|
الإمامة في جذورها القرآنية الشيخ عبد الله دشتي الإهداء إلى كل من يحمل
قلباً سليما بين جنبيه ...... إلى كل من يريد
الخروج من الظلمات إلى النور ...... إلى الباحثين عن
الحقيقة ...... إلى محبي الحق
...... إلى ] الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ أهدي هذا الكتاب عسى أن تكون مصباحاً
تهديه إلى مصابيح الدجى محمد وآله الطيبين الطاهرين . بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة بسم الله والحمد لله والصلاة على خير الخلق وآله الأطهار قليلا
ما يجد المتابع جديدا في أمر الإمامة ، حيث تناول علماؤنا الأبرار رضوان الله
تعالى عليهم أمر الإمامة بحثا وتمحيصا ، دفاعا وهجوما ، حلا ونقضا وذلك في معرض
تناولها كعقيدة أم في عقائد الشيعة الإمامية . ولكن في هذا الكتيب أعدك أن تجد
الجديد ، فالكلام ليس في إثبات الإمامة فقط ، بل درجة وضوحها أيضا. وقد
لا يكون الأسلوب مختـلفا ، وقد لا تكون الفكرة بصورتها العامة جديدة ، ولكن
الجديد هو أن المؤلف قد انطلق من المنطلق القرآني ليصل حدا يعد معه مسألة
الإمامة ظاهرة في القرآن ، دون الحاجة للتوسع في إعمال الفكر في دهاليز العقل ،
ولا البحث في متاهات كتب الحديث وعلم الرجال لفك الغث منها عن السقيم ، كما
تناوله العديد من الكتّاب . وأظنه
بأنه بهذه الطريقة قد أنتج ثمرة علمية تسد ما خاله البعض فراغا ، وتجيب على ما طرحه البعض تساؤلا ،
وتجد حلقة ظنها البعض مفقودة .. ولعل قليلا من الأبحاث يؤدي هذا المؤدى . وأما
موضوع الكلام فهو عرض مرتكزات الإمامة في القرآن ، ولكي يعرف القارئ الكريم
أهمية البحث ، نبدأ بعرض التساؤل التالي : ما هي حقيقة الضروريات في العقيدة ؟ فهل
إن حصر تلك الضروريات أمر ثابت لا يتغير ؟ أم أن ذلك خاضع للظروف الزمانية
والمكانية ؟ فيكون أمر ما ضروريا في زمن ما نتيجة ظروف قد تختلف في زمن آخر ومكان آخر لتؤثر على الضرورة ؟ بشيء من التأمل يظهر جليا أن أهم تلك الضروريات هو الإيمان
بالله تعالى، إذ ينبع من منبع فطري عقلي لا ينفك عن وجود الإنسان نفسه ، وتعرف أن الإيمان به تعالى ضرورة لا
تقبل الخلاف من قوله تعالى : ] أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [(1) . ويتبعه
في ذلك أهم صفتين لله عز وجل وهما العدل والحكمة التي تفرض وجود عالم المحاسبة
والجزاء ، يقول تعالى : ] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا
لا ترجعون [(2). ثم
يأتي ترتيب الضرورات حسب قيمتها الجوهرية في الحياة ، حيث يأتي دور الوسيط
الهادي الحجة الذي يأخذ بيد الناس مبينا لهم سبيل النجاة ، يقول تعالى : ] وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا [(3). وأما
الإمامة – وهي محور الحديث – فهي تنبع من البحث عن الحجة بعد النبي
الخاتم وهي نفس الضرورة التي نتحدث عنها في النبوة ولكن الحجة في النبوة تأسيسية
وليست كذلك بعد النبي الخاتم ولكن لا شك بضرورتها ، فما هي الصياغة القرآنية لها
؟ ووجودها
واضح في القرآن في كلمة أولي الأمر في قوله تعالى ] أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم [(1) ، وفي وجود حاملين للكتاب بأبعاده التامة ] ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا[(2) ، وفي الشهادة على الناس ] لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [(3) ، وبعبارة أشمل البحث عن محل الرسالة - التي لا بد أن يكون لها
محل - بعد رسول الله ( ص ) فأين جعلت وقد قال عز وجل ] الله أعلم حيث يجعل رسالته [ (4) ؟ لن
نستبق الأحداث ، فالبحث في هذا الكتيب يدور حول هذا الموضوع. المعد تمهيد إن
الأهمية الكبيرة لبحث الإمامة في القرآن الكريم تنطلق من أمور عدة: أولها : تعتبر الإمامة أصلا من أصول
العقيدة عند الشيعة الإمامية ، فهل يعقل ألا يتعرض لها القرآن الكريم بشكل واضح
؟ ولو بمقدار ما بالقياس إلى التوحيد والنبوة التي تناولها القرآن بتوسع ؟ الثاني : روي عن
الإمام الصادق (ع) أنه قال : " من لم
يعرف أمرنا من القرآن الكريم لم يتنكب الفتن "(1) ، أي أن الموالي الذي
لا يعرف إمامة أئمة من أهل البيت عليهم السلام من آيات القرآن الكريم
لا يستطيع تجاوز الفتن . وقد ورد عنه (ع) أنه قال : " لو تلي القرآن حق تلاوته لوجدتمونا فيه
مسمين "(2) . فلو تتبع الإنسان آيات القرآن ودقق فيها لوجد أن ذكر أئمة أهل
البيت عليهم السلام واضحا كما لو كانوا قد ذكروا بالاسم في الآيات الكريمة ، ومثل
هذين النصين يفرضان على كل موال أن يدرس القرآن الكريم بهذا اللحاظ ، و يبذل
وسعه في هذا السبيل . الثالث
: تركيز خصوم الشيعة على مسألة عدم وضوح عقيدة الإمامة في
القرآن الكريم بحيث غدت من أهم الإشكالات التي تتكرر في كتبهم المتصدية لأصول
مذهب أهل البيت عليهم السلام حتى قال بعضهم : " وهل نجد لإمامة الإثني عشر ذكرا صريحا
في كتاب الله كما ذكرت أركان الإسلام صريحة واضحة في مواضع متفرقة من كتاب الله
من غير ما حاجة لمعرفة أصلها إلى تأويل باطني أو روايات موضوعة ، والإمامة عندهم
أعظم أركان الإسلام ، فكيف لا تذكر ولا يشار إليها ، أليس هذا دليلا على أن
مزاعم الإمامية في هذا الباب لا أصل لها ؟ وحينئذ لا بد من رفض هذه المزاعم
لمناقضتها لكتاب الله" . أخي العزيز تلك هي المنطلقات التي تبرز أهمية
هذا البحث . إن ما نقوم به في الصفحات التالية هو إبراز
الجذور والأسس القرآنية لعقيدتنا في الإمامة ، وسيتضح أنها عقيدة قرآنية لا لبس
فيها . وفي
الختام أوجه جزيل شكري للأخوين حامد العلي و ماجد آتش ، فلولا لمساتهما الأدبية
والفنية لبقيت بعيدة عن النشر . المؤلف القسم الأول مصير الحجّة بعد الرسول ( ص ) في القرآن ماذا
نقصد بالإمامة ؟ في
البدء لا بد من تحديد المقصود بالمفردة التي نتحدث عنها منعا للخلط الذي قد
يعتري بعض الأبحاث نتيجة عدم تحديد مفردات البحث فيها . فنقول بأن الإمامة التي
نريد أن نبحث عنها هنا هي : نوع وظيفة إلهية يتم اختيار الشخص الذي يوفق لها من
قبل الله عز وجل فيكون حاملا للرسالة التي أنزلت على النبي ( ص ) من بعده ،
عارفا بكل أبعادها من دون أن يكون نبيا . فالرسالة
مجعولة عند شخص ما بصورتها التامة بعد النبي ( ص ) كما هو ظاهر قوله تعالى ] الله أعلم حيث يجعل رسالته [(1) ، ومن ثم يشكل هذا الإمام استمرارا للحجة الإلهية على البشر له
ما للنبي ( ص ) إلا أنه ليس بنبي . فهو عالم بالشريعة
بمقدار علم النبي بها ، والحجة على الناس كما هو الحال بالنسبة للنبي ( ص ) وأولى بالمؤمنين من أنفسهم كالنبي ( ص ) فلا يجوز لأحد التقدم عليه أو مخالفته
. وأما
المخالف فلا يرى ثبوت مثل هذا المنصب بعد النبوة الخاتمة بأبعاده المذكورة آنفا
، بل كل ما يعتقد به هو وجود حاكم على المسلمين
يعين من قبل الناس ويعزل من قبلهم ولا علاقة له بالشريعة بالأصالة . نعم
