنا أنـها منقسمة إلى قسمين ، كل قسم لا يلتقي مع القسم الآخر ، والتعارض موجود تارة في عدد تلك الأحرف ، وهي على خمسة أقسام ، وبعد أن رجّحنا ما رجحه أهل السنة سبعناها إكراما لـهم ، ثم حصل التعارض من جديد في معنى هذه السبعة وانقسمت الروايات إلى قسمين : القسم الأول دلّ على إمكان تغيير ألفاظ القرآن بما يرادفها في المعنى ، أما القسم الثاني فدل على حصر مواضيع الآيات التي أنزل الله عليها القرآن بسبعة أنواع أي حاكية عن أقسام البيان وأنواع الخطاب ، وسايرناهم مرّة أخرى بترجيح إمكانية تغيير ألفاظ القرآن بما يرادفها ، ثم حصل التضارب من جديد في حكاية كيفية تشريع تلك الأحرف وعن نفس الصحابي ، فمرّة تحكي أن تشريع الأحرف تم في ذلك الموقف ، ومرة أخرى أن الأحرف قد أنزل عليها القرآن من قبل وأن الأمة تقرأ بتلك الأحرف تلقائيا ، ناهيك عن التضارب بين طيات الحادثة !

 وأهل التحقيق لا يتجاوزون هذا التضارب الذي يقف سدا دون قبول ما تتضمنه الروايات ، فكيف يعتمد على مثلها مما لم تسلم من التعارض والتدافع في أي من فقراتـها ولا يوجد فقرة إلا ويوجد ما يعارضها ؟!

فتلك الروايات لا يتسنى لذي دين الجزم بـها على الله عز وجل ، فلا دليل ينهض لإثبات ذاك المعنى من الأحرف السبعة بعد التساقط .

وقد توقف بعض علماء أهل السنة فيها وأشكلت مضامينها عليهم ، ثم بلغ استحسانات بعضهم في بيان معناها أربعين قولا ، وكل هذا دليلٌ على أن الأدلة قاصرة عن إفادة الغاية المرجوة منها ، ولا يظن إهمال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بيان هكذا أصل مع ذكر مصطلحه فقط أي ( سبعة أحرف ) حتى لا يفتح باب التلاعب بكتاب الله وناموس الرسالة الخاتمة للبشرية ، فأي دليل يبقى بعدُ يعتمد عليه ؟!

 

 

2-                المعارضة لصريح القرآن

 

هذا المعنى من الأحرف السبعة يعني جواز نسبة ألفاظ ليست في مصحفنا للقرآن بدعوى أن لها معنى واحد تمسكا بما ادُّعي أنه قول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :

" ( كل شافٍ كافٍ ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب ، نحو قولك : تعالَ وأقبل وهلمّ واذْهب وأسرع وعجِّل ) ، وهذا اللفظ رواية أحمد ، وإسناده جيد "[46].

وهذا الأصل المنحرف والمستند المائل يتعارض مع صريح الآيات التي تحظر على الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتصرف في ألفاظ الآيات الكريمة ويغيرها من تلقاء نفسه ، وتوجب عليه اتباع ما يوحى إليه بلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل ، وإلاّ لاستوجب العذاب الأليم جزاء للكذب على الله عز وجل والعياذ بالله- ونسبة ما ليس منه إليه ، قال تعالى :

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}(يونس/15-17).

فهذه الآية تناقض ذلك الأصل الذي يجوِّز افتراء الكذب على الله عز وجل فيدعي القارئ قرآنية كل ما يحلو له ، فيصبح ويقول إن هذه الآية قالها الله عز وجل هكذا  ، ويمسي ويقول قالها بشكل آخر وهكذا ، فيغير ألفاظ القرآن ويبدلها بدعوى أن هذا التبديل إنما هو من تلك الأحرف ، وكله كذب على الله وافتراء فإن قول فلان ليس هو قول الله ! ثم ما يدريه أن هذا هو قول الله عز وجل بعينه ؟!

ثم ما نفعل بمثل الآيات التي يستفاد منها عدم تغيير آيات الله وتبديل كلماته بغيرها كقوله تعالى :{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا}(الكهف/27). وغيرها مما يقارب مضمونـها [47].

 

 

3-             معارضة لسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

الأمر الأول : إن بعض الأقوال والأفعال التي صدرت منه صلى الله عليه وآله وسلم تقضي بفساد هذا الأصل وأن لا وجود له في شريعتنا وذلك لتعارضه معها .

 وعليه نستطيع الجزم ببطلان هذا المعنى للأحرف السبعة وفساد الروايات التي تحكي مضمونه ، فقد ذكرت كتب التفاسير[48] أن سبب نزول الآية المباركة {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ }(الأنعام/93) هو التنديد بكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آنذاك عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ابن خالة عثمان وأخيه من الرضاعة حينما خان الله ورسوله في كتابة الوحي ، حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يملي عليه ( عزيز حكيم ) فيقول سعد : ( أو عليم حكيم ؟ ). فيصوّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأي ابن سعد ويقرّه على أن هذه كلها صفات الله عز وجل ، ولكن يجب إبقاؤها كما أنزلها الله عز وجل وأن يلتزم بكتابة ما يسمعه فقط ، إذ كونـها من صفات الله عز وجل لا يعني جواز تغيير ألفاظ القرآن على مزاجك ! ، ولكنه لم يعبأ بما قيل له وأخذ يغير القرآن ويكتبه محرّفا ، ففي روضة الكافي عن أبي بصير رضوان الله تعالى عليه عن أحدهما عليهما السلام قال :

" سألته عن قول الله عز وجل : {وَمَنْ أَظْلَمُ ممَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} . قال : نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو من كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة هدر دمه وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أنزل الله عز وجل ( إن الله عزيز حكيم ) كتب ( إن الله عليم حكيم ) فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : دعها ! فإن الله عليم حكيم ! [49] وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين : إني لأقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل "[50].

