مجمع البيان في تفسير القرآن

للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي


قال ابن عباس الرجس عمل الشيطان وما ليس لله في رضى والبيت التعريف فيه للعهد والمراد به بيت النبوة والرسالة والعرب تسمي ما يلتجأ إليه بيتاً ولهذا سموا الأنساب بيوتاً وقالوا بيوتات العرب يريدون النسب قال :

      ألا يا بيت بالعلياء بيت     ولولا حب أهلك ما أتيت(1)

ألا يا بيت أهلك أوعدوني     كأني كل ذنبهم جنيت

يريد بيت النسب وبيت النبوة والرسالة كبيت النسب قال الفرزدق :

بيت زرارة محتب بفنائه     ومجاشع وأبو الفوارس نهشل(2)

لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم     أبداً إذا عد الفعال الأكمل

وقيل البيت بيت الحرام وأهله هم المتقون على الإطلاق لقوله أن أولياؤه إلا المتقون وقيل البيت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهله من مكنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ولم يخرجه ولم يسد بابه وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ثم اختلفوا فقال عكرمة أراد أزواج النبي لأن أول الآية متوجهة إليهن وقال أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وعائشة وأم سلمة أن الآية مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت جاءت فاطمة (ع) إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحمل حريرة لها فقال ادعي زوجك وابنيك فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليهم كساءً له خيبرياً فقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً فقلت يا رسول الله وأنا معهم قال أنت إلى خير وروى الثعلبي في تفسيره أيضاً بالإسناد عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة (ع) ببرمة(3) فيها حريرة فقال لها ادعي زوجك وابنيك فذكرت الحديث نحو ذلك ثم قالت فأنزل الله تعالى (إنما يريد الله) الآية قالت فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى يده بها إلى السماء ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً فأدخلت رأسي البيت وقلت وأنا معكم يا رسول الله قال إنك إلى خير أنك إلى خير وبإسناده قال مجمع دخلت مع أمي على عائشة فسألتها أمي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت أنه كان قدراً من الله فسألتها عن علي (ع) فقالت تسأليني عن أحب الناس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوج أحب الناس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد رأيت علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً (ع) وجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوب عليهم ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالت فقلت يا رسول الله أنا من أهلك قال تنحي فإنك إلى خير وبإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال نزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة (ع) وأخبرنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال حدثونا عن أبي بكر السبيعي قال حدثنا أبو عروة الحراني قال حدثنا ابن مصغي قال حدثنا عبد الرحيم بن واقد عن أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر قال نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليست في البيت إلا فاطمة والحسن والحسين (ع) وعلي (ع) إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم هؤلاء أهلي وحدثنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم بإسناده عن زاذان عن الحسن بن علي (ع) قال لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي والروايات في هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة لو قصدنا إلى إيرادها لطال الكتاب وفيما أوردناه كفاية واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة (ع) بأن قالوا إن لفظة إنما محققة لما أثبت بعدها ، نافية لما لم يثبت فإن قول القائل إنما لك عندي درهم وإنما في الدار زيد يقتضي أنه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ولا يجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجردة فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح وقد علمنا أن من عدا من ذكرناه من أهل البيت غير مقطوع على عصمته فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم ومتى قيل أن صدر الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه أن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم .

___________________

(1) العلياء : رأس الجبل . المكان العالي .

(2) الاحتباء : هو أن يجمع بين ظهره وساقيه بثوب ونحوه .

(3) البرمة : القدر من الحجر .