استثنوا الجيل الأول من الحكام فأعطوا سمة شرعية مميزة باعتبار أنهم من الصحابة
. ولكنهم مع ذلك لا يرتبون الأثر المطلوب ، فهم على سبيل المثال يؤمنون بعلي (ع)
كحاكم رابع ولكنهم لا يؤمنون بإمامته ، وإلا لاعتبروا من خالفه وقاتله كمن خالف
وقاتل رسول الله ( ص ) مارق عن الدين .. وهذا واضح بيـّن . أهمية
البحث في هذا الأمر : لا
شك أن الإسلام هو دين الله تعالى الذي جاء لهداية كافة البشر، لذا يجب على
الإنسان أن يعرف أحكام الإسلام الصحيحة الموجودة في القرآن والسنة . واختلاف
السابقين منذ عهد الصحابة قد سبب اختلافا شديدا في فهم القرآن ، واختلافا أشد في
تحديد سنـّة الرسول ( ص ) والمصادر التي يجب أن تؤخذ منها ، فضلا عن الخلاف في
فهمها . لذا كان لدراسة هذا الاختلاف أثر مهم في فهم الإسلام الصحيح وتمييزه لا
إنها مشكلة تاريخية انتهت بموت أطرافها . إعادة صياغة نقطة الخلاف : لقد
كان رسول الله صلى الله عليه وآله حجة على الناس ولم يكن مجرد حاكم ، بل كان
مبلغا للشريعة من قبل الله ، عالما بها وبمعاني كتاب الله عز وجل ، شاهدا على
المسلمين ، قائدا سياسيا يجب أن يطاع على كل حال سواء كان خائفا ملاحقا في غار
ثور أو كان رئيسا للدولة منتصرا على الأعداء فوجوب طاعته وكونه ولي أمر لم يكن
بسبب حكمه للدولة بل هو حكم فرضه الله على المسلمين لأنه حجة الله عليهم ،
وقيادة الناس سياسيا كانت إحدى مهامه لا كلها . فإذا
اقتضت الحجة رسولا بمثل تلك الصفات ليكون أهلا لها .. فما كان مصير الحجة بعده على أرض الواقع ؟ منهج
البحث عن الحقيقة : تسالم
المسلمون على استقاء معارفهم ومتبنياتهم من ثلاثة مصادر في الشريعة : الأول : العقل
الثاني : القرآن الكريم
الثالث : الحديث
والسيرة
ونظرا
إلى أن بحثنا معنون بعنوان الإمامة في جذورها القرآنية فسنركز على العرض القرآني
للموضوع بنحو أساس مع ذكر النصوص المتفق عليها في توضيح بعض الآيات ، ولكن لا بد
أن ننطلق من خلال استعراض البحث العقلي لدوره في تحديد الموضوع . حديث
العقل عن الإمامة لابد
في البدء أن نستعرض موقف العقل المتسائل عن قضية الإمامة . فأين
الحجة بعد رسول الله ؟ فرسول
الله ( ص ) وإن كانت حقيقته المميزة له هي كونه نبينا بل خاتم الأنبياء ، ولكن
الحاصل الذي ينعكس على الأمة كونه حجة بمعنى أن الشريعة كلها وجدت ببعثته ( ص )
فهو المحل الذي جعلت فيه أولا ، وينقطع بذلك عذر أي من البشر بعدم المعرفة ثانيا
، وثالثا هو الحاكم الذي يحسم الأمور في المجتمع الإسلامي . وبعبارة
أخرى هو ( ص ) ذو أبعاد ثلاثة هي العلم والشهادة والحكم إضافة إلى خصوصيته ( ص )
كنبي مرسل ، والأول واضح في قوله تعالى ] هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [(1) ، والثاني في قوله تعالى ] يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [(2) ، والثالث في قوله U ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم [(3). كما
أن العقل يرفض إهمال الشريعة الخاتمة لمصير تلك الجوانب وعدم اتخاذ موقف تجاهها
وذلك لسببين مهمين : الأول : أن المفروض هو استمرار وجود شريعة خاتم الأنبياء بين البشر
إلى يوم القيامة ، فوضوح معالم وأسس حفظ هذه الشريعة الخاتمة أمر ضروري لكل
إنسان يريد أن يهتدي بدين الله بعد وفاة رسوله الخاتم . والقرآن
أساس تحصيل تلك الهداية واجتناب الضلالة ، قال تعالى : ] ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [(1). ولذلك حفظ القرآن فقال تعالى : ] إنا نحن نزلنا الذكر
وإنا له لحافظون [(2). ولكن مقدارا مهما من أحكام
الإسلام والبيان الصحيح للقرآن نفسه محفوظ في سنة النبي الخاتم ( ص ) ، ولا ريب
بأن حفظ الإسلام مرهون بحفظ السنة المباركة . وهذا الحفظ يحتاج إلى تحديد معالم
الجهة الحافظة للشريعة حتى يتسنى الرجوع لها . فأين هي الجهة الحافظة ؟ الثاني : هو تصريح القرآن بالوجود الفعلي لولي الأمر وحاكم المجتمع
الإسلامي بعد وفاة الرسول ( ص ) ، حيث قال تعالى : ] أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم [(3) ، وحاشا الله تعالى أن يكلف
العباد بما لا يطيقون ، فيكلفهم طاعة من لا يعرفون ولا يستطيعون معرفته . فلابد من تحديد ولي للأمر أو بيان طريقة تحديدهم
. أما
القائلون بأن رسول الله ( ص ) نص على علي (ع) فيرون أن الحافظ والشاهد وولي
الأمر تحدد شخصه بهذا التعيين . وأما المخالفون لهذا الرأي فيرون أن الشريعة
أهملت هذا الجانب ولم تتخذ موقفا منه ، فيجوز عندهم أن يكون الأمر شورى بين
أفراد الأمة ، أو بين أهل الحل والعقد أو يعين من قبل الحاكم السابق ، أو يجوز
أن يتعين بالقهر والغلبة . و
عند الاحتكام إلى القرآن سيتضح وبجلاء اهتمام هذا الكتاب العزيز بشأن بيان الحجة
والمنصب الإلهي ومحله الذي جعله الله فيه بالمعنى الذي في قوله تعالى ] الله أعلم حيث يجعل رسالته [(1) وبين ذلك كله باستعراض
للخطوط العريضة لها ، وأوكل التفصيل وذكر الأسماء إلى السنة الشريفة ، وهذا محور
حديثنا التالي . الحجة
بأبعادها الثلاث إن الكلام
عن الحجة الإلهية يستلزم تناول أبعادها الثلاثة البارزة في القرآن ، وهي : العلم
والشهادة والحكم . وما
نسعى إليه هو بيان الآيات التي تتحدث عن هذه الجوانب للحجة بعد رحيل رسول الله (
ص ) ، مع التركيز على التصريح القرآني بضابطتين لا تتفقان إلا مع عقيدة الشيعة
الإمامية ، وهما : أن
الجهة التي حملت تلك الأبعاد تعلق بها اصطفاء إلهي . أن
المصطفين من عترة خاتم الرسل صلى الله عليه وآله . وستناول
في البداية الأبعاد الثلاثة مشيرين إلى علاقتها بالضابطتين المذكورتين . أولا
: العلماء بالكتاب بعد رسول الله ( ص ) وهنا
ينبغي التقديم بنقطتين : الأولى
: أن عبارة آتيناهم الكتاب في القرآن لا تتعلق دائما باليهود
والنصارى . إن من أهم المفردات
التي يستخدمها القرآن حين الحديث عن علم الأنبياء السابقين لفظتي الكتاب والحكمة
، كما في قوله ] وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم
من كتاب وحكمة [(1) . والظاهر أنه لا يقصد به خصوص العلم بالكتاب السماوي الذي
ينزل على النبي بدليل قوله تعالى عن عيسى بن مريم ] وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة
والإنجيل [(2) ، حيث يفهم من الآية أن
الكتاب غير التوراة و الإنجيل .ة
وقد خوطب رسول الله (
ص ) بمثل هذا الخطاب كما في قوله تعالى ] وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك
ما لم تكن تعلم [(3)
إذا
، فما يجده المؤمن القارئ لكتاب الله أن هناك حديثا قرآنيا عن أشخاص أوتوا علم
الكتاب مع رسول الله ( ص ) ولا يمكن أن تحمل على أن المقصود بها اليهود والنصارى
، فلاحظ قوله تعالى : ] الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته
أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون [(4) . وكذلك