 

وفي الدر المنثور :" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال كان ابن أبى سرح يكتب للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم الوحي أتى أهل مكة فقالوا يا ابن أبي سرح : كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن ؟  قال : كنت أكتب كيف شئت ، فانزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } "[51].

ورووا تلك الحادثة عن رجل آخر اسمه أبو برزة الأسلمي[52] :" قال لقريش : أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال : فاكتب . فكان إذا أملى عليه من القرآن ) وكان الله عليما حكيما ( ، كتب ( وكان الله حكيما عليما ) و إذا أملى عليه ( وكان الله غفورا رحيما ) ، كتب ( وكان الله رحيما غفورا ) . ثم يقول : يا رسول الله اقرأ عليك ما كُتب ! فيقول : نعم ، فإذا قرأ عليه ( وكان الله عليما حكيما ) أو ( رحيما غفور ) قال له النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما هكذا أمليت عليك !  وان الله لكذلك ! إنه لغفور رحيم و إنه لرحيم غفور !! فرجع إلى قريش فقال ليس آمره بشيء كنت آخذ به فينصرف "[53].

 

          وفي تاريخ اليعقوبي : " عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ، وكان يكتب لرسول الله فصار إلى مكة فقال : أنا أقول كما يقول محمد ، والله ما محمد نبي وقد كان يقول لي : اكتب (عزيز حكيم)، فأكتب ( لطيف خيبر ) ، ولو كان نبيا لعلم "[54].

 

وبعد أن ظهرت منه الخيانة طرده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلحق عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالمشركين ، وكان يقول لهم : إني كنت أصرف محمداً حيث أريد . فأنزل الله فيه الآية ، وأهدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمه ، فشفع له عثمان خلافا لرغبة الله ورسوله ![55].

وقال البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي : "  وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، ثم ارتد ورجع إلى مكة وقال لقريش : أنا آتى بمثل ما يأتي به محمد . وكان يملي عليه (الظالمين) فيكتب (الكافرين) . يملي عليه (سميع عليم) ، فيكتب (غفور رحيم) . وأشباه ذلك . فأنزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ }(الأنعام/93). فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بقتله ، فكلمه فيه عثمان بن عفان وقال : أخي من الرضاع وقد أسلم . فأمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بتركه ، وولاه عثمان مصر "[56] .

وذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين : " فأما عبد الله بن سعد ابن أبي سرح فإن الأخبار الصحيحة ناطقة بأنه كان كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وآله فظهرت خياناته في الكتابة فعزله رسول الله صلى الله عليه وآله فارتد عن الإسلام ولحق بأهل مكة "[57] .

قد يقال إن فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع ابن أبي سرح لا يدل على عدم جواز القراءة بالمعنى إذ الكتابة غير القراءة وما فعله ابن أبي سرح هو الكتابة لا القراءة ، ويرد عليه أن هذا الادعاء مدفوع بفعل الصحابة أنفسهم وذلك لورود عشرات الروايات التي تنص على أن الصحابة كانوا يكتبون التغيير والتبديل في مصاحفهم الخاصة وهم وجوه الصحابة على ما سيأتي بيانه كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وعائشة وحفصة وأبي بن كعب وغيرهم ، فاختصاص الحرمة بالكتابة مناقض لفعل الصحابة ، ثم إن الأصل هو القراءة لا الكتابة لأن السماح بالتلاعب في القراءة سيسمح بطبيعة الحال بالتلاعب في الكتابة لما سيأتي أن المصاحف لم تكن تتميز كلماتـها إلا بالقراءة وكانوا يكتبون المصاحف عن القراءة لأن القرآن نزل منجما لا ككتاب مسطور.

وعلى أي حال فهذه الحادثة تعد أدل دليل على إنكار الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لتبديل ألفاظ القرآن بغيرها ولو بمرادفاتـها نحو ( عليم حكيم )  بدلا عن ( عزيز حكيم ) وهو عين منطوق روايات الأحرف السبعة ، وعلى ذلك فسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كاشفة عن كذب هذه الرخصة المخزية للقرآن ولأهله ، وأنـها تعتبر خيانة لله ولرسوله ، نعوذ بالله من الخذلان .

 

وهناك نص يبين عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم بتغيير ترتيب الآيات والانتقال من آية في سورة إلى آية في سورة أخرى ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بطريقين أحدهما حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال : " مر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم على بلال وهو يقرأ من هذه السورة و من هذه السورة ، فقال : بأبي أنت يا رسول الله إني أردت أن أخالط الطيب بالطيب ، فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم : اقرأ السـورة على نـحوها ! "[58].

فكيف يظن به صلى الله عليه وآله وسلم يرضى بخلط القرآن بكلام البشر في حال عدم رضاه بخلط كلام الله ببعضه البعض !

 

          الأمر الثاني : وردت في مصنّفات أهل السنة الروائية عدد من الروايات التي تحكي حدوث اختلاف بين الصحابة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قراءتـهم لآيات القرآن ، فأخبروه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فاحمر وجهه وتربّد وحذّرهم مغبّة الاختلاف في القرآن لئلا يكونوا كالذين من قبلهم أضاعوا كتب الله باختلافهم فيها فهلكوا وأهلكوا .

 

وقد جاء هذا المعنى في عدّة مصادر منها مسند أحمد عن ابن مسعود قال : " تمارينا في سورة من القرآن فقلنا خمس وثلاثون آية ، ست وثلاثون آية قال : فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فوجدنا عليا رضي الله تعالى عنه يناجيه ، فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة . فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . فقال علي رضي الله تعالى عنه : إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم "[59].

