الميزان في تفسير القرآن

للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي


(بيان)

ظاهر الآيات أنها واقعة موقع التطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تقوية إيمانه بكتاب الله و تأكيد ما عنده من البصيرة في أمره فالكلام جار على ما كان عليه من خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان وجه الكلام إليه حتى انتهى إلى ما اتهموه به من الافتراء على الله سبحانه فأمره أن يتحدى عليهم بإتيان عشر سور مثله مفتريات ثم أمره أن يطيب نفسا و يثبت على ما عنده من العلم بأنه منزل من عند الله فإنما هو على الحق و ليس بمفتر فلا يستوحش من إعراض الأكثرين و لا يرتاب.

قوله تعالى: «أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه و من قبله كتاب موسى إماما و رحمة» الجملة تفريع على ما مضى من الكلام الذي هو في محل الاحتجاج على كون القرآن كتابا منزلا من عند الله سبحانه، و «من» مبتدأ خبره محذوف و التقدير: كغيره، أو ما يؤدي معناه، و الدليل عليه قوله تلوا: «أولئك يؤمنون به و من يكفر به من الأحزاب فالنار موعده».

و الاستفهام إنكاري و المعنى: ليس من كان كذا و كذا كغيره ممن ليس كذلك و أنت على هذه الصفات فلا تك في مرية من القرآن.

و قوله: «على بينة من ربه» البينة صفة مشبهة معناها الظاهرة الواضحة غير أن الأمور الظاهرة الواضحة ربما أوضحت ما ينضم إليها و يتعلق بها كالنور الذي هو بين ظاهر و يظهر به غيره، و لذلك كثر استعمال البينة فيما يتبين به غيره كالحجة و الآية، و يقال للشاهد على دعوى المدعي بينة.

و قد سمى الله تعالى الحجة بينة كما في قوله: «ليهلك من هلك عن بينة:» الأنفال: - 42 و سمى آيته بينة كما في قوله: «قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية:» الأعراف: - 73 و سمى البصيرة الخاصة الإلهية التي أوتيها الأنبياء بينة كما في قوله حكاية عن نوح (عليه السلام): «يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي و آتاني رحمة من عنده:» هود: - 28 أو مطلق البصيرة الإلهية كما هو ظاهر قوله تعالى: «أ فمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله و اتبعوا أهواءهم:» سورة محمد: - 14 و قد قال تعالى في معناه: «أ و من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:» الأنعام: - 122.

و الظاهر أن المراد بالبينة في المقام هو هذا المعنى الأخير العام بقرينة قوله بعد: «أولئك يؤمنون به» و إن كان المراد به بحسب المورد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن الكلام مسوق ليتفرع عليه قوله: «فلا تك في مرية منه».

فالمراد بها البصيرة الإلهية التي أوتيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نفس القرآن النازل عليه فإنه لا يحسن ظاهرا أن يتفرع عليه قوله: «فلا تك في مرية منه» و هو ظاهر و لا ينافيه كون القرآن في نفسه بينة من الله من جهة كونه آية منه تعالى كما في قوله: «قل إني على بينة من ربي و كذبتم به:» الأنعام: - 57 فإن المقام غير المقام.

و بما مر يظهر أن قول من يقول: إن المراد بمن كان إلخ، النبي خاصة إرادة استعمالية ليس في محله و إنما هو مراد بحسب انطباق المورد.

و كذا قول من قال: إن المراد به المؤمنون من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا دليل على التخصيص.

و يظهر أيضا فساد القول بأن المراد بالبينة هو القرآن، و كذا القول بأنها حجة العقل و أضيفت إلى الرب تعالى لأنه ينصب الأدلة العقلية و النقلية.

و وجه فساده أنه لا دليل على التخصيص و لا تقاس البينة القائمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ناحيته تعالى بالتعريف الإلهي القائم لنا من ناحية العقول.

و قوله تعالى: «و يتلوه شاهد منه» المراد بالشهادة تأدية الشهادة التي تفيد صحة الأمر المشهود له دون تحملها فإن المقام مقام تثبيت حقية القرآن و هو إنما يناسب الشهادة بمعنى التأدية لا بمعنى التحمل.

و الظاهر أن المراد بهذا الشاهد بعض ما أيقن بحقية القرآن و كان على بصيرة إلهية من أمره فآمن به عن بصيرته و شهد بأنه حق منزل من عند الله تعالى كما يشهد بالتوحيد و الرسالة فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش و ريب التفرد فإن الإنسان إذا أذعن بأمر و تفرد فيه ربما أوحشه التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به أما إذا قال به غيره من الناس و أيد نظره في ذلك زالت عنه الوحشة و قوي قلبه و ارتبط جأشه و قد احتج تعالى بما يماثل هذا المعنى في قوله: «قل أ رأيتم إن كان من عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم:» الأحقاف: - 10.

و على هذا فقوله: «يتلوه» من التلو لا من التلاوة، و الضمير فيه راجع إلى «من» أو إلى «بينة» باعتبار أنه نور أو دليل، و مآل الوجهين واحد فإن الشاهد الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه و الضمير في قوله: «منه» راجع إلى «من» دون قوله: «ربه» و عدم رجوعه إلى البينة ظاهر و محصل المعنى: من كان على بصيرة إلهية من أمر و لحق به من هو من نفسه فشهد على صحة أمره و استقامته.

و على هذا الوجه ينطبق ما ورد في روايات الفريقين أن المراد بالشاهد علي (عليه السلام) إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد لا بمعنى الإرادة الاستعمالية.

و للقوم في معنى الجملة أقوال شتى فقيل: إن «يتلو» من التلاوة كما قيل: إنه من التلو، و قيل: إن الضمير في «يتلوه» راجع إلى «بينة» كما قيل: إنه راجع إلى «من».