قوله تعالى: ] والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل
إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا
وإليه مآب [(1) . وقوله
تعالى : ] وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما
جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين
آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم
مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا [(2) . فلا
يمكن حمل عبارة " الذين أوتوا الكتاب " في هذه الآيات على
اليهود والنصارى ليكون المقصود بالكتاب التوراة والإنجيل ، فتأمل .. وسيتضح لك
بأن هناك من أعطاه الله علم الكتاب من أمة النبي صلى الله عليه وآله . النقطة
الثانية : إن إتيان الكتاب قد يكون للنبي كفرد ،
وقد يكون للعصبة الأسرية . ويدل عليه قوله تعالى ] وإسماعيل واليسع
ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين () ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
مستقيم ()
ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم
ما كانوا يعملون ()
أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها
قوما ليسوا بها بكافرين [(1) ، فلاحظ قوله ] ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم [ . وأوضح
من ذلك قوله تعالى ] فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة
وآتيناهم ملكا عظيما [(2) ، حيث صرح بأن الإتيان لآل
إبراهيم (ع) . بل
إن القرآن يصرح بأن الكتاب لم يؤت لشخص الرسول فحسب بل لمجموع عبر عنهم بأنهم
أوتوا الكتاب ، قال تعالى : ] وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين
آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون () وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمنك إذاً لارتاب
المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا
الظالمون [(3). وقد
قسمت الآية الناس إلى : ] فالذين آتيناهم الكتاب [ ومدحتهم وبينت بأن كلهم يؤمنون بالكتاب . ] ومن هؤلاء [ أي الناس المعاصرين فبعضهم يؤمن لا كلهم
. ] الكافرون [ وهم اليهود والنصارى من أهل الكتاب والمشركين الذين قالت عنهم
بأنهم يجحدون ولا يؤمنون . وأما
إن اعتبرت الذين آتيناهم الكتاب هنا اليهود والنصارى فهذا غير معقول ، إذ يكون معناها حينئذ أن اليهود
والنصارى كلهم يؤمنون بما أنزل على رسول الله ( ص ) ، فبطلانه واضح . إذا
، فالقرآن يثبت أن الكتاب قد يؤتاه النبي وحده ، وقد يؤتاه النبي كقائد ورئيس
لآله وقد يكونوا مثله أنبياء وقد لا يكونوا . آيات
أخرى تدل على المطلوب : وفي
آيات أخرى تجد أن القرآن الكريم يذكر العلماء بتعبير ] أوتوا العلم [ كما في قوله : ] ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك
من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد [(1) . ومثله قوله تعالى : ] بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا
العلم [(1) ، والآية صريحة بأن القرآن
واضح بيـّن عندهم ، لا في كتاب وقرطاس فحسب وإنما في الصدور . وتارة
تجدهم بعنوان ] الراسخون في العلم [ ، حيث قال تعالى ] وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في
العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا [(2). خلاصة
الكلام هنا أن : الكتاب ليس دائما هو التوراة والإنجيل ، بل هو
أمر جليل آخر. أن
الكتاب قد يؤتاه النبي ، وقد يؤتاه النبي وآله . أن
الكتاب قد آتاه الله لمجموع مع رسول الله صلى الله عليه وآله ويرثوه بعده . الدليل
على اصطفاء مجموع مع رسول الله ( ص ) وقد
صرح القرآن بذلك في قوله تعالى : ] والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن
الله بعباده لخبير بصير () ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه
ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير [(3) ، فمن هذه الآية المباركة
يتضح بأن الاصطفاء الإلهي قد تعلق بمجموع بعد رسول الله ( ص ) ولكن لا لنبوة
بعده بداهة ، بل لحمل الكتاب – مهما كان معناه – بعد الرسول صلى الله عليه وآله . فنلاحظ
أن الآية تتحدث عن الكتاب الذي أوحي إلى خاتم الأنبياء والرسل ( ص ) وأن هذا
الكتاب ذاته قد أورثه الله عز وجل بعد رسوله إلى الذين اصطفاهم من عباده ] ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [ ، ودلالة كلمة الاصطفاء واضحة ، إنه اختيار أشخاص معينين من
مجموع عباد الله بالمعنى الذي تكرر في القرآن الكريم عند الحديث عن اصطفاء الرسل
، والآية تقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : الظالم
لنفسه المقتصد السابق
بالخيرات واللائق
بالاصطفاء الإلهي لوراثة الكتاب ليس إلا القسم الثالث ممن صنفتهم الآية أي
السابقين بالخيرات ، وهم يبينونه للناس من بعد النبي ( ص ) . فالمعنى
الظاهر للآية لا يتناسب إطلاقا إلا مع مذهب الشيعة ، ولا يمكن لغير الشيعة أن
يعطي تفسيرا متلائما مع ظاهر الآية . نعم قد يشكل البعض على ما أوردناه بأن
الآية ظاهرها بأننا أورثنا الكتاب الذين اصطفينا وهم عبادنا وينقسمون إلى ثلاثة
أقسام ، ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات ، وليس في هذا ما يتلاءم مع عقيدة
الشيعة في عصمة الأئمة واصطفاؤهم ؟ فنقول: إن ضمير " فمنهم " راجع إلى
" عبادنا " الأقرب للضمير في الآية من " الذين اصطفينا
" ، وبذلك ينتفي الإشكال من رأس ، لأن بناء على ذلك تكون الأقسام
الثلاثة من العباد لا المصطفين . وقد
يورد إشكال على اعتبار عبادنا مرجعا للضمير بأن الظاهر من نسبة العباد إلى الله
هو المدح لهم فلا يتلائم مع القول بأن منهم ظالم ، وجوابه أنه هناك في القرآن
مثل هذه النسبة لقوم ظالمين إلى الله كما هو الحال في قوله تعالى ] فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا
أولي بأس شديد [(1) ،
إذ لم يكن المبعوثين في الآية أهل صلاح كما هو رأي جل المفسرين . ثم
إن الإشكال يرد حتى على إرجاع الضمير إلى الذين اصطفينا إذ أنها صريحة في المدح
، ولذا يصعب قبول إطلاق لفظ الظالم لنفسه على المصطفى خصوصا مع ملاحظة قوله
تعالى ] لا ينال عهدي الظالمين [(1) ، مما يرجح إن مرجع الضمير
هو " عبادنا " ، وعليه لم يتعلق الاصطفاء حقيقة إلا بالسابقين
بالخيرات . بل
لو قيل بأن الضمير يعود على " الذين اصطفينا " ، فإن المتأمل
يجزم بأن المجوز لهذا الإطلاق أي نسبة الاصطفاء إلى المجموع هو وجود من اصطفي
حقيقة من بين ذلك المجموع . ويتبن الأمر من خلال التأمل في قوله تعالى
لبني إسرائيل : ] يا بني إسرائيل
اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين [(2) ، فليس المقصود كل بني
إسرائيل بالضرورة ، ففيهم من عبد العجل وآذى الأنبياء حتى قال تعالى عنهم : ] أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم
وفريقا تقتلون [(3) .