وقد زاد الطبري في تفسيره : " فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم و قال : إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم . قال : ثم أسر إلى علي شيئا فقال لنا علي : إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما عُـلّمتم "[60].

وهذه الحادثة دالة على عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم وغضبه على من يتجاوز حدود ما علمه لهم ، حيث أوجب عليهم التزام قراءته بنص قوله ( اقرؤوا القرآن كما علمتم ) لأنه معلم القرآن ومتلقي الوحي ، ولم يؤثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم قراءة آيةٍ ما بأشكال متعددة متغايرة وإلا لأوصلته رسله لنا وصار حديث الأندية وهذا الأمر يناقض معنى الأحرف السبعة الذي يسمح للجميع بقراءة القرآن كيفما أراد بتبديل كلمات الآيات .

ناهيك أن الروايتين السابقتين سكتتا عن مقطع مهم جاء في رواية صحيحة السند وهي :

" حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن عن همام عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال : سمعت رجلا يقرأ {حم } الثلاثين يعنى الأحقاف ، فقرأ حرفا وقرأ رجلا آخر حرفا لم يقرأه صاحبه وقرأت أحرفا فلم يقرأها صاحبي ، فانطلقنا إلى النبي  صلى الله عليه (وآله) وسلم فأخبرناه ، فقال : لا تختلفوا فإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم . ثم قال : انظروا أقرأكم رجلا فخذوا بقراءته "[61].

وهذه الرواية تقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم بعدم الاختلاف وأن يقتدوا برجل أتقن قراءة القرآن وهذا الإقتداء يعني الاتحاد على قراءة واحدة ، وأن هلاك الأمة بالاختلاف والفرقة في قراءة القرآن ، فأين الأحرف السبعة من هذه الرواية ؟!

 

          الأمر الثالث : الدعاء لله عز وجل يصح بأي لغة وبأي شكل كان ، وإن ورد مأثورا كان الالتزام بألفاظه أتم وأكمل من تغييرها لمرادفاتـها لما لنظم الدعاء من أسرار لا نعلمها ، حتى ورد أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم علّم البراء بن عازب دعاءً كان فيه ( ونبيك الذي أرسلت ) ولكن البراء أبدل كلمة ( ونبيك ) إلى ( وبرسولك ) فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يغير ألفاظ الدعاء وأن يتقيد بما علمه .

وهذا ما ذكره ابن حزم في الإحكام وسيأتي الكلام عنه ، فإن كان للدعاء هذه الخصوصية ويلزم أن نتقيد بنصه فكيف يصح التبديل والتغيير في القرآن المعجز في نظمه ومضمونه حتى يكون عرضة لتلاعب القراء ؟

 

 

4-                موقف الصحابة العملي المناقض لهذا الأصل :

 

سمع الصحابة في عصر النـزول هذا القرآن غضا طريا من لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك حدث الاختلاف فيما بينهم في قراءة القرآن بتغيير بعض ألفاظه ، وكانت تحصل لذلك بعض المشادات ، ولم نر أحدا منهم يفض النـزاع بدعوى أن هذا الاختلاف والتباين بيننا في قراءة الآيات إنما هو من باب الأحرف السبعة !

ولا يخفى اعتبار هذا الوجه كسبب مقبول لتغاير قراءات السلف يُقطع به دابر الشحناء والتباغض ، ولذا لا يعقل إهمالهم لذكر سبب الاختلاف الأحرف السبعة- مع أهميته البالغة ، فهذا الإهمال منهم يدل على أن هذا المعنى المستفاد من روايات الأحرف السبعة قد تولد في عصر متأخر عن عصر الصحابة .

 

S الروايات الدالة على افتعال معنى الأحرف السبعة بعد زمن الصحابة :

 

1- اعتراض عمر على قراءة أبي بن كعب :

" أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور و ابن أبى شيبة و ابن المنذر و ابن الانبارى في المصاحف عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(الجمعة/9). فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت : أبى بن كعب . قال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ اقرأها ( فامضوا إلى ذكر الله ) "[62] ، هنا صرح عمر أن هذه الجملة ( فامضوا إلى ذكر الله ) قرآن منـزل ، فإن كان للأحرف السبعة وجود لما جاز لعمر أن ينهى أبي بن كعب عن قراءة الآية بالصورة التي نقرأ بـها اليوم .

 

2      - تعريض سعد بن أبي وقاص بقراءة ابن المسيّب   : 

 " وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور و أبو داود في ناسخه و ابنه في المصاحف و النسائي وابن جرير وابن المنذر و ابن أبى حاتم و الحاكم وصححه عن سعد بن أبى وقاص أنه قرأ ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) فقيل له : إن سعيد بن المسيب يقرأ {نُنسِهَا}(البقرة/106). فقال سعد : إن القرآن لم ينـزل على المسيب ولا آل المسيب قال الله : {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى}(الأعلى/6). {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}(الكهف/24) "[63] ، فلو كان لهؤلاء عهد بمعنى الأحرف السبعة لما كان من الجائز أن ينهى سعد عما رخّص به الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

 

3      - امتراء نفر من التابعين في القراءة   :

" أخرج سعيد بن منصور والطبراني عن الأخنس قال : امترينا في قراءة هذا الحرف ( ويعلم ما يفعلون ) أو ( تفعلون ) فأتينا ابن مسعود فقال ( تفعلون )"[64] ، لو كان للأحرف السبعة مكان بينهم لكان من اللازم أن يقول ابن مسعود أن كل تلك الوجوه شافية كافية ما لم تختموا آية رحمة بعذاب أو العكس  !

 

4-  اعتراض عبد الله بن الزبير على قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

" وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر : ما بال صبيان يقرءون {نَخِرَةً}(النازعات/11).  إنما هي (  ناخرة  ) "[65]، فلو كان لمعنى الأحرف السبعة مقام لما رفض قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولجوز القراءتين !