و قيل: المراد بالشاهد القرآن: و قيل: جبرائيل يتلو القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لعله مأخوذ من قوله تعالى: «لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه و الملائكة يشهدون:» النساء: - 166، و قيل: الشاهد ملك يسدد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و يحفظه القرآن، و لعله لنوع من الاستناد إلى الآية المذكورة.

و قيل: الشاهد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد قال تعالى: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا:» الأحزاب: 45، و قيل: شاهد منه لسانه أي يتلو القرآن بلسانه.

و قيل: الشاهد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و قد وردت به عدة روايات من طرق الشيعة و أهل السنة.

و التأمل في سياق الآية و ظاهر جملها يكفي مئونة إبطال هذه الوجوه غير ما قدمناه من معنى الآية فلا نطيل الكلام بالبحث عنها و المناقشة فيها.

 

(بحث روائي)

في الكافي، بإسناده عن أحمد بن عمر الخلال قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: «أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه» فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الشاهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و رسول الله على بينة من ربه.

و في أمالي الشيخ، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن الحسن (عليهم السلام): في خطبة طويلة خطبها بمحضر معاوية منها فأدت الأمور و أفضت الدهور إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) للنبوة و اختاره للرسالة، و أنزل عليه كتابه ثم أمره بالدعاء إلى الله عز و جل فكان أبي أول من استجاب لله عز و جل و لرسله و أول من آمن و صدق الله و رسوله، و قد قال الله عز و جل في كتابه المنزل على نبيه المرسل: «أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه» فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي على بينة من ربه، و أبي الذي يتلوه و هو شاهد منه.

الخطبة.

أقول: و كلامه (عليه السلام) أحسن شاهد على ما قدمناه في معنى الآية أن إرادته (عليه السلام) بالشاهد من باب الانطباق.

و في بصائر الدرجات، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو كسرت لي الوسادة فقعدت عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم و أهل الإنجيل بإنجيلهم و أهل الفرقان بفرقانهم بقضاء يصعد إلى الله يزهر، و الله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا و قد علمت فيمن أنزلت، و لا أحد ممن مر على رأسه المواسي إلا و قد أنزلت آية فيه من كتاب الله تسوقه إلى الجنة أو النار. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الآية التي نزلت فيك؟ قال: أ ما سمعت الله يقول: «أ فمن كان على بينة من ربه - و يتلوه شاهد منه» فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة من ربه و أنا الشاهد له و منه: أقول: و روى هذا المعنى المفيد في الأمالي، مسندا و في كشف الغمة، مرسلا عن عباد بن عبد الله الأسدي عنه (عليه السلام)، و العياشي في تفسيره مرسلا عن جابر عن عبد الله بن يحيى عنه (عليه السلام) و كذا ابن شهرآشوب عن الطبري بإسناده عن جابر بن عبد الله عنه (عليه السلام) و كذا عن الأصبغ و عن زين العابدين و الباقر و الصادق (عليهما السلام) عنه (عليه السلام).

و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أ ما تقرأ سورة هود «أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه» رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة من ربه، و أنا شاهد منه: أقول: و في تفسير البرهان، عن تفسير الثعلبي بإسناده عن الشعبي يرفعه إلى علي (عليه السلام) مثله و فيه عن ابن المغازلي يرفعه إلى عباد بن عبد الله عن علي (عليه السلام) مثله. و كذا عن كنوز الرموز للرسعني مثله.

و فيه، أخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أ فمن كان على بينة من ربه» أنا «و يتلوه شاهد منه قال: علي: أقول: و في تفسير البرهان، عن ابن المغازلي في تفسير الآية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله.

و في تفسير البرهان، عن ابن المغازلي بإسناده عن علي بن حابس قال: دخلت أنا و أبو مريم على عبد الله بن عطاء قال أبو مريم: حدث علينا الحديث الذي حدثتني به عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر علينا ابن عبد الله بن سلام قلت: جعلت فداك هذا ابن الذي عنده علم الكتاب، قال: لا و لكنه صاحبكم علي بن أبي طالب الذي نزلت فيه آيات من كتاب الله تعالى: «من عنده علم الكتاب» «أ فمن كان على بينة من ربه - و يتلوه شاهد منه» «إنما وليكم الله - و رسوله و الذين آمنوا».

و فيه، عن ابن شهرآشوب عن الحافظ أبي نعيم بثلاثة طرق عن ابن عباس قال: قال سمعت عليا يقول: قول الله تعالى: «أ فمن كان على بينة من ربه - و يتلوه شاهد منه» رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة و أنا الشاهد.

و فيه، أيضا عن موفق بن أحمد قال: قوله تعالى: «أ فمن كان على بينة من ربه - و يتلوه شاهد منه» قال ابن عباس: هو علي يشهد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو منه.

أقول: و رواه عن الثعلبي في تفسيره يرفعه إلى ابن عباس: «أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه» علي خاصة.

أقول: قال صاحب المنار، في تفسير الآية عند ذكر معاني الشاهد: و منها: أنه علي رضي الله عنه ترويه الشيعة و يفسرونه بالإمامة، و روي: أنه كرم الله وجهه سئل عنه فأنكره و فسره بأنه لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قابلهم خصومهم بمثلها فقالوا: أنه أبو بكر، و هما من التفسير بالهوى.

انتهى أما قوله: «إن الشيعة ترويه» فقد عرفت أن رواته من أهل السنة أكثر من الشيعة، و أما قوله: «إنه مثل تفسيره بأبي بكر من التفسير بالهوى» فيكفيك في ذلك ما تقدم في معنى الآية فراجع.