وبهذا يتبن أن صرف قوله تعالى " فضلتكم على العالمين " إلى بني
إسرائيل قاطبة خطأ ، وإنما يتضح الأمر بالرجوع إلى قوله تعالى : ] وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين [ ، فهم المفضلون لا كل بني إسرائيل فردا فردا . والذي جوّز وصف
المجموع بأن الله تعالى اصطفاهم إنما هو وجود من اصطفاه الله في هذه الأمة وإلا
لما صح هذا الوصف ، ويدلك على ما سبق قوله تعالى : ] وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة
الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين [(1) ، فهناك ذكر إن نعمة الله تفضيل بني إسرائيل وهنا صرح بأن
نعمة الله جعل الأنبياء فيهم بما فيه بيان تفصيلي للتفضيل . لذا
، فإنك إن رأيت أن ] الذين اصطفينا [ في آية المتن تعود للأمة كلها وفق الظاهر
فإنها تكون على نفس المنوال ، بمعنى أنها أطلقت على المجموع بلحاظ من أنعم الله
عليهم من أهل البيت عليهم السلام ،
الذين كان فضل الله عليهم عظيما ، فإطلاق العبارة على الأمة بملاحظة العصبة
الخاصة فيها ، كما عبر عن أمة بني إسرائيل بأنهم فضلوا على العالمين بملاحظة جعل
الأنبياء منهم . وتجد
مثل هذا في قوله تعالى ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر [ فلا
شك أن المقصود بعض الأمة لقوله تعالى ] ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [ ،
ولا شك إن منكم للتبعيض . ثم إن
قوله تعالى ] أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من
فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [(2) ، كالصريح في أن هذا المجموع
هم من أهل بيت رسول الله ( ص ) . فالآية
تتحدث عن مجموع عبر عنهم بالناس حسدوا بسبب ما آتاهم الله من فضله وهذا الفضل
يشبهه القرآن بالفضل الذي أوتي آل إبراهيم عليهم السلام هو إتيانهم الكتاب
والحكمة والملك العظيم ، أفلا تشكل الآية دليلا على إن آل رسول الله ( ص ) أعطوا
كما أعطي آل إبراهيم عليهم السلام فحسدهم
الناس . أول العلماء بالكتاب بعد رسول الله ( ص ) صرح
القرآن الكريم بأول الحاملين لعلم الكتاب في قوله تعالى ] قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن
عنده علم الكتاب [(1) ، وقد حاولوا إخفاء الحقيقة
ففسروا الآية بعبد الله بن سلام ، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره حيث اصطدم
تفسيرهم بمعارضتها لمسلمات التاريخ وأقوال العلماء في ذلك . فقد
روى الطبري في تفسيره أن سعيد بن جبير سئل عن الآية أهو عبدا لله بن سلام ؟ قال
: فكيف وهذه السورة مكية . وعن الشعبي قال : ما نزل في عبدا لله بن سلام شيء من
القرآن(2) . وقال
ابن كثبر في تفسيره عند الحديث عن الآية : " وهذا القول غريب لأن هذه الآية
مكية وعبدا لله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي المدينة "(1) . وأما
الحقيقة فقد نقل جزءا منها الطبري في تفسيره عن أبي صالح في قوله ] ومن عنده علم
الكتاب [ قال : رجل من الإنس
ولم يسمه(2) ، وسماه ابن الجوزي في تفسيره زاد
المسير حينما قال إن في تفسير الآية عدة أقوال وذكر منها أن المقصود علي بن أبي
طالب قاله ابن الحنفية(3) ، وكذلك نقل القرطبي في تفسيره " وقال عبدالله بن عطاء
قلت: لأبي جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب t زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبدالله
بن سلام فقال : إنما ذلك علي بن أبي طالب t وكذلك
قال محمد بن حنفية "(4) . وبهذا
يعرف القارئ بأن الله تعالى قد اصطفى بعد رسول الله عصبة ورّثهم علم الكتاب وهم
السابقون بالخيرات وأولهم علي بن أبي طالب (ع) . روى
الكليني عن بريد بن معاوية قال : قلت لأبي جعفر (ع) ] قل كفى بالله شهيدا
بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [ ، قال : "
إيانا عنى وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي ( ص ) "(1) . ثانيا
: الشهداء بالكتاب بعد رسول الله ( ص ) الشهادة
على الأمة أحد أهم أدوار الأنبياء وهي أحد الأوصاف التي وصف بها القرآن الكريم خاتم
الرسل ] يا أيها النبي إنا
أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا () وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا [(2). وقد وضح القرآن الغاية من
تلك الشهادة والتبشير والإنذار بقوله : ] لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [(3) ، فيكون الرسول هو الحجة
الشاهد . ولكنك
تجد في القرآن قوله تعالى ] وكذلك جعلناكم أمة
وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [(4) ، فكما وصف رسول الله ( ص )
بالشاهد على الأمة نراه يذكر شهداء على الناس غير رسول الله . وشهادة الرسول
مقدمة بداهة فيتعين أن تكون شهادتهم بعده بل هي مستمدة من شهادة رسول الله ( ص )
عليهم . فالآية تبرز موضوع الحجة والشهادة بعد رحيل خاتم الرسل . وأهم
آية تحدد معالم الشهداء بعد الرسول هي قوله تعالى ] وجاهدوا في الله حق
جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم
المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [(1) . فالآية
تتحدث عن الشهداء بعد الرسول وتصرح بوجود صفتين لهم : الأولى : " هو اجتباكم " ، وهي عبارة مرادفة
للاصطفاء كما في قوله تعالى ] ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء [(2) ، فالاجتباء هنا بمعنى
الاصطفاء. الثانية
: أنهم من ذرية إبراهيم (ع) ] ملة أبيكم إبراهيم [ ، وبذلك يتضح المقصودون بقوله تعالى ] وكذلك جعلناكم أمة وسطا [ فقد ورد في الكافي عن بريد العجلي قال : سألت أبا
عبدالله عن قول الله تعالى : ] وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء
على الناس [ فقال : " نحن الأمة الوسطى ، ونحن
شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه "(1) . وكذلك
هم المقصودون في قوله تعالى : ] كنتم خير أمة أخرجت للناس [ (2) ، ولو لم يكن الأمر كذلك لما تم معنى
الآية ، إذ لو قصد كما يحاول البعض أن يوهم الناس بأن الشهادة هي للأمة جمعاء ،
لتضارب المعنى فيكون الناس شهداء على الناس ، وهذا يخالف التقدم المفروض في رتبة
الشهداء كونهم مجتبين مصطفين من قبل الله كالرسل والأوصياء . وأما
الإدعاء بأن الجميع هم خير أمة فمخالف للوجدان وما نشاهده بالعيان ، وإن قيل بأنهم جزء من الأمة تعين
المصطفين السابقين بالخيرات الذين هم من آل إبراهيم بصريح القرآن إذ لم يُدّعَ
اصطفاء غيرهم من البشر كحجج بعده ( ص ) أول
الشهداء بالكتاب وكما
بين القرآن أول العلماء بالكتاب بين كذلك أول الشهداء به وهما واحد وهو علي بن
أبي طالب (ع) ، وهذا صريح مدلول قوله تعالى ] أفمن كان على بينة
من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة [(1) . فمعنى قوله تعالى " منه " أنه من أهل بيته ،