 

          5- اعتراض ابن الزبير الآخر على قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  :

" وأخرج ابن أبى حاتم عن عروة بن الزبير أنه كان يعجب من الذين يقرؤون هذه الآية{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}(الحج/51). قال : ليس {مُعَاجِزِينَ} من كلام العرب إنما هي (معجزين) يعنى مثبطين "[66]، فإن كان للأحرف السبعة وجود ، كيف ينهي ابن الزبير عن القراءة المتواترة التي نقرأ اليوم بـها ويُلحّن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !

 

6- إنكار ابن سيرين على قراءة الحسن البصري  :

" وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سئل : كيف تقرأ هذه الآية {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23). أو ( فرغ عن قلوبـهم ) قال : {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23). قال : فان الحسن يقول برأيه أشياء أهاب أن أقولها "[67] ، فلا مجال للاعتراض إن كان للأحرف السبعة وجود .

 

وأما لو تغاضينا عن الأدلة المتوافر في تحديد معنى الأحرف السبعة وسايرنا بعض نفر من علمائهم بأن معنى الأحرف السبعة هي الوجوه المحتملة للفظ باختلاف القراءات[68] فإن هذا الوجه لا ينسجم وفعل الصحابة ، وذلك لعدم وجود أحد منهم برر موقفه وقراءته بدخولها ضمن الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن عندما انتقد في قراءته ، بل إن هذا الوجه يتعارض مع فعلهم أيضا لأن بعض تلك القراءات رفضت وضرب بـها عرض الجدار !

 

S       بعض الروايات الدالة عليه :

 

1-  " أخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك )رض( عن أبيه قال : سمع عمر )رض( رجلا يقرأ هذا الحرف ( ليسجنـنه عتّى حين ) فقال له عمر )رض( : من أقرأك هذا الحرف ؟ قال : ابن مسعود )رض( ، فقال عمر )رض( :{لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ}(يوسف/35). ، ثم كتب إلى ابن مسعود )رض( : سلام عليك أما بعد فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآنا عربيا مبينا و أنزله بلغة هذا الحي من قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرؤهم بلغة هذيل "[69].

وها قد اعترض عمر على قراءة ابن مسعود وهي على حرف مختلف عن حرفه ، فلو كان لتلك الأحرف أصل شرعي لمـا جاز لعمر الاعتراض على قراءة ابن أم عبد الغضّـة ، لأن ابن مسعود سيرد  عليه بجواز القراءة على سبعة أحرف ! فكيف يصح الاعتراض من عمر على ما جوّزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟[70]

 

2-   "  حدثنا أبو سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقول :{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}(التوبة/100). إلى آخر الآية فوقف عليه عمر فقال : انصرف فلما انصرف قال له عمر : من أقرأك هذه الآية ؟ قال : أقرأنيها أبي بن كعب . فقال : انطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فإذا هو متكئ على وسادة يرجل رأسه فسلم عليه فرد السلام فقال : يا أبا المنذر . قال : لبيك . قال : أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية ؟ قال صدق ، تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال عمر : أنت تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟! قال : نعم أنا تلقيّتها من رسول الله صلى الله عليه وآله .  ثلاث مرات كل ذلك يقوله ، وفي الثالثة وهو غضبان : نعم والله ، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا أبنه !! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول : الله أكبر الله أكبر !! "[71]

ومع كل هذا اللجاج المستمر بين أبي بن كعب وعمر ، لا تجد أحدا منهما يذكر فيه أحرفا سبعة أو ما شاكل ! فلم لم يدّع ابن الخطاب أو الصحابي الجليل أبي بن كعب أن الاختلاف كان نتيجة نزول القرآن على سبعة أحرف وينتهي هذا الجدال ؟!

وليس هذا هو المورد الوحيد الذي حاول عمر التلاعب بالآيات فتصدى له أبي بن كعب ، وكانت صرامة أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه حجر في طريق ابن الخطاب ، وهذا مورد آخر :

" عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ ( والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوهم بإحسان ) فرفع الأنصار ، ولم يلحق الواو في الذين ، فقال له زيد بن ثابت {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}(التوبة/100). فقال عمر : ( الذين اتبعوهم بإحسان ) . فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم . فقال عمر : ائتوني بأبي بن كعب . فسأله عن ذلك فقال أبي {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}، فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه ! فقال أبي : والله أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأنت تتبع الخبط . فقال عمر : فنعم إذن ، فنعم ، نتابع أبيا "[72].

وكذا روى ابن شبة  : " عن فهر ابن أسد قال : حدثنا ثابت أبو زيد عن عاصم الأحول عن أبي مجلز : أن أبيا قرأ {مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ}(المائدة/107). فقال عمر (رض) : كذبت (!) ، فقال أبي : بل أنت أكذب ، فقال له رجل : أتكذب أمير المؤمنين !؟ فقال : إنا أشد تعظيما لأمير المؤمنين منكم ، ولكني أكذبه في تصديق الله ولا أصدقه في تكذيب كتاب الله فقال عمر : صدق "[73] ، وفي هذه الرواية يقر عمر بكذبه على القرآن ولولا صرامة أبي بن كعب لانطلت هذه الكذبة ! 

 

بـهذه الأمثلة يتضح أن لو كان للأحرف السبعة وجود وأثر عملي في عصر السلف لما كان هناك مجال للاختلاف في هذه الموارد التي تتحمّلها مطاطية مفهوم الأحرف السبعة من جواز القراءة بالمعنى .

