القسم الأول : تحريف
القرآن غير الصريح
الأثر البالغ لعلوم
القرآن في فهم نصوصه واستنباط أحكامه لا ينكره أحد من العلماء ، ولا يمكن إهمالها
بحال من الأحوال لإدراك لمراد الله عز وجل من مجاميع الآيات كالناسخة والمنسوخة
التي يتبدل فيها الحكم تبعا لتحديد الناسخ من المنسوخ ، ولا يتأتى هذا إلا بعد طرق
أبواب أخرى من علوم القرآن كباب أسباب النـزول ذي الوجهة التاريخية .
وليس هذا موضوع
البحث ، وإنما الكلام هنا عن الأثر الذي تضفيه العلوم القرآنية على نفس مفرداته
وألفاظه دون التعدي إلى مداليلها وما يستفاد منها ، وبعبارة أخرى سنقصر النظر في
هذه المطالب على خصوص ما تمليه علوم القرآن عند الفريقين من سلامة ألفاظه من
التحريف بالزيادة أو النقص في مادتـها ، لتحصيل المقارنة الواضحة .
S المستفاد من نتيجة البحث في علوم القرآن :
ومع السير حثيثا في
أزقة ما حُشر في علوم القرآن يتضح لنا من الجدير بنسبة تـحريف القرآن لمعتقده ،
فالكلام كله دائر مدار المرتكزات في كل من مذهب آل البيت عليهم السلام ومذهب أهل
السنة ، والمستفاد من هذه الأبحاث الاطلاع على التحريف بثوبه العام المتجسد بمباحث
علوم القرآن التي بـها يقع القرآن بكامله وبجميع نصوصه تحت رحمة مطرقة وسندان ما
زج في علوم القرآن ، فلو استفيد التحريف من تلك العلوم فإن كل آيات القرآن بلا
استثناء تزحزح عن مقامها الراسخ ويسفّ بـها إلى حضيض عالم التبديل والتشكيك ، لأن
علوم القرآن المبحوثة هنا لا تمس آية دون أخرى .
ولا يلزم من نسبة
قولا ما لأي مذهب أن جميعهم قائلون به ، ونحن لا جرم نتنـزه عن أسلوب الوهابية هذا
فلا نجحف بمن خالف القول السائد ، بل سننقل أقوال بعض المخالفين له ، نعَم النسبة
تكون للعموم والمتعارف فيما بينهم أي النسبة للأغلب لا الكل ، وهذا نلتزم به مع
السنة والشيعة على حد سواء .
وأوّل هذه المباحث
ترتيبا هو الكلام في الأحرف السبعة ومن ثم جمع القرآن ومن بعده القراءات القرآنية
وآخرها هو نسخ التلاوة .
موضوع
الأحرف السبعة من المواضيع الشائكة ، ومن استرق السمع في ميدان الأخذ والرد فيها
يستشعر ملالة الموضوع وطول نفس من خاض فيه ، لا لأن ماهيته غير محددة فقط ، بل لأن
بعض من خاضوا فيه تكلموا بآرائهم الشخصية بعيدا عن الأدلة ومقتضى القواعد العلمية
، فراج سوق من لا يملك سوى التقول على الله عز وجل بغير علم والجزم بلا تحرّج !
ومن الواضحات التي
لا تحتاج إلى إطالة أن علوم القرآن لها أثر بالغ في إثبات نزاهة القرآن الكريم
وقداسته ، وأهمها مقامنا هذا لما سيثمر عنه من نتائج وآراء ، إذ هي طاعنة بقداسة
القرآن الكريم في الصميم ، وباختصار فإن علوم القرآن التي نسبتها روايات بعض
الفِرق ومشوا في ظلامها صارت حجر عثرة ووصمة عار في جبين القرآن .
أولا : أهل السنة ومعنى
الأحرف السبعة
وعلى أي حال فإن هذه
المباني من علوم القرآن وغيرها ليست من المباني العقلية التي يصح للعقل البت فيها
منفردا عن النصوص الشرعية ، فهي تأسيس من الشريعة لذلك يلزم مراجعة رأي الشارع عز
وجل في تحديد ماهيتها ، فالحكم الفصل في المسألة هي النصوص الشرعية وإلا نقف
متحيرين .
وبما أن النصوص
الشرعية تدور في فلك الآيات والأحاديث ، استقرأنا آيات القرآن فلم نجد أي دليل
فيها يشير من قريب أو بعيد إلى المطلوب ، فتعين لنا الشق الآخر وهي الروايات .
وبعد الوقوف على نوع
الدليل المعول عليه في إجابة السؤال المطروح عن ماهية الأحرف السبعة ، نقول إن
النظر في مدلول روايات أهل السنة حول الأحرف السبعة ينادي بإبـهام وغموض ماهية
الأحرف السبعة ، وهاك تفصيل الكلام .
S السبب في إبـهام
ماهية الأحرف السبعة .
كان
سبب دخول الأحرف السبعة في حيز علوم القرآن وجود بعض الروايات في صحاح أهل السنة ،
فمفهوم الأحرف السبعة استفاض نقله من طرقهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،
بل ادّعى تواتر رواياتـها أبو عبيد بن سلام في فضائل القرآن وردّ عليه الأستاذ
الزرقاني في مناهله فقال:
"
وكأن هذه الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب هي التي جعلت الإمام أبا عبيد بن
سلاّم يقول بتواتر هذا الحديث ، لكنك خبير بأن من شروط التواتر توافرَ جمعٍ يُؤمن
تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية ، وهذا الشرط إذا كان موفوراً هنا
في طبقة الصحابة كما رأيت فليس بموفور لدينا في الطبقات المتأخرة "[1]
.
وكان من الطبيعي حال
ورود هذه الكثرة من الروايات أن يحدد بـها معنى الأحرف السبعة ، ولكن يا حسرة !
تلك الروايات غير متفقة في المعنى وتضاربـها على أشده سواء أكان في تحديد معناها
أو في عدد الأحرف نفسها حتى أشكل المقصود منها على كثير من علمائهم وتاهوا في
دوامة تلك الأحرف .
إذن فعلة الإبـهام
هو قصور الأدلة ، ولنذكر هنا مناقشة معنى تلك الروايات ، والمناقشة ستكون على
ثلاثة محاور :
( حرفٌ واحد
)
-
كنـز العمال
: " أتاني جبريل فقال : اقرأ القرآن على حرفٍ واحد "[2] .
(
ثلاثة أحرف )
-
المستدرك على
الصحيحين : " عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : أنزل
القرآن على ثلاثة أحرف "[3] .
-
كنـز العمال
: " أنزل القرآن على ثلاثة أحرف فلا تختلفوا فيه، ولا تحاجوا فيه فإنه مبارك
كله فاقرؤوه كالذي أقريتموه "[4] .
( أربعة أحرف
)
-
كنـز العمال
: " أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلالٌ وحرام ، لا يعذر أحد بالجهالة به ،
وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن
ادعى علمه سوى الله فهو كاذب "[5].