كما نقل البخاري في صحيحه كتاب الصلح ، باب كيف يكتب هذا ما صالح … عن البراء أن رسول الله ( ص ) قال
لعلي (ع) : " أنت مني وأنا منك
"(2) . فهو
الشاهد الذي يتلو رسول الله أي يكون بعده ، بل صريح الروايات الواردة في مصادر
السنة أن المقصود به علي (ع) ، قال السيوطي في ( الدر المنثور ) : " أخرج
ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب t قال
: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة
من القرآن فقال له رجل : ما نزل فيك ؟ قال : أما تقرأ سورة هود ] أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه [ ،
رسول الله على بينة من ربه وأنا شاهد منه " انتهى كلام السيوطي(3) ، ورواية ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن عباد بن عبدالله عن علي
(ع)(4) ، ورواه الطبري في تفسيره عن عبدالله
بن يحيى عنه(ع)(5) . ولا
نجد تفسيرا يتوافق مع ظاهر الآية غير هذا في مقابل تفاسير متكلفة لا تتناسب مع
مفرداتها ، فانظر إلى الآراء الأخرى التي عددها ابن الجوزي في تفسيره ( زاد
المسير ) حيث قال : "
وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال : أحدها : أنه جبريل ، قاله
ابن عباس وسعيد بين جبير ومجاهد وعكرمة وإبراهيم في آخرين . والثاني : أنه لسان رسول
الله ( ص ) الذي كان يتلو القرآن قاله علي بن أبي طالب والحسن … والثالث : أنه علي بن أبي
طالب و ( يتلوه ) بمعنى يتبعه رواه جماعة عن علي بن أبي طالب وبه قال محمد بن
علي ، وزيد بن علي . والرابع
: أنه رسول الله ( ص
) هو شاهد من الله تعالى قاله الحسين بن علي عليه السلام . والخامس : أنه ملك يحفظه ويسدده قاله مجاهد . والسادس
: أنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق وإن كان قد أنزل قبله لأن
النبي ( ص ) بشرت به التوراة . والسابع : أنه القرآن ونظمه
وإعجازه قاله الحسين بن الفضل . والثامن : انه صورة رسول الله
( ص ) ووجهه ومخايله لأن كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله ( ص ) "(1) . والحكم
إليك أيها القارئ في تحديد التفسير المتوافق مع ظاهر الآية ؟ فما
تريد الآية قوله أن عليا (ع) شاهد من رسول الله ( ص ) ويتلوه أي يعقبه ليقوم
بدوره كهادي وحجة كما ورد عند الفريقين ، والخصم يعلم بأن الظروف السياسية
والمذهبية لصرف روايات الشهادة عن علي كانت متأتية لهم ، ومع ذلك لم يتمكنوا من
إخفائها كلها رغم سلطتهم ونفوذهم ، ألا
يمكن أن نفهم من ذلك كم كان الأمر جليا ؟ ثالثا
: الحكام بالكتاب بعد رسول الله ( ص ) قال
تعالى : ] فلا وربك لا يؤمنون
حتى يحكموك فيما شجر بينهم [(2) ، حيث تبين الآية إحدى وظائف للأنبياء وهي حكومتهم وإدارتهم
لمجتمعاتهم . فبالنسبة
إلى خاتم الرسل ( ص ) ، وردت آيات تتحدث عن هذه الوظيفة للرسول بلفظ الأولوية ،
قال تعالى ] النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [(3) ، وبمعناه قوله تعالى ] وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون
لهم الخيرة من أمرهم [(1) . وبلفظ الولاية قال عز وجل ] إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا [(2)
. فمن
الواضح أن هذه الوظيفة تثبت للنبي حتى من دون حصوله الفعلي على مقاليد الأمور
والحكومة الواقعية ، وإن كانت الحكومة أجلى مصاديقها مع التمكن . فرسول
الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وإن كان مطاردا كما حدث في مكة قبل الهجرة ،
وأولى منهم وإن كان جيشه مهزوما ورباعيته تنزف دما ، فكونه أولى من المؤمنين من جملة
حقوقه ، ومنها حق حكم المجتمع ، لا أن ذلك الحق ثابت فقط عند نجاحه في السيطرة
على السلطة السياسية . ووظيفته
كحاكم إنما هي وظيفة أساسية يحتاجها المجتمع الإسلامي أثناء حياة الرسول وبعد
وفاته ، بل إن الصحابة أفرطوا في حماسهم بعد رحيل الرسول ( ص ) إلى الدرجة التي
تركوا معها جثمان الرسول وذهبوا إلى السقيفة لبحث هذا الأمر، فكيف يقال أن رسول
الله (ص ) لم يتحدث عن هذا الأمر المهم ؟ وأما
مصير هذه الوظيفة بعد الرسول فقد صرح القرآن بوجود أشخاص آخرين لهم نفس هذا الحق
الذي كان لرسول الله في قوله تعالى ] أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم [(1) ، فالآية قد قرنت طاعة أولي
الأمر بطاعته ( ص ) ، مما يشعر بثبوتها بنفس الكيفية الثابتة لرسول الله ( ص ) . إذا
، فهناك عصبة من الشهداء والعلماء اصطفاهم الله تعالى ، وقد ضم الله إلى ذلك كله
فضيلة أخرى هي الحكم لتتم بها اكتمال أركان الحجة ، فماذا كان موقف الناس من هذا
الأمر بالطاعة ؟ لقد
صرح القرآن الكريم بأن الذين أوتوا الملك العظيم – وهي عبارة أخرى عن حق الحكم – هم من قبيل آل إبراهيم في قوله تعالى ] أم يحسدون الناس
على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا
عظيما [(2) ، وزاد فيه بيان موقف الناس
منهم . فالآية
تتحدث عن فضل قوبل بالحسد ، وعن جعل سماه هنا إيتاء ، وعن شبيه للمتفضل عليهم هم
آل إبراهيم .. إذاً ، فالآل هنا هم آل
محمد صلى الله عليه وآله الذين حسدهم الناس . والله
تعالى يسألهم : لماذا تحسدون أناسا آتاهم الله علم الكتاب والحكمة وآتاهم حق
الحكم والملك ، ألأنهم آل النبي ( ص ) ؟ فلماذا
وأنتم تعرفون من صريح آيات القرآن الكريم أن هذا الأمر له سابقة ، إذ أننا آتينا
آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك العظيم ، فلماذا الحسد لمن يستحق ذلك ؟ ولو
فهمت أيها القارئ الكريم هذه الآية على حقيقتها لأدركت علة المصائب التي مني بها
بيت النبي ( ص ) ، فالحسد كان هو الأصل في هذا العناد الذي مورس ضد أهل البيت عليهم
السلام ، حتى بلغ الأمر لقتلهم وسبي نسائهم في جيل عاصره الصحابة بل شارك
بعضهم ببعض فصوله . أول
الحكام بالكتاب بعد
أن صرح القرآن الكريم أن هناك حكّاما ورثوا الكتاب ، يتعين بيانهم ليتسنى
للمسلمين العمل بأمر الله وطاعتهم . لذلك بين الله تعالى أول الحكام بقوله : ] إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة
ويؤتون الزكاة وهم راكعون [(1) . قال السيوطي في ( الدر
المنثور ) : أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع
فقال النبي ( ص ) للسائل من أعطاك هذا الخاتم؟ قال : ذاك الراكع فأنزل الله ] إنما وليكم الله ورسوله [. وأخرج
عبدالرزاق وعبد ابن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ] إنما وليكم الله ورسوله …[ الآية نزلت في علي بن أبي طالب(1) ، قال ابن الجوزي في ( زاد المسير )
: " وأذن بلال بالصلاة ، فخرج رسول الله ( ص ) فإذا مسكين يسأل الناس ،
فقال رسول الله ( ص ) : " هل أعطاك أحد شيئا ؟ " قال : نعم قال : " ماذا ؟ " قال : خاتم فضة .