 

 

5-               تاريخ الكفار والمنافقين شاهد على بطلانها

 

لم ينقل لنا أحد من كتّاب التاريخ والسير أن المشركين والمرجفين -على مكائدهم وترصّدهم لكل شاردة وواردة لهدم الإسلام- قد شككوا في مصداقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وألبسوا على المسلمين أن نبيكم والعياذ بالله- يختلق الكلام ويخترعه من عند نفسه لأنه يقرأ المقطع الواحد بأشكال متعددة وفي كل يوم يقرؤه بشكل مختلف عما قرأه بالأمس ! فلو كان من عند الله عز وجل لالتزم بنصّه ولاتبع أمر مولاه الذي يوحي إليه لا أن ينساه فيغيره كل مرة !

وعدم نقل التاريخ شيئا من هذا القبيل يدل على أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان في غاية الحرص على التزام النص حتى لا يتسرّب الشك والريب إلى القرآن الكريم وهو الكتاب الخاتم الذي لا كتاب سماوي بعده ، وعلى أقل تقدير يجب أن يتواتر إلينا خبر هذه الأحرف السبعة ولو من جهة الكفار والمشركين والمنافقين على كثرتـهم بغية نقض الإسلام بأن قرآن المسلمين مخترع من مخيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله .

 

 

6-                واقع المسلمين يكذب روايات الأحرف السبعة

 

ذكرت روايات الأحرف السبعة أن علة تشريع تلك الأحرف كان لأجل رحمة الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنـها لا تطيق قراءة القرآن على حرف واحد ، ولكننا نجد أن الواقع قد كذّب ما تدعيه هذه الروايات لأن اختلاف الأمة في القراءة أصبح نقمة في زمن عثمان حتى كفّر الناس بعضهم بعضا[74] هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن الأمة اليوم كلها مجمعة على حرف واحد ومطيقة لذلك ، مع أنـها الآن أحوج ما تكون لتلك الأحرف بدخول كثير من غير العرب في الدين الإسلامي وطغيان اللهجات البعيدة عن فصيح العربية ، فمن نكذّب : الروايات أم الواقع ؟

 

 

7-                فكرة ذهاب تلك الأحرف تستبعدها الأحداث التاريخية

 

أين ذهبت تلك الأحرف ؟! قد يقال كما سيأتي بإذنه تعالى أن عثمان بن عفان هو الذي أمر بجمع القرآن الكريم بإلغاء الأحرف الستة الأخرى بزعمهم- وهي أضعاف هذا القرآن المتداول ، وهذا القول باطل ، فلو كان للأحرف السبعة وجودٌ في دنيا الإسلام وقام عثمان بإحراقها ، لما سكتت عنه الجماهير ، لما عُلم ببداهة التاريخ الإسلامي أن رموز الصحابة والتابعين اتفقوا على خلعه عن إمارتـهم لأسباب معروفة يقف عليها من ذاق أوليات تاريخ تلك الحقبة ، ولكان هذا العمل المفترض من عثمان من الطامات التي لا تغتفر وتستوجب قتله من الجماهير الغاضبة ، ولأُثـِر عنهم الاحتجاج بـهذا الأمر ، وواضح أن حذف أضعاف ما هو بين أيدينا من القرآن يعني الكفر الصريح والفاضح المستوجب للقتل ، وهذا لم يرد ولم يؤثر ، لذا لا وجود لتلك الأحرف لأن أهل السنة يدّعون أن سبب فقدان الأحرف الستة اليوم هو إحراقها بأمر من عثمان ، وهذا ما يستبعده التاريخ الإسلامي والوضع الذي كان يعيش فيه ابن عفان .

قال ابن حزم الأندلسي في الإحكام : "ولقد أنكر أهل التعسف على عثمان (رض) أقل من هذا مما لا نكره فيه أصلا ، فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة ، ومعاذ الله من ذلك ، وسواء عند كل ذي عقل إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى ولا فرق ، وتالله إن من أجاز هذا غافلا ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه لأنه تكذيب لله تعالى في قوله الصادق لنا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). وفي قوله الصادق {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(القيامة/17-19). فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذي أنزله الله تعالى عليه وجمعه . فمن أجاز خلاف ذلك فقد  أجاز خلاف الله تعالى وهذه ردّه صحيحة لا مرية فيها "[75].

 أقول : لم يجز أهل السنة ذلك فقط بل جزموا به واعتقدوه !

 

 

8-                أهل البيت عليهم السلام وموقفهم من هذه الأحرف :

 

إن أهل البيت عليهم السلام عِدل القرآن ، ولا أعلم بالقرآن من محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام ، فإن صحّ عنهم تكذيب نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف زهق باطل غيرهم ، وهذه الروايات عنهم صريحة في تكذيب من ادعى أن عِدلهمالقرآن- نزل على سبعة أحرف ، فقد روى ثقة الإسلام الكليني رضوان الله تعالى عليه في الكافي الشريف ما نصه :

1-      " عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال : كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد "[76].

2-      "  عن حماد بن عيسى عن جابر بن عبد الله قال : قيل لأبى عبد الله عليه السلام إن الناس يقولون :  إن القرآن على سبعة أحرف . فقال : كذبوا ، نزل حرف واحد من عند رب واحد إلى نبي واحد ".

3-      " باسناده المتصل عن أبى جعفر عليه السلام قال : قلت له قول الناس نزل القرآن على سبعة أحرف فقال : واحد من عند واحد " .

4-      " عن زرارة بن أعين قال : سأل سائل أبا عبد الله عليه السلام عن رواية الناس في القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال : كذبوا الناس في رواياتـهم ، بل هو حرف واحد من عند واحد نزل به الملائكة على واحد"[77].

 

فلا مجال بعد هذا كله لدعوى الأحرف السبعة ، ناهيك عن تصريح قرناء القرآن الكريم وأهله أن القرآن واحد نزل من عند الواحد على واحد ، فلا يترك قول أهل البيت عليهم السلام لقول غيرهم ، وأهل البيت أدرى بالذي فيه !

 

 

S الأثر العملي لمبدأ الأحرف السبعة :

 

على ما مرّ من معنى تلك الأحرف الذي دان به علماء أهل السنة بإمكاننا أن نقرأ الآيات المباركة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}(القلم/1-3).  بـهذا الشكل ( ن والقلم والذي يكتبون ما أنت بنعمة إلهك بمخبول ، وإن لك لثواباً غير مقطوع )  فلا مانع من تغيير اللفظ شرط أن تكون الألفاظ مترادفة ! ، فيا لله ! كيف يجوزون هذا التلاعب والتحريف لكتاب الله عز وجل ؟  وعلى أي من هذه الأشكال المتغايرة نعتمد في إثبات إعجاز القرآن ؟ وكيف تصمد كلمات المفسرين أمام هذه المعمعة من تغاير الألفاظ وهم الذين أجهدوا أنفسهم لمعرفة نكات مواقع الحروف ومواضع الكلمات والحكمة من استعمال خصوص هذا اللفظ من غيره ؟! ، وكيف قالوا أنه لو استعمل لفظ آخر لـهدمت بيع وصوامع من عقيدتنا ومبادئنا من الخلق إلى المعاد إلى ما شاء الله من النكات التفسيرية المحكمة ؟ ، والكثير الكثير من التساؤلات المحرجة !

وبعبارة موجزة إن مذهب أهل السنة في معنى الأحرف السبعة من تغيير الألفاظ وتبديلها بمرادفاتـها يعني وبكل صراحة أن تحريف القرآن والتلاعب به ليس بالأمر الخطير بل هو جائز شرعا بفتح الباب على مصراعيه لكل من استحسن لفظا أو أعجبه مقطعٌ من كلام البشر يوافق معنى آية ، فيتلاعب ويستحسن ويصبح القرآن مسرحا ومرتعا يقدّم فيه بين يدي الله ويُجتهد في كلمات الآيات بالتغيير والابتداع !

 

وليس كل علماء أهل السنة على هذا الرأي ، فهذا ابن حزم ينال من علماء السنة سلفا وخلفا ويكر عليهم تجهيلا وتفسيقا وتكفيرا أيضا ! ، قال :

" وأما من حدّث وأسند إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها لا يبدل حرفاً مكان آخر وإن كان معناهما واحداً ، ولا يقدّم حرفاً و لا يؤخر آخر ، وكذلك من قصد تلاوة آية أو تعلمها و تعليمها ولا فرق ، وبرهان ذلك  أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم علم البراء بن عازب دعاء فيه ( و نبيك الذي أرسلت ) ، فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال ( وبرسولك الذي أرسلت ) فقال النبي عليه السلام : لا ، ونبيك الذي أرسلت ، فأمره عليه السلام كما تسمع ألا يضع لفظة ( رسول ) في موضع لفظة ( نبي ) وذلك حق لا يجيل معنى وهو عليه السلام رسول و نبي ، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أو الفساق المبطلـين ، أن يقولوا : إنه عليه السلام كان يجيز أن توضع في القرآن مكان ( عَزيزٌ حكيم ٌ)  ( غفورٌ رحيمٌ ) أو ( سميعٌ عليمٌ ) وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا ، والله يقول مخبراً عن نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم : {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي}(يونس/15). ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى ، أم كيف يسوغ لأهل الجهل والعمى يقصد أبا حنيفة وأتباعه إباحة القراءة المفروضة في الصلاة بالأعجمية مع ما ذكرنا ومع إجماع الأمة على أن إنسانا لو قرأ أم القرآن فقدم آية على أخرى أو قال :  الشكر للصمد مولى الخلائق وقال هذا هو القرآن لكان كافرا بإجماع[78] ، ومع قوله تعالى {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}(النحل/103) ؟ ففرق الله تعالى بينهما وأخبر أن القرآن إنما هو باللفظ العربي لا بالعجمي ، وأمر بقراءة القرآن في الصلاة فمن قرأ بالأعجمية فلم يقرأ قرآنا بلا شك ".

وقال : " وبلا خلاف من أحد من الأمة أن القرآن معجزة وبيقين ندري أنه إذا ترجم بلغة أعجمية أو بألفاظ عربية غير ألفاظه ، فإن تلك الترجـمة غير معجزة ، وإذ هي غير معجزة فليست قرآناً ومن قال فيما ليس قرآنا إنه قرآن فقد فارق الإجماع وكذب الله تعالى ، وخرج عن الإسلام إلا أن يكون جاهلا ومن أجاز هذا وقامت عليه الحجة ، ولم يرجع فهو كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال ، لا نشك في ذلك أصلا "[79].

وشدد النكير في موضع آخر  :" فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئا أخبر رسول الله صلى الله عليه (وآله) أمته لا تطيق ذلك ، أن عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه ، ومن أجاز هذا فقد كذب رسول الله صلى الله عليه (وآله) فيقوله لله تعالى ( إن أمته لا تطيق ذلك ) ، ولم ينكر الله تعالى عليه ذلك ولا جبريل عليه السلام وقال هؤلاء الـمجرمون : إنـهم يطيقون ذلك ، وقد أطاقوه فيا لله ويا للمسلمين ! أليس هذا اعتراضا مجردا على الله عز وجل مع التكذيب لرسوله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ فهل الكفر إلا هذا ؟ نعوذ بالله العظيم أن يمر بأوهامنا فكيف أن نعتقده "[80].

 

 

ثانيا :  الشيعة الإمامية ومعنى الأحرف السبعة

 

S كلمات علماء الطائفة رضوان الله عليهم :      

 

قال شيخ الطائفة الطوسي رضوان الله تعالى عليه في التبيان :" واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم و رواياتـهم : أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد "[81].