قال : " من أعطاكه ؟ قال : ذلك
القائم ، فإذا هو علي بن أبي طالب ، أعطانيه وهو راكع ، فقرأ رسول الله (
ص ) هذه الآية ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل وقال مجاهد نزلت في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع "(2) . وهنا
نقول أيضا أن الأمر لا يحتاج إلى التحقيق في سند الروايات لأن هناك إشعار واضح
في الآية أن الحديث عن شخص ما وعن واقعة هي من التصدق في حال الركوع ، ولا
يتوافق مع هذا الظاهر إلا المعروف من أن الحديث عن تصدق علي (ع) بالخاتم وهو
راكع ، فهو المقصود ، وهو أول الحكام ، ويتناسب مع كونه هو أول العلماء بالكتاب
وأول الشهداء به كما تبين فيما سبق . القسم الثاني
اصطفاء
البيوتات في القرآن الكريم سنة القرآن في اصطفاء
الآل
ونسأل
: هل اصطفاء آل النبي أمر غريب أم الغرابة في خلافه ؟
إذا
حاولنا تتبع الأصول القرآنية لعقيدة الإمامة ، فلا بد من تتبع المنهج الإلهي
لاختيار الأنبياء ، وستجد آنذاك نقطتين مهمتين : النقطة
الأولى : تجد أن القرآن يحصر منطلقات الاصطفاء بشكل جلي وواضح بالله
تعالى وحده قال تعالى ] وربك يخلق ما يشاء ويختار ماكان لهم الخيرة [(1) ، إذ لا يجب أن يبرر الله تعالى تلك الاصطفاءات للبشر ] لا يسأل عما يفعل [(2) ، وهذا ما يشعر به أيضا قوله
تعالى ] الله أعلم حيث يجعل
رسالته [(3) ، وقوله تعالى ] ولقد اخترناهم على علم على العالمين [ (4) . النقطة
الثانية : أنه من الجلي والواضح أن الاختيارات الإلهية لا تتعلق دائما
بشخص النبي بل نجد أن هناك اصطفاء لبعض بيوتات الأنبياء ، وهذا ما صرح به في قوله تعالى ] إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين () ذرية بعضها من بعض والله
سميع عليم [(1) . وقد نقل البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب
قول الله تعالى ( واذكر في الكتاب
مريم ) قول ابن عباس : وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين
وآل محمد " يقول إن أولى الناس بإبراهيم للذين أتبعوه وهم المؤمنون "(2) . قال
ابن حجر في ( فتح الباري ) : " وصله ابن أبي حاتم من طريق علي أبي طلحة عنه
وحاصله أن المراد بالاصطفاء بعض آل عمران وإن كان اللفظ عاما فالمراد به الخصوص
"(3) . وقد
رواه ابن أبي حاتم عند تفسير هذه الآية ، قال : حدثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية
بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : " هم المؤمنون من آل
إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم "(4) . وبه
يتضح بما لا يحتمل التأويل أن تعلق الاختيار الإلهي قد يشمل أحيانا بعض بيوتات
الأنبياء ، لا أشخاصهم المباركة فحسب . وإذا قرأت قوله تعالى : ] وتلك حجتنا آتيناها
إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم () ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا
هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون
وكذلك نجزي المحسنين () وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين () وإسماعيل واليسع ويونس
ولوطا وكلا فضلنا على العالمين () ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
مستقيم [(1) ، تلحظ أن الآية صريحة في
أن الاختيارات الإلهية هي إطار الآباء والأبنـاء والإخوان ، وقوله تعالى ] ذرية بعضها من بعض [ هي
إشارة إلى هذه الحقيقة . الأمثلة القرآنية لاصطفاء البيوتات : أولا : آل إبراهيم عليهم السلام
قال
تعالى : ] إن الله اصطفى آدم
ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين [(2) ، وهو صريح في اصطفاء آل
إبراهيم عليهم السلام ،
وكذلك قوله تعالى في سورة النساء : ] أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من
فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [(1) . ومن
الآيات التي صرحت في اختيار الله الأنبياء من ذرية إبراهيم (ع) قوله
تعالى عن إبراهيم (ع) : ] ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته
النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين [(2) . ومثله
قوله تعالى ] ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في
ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون [(3). والواضح أن الذين أوتوا
الكتاب هم من المحسنين من ذريته . وأما
المنطلق الذي يذكره القرآن لانتقال تلك الإمامة إلى ذرية إبراهيم (ع) فتتضح من
قوله تعالى : ] وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن
قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين [(4) ،
حيث دعا إبراهيم ربه لتكون الإمامة في عقبه وذريته ، وقد قبل الله تعالى ذلك
وبيـّن له اختصاصها بغير الظالمين منهم ، وقد صرح القرآن بانقسام ذريته إلى محسن وظالم في قوله
تعالى : ] وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين () وباركنا عليه وعلى إسحاق
ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين [(1) ، بل إن الله تعالى قد صرح
بأن الأمر باق في عقبه بقوله : ] وجعلها كلمة باقية
في عقبه [(2) . وكما
سأل إبراهيم (ع) ربه أن يجعل ذريته أئمة للناس سأله أيضا أن يوفق الناس للإقتداء
بهم في قوله تعالى ] ربنا إني أسكنت من
ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من
الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم
يشكرون [(3) . وتكمن
الدلالة في لفظة ] أفئدة من الناس [ أي أن القلوب تودهم
وهذا يتوافق مع موقعيتهم كأئمة هداية بين الناس ، وإلا فما الداعي له ، خصوصا وأن القرآن لا يجيز مودة أهل
المعاصي ] لا تجد قوما يؤمنون
بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [(4) ، ومنها يتضح بأن هوي الأفئدة يصل مداه
في حال أئمة الهدى ، بل يصل حد الوجوب . وسنبين
في محله من الكتيب الذي بين يديك أن المقصود بالأجر في قوله تعالى ] ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته
النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين [(1) ، هو استجابة دعائه في جعل
الأئمة في ذريته ، فبعد أن صرح بجعل النبوة والكتاب في ذريته بين عز وجل إتيان
لأجر إبراهيم (ع) في الدنيا . ثانيا : آل موسى وآل
هارون عليهم السلام
وقد ورد ذكر آل موسى عليهم السلام في قوله تعالى : ] وقال لهم
نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى
وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين [(2) ، ولكن
الأوصياء في بني إسرائيل كانوا من ذرية هارون ، والتعبير عنهم بآل موسى باعتبار
الوحدة الموجودة بين الأخوين فكأن أبناء هارون هم أبناء موسى ، فلاحظ . وقصة انتقال الأمر إلى هارون تبدأ بدعاء موسى كما في قوله
تعالى ] قال رب اشرح لي صدري () ويسر لي أمري ()
واحلل عقدة من لساني () يفقهوا قولي ()
واجعل لي وزيرا من أهلي () هارون أخي () اشدد
به أزري ()
وأشركه في أمري () كي نسبحك كثيرا ()
ونذكرك كثيرا () إنك
كنت بنا بصيرا () قال قد أوتيت سؤلك يا موسى [(1) . وقد
استجاب الله دعوته كما في قوله تعالى : ] ولقد آتينا موسى
الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا [(2) . وقد
بين القرآن الكريم الموقعية الخاصة لهارون بالنسبة إلى موسى وكونه خليفة له في
قوله تعالى : ] وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها
بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح ولا
تتبع سبيل المفسدين [(3). ومنه
تستطيع أن تعرف حقيقة تركيز الرسول ( ص ) على أن موقعية علي (ع) منه كموقعية
هارون من موسى كما أجمعت عليه الصحاح