 

          وقال أمين الإسلام الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان : " الظاهر من مذهب الامامية أنـهم أجمعوا على القراءة المتداولة وكرهوا تجريد قراءة مفردة والشائع في أخبارهم أن القرآن نزل بحرف واحد "[82] .

 

          وقال المولى الفيض الكاشاني رحمه الله في تفسير الصافي : " أقول : و التوفيق بين الروايات كلها أن يقال : إن القرآن سبعة أقسام من الآيات و سبعة بطون لكل آية و نزل على سبع لغات . وأما حمل الحديث على سبعة أوجه من القراءات ، ثم التكلّف في تقسيم وجوه القراءات على هذا العدد كما نقله في مجمع البيان عن بعضهم فلا وجه له ، مع أنه يكذبه ما رواه في الكافي باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن القرآن واحد نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة .

وبإسناده عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف . فقال : كذبوا أعداء الله و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد.

ومعنى هذا الحديث معنى سابقه ، و المقصود منهما واحد و هو : أن القراءة الصحيحة واحدة ، إلا أنه عليه السلام لما علم أنـهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات جميعاً مع اختلافها كذّبـهم . وعلى هذا فلا تنافي بين هذين الحديثين و شيء من أحاديث الأحرف أيضاً "[83].

 

          قال المحقق آغا رضا الهمداني رضوان الله تعالى عليه في مصباح الفقيه : " والحق انه لم يتحقق أن النبي صلى الله عليه وآله قرء شيئا من القرآن بكيفيات مختلفة بل ثبت خلافه فيما كان الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفا كما في ضم التاء من أنعمت ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما نطق به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنـزيل مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني " .

" ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن و إلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله بل قد يدعى تواتره ولكن أعداء الله حرفوها عن موضعها وفسروها بآرائهم مع أن في بعض رواياتـهم إشارة إلى أن المراد بالأحرف أقسامه ومقاصده[84] فانـهم على ما حكى عنهم رووا عنه صلى الله عليه وآله انه قال نزل القرآن على سبعة أحرف أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل ويؤيده ما روي من طرقنا عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال إن الله تبارك وتعالى انزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها كاف شاف وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص وربما يظهر من بعض أخبارنا أن الأحرف إشارة إلى بطون القرآن وتأويلاته مثل ما عن الصدوق في الخصال بإسناده عن حماد قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن الأحاديث تختلف منكم فقال إن القرآن نزل على سبعة أحرف و أدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه ثم قال و {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(ص/39)"[85].

 

          قال حجة الله البلاغي رحمه الله :" ولا تتشبث لذلك بما روي من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فإنه تشبث واه واهن . أما أولا فقد قال في الإتقان في المسألة الثانية من النوع السادس عشر : اختلف في معنى السبعة أحرف على أربعين قولا و ذكر منها عن ابن حيان خمسة و ثلاثين . وما ذاك إلا لوهن روايتها و اضطرابـها لفظا و معنى . وفي الإتقان فذكر باقي الأدلة "[86].

 

          قال العلامة السيد الطباطبائي رحمه الله في الميزان : " فالمتعيّن حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان ، وهي سبعة على وحدتـها في الدعوة إلى الله و إلى صراطه المستقيم ، و يمكن أن يستفاد من هذه الروايات حصر أصول المعارف الإلهية في الأمثال ، فإن بقية السبعة لا تلائمها إلا بنوع من العناية على ما لا يخفى "[87].

 

          قال السيد الخوئي رحمه الله في البيان : " إن جميع ما ذكر لها الأحرف السبعة- من معاني أجنبي عن مورد الروايات و على هذا فلا بد من طرح الروايات ، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن . والدليل على  ذلك :

أولا : إن هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن التي يمكن أن يُعبّر عنها بألفاظ سبعة متقاربة . و من الضروري أن أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك ، فكيف تتصور هذه الحروف السبعة التي نزل بـها القرآن ؟

ثانيا : إن المراد من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربـها في المعنى وشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة- فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبدية ، والحجة على جميع البشر ، ولا يشك عاقل في أن ذلك يقتضي هجر القرآن المنـزل و عدم الاعتناء بشأنه . وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ قارئ ( يس ، والذكر العظيم ، وإنك لمن الأنبياء ، على طريق سويّ ، إنزال الحميد الكريم ، لتخوّف قوماً ما خوّف أسلافهم فهم ساهون ) ، فلتقرّ عيون المجوّزين لذلك . سبحانك اللهم إنْ هذا إلا بـهتان عظيم . وقد قال الله تعالى : {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحَى إِلَيَّ }(يونس/15). وإذا لم يكن للنبي أن يبدّل القرآن من تلقاء نفسه ، فكيف يجوّز ذلك لغيره ؟ و إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّم البراء بن عازب دعاءً كان فيه : ( ونبيك الذي أرسلت ) فقرأ البراء ( ورسولك الذي أرسلت ) فأمره صلى الله عليه وآله وسلم لا يضع الرسول موضع النبي . فإذا كان هذا في الدعاء ، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ وإن كان المراد من الوجه المتقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الحروف السبعة و يشهد لهذا كثير من الروايات المتقدمة [88] فلا بد للقائل بـهذا أن يدلّ على هذه الحروف السبعة التي قرأ بـها  النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله سبحانه قد وعد بحفظ ما أنزله : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). ثالثا : " .

" وخلاصة الكلام : إن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف عن ردّه ، و هذه هي العمدة في رفض المتأخرين من علماء السنة لهذا القول . ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي جعفر محمد بن سعدان النحوي ، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول بأن هذه الروايات من المشكل و المتشابه ، وليس يدري ما هو مفادها مع أنك قد عرفت أن مفادها أمر ظاهر ، و لا يشك فيه الناظر إليها ، كما ذهب إليه و اختاره أكثر العلماء "[89].

         

قال في بحوث في تاريخ القرآن : " ولعمري أن هذه النظرية - نظرية القراءة بالمعنى كما قيل - كانت أخطر نظرية في الحياة الإسلامية ، لأنـها أسلمت النص القرآني إلى هوى كل شخص يثبته على ما يهواه . وواضح أن تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه بمرادفات لكلمات القرآن أو بما لا يخالفه يستلزم وقوع الريب في القرآن العزيز . وقد قال الله تعالى {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ }(يونس/15) ".

" ولا يوافق الأئمة المعصومون على هذا التفسير الشائع لسبعة أحرف ، وقد سئل الإمام أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ) عما يقوله الناس من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فقال : كذبوا - إلى أن قال - ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد . وروى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إن القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة . ومن المعلوم أن الاختلاف المشار إليه في عصره ( عليه السلام ) هو الاختلاف في القراءات الموروثة عن ابن مسعود وأمثاله ، فالإمام إذا يكذب هذا النحو من الاختلاف . قال الفقيه الهمداني -بعد نقله حديث التكذيب هذا- : ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن ، وإلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل يدعي تواتره ".

" إذا ، فلابد من الرجوع إليهم والاعتماد عليهم في معرفة المراد من حديث سبعة أحرف ، فنجد أمامنا مما نقل عنهم ما يلي فذكر روايتين، ثم قال - فالذي يستفاد من هذين الحديثين هو أن المراد من الأحرف السبعة هو الوجوه التي ترجع إلى معاني كلام الله وتأويلاته ، وهذه المعاني سبعة إن كان المراد بالسبعة نفس معناها الأصلي ، وإن كان المقصود بالسبعة هنا الكناية عن الكثرة في الآحاد -كما يكنى بكلمة سبعين عن الكثرة في العشرات- فيكون المراد هو أن القرآن نزل على حروف كثيرة آحادها . وربما يستشهد لـهذا المعنى الثاني بما رواه في بحار الأنوار عن المعلى بن خنيس ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ، لكن لا تبلغه عقول الرجال ".

" ولكن ثـمة فرق بين تفسير هؤلاء وتفسير الأئمة ( عليهم السلام ) ، فإن الأئمة قالوا بأن المراد هو سبعة أوجه من المعاني ، وهؤلاء قالوا بسبعة أوجه للألفاظ المختلفة ، وإن اتفقوا على تفسير الحرف بالوجه . ويؤيد هذا الذي ذهبنا إليه تبعا لأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في تفسير الأحرف السبعة ما رواه ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره عن أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة قال : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : " انزل القرآن على سبعة أحرف " فالمراء فيه كفر ثلاث مرات فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه . حيث إن المستفاد من هذا الحديث هو أن السبعة أحرف هي في المعاني لا في الألفاظ . فتلخص : أن القرآن انزل على سبعة وجوه من المعاني والتأويلات ، لكن لا تبلغ العقول إلا الأقل منها ، ولابد من الرجوع إلى الراسخين في العلم في الأكثر . والظاهر أنه مأخوذ من الحرف وهو الطرف والجانب ، وكأن للألفاظ القرآنية جوانب وأطرافا ، أي معاني كلها محتملة احتمالا قريبا ، وهذا النحو من الاستعمال شائع في اللغة الفارسية ، فيقولون : إن كلامه ( دو پـهلو است ) أي أنه ذو معنيين محتملين احتمالا قريبا ، يساوي أحدهما الآخر في الظهور "[90].

 

تأمل في كلمات هؤلاء الأعلام عليهم أتم الرحمة والرضوان تراها متكاتفة يدا واحدة تذب عن القرآن الذي وجّهت له أخطر فكرة وهي دعوة لتحريفه تحت ستار الدين وقد تبناها أهل السنة ، فكان صيانة القرآن من التبديل والتغيير هو المحفز لهم لرفض مبنى الأحرف السبعة .

 أمرٌ كهذا صارخٌ وبكل وقاحة بأن القرآن الكريم يتبع أهواء القرّاء ولا يثبت على حال ، وأن كل من أراد الاستمزاج والتفنن بكتاب الله فإن الباب على مصراعيه مشرّع ! حتى لـيُظن أن القرآن لم ينـزل لتُتبع نصوصه ، بل ليتبع هو أمزجتنا ! ، فهكذا أصبح تحريف القرآن دينا بين طوائف المسلمين ، فلا تجد لدعوى تحريف القرآن هذه رادعا أو مستنكرا بين صفوفهم ! نعوذ بالله من الخذلان .

 

 

S التفسير مغرض !

 

لعل قائلا يستشكل وجود هذا الكم من روايات الأحرف السبعة في مصنفات القوم ولا يرى له وجها مقبولا من وضع أو كذب ، والحق أن الوجه المقبول لها موجود وبوجوه متعددة أيضا ، إذ من المحتمل قويا دخول زوائد حرفت معنى الأحرف السبعة في ضمن تلك الروايات ، وليس ذلك ببعيد بعد حصول التضارب في نقل الحادثة الواحدة وبملاحظة المعنى الذي حكته روايات أهل البيت عليهم السلام ، أما أصل مفهوم الأحرف السبعة فلا أحد ينكر وجوده في القرآن ، وإنما الكلام كله دائر حول المعنى الذي جعل من مفهومها دعوة مفتوحة لتحريف القرآن .

 

S علل تغيير معنى مفهوم الأحرف السبعة :

 

تغيير مفهوم الأحرف السبعة والمراد منها قد يستظهر سببه من جهات أرى أنـها لا تخرج عنها وهي :