كلها ، فقد روى مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن
أبي طالب قول رسول الله ( ص ) لعلي : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى
إلا أنه لا نبي بعدي "(1) ثالثا
: آل يعقوب عليهم السلام وهم
وإن كانوا جزءا من آل إبراهيم كما هو واضح ولكن القرآن خصهم بالذكر عند الحديث
عن يوسف بن يعقوب (ع) في قوله تعالى: ] وكذلك يجتبيك ربك
ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من
قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم [(2) ، وكذلك عند الحديث عن
زكريا (ع) حينما دعا الله عز وجل وطلب الذرية الصالحة بقوله : ] فهب لي من لدنك
وليا () يرثني ويرث من آل يعقوب
واجعله رب رضيا [(3) ، فاستجاب الله له ووهبه
يحيى نبيا من الصالحين. رابعا
: آل داود عليهم السلام وأما
آل داود فقد ورد ذكرهم في قوله تعالى ] اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي
الشكور [(4) ، والمقصود بهم على الأقل
نبي الله داود وابنه سليمان عليهما السلام ، وقد بين القرآن الكريم أن سليمان ورث
داود في قوله تعالى ] وورث سليمان داود
وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير [(1) ، فلا مناص من الاعتراف بانتقال المراتب الإلهية في ذرية
الأطهار كما هو صريح هذه الآيات .ن وقد
صرح القرآن بقوله : ] قل ما كنت بدعا من الرسل [(2) ، أن رسوله الله ( ص ) هو
كغيره من الرسل (ع) فلماذا يورث غيره من الأنبياء الفضل لعترتهم ، ويقف فضله دون
الانتقال لآله ؟ هيهات هيهات ، والقرآن خير شاهد على
خلافه كما تقرأ وتلاحظ . خامسا
:آل عمران عليهم السلام وقد
مر ذكرهم في قوله تعالى ] إن الله اصطفى آدم
ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين () ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم [(3) . بل
إن الآية مسوقة بقصد الحديث عن قصة آل عمران والمقصود بعمران والد مريم عليها
السلام كما هو سياق القصة إذ قال تعالى بعدها :
] إذ قالت امرأة عمران
رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم [(1) ، وقد نقل في البحار رواية عن الباقر (ع) أنه سئل عن عمران
أكان نبيا ؟ فقال :" نعم كان نبيا مرسلا إلى قومه " (2) . والحصيلة
أن المقصود بآل عمران الذين اصطفاهم الله عز وجل عمران أبو مريم ومريم وعيسى بن
مريم عليهم وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام . سادسا
: آل زكريا عليهم السلام لم
يرد في القرآن الكريم التعبير بـآل زكريا ، إلا أن قصتهم لا تختلف عن آل داود
وآل عمران ، بل هم معاصرون لآل عمران ، فعيسى ويحيى بن زكريا عليهم
السلام أبناء خالة . بل
إن دعاء زكريا الله وطلب الذرية قد تكرر بعد أن رأى فضل مريم ابنة عمران كما هو
تسلسل أحداث القصة في القرآن ] فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا
حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى
لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب () هنالك دعا زكريا ربه قال رب
هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء () فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك
بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين [(1). وقد
كرر زكريا دعاءه بطلب الذرية الصالحة في قوله تعالى : ] وزكريا إذ نادى رب لا تذرني فردا وأنت
خير الوارثين [(2) ، وكذلك في قوله : ] كهيعص () ذكر رحمة ربك عبده زكريا () إذ نادى ربه نداء خفيا () قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك
رب شقيا () وإني خفت الموالي من ورائي
وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا () يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا () يا زكريا إنا نبشرك بغلام
اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا [(3) ، وهذه الآية إضافة لما سبق ذكره تثبت مدعانا بأن اصطفاء
البيوتات وعترة الأنبياء وآلهم أمر معروف بالقرآن لا ينكره إلا غافل جاهل . تنبيهان
مهمان وهنا
في ختام هذا الاستعراض للآيات التي تتحدث عن اصطفاء البيوتات ينبغي التنبيه على
أمرين : الأول
: إن أي نبي قد ينسب تارة إلى أبيه فيقال أن يوسف عليه السلام هو من آل يعقوب
وقد ينسب إلى جده فيقال هو من آل إبراهيم عليه السلام ، و زكريا ينسب إلى جده
تارة فيقال إنه من آل يعقوب وتارة أخرى إلى جده الأعلى فيقال هو من آل إبراهيم عليهم
السلام . لذا
لا ينبغي الإشكال بعدم ذكر آل محمد ( ص ) في قوله تعالى ] إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم
وآل عمران على العالمين [ لأن
كما أن محمدا ( ص ) هو من آل إبراهيم عليهم السلام
قال عز وجل ] وابعث فيهم رسولا منهم [(1) فهو داخل في آل إبراهيم ،كذلك
آل محمد هم من آل إبراهيم ، وأما ذكر آل عمران فلأن الحديث عنهم في باقي الآيات
. الثاني : إن الاصطفاء الإلهي لا يتعلق بالأنبياء فقط ، بل إن الله عز
وجل يختار الأشخاص لمسؤوليات أخرى غير النبوة ، ونجد مثال ذلك في آيتين : الآية
الأولى : عند الحديث عن مريم ابنة عمران حينما يقول عنها ] وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله
اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العاملين [(1) . والمشهور أن المرأة لا
تكون نبية . والآية
الثانية : عند الحديث عن طالوت حيث يقول عز وجل ] وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم
طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من
المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من
يشاء والله واسع عليم [(2) . فاختيار الله تعالى
لطالوت لم يكن للنبوة بل لمجرد قيادة الجيش وإدارة أمورهم . إذاً
، فمحاولة تخصيص الاصطفاء الإلهي بالنبوات فقط أمر خاطئ ترسخ في ذهن البعض من
خلال هيمنة الفكر السني سياسيا ، مما أتاح لهم عرض ما شاءوا من أفكار تصطدم
بآيات صريحة من القرآن وتناقضها دون إمكانية تعديلها من قبل خصومهم . إذاً
، يتضح أنه لا تلازم بين ختم النبوة وانتفاء الاصطفاءات الإلهية ، فلا إشكال في
ختم النبوة ، ولا مانع من استمرار اصطفاءات لغير النبوة ، وقد مرت الآيات التي
صرح فيها القرآن الاصطفاء والاجتباء بعد رسول الله ( ص ) . آل
محمد ( ص ) أما
آل محمد أشرف الأنبياء ( ص ) ، فإن كل ما سبق مما ذكرناه لم يكن إلا مقدمة لبيان
موقعيه آل خاتم الرسل ، إذ أن من أهم الإشكالات التي تطرح على الشيعة هو أن عقيدتهم
في إمامة أهل البيت عليهم السلام تقوم على أساس نظام الوراثة ، فيرفضون ذلك مع
أن العرض السابق لآيات القرآن تظهر أن انتقال المنصب الإلهي في ذرية الأنبياء من
سنن الله في السابقين ، وليس الأمر وراثة لكنه اصطفاء لمجموع من بيت واحد .
فقد
تبين من خلاله أن اصطفاء آل الأنبياء أمر واضح في القرآن الكريم لا يخفى على أحد
، وإذا كان هناك إشكال في تقبل ذلك فهو إشكال موجه للقرآن قبل أن يُشكَل على
عقيدة الشيعة التي تتلاءم وبوضوح مع القرآن ، بل هي مستقاة منه . فكل إجابة
يتبناها المسلم لتبرير اصطفاء الله لبيوتات الأنبياء تصلح أيضا ردا للشيعة على
المشكلين عليهم . ولكن بشيء من التأمل يلاحظ المتتبع بأن المشكلة الحقيقية هو في
الحسد والهوى الذي يسيطر على بعض القلوب فتنكر الحق ، وإن كان هذا هو الداء فلا
دواء له عندنا ، قال تعالى ] إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من
يشاء [(1) .
ولكي
نوضح للقاري بأن القرآن فيه ذكر صريح لآل محمد ( ص ) ، وبمعنى محدد للكلمة
نستقرئ حديث القرآن عنهم في القسم الثالث الآتي .
القسم الثالث آل محمد( ص ) في القرآن كما
قد بينا سابقا ، إن القرآن قد تحدث عن دور الأنبياء كشهداء على الأمم ، وكذلك عن
كونهم العلماء بالكتاب والحكام به ، فتتم بذلك الحجة الإلهية على البشر . ثم
بينا بأن الاصطفاءات الإلهية لا تقتصر على الأنبياء ، وأن الله تعالى قد شمل
باصطفاءاته بيوتات الأنبياء وذراريهم ، وليس رسول الله ببدع من الرسل ، ولنستعرض
هنا بعضا من الآيات التي تثبت ذلك ، وهي آيات صريحة ، لا تفاسير باطنية يدعي
خصوم الشيعة إن عقيدتهم قائمة عليها . نعم
، بعد ثبوت الإمامة لهم والعلم والشهادة ، يثبت بأن تأويل القرآن في صدورهم ويؤخذ
منهم ، فهم الراسخون في العلم العالمون بحقيقة متشابهات القرآن ، فيعتمد عليهم
في فهم تفاصيل الإمامة وخصوصياتها ، وإليك أهم الآيات التي تناولت أهل بيت رسول
الله ( ص ) بالخصوص : أولا
: قوله تعالى ] إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيرا [(1) . نزلت
الآية في حق خمسة وهم أصحاب الكساء محمد ( ص ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم
السلام والآية تقصدهم دون غيرهم ، وهي تساوق في المعنى ما نزل في حق
مريم عليها السلام ] يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك
على نساء العالمين [(1) ، حيث تدل على تعلق إرادة
إلهية خاصة بطهارتهم . وإرادة
الطهارة هذه تختلف عن الإرادة العامة المتعلقة بكل الناس مثل التي في قوله تعالى
] ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن
يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم [(2) ، التي تتعلق بالوضوء ،
فإرادة الطهارة هنا تسمى بالإرادة التشريعية وهي عامة . وأما
إرادة الطهارة لمريم ومثلها إرادة الطهارة عليها السلام لأهل البيت فهما إرادتان
خاصتان بأشخاص معينين ، فهي إرادة لا يتخلف عنها مراد الله عز وجل ، كما في قوله
: ] وجعلنا في ذريته
النبوة والكتاب [(3) ، وذلك عندما أراد جعل الإمامة في ذرية إبراهيم . وأهم
إشكال يورد على الآية مجيئها في سياق الحديث عن نساء النبي ( ص ) فأولها ] وقرن في بيوتكن [ كما أن بداية الآية التي بعدها
] واذكرن ما يتلى في
بيوتكن [ مما يعطي اعتقاداً بأنها تتحدث عن نساء النبي ( ص ) . ولكن
يتضح لكل باحث بأدنى مراجعة في الكتب المتخصصة ، أن ترتيب النزول غير ترتيب
التلاوة في كثير من آيات القرآن الكريم ، فقد نقل السيوطي قول البغوي في ( شرح
السنة ) : "وكان
رسول الله ( ص ) يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو
الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزوله كل آية أن هذه
الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا … وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة "(1) . بل
إن هذا أمر مسلّم عند أهل الاختصاص في بحث المكي والمدني ، لذا ذكر السيوطي فصلا
بعنوان " في ذكر ما استثني من المكي والمدني ، قال : وقال ابن حجر في شرح
البخاري : "
قد اعتنى بعض الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في
السور المكية
"(2). ويتضح
الأمر أكثر في بحثهم حول آخر ما نزل من القرآن الكريم فقد نقل السيوطي عن ابن
عباس أن آخر ما نزل من القرآن "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ...
"(1) ، ومع ذلك هي موضوعة بين آيتي الربا والديْن في سورة البقرة ،
] وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن
تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون () واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم
لا يظلمون () يا
أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ... [ (2) . والروايات الواردة في بيان سبب نزول الآية
كلها تجمع على عدم وجود أي ارتباط بين سبب النزول ونساء النبي كما سيأتي بيانها
، نعم قيل أن ترتيب القرآن وإن كان مخالفا لترتيب النزول يجب أن يكون له وجه
مناسبة . فنقول في ذلك : قد يكون تغيير الترتيب لحفظ
الآية من تناول يد المحرفين إذ القرآن كما يحفظ بالمعجز ، يمكن أن يحفظ بطرق
طبيعية ، فضلا عن أن المناسبة غير مفقودة هنا وهو تذكير نساء النبي عند الحديث
معهم بخصوصية البيت المنسوبين لها نسبة ما فلا يتصرفن كغيرهن من النساء . فالآيات
جاءت في صدد نصح زوجات النبي ( ص ) منبهة في الوسط على عظمة البيت الذي نسبن إليه من خلال
العلاقة الزوجية بقوله تعالى ] إنما يريد الله ليذهب … [ ، كما يعد الخادم الذي يعمل في البيت
منسوب إليه نسبة ما يجب أن يراعي معها الشرف الخاص لأهل البيت فلا يصدر منه ما
يتنافى مع الموقعية الخاصة لأهل البيت الذي يعمل لديه . ومهما
يكن ، فإنه لن يستطيع أحد أن يغض الطرف عن الغرابة في الانتقال من ضمير المؤنث
إلى ضمير المذكر في الآية ، حيث يجب أن يبررها حتى من يدعي أنها تقصد نساء النبي
، باختصاصها لهن أو باشتراكهن مع الخمسة أصحاب الكساء عليهم السلام . وإذا
ادعى أحد بأن الضمير لدخول الرسول ( ص ) وعلي (ع) مثلا وهو المسوغ للانتقال إلى
ضمير المذكر فإن ذلك يبطل السياق الذي يدعون . فلماذا انتقلت الآية للحديث عن
النساء إلى الحديث عن رسول الله ( ص ) والخمسة أصحاب الكساء - بضميمة النساء أو
بدونها – مع أن الكلام السابق عن خصوص نساء النبي
( ص ) وكذلك اللاحق . فما العلة في تلك النقلة ؟ ن فإذا
قال الخصم أن الانتقال لكي يبرز فضل رسول الله ( ص ) والخمسة أصحاب الكساء بالإضافة
إلى الزوجات ، فنقول إذن لا مانع أن يكون الانتقال لبيان فضل الخمسة دون النساء
، فمن لا يرى مانعا من الأول ينبغي ألا يرى مانعا من الثاني ومن يستسيغ الأول
يستسيغ الثاني . ومع
ذلك كله ، فإنه لم يقل أحد من علماء السنة ممن يعتد بقوله بأن الآية خاصة بالنساء
إلا
ما روي عن الخارجي عكرمة ، لذا برروا تغير الضمير إلى المذكر بدخول الرجال معهم
، وعلماء السنة - ممن يحترم علمه – قد ترددوا بين رأيين : أحدهما : أنها تشمل نساء النبي لسياق
ترتيب القرآن والخمسة أصحاب الكساء وهو رأي مثل ابن كثير في تفسيره عند تفسيره
للآية حيث يقول ردا لقول عكرمة أن الآية مختصة بأزواج النبي : " إن أريد
أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر فإنه وردت روايات تدل على أن المراد أعم
من ذلك "(1) ، وقد قرأت ما قلناه في
السياق . والثاني
: هو اختصاص المراد بالآية بالخمسة أصحاب الكساء وقد تبنى هذا
الرأي الطحاوي بقوة فقد ذكر بعض
الأحاديث الواردة في الباب فقال : " عن عامر بن سعد عن أبيه قال لما نزلت هذه الآية دعا رسول
الله ( ص ) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا
عليهم السلام وقال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي
" ، وعلق الطحاوي بقوله : " فكان في هذا الحديث أن المراد هم رسول
الله ( ص ) وعلي وفاطمة وحسن وحسين "(1) . إلى
أن يقول : "وحديث
سعد وما ذكرناه معه من الأحاديث في أول الباب معقول بها من أهل الآية المتلوه
فيها لنا قد أحطنا علما أن رسول الله ( ص ) لما دعا من أهله عند نزولها لم يبق
من أهلها المرادين فيها أحد سواهم وإذا كان ذلك كذلك استحال أن يدخل معهم فيما
أريد به سواهم ، وفيما ذكرنا من ذلك بيان ما وصفنا. فإن
قال قائل فإن كتاب الله تعالى يدل على أن أزواج النبي ( ص ) هم المقصودون بتلك
الآية لأنه قال قبلها في السورة التي هي فيها ] يا أيها النبي قل
لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا [ إلى قوله ] الجاهلية الأولى [ فكان ذلك كله يؤذن به
لأنه على خطاب النساء لا على خطاب الرجال ثم قال ] إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس [
. فكان جوابنا له : أن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله ] إنما يريد الله |